المسنُّون اليمنيون تستنزفهم الأزمة المعيشية وتنقصهم الحماية الاجتماعية

يضطرون لبيع الممتلكات والعمل الشاق

يواجه كثير من كبار السن في اليمن عواقب الصراع بشكل يومي (الأمم المتحدة)
يواجه كثير من كبار السن في اليمن عواقب الصراع بشكل يومي (الأمم المتحدة)
TT

المسنُّون اليمنيون تستنزفهم الأزمة المعيشية وتنقصهم الحماية الاجتماعية

يواجه كثير من كبار السن في اليمن عواقب الصراع بشكل يومي (الأمم المتحدة)
يواجه كثير من كبار السن في اليمن عواقب الصراع بشكل يومي (الأمم المتحدة)

حتى مبرِّد الطعام خذل الستينية اليمنية «أم كوثر»، ولم يعد يحتفظ بـ«الآيسكريم» الذي كان بضاعتها الوحيدة منذ أشهر، فبعد أن ارتفعت درجات الحرارة إلى مستويات غير معهودة، أصبحت تصل إلى السوق وقد بدأت سلعتها في الذوبان، ومنذ أسابيع عادت لصناعة بعض أنواع الخبز وبيعها، غير أن العائد لا يحقق لها الأمان المعيشي.

يمكن لمن يستطيع تحمل القيظ والتجول في أسواق مدينة الحوطة عاصمة محافظة لحج، أو حيي الشيخ عثمان ودار سعد في مدينة عدن، أن يجد عشرات النساء المتقدمات في السن يقاسين لهيب الشمس وقسوة الجو، لعرض منتجاتهن البسيطة على المتسوقين؛ حيث يعُدن آخر النهار ببعض الأوراق النقدية لمواجهة متطلباتهن اليومية.

تتنوع المنتجات التي تعرضها هؤلاء النساء بين واحدة وأخرى، كما تتنوع بين حين وآخر، من المخبوزات إلى الخضراوات والفواكه الموسمية، وغالباً ما يشتري منهن المتسوقون رغبة في مساعدتهن، رغم أن السلع التي يبعنها تفقد جودتها أو تتعرض للتلف بسبب الحرارة المرتفعة والشمس، وعدم قدرتهن على توفير وسائل حمايتها.

الأمم المتحدة ذكرت في عام 2019 أن الأسر التي تعولها النساء وكبار السن وذوو الاحتياجات الخاصة، تتأثر بشكل خطير بالحرب؛ حيث استنفدت جميع هذه المجموعات السكانية فعلياً استراتيجيات التكيف الخاصة بها، وليس لديها سوى دعم اجتماعي محدود.

مسنان يتقاسمان الخبز في عدن التي تعد إحدى أفقر المناطق في اليمن (الصليب الأحمر)

قبل ذلك بعام، أفادت منظمة «هيلب إيج» بأن 95 في المائة من المسنين في اليمن لا يحصلون على أي دخل، و50 في المائة من المسنات اليمنيات لم يتمكنَّ من الحصول على الرعاية الصحية، ويستطيع فقط 2 في المائة من النساء المسنات و3 في المائة من الرجال المسنين تحمل تكاليف الأدوية الأساسية.

وتوفي منتصف يوليو (تموز) في مدينة عدن، 4 مسنون اختناقاً بسبب ارتفاع درجة الحرارة مع انقطاع الكهرباء، بعد عجزهم عن إيجاد بدائل. وترجح مصادر طبية أن هناك وفيات كثيرة لم يتم رصدها.

ويلجأ أهالي المحافظات ذات الطقس مرتفع الحرارة إلى بيع ممتلكاتهم لشراء مولدات كهربائية، أو معدات طاقة شمسية، لتعويض انقطاع الكهرباء.

غياب الحماية الرسمية

تعود آخر إحصائية رسمية حول أعداد المسنين في اليمن إلى عام 2003، والتي قدرت نسبة من هم في سن أكبر من 65 عاماً بـ4 في المائة من إجمالي عدد السكان البالغ تعدادهم حينها 20 مليون نسمة، بينما قدرت وزارة الشؤون الاجتماعية في عام 2007 نسبتهم بـ3.43 في المائة ممن تجاوز 64 عاماً.

ويعد الاقتصاديون هذه النسبة كبيرة، وتدعو إلى القلق بشأن رعاية المسنين وتوفير احتياجاتهم، وأثر ذلك على الأمن المعيشي.

وأقرت وزارة الشؤون الاجتماعية حينها بافتقار البلد لدراسة وطنية لمعرفة واقع المسنين فيها، وتحديد احتياجاتهم، والتعرف على مشكلاتهم، وما يعانون من أمراض وعوز، وبالأخص أولئك الذين لا يوجد لهم أهل أو أقارب مهتمون بهم، وإن وجدوا فهم في حالة فقر.

يقول أحد قيادات وزارة الشؤون الاجتماعية في صنعاء، إن الوزارة كانت قد شرعت قبل أحداث 2011، بالتعاون مع جهات حكومية ودولية، في العمل على خطة استراتيجية لاستيعاب المسنين ضمن مشروعات رعاية وحماية اجتماعيتين، وجرت دراسة عدد من الخطط لتوفير قاعدة بيانات حول أعدادهم وأوضاعهم واحتياجاتهم.

ووفقاً للمسؤول الحكومي الذي طلب حجب بياناته نظراً لإقامته في مناطق سيطرة الانقلابيين الحوثيين؛ فإن النقاشات حول ذلك كانت بطيئة وليست ضمن أولويات الحكومة؛ إلا أنه كان يجري البناء عليها للوصول إلى استراتيجية وطنية لرعاية المسنين، من خلال بُنى مؤسسية وأطر قانونية ملزمة، لولا الانقلاب والحرب اللذين أوقفاً كل شيء.

يمنية تبيع اللحوح (خبز يمني) في مدينة الحوطة في محافظة لحج (فيسبوك)

وأشار إلى أن الانقلابيين الحوثيين الذين يسيطرون على الوزارة حالياً في صنعاء، تقدموا بمشروع ما تُعرف بالاستراتيجية الوطنية لرعاية المسنين، خلال الأعوام من 2020 وحتى عام 2030؛ إلا أنهم افتقدوا إلى المصداقية بعد أن تلاعبوا بالضمان الاجتماعي لصالح أنصارهم، وحرموا عشرات الآلاف من المستفيدين منه من مستحقاتهم.

ولم يتوصل الانقلابيون الحوثيون إلى الحصول على تمويل دولي لهذا المشروع، لأسباب كثيرة، بينها عدم وضوح الرؤية التي تقدموا بها من جهة، والشكوك برغبتهم في الاستيلاء على أي أموال لصالح أتباعهم، وحرمان المستحقين منها.

دراسة عن الاحتياجات

لم يعرف اليمن سوى 4 دور لرعاية المسنين، في صنعاء وتعز وعدن والحديدة، أنشأتها جهة دولية. وحتى قبل سنوات قليلة كانت تقوم برعاية أقل من 250 مسناً فقط، غير أن الحرب تسببت في إغلاق دار تعز، واستهدف هجوم إرهابي دار عدن، وتعرضت دار صنعاء لمضايقات المتطرفين، إلى جانب تأثيرات الحرب عليها رفقة دار الحديدة.

وأخيراً، كشفت دراسة ميدانية محلية عن عدد من نتائج الأزمة المعيشية في اليمن على المسنين، ومن ذلك أن 98 في المائة من عينة الدراسة أكدوا تأثرهم بارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود ومشتقاته، وظهرت تلك التأثيرات في نفقات الأسرة، ولاحظ 46 في المائة من المشاركين تجليات الأزمة في تراكم الديون على أسرهم.

يمنية تبيع منتجاتها في صنعاء خلال شهر رمضان (إ.ب.أ)

وفي الدراسة التي أعدها «ملتقى صناع الحياة» اشتكى 14 في المائة من الرجال من عدم قدرتهم على شراء الأدوية للأمراض المزمنة، بينما أثرت الأزمة على قدرة 72 في المائة من المشاركات على تلبية الاحتياجات الأساسية ومتطلبات أسرهن، وأثرت على 17 في المائة تأثيرات نفسية خطيرة، وأعلن 52 في المائة من المسنين استعدادهم لبيع كثير من الأدوات المنزلية أو الأشياء الثمينة لمواجهة الأزمة، مقابل 83 في المائة من المسنات.

لكن 61 في المائة من النساء لم يعد لديهن أي أصول للبيع، مقابل 29 من الرجال خسروا كل مدخراتهم، و18 في المائة لم يتمكنوا من الاقتراض.

واضطر 82 في المائة من المسنين الذكور إلى تقليل وجباتهم مقابل 67 في المائة من المسنات اللواتي قللن كميات الطعام واستبعدن كثيراً من المواد الغذائية، وعانى 39 في المائة من أمراض بسبب الجوع المستمر وقلة مصادر الطعام المغذي؛ حيث إن 17 في المائة منهن يصمن يوماً ويفطرن اليوم التالي.


مقالات ذات صلة

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

العالم العربي سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

قالت هيئة بحرية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم العربي جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

بدعم سعودي، يمضي اليمن في إعادة هيكلة الجيش والأمن عبر تغييرات قيادية وتحديث التدريب واللوجستيات، ضمن مساعٍ لتوحيد القرار العسكري، وتعزيز كفاءة مؤسسات الدولة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

يشهد جنوب اليمن تطورات أمنية متفرقة تمثلت أخيراً بتفكيك خلية مرتبطة بعملية اغتيال بعدن بالتزامن مع وقوع هجوم يشتبه بأنه إرهابي في أبين أدى إلى مقتل جندي

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

تتكرر المأساة الموسمية في مدينة تعز المحاصرة، بجرف السيول للأطفال في ظل اختلالات مزمنة في البنية التحتية وتعثر مشاريع الحماية وتفشي الإهمال وغياب المساءلة

وضاح الجليل (عدن)
خاص «رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)

خاص مراكز الحوثي الصيفية: عبور مدرسي «إلزامي» إلى جبهات القتال

انطلقت منذ يومين الدورة الصيفية لمراكز الحوثيين في اليمن بكتب ذات طباعة فاخرة وأنشطة شبابية جذابة، فما هذه المعسكرات وكيف تجند الشباب لينخرطوا في الحرب؟

عاصم الشميري (الرياض)

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.


ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.