المترجم... التداخل بين نقل الأدب ونقده

إعادة بناء النصوص عملية نقدية بامتياز

محمد عناني
محمد عناني
TT

المترجم... التداخل بين نقل الأدب ونقده

محمد عناني
محمد عناني

حين دخلت تجربة الترجمة قبل سنوات، أظنها تقارب العشرين الآن، كنت أحمل تجربة في النقد الأدبي والتحليل الثقافي تفوق تجربتي في الترجمة كثافة وتتجاوزها زمنياً. كنت ناقداً أو باحثاً يترجم. هكذا أتصور الآن تجربتي وأنا أعود إليها متأملاً. أعود لأتبين أولاً أن الدخول في فضاء الترجمة لم يعن انتقالاً من وظيفة إلى أخرى أو من شخصية إلى أخرى مغايرة. لم أنقطع عن دراسة الأدب ولا عن مشاغل فكرية متنوعة. جاءت الترجمة لتتسق مع ما قبلها أو لتجد مكاناً مناسباً أو لتكون قبعة أخرى بين قبعات أُخر لم أتوقف عن تبديلها بين الفينة والفينة، والكتاب والآخر.

إدوارد فيتزجيرالد

لكن تجربة الترجمة استدعت سؤالاً رئيساً أحسبه مطروحاً على تجارب أخرى: ما العلاقة بين الترجمة والنقد لا سيما حين يكون كلاهما متصلاً بالأدب؟ هل ثمة علاقة بين ترجمة الأدب ونقده؟ وكيف تؤثر ترجمة الأدب على نقده أو العكس؟ هل يمكن القول، بتعبير آخر، إن الترجمة الأدبية لون من ألوان نقد الأدب؟

المعروف لدى الجميع أن الترجمة لون من ألوان التفسير، فالمترجم يسمى «مفسراً» بالإنجليزية interpreter وربما في لغات أخرى وهي حقيقة لا جدال فيها، فالمترجم ينقل الدلالات من لغة إلى أخرى حسب فهمه، الأمر الذي يخضع تلك الدلالات لتفسيره، فهو مفسر لا ناقل حرفياً، مهما بلغ حرصه على الأمانة في النقل. لكن لا شك أن تفسير نص أو كلام مباشر قليل الالتباسات، مثل تبادل التحيات أو الأوامر أو الأخبار الموجزة، غير تفسير نص مركب مثل النصوص الدينية أو الأدبية أو الفلسفية العالية الكثافة والمتعددة الدلالة. تتعالى مستويات التفسير بتعالي مستويات النصوص، وحين ندخل في التفسير نكون دخلنا فيما نسميه النقد الأدبي الذي يقوم في جانب كبير منه، كما هو معروف، على تفسير النصوص.

أثناء دراستي لأدب اللغة الإنجليزية، أي الإنجليزي والأميركي، كنت بين طلبة أميركيين، شأني في ذلك شأن من درسوا أدب تلك اللغة في بلادها. وكانت المنافسة صعبة مع أهل اللغة لا سيما حين يأتي الأمر إلى تحليل النصوص الأدبية الشعرية بوجه خاص. وأذكر أنني استعنت بالترجمة لتحقيق سبق ولو طفيف على بقية الطلاب. اكتشفت أن ترجمة القصائد تكشف دلالات لم تخطر ببالي عند قراءتها دون ترجمة. كأن تعريض النص لعدسات لغة أخرى أو إدخاله مختبراً ثقافياً ولغوياً مغايراً يستنطق فيه ما لا يمكن استنطاقه لو قرئ بصورة مباشرة.

تجربتي في ترجمة بعض الأعمال الأدبية، الشعرية بصفة خاصة، أكدت لي أنني لم أبتعد كثيراً عن نقد تلك الأعمال، أو أنني في حقيقة الأمر أقوم بعملية مزدوجة أثناء الترجمة: يدخل النقد في هيئة انتقاء النصوص أولاً ثم في تفسيرها والبحث عن الدلالة الأقرب إلى الأصل والأنسب للغة المترجَم إليها. ذلك أن اختيار النص للترجمة هو فعل نقدي أولي وأساسي، هو تعبير عن قناعة بأن النص جدير بالترجمة، تماماً مثل اختيار نص للقراءة. أن نمد أيدينا إلى كتاب ونقلبه ونتخذ قراراً بقراءته أو تركه هو بحد ذاته ممارسة للنقد، هو تقدير لأهمية الكتاب أو جمال أسلوبه أو الأخذ باعتبارات أخرى.

جبرا إبراهيم جبرا

في تاريخ الترجمة أعمال كثيرة ترجمت أكثر من مرة، عشرات المرات أحياناً، وما يدعو بعض المترجمين لإعادة ترجمة عمل أدبي ما مرة أخرى هو في الغالب موقف نقدي إزاء ما ترجم من قبل، موقف ناقد يتأسس على الكشف عن عيوب في الترجمة سواء كانت أخطاء واضحة أو عدم اتفاق في تفسير عنوان أو جملة أو فقرة أو العمل بأكمله. رواية إرنست همنغوي (أو همنغواي، كما يكتب عادة) The Old Man and the Sea ترجمها منير البعلبكي في خمسينيات القرن الماضي مختاراً للعنوان كلمة «شيخ» لتكون «الشيخ والبحر»، وجاء بعده من ترجم الكلمة نفسها إلى «العجوز» ثم اعترض آخرون فأعادوا ترجمة الرواية - ليس بسبب العنوان وحده طبعاً - ولكن ليغيروا العنوان أيضاً ويعيدوه إلى ما اختاره شيخ المترجمين البعلبكي مبررين ذلك بأن «العجوز» لا تعبر عن مسألة أساسية في الرواية هي كفاح الصياد المسن وعدم استسلامه للسمكة المتفلتة، بل إن كلمة «عجوز» تناقض إصرار الصياد بإظهاره «عاجزاً». ولم يكن كل ذلك سوى رؤى نقدية تجاه العمل.

وتتكرر تلك الرؤى النقدية في ترجمات أخرى مثل ترجمة «رباعيات الخيام»، وفي رأيي أنه قبل الترجمة تمثل النقد في صناعة عمل اسمه «رباعيات الخيام»؛ لأن عمر الخيام لم يكتب نصوصاً تحت عنوان واحد بذلك الاسم (بل إن هناك من يشكك في كتابته إياها أو مجملها أساساً)، وإنما جاء من بعده من جمع تلك الرباعيات ورتبها ومنحها عنواناً سارت به عبر التاريخ، إلى أن جاء المترجمون ومنهم البريطاني إدوارد فيتزجيرالد ليترجمها إلى الإنجليزية في ترجمة مشهورة قال بعضهم إنها أفضل من قصائد فيتزجرالد نفسه، الذي عرف بوصفه شاعراً من شعراء العصر الفكتوري.

لكن فيتزجيرالد الذي أنجز ترجمته في أواسط القرن التاسع عشر مارس النقد أولاً من خلال الانتقاء، مترجماً ما رآه مناسباً أو صالحاً للترجمة حسب رؤيته الشخصية. لكنه مارسه ثانية ولكن من زاوية غير أدبية أو نقدية، وإنما من زاوية متعالية، من زاويته بوصفه بريطانياً تستعمر بلاده أنحاء كثيرة من المعمورة، أي أنه نظر إلى العمل بوصفه وصياً عليه وهو البريطاني حامل الثقافة «الأرقى».

في رسالة كشف عنها بعد وفاة فيتزجيرالد بوقت طويل ذكر المترجم البريطاني لصديق له أنه أدخل تعديلات كثيرة على النص من منطلق أن الفرس ليسوا على مستوى عالٍ في نظم الشعر، وأن من واجبه بوصفه بريطانياً متحضراً أن «يحسّن» النص (أوردت نص كلامه الباحثة البريطانية سوزان باسنيت في كتاب لها حول الأدب المقارن).

إعادة بناء النصوص سواء من خلال التحرير أو الترجمة عمليةٌ نقدية بامتياز، ولنا أن نتذكر أن معظم الشعر العربي ما قبل الحديث أعيدت بناء مروياته في دواوين أو في مختارات لم يدر بخلد الشعراء أنها ستأخذ الشكل الذي أخذته لاحقاً، فقد كانت بالنسبة لمعظمهم قصائد ألقيت في مناسبات مختلفة ولم يجمعها أكثرهم، وبالذات في عصر ما قبل الإسلام.

كثير من الشعر الإنجليزي حتى عصر شكسبير على الأقل جاءنا بهذه الطريقة، من خلال المحررين ومؤرخي الأدب. وأشير في هذا السياق إلى سونيتات شكسبير كمثال تأثر بالتحرير الأدبي من خلال جمع قصائد لم يجمعها الشاعر نفسه. لكن فيما يتعلق بالترجمة اتضح ذلك في نماذج كثيرة منها ما آلت إليه السونيتات في الترجمات العربية وهي كثيرة، وإن لم تصل إلى ما وصلت إليه ترجمات الخيام، سواء كانت ترجمات جبرا إبراهيم جبرا، أو بدر توفيق، أو أخيراً محمد عناني. المقارنة بين هذه الترجمات أقنعتني مرة أخرى بأن الترجمة عمل نقدي بامتياز، سواء في اختيار ما يرى المترجم مناسبته أو إمكانية ترجمته أو في لغة الترجمة نفسها، وهي محك رئيس بالطبع للعملية النقدية، حيث تعاد صياغة الصور وتنتقى المفردات، كما يتضح، ليس من مقارنة الترجمات بعضها ببعض، وإنما من مقارنتها بالأصل.

محمد عناني هو الوحيد الذي ترجم السونيتات كاملة، لكن هذا لا يعني غياب المعالجة النقدية لا سيما أنه اختار ترجمتها إلى نصوص موزونة مقفاة. وقدرة المترجم لا ينبغي أن توهم القارئ بأنه بقراءة الترجمة يقرأ الأصل أو يقترب منه بصورة دقيقة أو أمينة. المترجم حاضر بانتقائه للمفردة والتركيب، بتفسيره للنص ابتداءً. الباحث الأميركي لورنس فينوتي بنى نظرية في الترجمة حول ما أسماه «اختفاء المترجم» أو ما فرض عليه من توارٍ غير عادل كما لو كان مجرد ناقل (وكتاب فينوتي أحد منجزات عناني في الترجمة). كثيرة هي النماذج التي تؤكد اشتباك الترجمة بالنقد، فقد كان من الممكن، مثلاً، التوقف عند ترجمة أحمد الصافي النجفي لرباعيات الخيام الذي يوضح في مقدمته لها كيف انتقى، وماذا لم يترجم، وكيف صاغ ما ترجم، إلى غير ذلك من مسائل تقع في صلب النظر النقدي في الأدب. لكن المقام لا يتسع لأكثر من هذا خشية الإطالة والإملال. الترجمة لون من ألوان التفسير، فالمترجم يسمى «مفسراً» بالإنجليزية interpreter وربما في لغات أخرى، وهي حقيقة لا جدال فيها


مقالات ذات صلة

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

يوميات الشرق يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

أصدرت وزارة الثقافة السعودية دليل «أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي» في القطاع، بهدف ترسيخ ممارساتٍ واعية ومسؤولة وعادلة في توظيف التقنيات بالصناعات الإبداعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق ما أكلوه ذات يوم... يروي اليوم كيف عاشوا (واس)

ماذا كان يُطبخ في سوريا قبل 4500 عام؟

كان طهاة المدينة يستخدمون أوانيَ تختلف خصائصها في امتصاص الحرارة وتوزيعها، وفق نوع الطعام الذي يعتزمون إعداده...

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
يوميات الشرق «أنغام وأفلام»... حفل تجلس فيه الذاكرة بين مقاعد الجمهور (الجهة المنظّمة)

«أنغام وأفلام»... الماضي الذي لم يُغادرنا له موعدٌ في بيروت

اختار المايسترو هاروت فازليان الاقتراب من الأعمال في صيغتها الأصيلة، بعيداً عن التغيير لمجرّد إظهار الاختلاف...

فاطمة عبد الله (بيروت)
لمسات الموضة لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

كريستينا ليون... طموح نحو العُلا بعد المتحف المصري

جمع المواهب الشابة بأسماء عالمية هو جوهر تجربة كريستينا ليون الشخصية، والمهنية، بوصفها راقصة باليه سابقة، عرفت عن قرب معنى أن تصنع الموهبة طريقها إلى الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق في الخيوط عُمر لم تستطع 9 قرون أن تطويه (أ.ف.ب)

عودة تاريخية لـ«نسيج بايو» إلى إنجلترا بعد أكثر من 900 عام

لا شيء يرمز إلى التاريخ المُشترك والفريد بين بريطانيا وفرنسا أكثر من «نسيج بايو».

«الشرق الأوسط» (لندن)

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».