«يعيشون لدفع الإيجار»... اليمنيون في مواجهة غلاء المساكن

تدهور في سعر العملة المحلية وقصور في التشريعات

وقفة احتجاجية في تعز ضد غلاء السكن وارتفاع الإيجارات (إكس)
وقفة احتجاجية في تعز ضد غلاء السكن وارتفاع الإيجارات (إكس)
TT

«يعيشون لدفع الإيجار»... اليمنيون في مواجهة غلاء المساكن

وقفة احتجاجية في تعز ضد غلاء السكن وارتفاع الإيجارات (إكس)
وقفة احتجاجية في تعز ضد غلاء السكن وارتفاع الإيجارات (إكس)

بعد أشهر من الإقامة في محل يتكون من غرفة واحدة وحمام فقط؛ اضطر معتز عبد الباسط إلى نقل عائلته إلى منزل والده في القرية الواقعة في ريف مدينة تعز (جنوب غربي اليمن)، ريثما يجد منزلاً جديداً بعد قرار المحكمة الذي ألزمه بإخلاء المنزل لصالح المالك.

يروي معتز قصته ويقول: «عندما وصلت القضية إلى النيابة بدأت البحث عن سكن جديد، كنت أعرف أن قرار القضاء سيكون لصالح المؤجر، ولم أجد منزلاً بسهولة، فاضطررت لأخذ عائلتي إلى محل معروض للإيجار».

يصف معتز السكن في المحل التجاري بأنه عذاب حقيقي، حيث احتل الأثاث غالبية المحل وما تبقى منه خصصه وعائلته للنوم، وفي إحدى الزوايا وضعوا موقداً صغيراً للطبخ، ولا يوجد في المحل أي ملحقات سوى حمام صغير، وكان ضجيج الشارع رفيقهم الدائم حتى في أوقات الليل المتأخرة.

مشكلة معتز تحيل إلى معضلة يعاني منها اليمنيون في مختلف المدن، بخاصة في مدن مثل تعز وعدن وصنعاء، حيث ارتفعت إيجارات المساكن، بالتزامن مع انقطاع الخدمات، وشحّة وغلاء السلع الأساسية.

زيادة مرهقة

في تعز وقبل بدء حصار المدينة منذ ثماني سنوات؛ نزح غالبية من السكان، قبل أن يعاودوا تحدي الحصار والقصف لتزدحم الأحياء مجدداً، ويصاحب ذلك ارتفاع في إيجارات المساكن.

لم ترتفع الإيجارات كثيراً، مقارنةً بانهيار سعر صرف العملة المحلية، كما يفيد به الصحافي وسام محمد، لكن في الوضع الذي تعيشه تعز، وبالنظر إلى أن هذا الانهيار يشمل الجميع بمن في ذلك الموظفون الحكوميون الذين فقدت رواتبهم نحو 70 في المائة من قيمتها، يصبح رفع الإيجارات مرهقاً.

عائلة يمنية في عدن تتخذ من إحدى المدارس سكناً مؤقتاً (الأمم المتحدة)

ارتفعت الإيجارات إلى ما يقارب 80 في المائة خلال العامين الأخيرين حسبما يقول محمد، بسبب الاستقرار النسبي الذي عاشته المدينة نتيجة توقف المعارك في أطرافها، وتخفيف حدة القصف على الأحياء السكنية، والتحسن الملحوظ في الأوضاع الأمنية، وعودة النازحين، وهو ما استغله المؤجرون.

ويشير إلى أن وجود فروع لمنظمات دولية تستأجر شققاً أو مباني بالعملات الأجنبية (الدولار أو الريال السعودي)، أغرى المؤجرين بطرد المستأجرين وتأجير عقاراتهم للمنظمات أو كبار موظفيها، في حين يقف القانون إلى جانب المؤجرين. كما يتفق معه في ذلك المحامي صلاح أحمد غالب، الذي يعزو الأمر لجمود التشريعات القانونية وعدم تحديثها.

يتفق محمد وغالب ومصدر قضائي في تعز في إفادتهم لـ«الشرق الأوسط» على أن القانون تمت صياغته منذ زمن بعيد من طرف ملاك العقارات، ولم يجرِ تحديثه أو تعديله ليستوعب المتغيرات الكثيرة خلال العقود الماضية، فالقضايا الكثيرة التي تشهدها أجهزة القضاء تنتهي لصالح المؤجرين، رغم أن السلطة المحلية في تعز أصدرت تعميماً بمنع الإخلاء، إلا أنه ليس أقوى من القانون.

صمود ومكافأة بالطرد

يتفق محمد والمحامي غالب على أنه بإمكان السلطة المحلية في تعز تعديل الكفة قليلاً لصالح المستأجرين بتفعيل قانون ضرائب العقارات المجمد منذ بداية الحرب، والذي سيحدّ من رفع الإيجارات، كما يستنكر المحامي غالب السرعة التي ارتفعت بها إيجارات بعض المنازل من 30 ألف ريال إلى 150 ألف (الدولار يساوي 1490 ريالاً يمنياً في المناطق المحررة).

ويتحسر وسام محمد لأن تعز عندما هجرها ثلثا سكانها في بداية الحصار، كان مالكو العقارات أول الهاربين، بينما بقي البسطاء ليدافعوا عنها، وعندما أصبح الوضع أقل خطورة عاد ملاك العقارات لفرض زيادات في الإيجارات. وفي مفارقة مؤلمة، وفق وصفه، يواجه كثير ممن صمدوا في وجه الحصار قضايا في المحكمة ومضايقات وتهديداً بالطرد.

أنقذت المساعدات الأممية بعض العائلات النازحة في تعز من التشرد (الأمم المتحدة)

ويدعو المحامي غالب القضاء إلى رفض أي دعوى إخلاء شقة مؤجرة ما لم يكن المدعي مسدداً للضرائب، كوسيلة للحد من طرد المستأجرين، وأن يقوم قطاع الصناعة والتجارة بتحديد سعر رسمي للشقة الواحدة حسب عدد غرفها ووضع حدين أعلى وأدنى كنوع من التوازن والعدالة بين الطرفين.

أما المصدر القضائي، الذي رفض الكشف عن بياناته لحساسية منصبه؛ فطالب المستأجرين بالتنبه والحذر واتخاذ احتياطات تساعد القضاء على إنصافهم، مثل كتابة عقود إيجار بمدد إيجارية طويلة الأمد، وعدم الركون إلى اتفاقات شفوية أو الثقة بالملاك، متمنياً حدوث تعديل قانوني عاجل يحقق العدالة.

واستدرك: «نحن ندرك معاناة المستأجرين وجشع واستغلال المؤجرين بحكم أن غالبية موظفي السلك القضائي يسكنون بالإيجار؛ غير أننا لا نستطيع الحكم إلا بما يقره القانون رغم تعاطفنا مع المستأجرين، أو على الأقل نحاول حل القضايا بالصلح والتوفيق».

قاضٍ آخر تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن عدم قبول دعاوى الإخلاء حسب قرار رئيس محكمة استئناف تعز، وإلزام الملاك بنسبة معقولة لرفع الإيجارات بسبب الأوضاع المعيشية القاسية، داعياً المستأجرين المنتظمين في دفع الإيجارات إلى رفع شكاوى ضد الملاك في حال مطالبتهم بزيادة أو اتخاذ إجراءات تعسفية ضدهم.

أغلى المدن إيجاراً

تعد مدينة عدن أغلى المدن اليمنية في إيجار المساكن، لكونها العاصمة المؤقتة للبلاد منذ ثماني سنوات، وتتابع موجات النزوح إليها خلال السنوات الماضية، ويعيش سكانها معاناة صعبة بوصول الإيجارات إلى مستويات قياسية.

وبلغت نسبة زيادة الإيجارات أكثر من 400 في المائة عمّا كانت عليه قبل الحرب طبقاً لرواية الصحافي اليمني عبد الرحمن أنيس، الذي يوضح أن هذا الارتفاع لا يتناسب بأي شكل من الأشكال مع رواتب ومداخيل الموظفين، ناهيك بالعاطلين والعاملين بالأجر اليومي، بينما يرفض ملاك العقارات توقيع عقود لمدة أكثر من عام.

ويتابع أنيس: «يبلغ متوسط الإيجارات في عدن 150 ألف ريال يمني لمن يؤجرون بالعملة المحلية، ويجري رفعها باستمرار، حيث سعر الدولار في المناطق المحررة يبلغ 1490 ريالاً، غير أن الغالبية يؤجّرون بالعملات الأجنبية، وتحديداً الدولار والريال السعودي، وغالباً لا تكفي رواتب كبار موظفي الدولة لسداد إيجارات منازلهم، وكثيراً ما تذهب رواتب اثنين أو ثلاثة من أفراد العائلة للإيجار».

يضطر النازحون في عدن إلى السكن في الخيام بسبب غلاء الإيجارات (إكس)

وفي حي المنصورة الذي يقع شمال المدينة، يصل إيجار بعض الشقق إلى 1000 ريال سعودي، و500 ريال سعودي كحد أدنى للشقق الصغيرة، بينما تتراوح الإيجارات زيادةً أو نقصاناً في بقية الأحياء حسب قربها من قلب المدينة وتوفر الخدمات وحال الشقق والبنايات، ويوضح أنيس لـ«الشرق الأوسط» أنه من النادر أن تصل قضايا الإيجارات إلى المحاكم حيث يجري حلها غالباً لدى السلطة المحلية.

لجنة حكومية في عدن

لجأ الكثير من النازحين إلى عدن للسكن في أطراف المدينة، تحديداً في حي دار سعد، حيث الإيجارات أرخص بكثير، لكنّ البنايات متهالكة وضيقة وسيئة التهوية كما يصفها الناشط الاجتماعي عمر عبدان، الذي يعمل في تقديم المساعدات للنازحين وذوي الدخل المحدود في عدن.

وبشكل شبه يومي يدخل عبدان منازل بعض النازحين في حي دار سعد، حيث وجد منهم من يسكن في محل يتكون من غرفة واحدة، وبعضها من دون حمامات مقابل مبالغ تصل إلى 80 ألف ريال، ويضطرون لاستخدام حمامات جيرانهم أو حمامات المساجد.

في أواخر العام قبل الماضي شكل محافظ عدن أحمد حامد لملس، لجنة مكلّفة بعدد من المهام الخاصة بالقضايا الاقتصادية والمعيشية بينها إلزام وإخضاع معاملات وعقود إيجارات العقارات لاستخدام العملة الوطنية، إلا أن اللجنة واجهت الكثير من الصعوبات والعقبات.

ساعدت الأمم المتحدة بتمويل سعودي مئات العائلات لترميم منازلهم جنوبي تعز (مركز الملك سلمان للإغاثة)

يؤكد عبد الرؤوف زين وكيل محافظة عدن ورئيس اللجنة، لـ«الشرق الأوسط» أنه تم إبلاغ الحكومة بأن ضبط الإيجارات مرتبط باستقرار الاقتصاد المحلي وسعر العملة الوطنية، وأن تحقيق إنجاز في هذا الشأن يأتي ضمن إنجازات اقتصادية ومعيشية.

وحاولت اللجنة إلزام المؤجرين بالتعامل بالعملة الوطنية، إلا أن عدم استقرار أسعار الصرف حال دون تنفيذ ذلك بشكل كامل، رغم تمكنها من تحقيق بعض الالتزام بالتعاون مع بعض الجهات الضبطية مثل المحاكم والنيابات والمكاتب التنفيذية الأخرى، غير أن الشكاوى أصبحت تأتي من جهة المؤجرين أيضاً بحجة أن تغير سعر العملة المحلية يؤثر عليهم في المقابل.

ويأمل زين، من أصحاب رؤوس الأموال ومالكي العقارات، التعاون مع الحكومة في سبيل الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، والالتزام بالتعامل بالعملة المحلية، وتخفيف الأعباء عن المواطنين، منبهاً إلى أن محافظة عدن تدخلت في هذا الملف بشكل رئيسي رغم أنه من اختصاص جهات حكومية أخرى مثل قطاع الأشغال.


مقالات ذات صلة

مبادرات أممية تدعم الزراعة اليمنية وتحد من الجفاف

العالم العربي إلى جانب الجفاف والفيضانات... يُلحق سوء إدارة المياه الضرر بالبنى التحتية والزراعة في اليمن (أ.ف.ب)

مبادرات أممية تدعم الزراعة اليمنية وتحد من الجفاف

تواجه الزراعة اليمنية تحديات متصاعدة بفعل التغيرات المناخية وتدهور البنية التحتية، وتساعد مشروعات تنموية في تعز ولحج في إعادة تأهيل أنظمة الري ودعم المزارعين...

وضاح الجليل (عدن)
خاص لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)

خاص وزارة الدفاع اليمنية: ماضون في توحيد القرار العسكري وإنهاء تعدد التشكيلات

أكّدت وزارة الدفاع اليمنية استمرار الجهود والترتيبات لتنفيذ استراتيجية توحيد القرار العسكري، وإنهاء حالة الانقسام، وتعدد التشكيلات المسلحة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي جانب من اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)

الحكومة اليمنية تقرّر حزمة إصلاحات اقتصادية ومعيشية

اتخذت الحكومة اليمنية حزمة إصلاحات اقتصادية وإدارية شملت رفع بدل المعيشة، وتحرير الدولار الجمركي، وتشديد الرقابة، وسط ترحيب رئاسي، ودعوات لدعم التعافي

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي سوء التغذية بين الأطفال تضاعف في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

تفاقم سوء تغذية الأطفال في مناطق سيطرة الحوثيين

تقارير أممية وإغاثية تُحذّر من تصاعد سوء التغذية بين الأطفال في مناطق سيطرة الحوثيين، بالتزامن مع إغلاق مخبز خيري في إب بسبب القيود المفروضة على التبرعات.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)

الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

يصعّد الحوثيون استهداف الفئات الأشد ضعفاً في اليمن عبر تجنيد المهمشين وتعبئة كبار السن، وسط تحذيرات حقوقية من انتهاكات متصاعدة واستغلال الفقر والحاجة

«الشرق الأوسط» (صنعاء)

«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
TT

«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)

بعد نحو أسبوع من زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لإريتريا، وإثر تأكيدات رسمية برفض وجود دول غير مشاطئة على البحر الأحمر، اتهمت إثيوبيا مصر بمحاولة عرقلة وصولها إلى منفذ على البحر؛ في خلاف متصاعد عدَّه محللون وخبراء جزءاً من رسائل للداخل الإثيوبي قبل الانتخابات المرتقبة الشهر القادم.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، خلال مؤتمر صحافي الخميس، إن الحكومة المصرية تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

الدول المشاطئة

خلال زيارته أسمرة في 17 مايو (أيار) الجاري، التقى الوزير المصري عبد العاطي مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أية محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب البيان المصري.

ولم يُسم عبد العاطي وقتها الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر.

رئيس إريتريا يستقبل وزيري الخارجية والنقل المصريين خلال زيارة لأسمرة (الخارجية المصرية)

وفي حين وصف المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد المنفذ البحري لإثيوبيا بأنه «رئة تتنفس منها»، يرى خبير الشؤون الأفريقية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط حسين البحيري أن أديس أبابا «تتبنى سياسة خارجية تهدف إلى فرض وجودها الإقليمي عبر محاولة النفاذ إلى البحر الأحمر، وامتلاك منفذ بحري فيه».

وحذر البحيري من أن المساعي الإثيوبية «من شأنها إثارة حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر»، مضيفاً أن «إثيوبيا تحاول تبرير أطماعها البحرية بإلقاء اللوم على مصر، والادعاء بأنها تعرقل جهودها التنموية».

وتابع قائلاً: «التحركات الإثيوبية الحالية لا تهدد أمن دول الجوار بمنطقة القرن الأفريقي فحسب، بل تمس بشكل مباشر المصالح المائية، والأمن القومي المصري في منطقة حوض النيل، خاصة في ظل استمرار الرفض الإثيوبي للمطالب المصرية الرامية للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل سد النهضة في فترات الجفاف، والجفاف الشديد».

السجال

ويأتي السجال المصري-الإثيوبي الجديد بعد زيارة أجراها مسؤولون إثيوبيون لواشنطن لتعزيز التعاون قبل أيام.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية غيتاتشو، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده الخميس، إن وزير الخارجية جيديون تيموثيوس قاد وفداً إثيوبياً إلى العاصمة واشنطن، وأجرى لقاءات مهمة مع مسؤولين أميركيين، وتم توقيع اتفاقية تهدف إلى فتح آفاق أوسع للتعاون في مجالات الاقتصاد، والاستثمار، والتجارة، إلى جانب ملفات الدفاع، والأمن، والسلام الإقليمي.

ويرى عبد الشكور أن تقارب إثيوبيا والولايات المتحدة «هو من منطلق التعاون اقتصادياً وأمنياً بالنظر لتاريخ علاقات البلدين، وحاجتهما المشتركة في التعاون»، مستبعداً أن تصل المنطقة لـ«صِدام»، ومرجحاً استمرار الحملة الإعلامية الإثيوبية وتصاعدها قبل انتهاء الانتخابات المقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

وحول احتمالات اندلاع صدام عسكري بين إريتريا، المدعومة من مصر، وإثيوبيا بسبب أزمة البحر الأحمر، يرى البحيري أن السيناريو المرجح على المدى القريب هو استمرار الاكتفاء بالتصعيد السياسي والإعلامي المتبادل دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، لافتاً إلى انشغال إثيوبيا بالتحضير للانتخابات العامة.

«دبلوماسية الموانئ»

ومنذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للوصول إلى البحر الأحمر، عبر ما تسمى «دبلوماسية الموانئ».

وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو، والقاهرة، والجامعة العربية.

وفي فبراير (شباط) الماضي شهدت جلسات قمة الاتحاد الأفريقي سجالاً غير مباشر بين مصر وإثيوبيا بشأن البحر الأحمر؛ فبينما ربط آبي أحمد استقرار منطقة القرن الأفريقي بحصول بلاده على منفذ بحري، جدد عبد العاطي تأكيد مصر أن «حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة».


مبادرات أممية تدعم الزراعة اليمنية وتحد من الجفاف

تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)
تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)
TT

مبادرات أممية تدعم الزراعة اليمنية وتحد من الجفاف

تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)
تداخل الجفاف مع الفيضانات يربك المزارعين باليمن ويتسبب في آثار كارثية (رويترز)

تتقاطع تأثيرات الأزمة اليمنية مع التغيرات المناخية والجفاف وتدهور البنية التحتية في التأثير على الزراعة واستمرار المجتمعات الريفية، وبينما تعاني غالبية مناطق البلاد من ظواهر متناقضة، مثل الجفاف والفيضانات، فإن مشروعات تنموية أممية تتجه إلى إعادة بناء أنظمة الري وتحسين إدارة المياه، بوصف ذلك مدخلاً لاستعادة الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي وسبل العيش.

ورغم الأمطار الغزيرة التي شهدتها مناطق مختلفة من اليمن خلال بداية الربيع الحالي، فإن آثارها التدميرية كانت كبيرة، ولم يحقق سكان تلك المناطق استفادة كافية منها، بينما لا يزال الجفاف يؤثر على مناطق واسعة ينتظر سكانها موسم أمطار آخر لبدء زراعة عدد من المحاصيل؛ أهمها الحبوب.

وتعاني مناطق واسعة من التذبذب في مواعيد هطول الأمطار التي يعتمد عليها غالبية المزارعين اليمنيين؛ مما يؤدي إلى تأخرهم في رمي البذور، ويؤثر لاحقاً على وقت نضوج المحاصيل وجودتها، في ظل نقص الخبرات في التعامل مع التغيرات المناخية وطول فترات الجفاف والارتفاع الشديد في درجات الحرارة الذي تشهده البلاد.

ويقول سعيد الشرجبي، الأكاديمي والخبير الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط»، إن التغيرات المناخية الطارئة على المنطقة وعلى اليمن بشكل خاص، خلال السنوات الأخيرة، «تستدعي مزيداً من الدراسات والأبحاث وسن التشريعات لتتسنى معرفة طبيعة تأثيراتها؛ إيجابية أم سلبية، على إنتاج المحاصيل الزراعية».

إلى جانب الجفاف والفيضانات... يُلحق سوء إدارة المياه الضرر بالبنى التحتية والزراعة في اليمن (أ.ف.ب)

ويوضح أن هذه التغيرات أثرت بشكل مباشر على الحياة المعيشية للأسر في مناطق الزراعة؛ «مما يؤدي إلى المطالبة بضرورة إجراء تحليل شامل لتلك الأضرار، وإيجاد المعالجات التي تضمن التخفيف منها والآثار المترتبة على الإضرار بالغطاء النباتي والتنوع الحيوي».

وصدرت أخيراً تحذيرات أممية من موجة جديدة من الأمطار الغزيرة وغير المعتادة، يُتوقع أن تضرب أجزاء واسعة من البلاد خلال الأسابيع المقبلة.

ووفق «نشرة الإنذار المبكر والأرصاد الزراعية» الصادرة عن «منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)» فإن هناك مؤشرات مقلقة بشأن تفاوت كبير في معدلات هطول الأمطار على مستوى اليمن، تتجه إلى مستويات ترفع احتمالات حدوث فيضانات مفاجئة.

ترشيد استهلاك المياه

تعدّ الأمطار الموسمية في الظروف الطبيعية عاملاً حاسماً في دعم الزراعة المطرية في اليمن؛ لإنبات محاصيل الحبوب التي يعتمد عليها السكان بشكل واسع في الأمن الغذائي المحلي، وتسهم في تعزيز خصوبة التربة.

مزارع يمني يقف أمام «بيته الزراعي» الذي أُنشئ بتمويل من برنامج أممي (الأمم المتحدة)

واختتم «مشروع تعزيز قدرة الزراعة والأمن الغذائي على الصمود في اليمن» برنامجاً تدريبياً استمر 5 أيام في مديريتَي الصلو والمسيمير، استهدف 200 مزارع ومزارعة؛ بهدف تعزيز الأمن الغذائي ومساعدة المجتمعات الريفية في التكيف مع التغيرات المناخية وتحسين قدرتها على مواجهة شح المياه.

ونُفذ «البرنامج» بالشراكة بين جهات حكومية و«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، وبدعم من الحكومة اليابانية، وتضمن تدريبات على الإنذار المبكر والمعلومات المناخية الزراعية، وتقنيات الري الحديث، والزراعة الذكية مناخياً، وإنتاج الأسمدة العضوية؛ بما يسهم في رفع الإنتاجية والحفاظ على الموارد الطبيعية.

وتكشف 3 مبادرات مدعومة من شركاء دوليين في مناطق ريفية بمحافظتَي تعز ولحج، كيف يمكن لتدخلات تبدو بسيطة نسبياً أن تُحدث أثراً واسعاً يتجاوز حدود الحقول، فمن خلال البيوت الزراعية المنزلية، وإعادة تأهيل قنوات الري، وتحديث البنية التحتية الزراعية، تستعيد عائلات ريفية قدرتها على إنتاج الغذاء وتوليد الدخل والاعتماد على الذات.

مزارع يمني يجني محصولاً من الحبوب بعد إحياء الأراضي الزراعية في قريته (الأمم المتحدة)

وحصل مئات المزارعين في مديرية المواسط، التابعة لمحافظة تعز، على بيوت زراعية صغيرة مجهزة بخزانات مياه وأنظمة ري بالتنقيط وبذور وأدوات أساسية؛ مما أتاح للعائلات إنتاج الخضراوات والأعشاب على مدار العام، مع تقليل استهلاك المياه وخفض تكاليف الزراعة، في بيئة تعاني أصلاً من شح الموارد المائية.

ويمثل هذا التدخل جزءاً من «مشروع الإدارة المتكاملة للموارد المائية لتعزيز مرونة الزراعة والأمن الغذائي»، الذي ينفذه «البرنامج» بتمويل من الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية عبر «بنك التنمية الألماني»، ويشمل إعادة تأهيل المدرجات الزراعية والخزانات وأنظمة الري والطرق الريفية، إلى جانب دعم المؤسسات المحلية المعنية بإدارة المياه.

استعادة الأرض وتخفيف التوتر

في مديرية طور الباحة بمحافظة لحج، أعادت قناة ري جديدة الحياة إلى أراضٍ زراعية ظلت شبه قاحلة سنوات طويلة؛ نتيجة الجفاف وانهيار البنية التحتية وارتفاع تكاليف تشغيل الآبار، ضمن «مشروع الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن»، الممول من «البنك الدولي»، الذي ينفذه «البرنامج» بالشراكة مع «الصندوق الاجتماعي للتنمية» وجهات أممية أخرى.

مزارعات يمنيات في ريف محافظة لحج بعد أن أعاد تمويل أممي المياه إلى أراضيهن (الأمم المتحدة)

وبعد إعادة تأهيل القناة بطول 360 متراً، استعاد نحو 110 هكتارات من الأراضي القدرة على الإنتاج، وعاد مئات المزارعين إلى زراعة الحبوب والخضراوات والفواكه، بينما وفّر المشروع فرص عمل مؤقتة خلال مرحلة التنفيذ.

ويؤكد المزارعون أن الأرض، التي كانت تغطيها الأشواك، أصبحت مجدداً مصدراً للغذاء والدخل، وأن الأسر عادت إلى استهلاك ما تنتجه، وبيع الفائض في الأسواق المحلية.

وفي مديرية المسيمير التابعة للمحافظة نفسها، يجري تأهيل قناة ري تقليدية كانت تتعرض باستمرار للتعرية والسيول؛ مما كان يفرض على المزارعين أعمال صيانة متكررة ويؤثر على انتظام تدفق المياه، ليستفيد من المشروع عشرات المزارعين، بالإضافة إلى حماية عشرات الآلاف من الأمتار المربعة من الأراضي الزراعية.

المزارعون اليمنيون يقدرون أهمية دور البنية التحتية المحسّنة في دعم مشروعاتهم (الأمم المتحدة)

وطبقاً لما نقله القائمون على المشروع عن وجاهات اجتماعية في المديرية، فإن نقص المياه كان سبباً رئيسياً في توترات متكررة بين الأسر، وإن تحسين القناة لا يعزز الإنتاج الزراعي فقط، بل يدعم أيضاً الاستقرار الاجتماعي داخل المجتمع المحلي.

ومنح انتظام تدفق المياه المزارعين فرصة للتركيز على زراعة أراضيهم بدلاً من الانشغال بإصلاح القنوات الترابية وحماية المحاصيل من الخسائر.

وفي حين يواجه اليمنيون إحدى أشد الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، تبدو إعادة تأهيل قنوات الري وتزويد المزارعين بتقنيات بسيطة وفعالة استثماراً مباشراً في الصمود والاستقرار.


وزارة الدفاع اليمنية: ماضون في توحيد القرار العسكري وإنهاء تعدد التشكيلات

لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)
لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)
TT

وزارة الدفاع اليمنية: ماضون في توحيد القرار العسكري وإنهاء تعدد التشكيلات

لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)
لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)

أكدت وزارة الدفاع اليمنية استمرار الجهود والترتيبات لتنفيذ استراتيجية توحيد القرار العسكري، وإنهاء حالة الانقسام، وتعدد التشكيلات المسلحة، بما يمنح الحكومة اليمنية قدرة أكبر على إدارة المعركة سياسياً وعسكرياً.

لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)

وقال العميد الركن عبده مجلي، الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الجهود التي يقودها وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، وهيئة العمليات المشتركة، تستهدف بناء قوات مسلحة أكثر كفاءة وقدرة على إدارة المعركة ضد جماعة الحوثي.

وأشار مجلي إلى رصد «تحشيدات حوثية خلال الأيام الماضية في مختلف الجبهات، خصوصاً في جبهات الحديدة وساحل البحر الأحمر»، موضحاً أن التحركات شملت نشاطاً مكثفاً في محافظة الحديدة ومناطق عدة من الساحل الغربي المُطل على البحر الأحمر، تضمن زراعة ألغام أرضية، والدفع بتعزيزات بشرية وآليات عسكرية، إلى جانب إنشاء تحصينات وخنادق جديدة قرب خطوط التماس.

ولفت الناطق باسم إلى أن «الهدف من هذه التحشيدات يتمثل في محاولة الحوثيين تعزيز مواقعهم الدفاعية في الساحل الغربي تحسباً لأي عمليات عسكرية قد تنفذها القوات المسلحة اليمنية ردّاً على أعمالهم العدائية»، مشيراً إلى أن الجماعة تسعى أيضاً إلى «ممارسة ضغوط ميدانية وسياسية بالتزامن مع التحركات الدولية المتعلقة بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية».

جانب من حفل تخرج طلاب كلية الطيران والدفاع الجوي بمحافظة مأرب (سبأ)

وأضاف مجلي أن «الميليشيات الحوثية تُحاول كذلك إيجاد حالة من التوتر في الساحل الغربي المرتبط بالممرات البحرية الدولية، ولا سيما في ظل تصاعد الاهتمام الدولي بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب».

وشدد على «جاهزية القوات المسلحة اليمنية في مختلف الجبهات القتالية، خصوصاً في الساحل الغربي»، مؤكداً استمرار التنسيق الميداني بين مختلف الوحدات والتشكيلات العسكرية، ضمن الجهود الرامية إلى توحيد القرار العسكري، وتعزيز مراكز العمليات المشتركة.

وقال إن «توحيد القرار العسكري يُحدد طبيعة المواجهة مع الميليشيات الحوثية، ويرفع الروح المعنوية والكفاءة القتالية، ويُعزز مستوى التنسيق العملياتي بين مختلف الجبهات، بما يُسهم في تسريع الاستجابة الميدانية وتقليص الازدواجية والانقسامات العسكرية».

وأضاف مجلي أن «الاستمرار في بناء قوات مسلحة موحدة يمنح الحكومة اليمنية قدرة أكبر على إدارة المعركة سياسياً وعسكرياً»، مشيراً إلى أن ذلك «يُعزز ثقة المجتمع الدولي بوجود شريك مؤسسي قادر على حماية الاستقرار وتنفيذ أي تفاهمات مستقبلية تتعلق بالأمن والاستقرار في اليمن ودول الجوار والعالم».

لقاء وزير الدفاع بمستشار المبعوث الأممي

وفيما يتعلّق بلقاء وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، في العاصمة المؤقتة عدن، بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي إلى اليمن الجنرال أنتوني هايورد، قال العميد عبده مجلي إن اللقاء يكتسب «أهمية سياسية وعسكرية كبيرة».

وأوضح الناطق الرسمي أن اللقاء جاء «في مرحلة حساسة تشهد تحركات أممية تهدف إلى إبقاء مسار السلام قائماً»، بالتزامن مع «تصعيد وتحشيدات وإقامة دورات طائفية من قبل جماعة الحوثي».

تدشين تشكيل بحري جديد للقوات البحرية اليمنية في قطاع البحر الأحمر من باب المندب (سبأ)

وأشار إلى أن أهمية اللقاء تبرز في ظل تأكيد الحكومة اليمنية التزامها بإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية حديثة، ومواصلة جهود توحيد القوات المسلحة ودمج مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة عبر مركز العمليات المشتركة.

وتحدّث مجلي عن «تنفيذ استراتيجية تهدف إلى توحيد القرار العسكري وإنهاء حالة الانقسام وتعدد التشكيلات العسكرية، بما يُسهم في بناء قوات مسلحة أكثر قدرة وكفاءة على إدارة المعركة المشتركة ضد جماعة الحوثي».

وأضاف أن «ترتيبات عسكرية وأمنية تُنفذ حالياً بهدف تعزيز الأمن والاستقرار في مختلف المناطق، واستعادة مؤسسات الدولة والشرعية، وإنهاء مشروع الميليشيات الحوثية التوسعي المدعوم من النظام الإيراني».