من «سؤال» إلى استثمار واعد... حكاية «تحدث العربية» قولاً وفعلاً

عبد الإله الأنصاري يحول تساؤله إلى مبادرة ثم لمجموعة استثمارية (الشرق الأوسط)
عبد الإله الأنصاري يحول تساؤله إلى مبادرة ثم لمجموعة استثمارية (الشرق الأوسط)
TT

من «سؤال» إلى استثمار واعد... حكاية «تحدث العربية» قولاً وفعلاً

عبد الإله الأنصاري يحول تساؤله إلى مبادرة ثم لمجموعة استثمارية (الشرق الأوسط)
عبد الإله الأنصاري يحول تساؤله إلى مبادرة ثم لمجموعة استثمارية (الشرق الأوسط)

في موقف عادي، لكنه محمّل بدلالات عميقة، طلب منه مديره ذات يوم كتابة رسائل البريد الإلكتروني باللغة الإنجليزية؛ لأن «مسؤولاً أجنبياً قد يقرأها». بدت العبارة بسيطة، لكنها أشعلت في داخله تساؤلاً: لماذا لا يتحدث هذا المسؤول باللغة العربية، وهو في بلد عربي؟

هذا السؤال لم يكن عابراً، بل أصبح نقطة تحول في حياة عبد الإله الأنصاري، الذي أدرك أن المسألة ليست مجرد لغة تواصل، بل هوية ثقافية تختزل تاريخاً وجذوراً. حينها وُلدت فكرة «تحدث العربية»، بوصفها مبادرة صغيرة انطلقت من شغف لإعادة الاعتبار للغتنا وتثبيتها في حياة الناس اليومية.

اختار الأنصاري للمبادرة شعاراً بسيطاً؛ لكنه عميق: «تحدث العربية». كان الهدف أن يكون الشعار قريباً من الجميع، معبراً عن هوية عربية واضحة. بدأت الحملة بتوعية الأفراد، ثم تطورت سريعاً إلى تقديم منتجات وخدمات تدمج اللغة في مختلف جوانب الحياة اليومية.

وخلال الاحتفال السنوي بـ«اليوم العالمي للغة العربية»، كانت المبادرة تنظم فعاليات تُذكّر بأهمية اللغة في بناء الأجيال وتعزيز الانتماء الثقافي، وسرعان ما أصبحت هذه الفعاليات منصة لجذب الاهتمام، حيث بدأت الجهات الحكومية والخاصة التعاون مع المبادرة، مما أسهم في توسعها وتحولها إلى علامة فارقة في مجال التوعية باللغة والهوية.

وفي خطوة جريئة، أعلنت «تحدث العربية»، عشية «اليوم العالمي للغة العربية»، عن تحولها إلى مجموعة استثمارية. جاء هذا التحول خطوةً لإثبات أن اللغة ليست مجرد إرث ثقافي، بل أيضاً مورد اقتصادي يمكن استثماره لتعزيز الهوية وبناء مستقبل مستدام.

وتوسعت نشاطات المجموعة لتشمل 5 أقسام رئيسية: «الفروسية العربية» التي تهدف إلى تعزيز الهوية العربية عبر رياضة الفروسية، وذلك بمسابقات ومراكز تدريب تحمل الطابع الأصيل. و«المباني العربية» التي تصمم مباني تدمج الأنماط المعمارية التقليدية والحداثة لتعكس الهوية الثقافية. بالإضافة إلى «الأفلام العربية» لإنتاج أعمال سينمائية تُصدِّر القيم والسردية العربية عالمياً. و«تعليم العربية» لتطوير مناهج تعليمية تُعيد للغة العربية مكانتها وتُسهم في تعزيز الانتماء الثقافي. وأخيراً «الأحداث العربية» لتنظيم فعاليات تُعيد إحياء التاريخ العربي بأسلوب حديث يُعمّق الوعي الثقافي.

ووفق الأنصاري، مؤسس «تحدث العربية»، فالإحصاءات تشير إلى علاقة وثيقة بين وحدة اللغة ومستوى الدخل. ففي عام 1988، كان متوسط دخل الفرد البريطاني يعادل 12 ألفاً و810 دولارات، مع 7 لغات مستخدمة فقط في البلاد. في المقابل، بلغ دخل الفرد في الفلبين 630 دولاراً فقط، في ظل وجود 164 لغة محلية.

وبين الأنصاري أن هذا الفارق يعكس بوضوح أهمية «توحيد اللغة» في تعزيز الإنتاجية والانسجام داخل المجتمع. كما أن اللغة تُعدّ أداة استراتيجية في التجارة، حيث قال المستشار الألماني ويلي براندت: «إذا أردتُ أن أبيعك بضاعتي، فيجب أن أتحدث لغتك. وإذا أردتَ أن تبيعني بضاعتك، فعليك أن تتحدث الألمانية».

وتُعدّ اليابان مثالاً ملهماً في تمسكها بلغتها وثقافتها، فقد قال غاندي في حديثه عن اليابان: «يتعلم اليابانيون لغات أجنبية لإثراء ثقافتهم، لكنهم يحرصون على ترجمة المعرفة إلى لغتهم، لتصبح ملكية قومية»، يقول الأنصاري: «هذا النموذج يبرز أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي محرك للنمو الاقتصادي والثقافي». وتابع عبد الإله الأنصاري: «بعد 6 أعوام من العمل المتواصل، أثبتنا أن اللغة العربية ليست فقط هوية نفخر بها، بل مورد اقتصادي وثقافي يمكن استثماره. حوّلنا الدفاع عن العربية إلى بناء مستقبل يرتكز على قوتها».

واليوم، تقف «تحدث العربية» بوصفها منصة تجمع بين الأصالة والابتكار، مؤكدة أن الاستثمار في اللغة ليس فقط استثماراً في الماضي؛ بل في مستقبل الأجيال، حيث تظل «الكلمة أداة قوية لصياغة الحاضر وبناء الغد».


مقالات ذات صلة

«السعودية للشحن» تدشن خطاً جوياً مباشراً بين الرياض وملبورن

الاقتصاد إحدى طائرات شركة «السعودية للشحن» (الشرق الأوسط)

«السعودية للشحن» تدشن خطاً جوياً مباشراً بين الرياض وملبورن

أعلنت شركة «السعودية للشحن» إطلاق خط جوي منتظم جديد يربط الرياض ومدينة ملبورن الأسترالية...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تضمنت الأعمال توثيق المواقع وإدراجها في سجل التراث العمراني وتركيب لوحات تعريفية تحمل رمزاً رقمياً (QR Code) (واس)

السعودية: تسجيل 180 معلماً للتراث العمراني الحديث في الرياض

أنجزت «هيئة التراث»، في السعودية، أعمال تسجيل وترميز 180 معلماً للتراث العمراني الحديث في مدينة الرياض، ضمن جهودها الرامية إلى تسجيل التراث العمراني الحديث.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مصنع شركة «المطاحن الحديثة» (الشركة)

«المطاحن الحديثة» ترفع أرباحها 7.6 %

ارتفع صافي أرباح شركة «المطاحن الحديثة للمنتجات الغذائية» بنسبة 7.6 في المائة خلال الربع الثاني من عام 2026، ليبلغ 53.4 مليون ريال (14.2 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مبنى وزارة الصناعة والثروة المعدنية (واس)

السعودية تعالج 1274 طلب إعفاء جمركي لدعم الصناعة المحلية

عالجت وزارة الصناعة والثروة المعدنية 1274 طلباً لخدمة الإعفاء الجمركي الصناعي خلال يونيو.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
كتب علامة اللغة العربية مازن المبارك عضو مجمع اللغة العربية في دمشق (مواقع)

رحيل مازن المبارك «شيخ النحاة» في دمشق

نعى مجمع اللغة العربية بدمشق الدكتور مازن المبارك، عضو المجمع، مشيداً بمسيرته الحافلة في خدمة اللغة العربية وتعليمها، وبإرثه العلمي والأكاديمي الذي تركه، مؤكداً

«الشرق الأوسط» (دمشق)