إسبانيا تحيي قنوات ريّ بناها عرب الأندلس لمواجهة الجفاف

الناس يستمتعون بموسيقى الفلامنكو التقليدية أمام قصر الحمراء في غرناطة (نيويورك تايمز)
الناس يستمتعون بموسيقى الفلامنكو التقليدية أمام قصر الحمراء في غرناطة (نيويورك تايمز)
TT

إسبانيا تحيي قنوات ريّ بناها عرب الأندلس لمواجهة الجفاف

الناس يستمتعون بموسيقى الفلامنكو التقليدية أمام قصر الحمراء في غرناطة (نيويورك تايمز)
الناس يستمتعون بموسيقى الفلامنكو التقليدية أمام قصر الحمراء في غرناطة (نيويورك تايمز)

في أعالي الجبال الجنوبية لإسبانيا أمسك نحو 40 شخصاً بمعازق ومجارف لتنظيف قنوات قديمة مشيدة منذ قرون، لا تزال تحافظ على خضرة سفوح الجبال، من الأحجار وأكوام العشب. قال أنطونيو جيسيز غارسيا، مزارع من قرية بيتريس القريبة التي يبلغ عدد سكانها 400 شخص: «إنها مسألة حياة أو موت، ومن دون هذه المياه لا يستطيع المزارعون زراعة أي محصول، ولن تتمكن القرية من الصمود والبقاء على قيد الحياة».

الحرارة المرتفعة التي تسود جزءاً كبيراً من جنوب أوروبا خلال الأسبوع الحالي ليست سوى رسالة تذكير حديثة بالتحديات التي فرضها التغير المناخي على إسبانيا، حيث وصلت درجة الحرارة إلى 109 درجة فهرنهايت يوم الثلاثاء الماضي، ما يعرّض نصف الأراضي إلى الخطر.

ويعرّض هذا المستوى من الحرارة، وما يترتب عليه من موجات جفاف، ثلاثة أرباع أراضي البلاد إلى خطر التصحّر خلال القرن الحالي. وفي مواجهة هذا الواقع أخذ مزارعون ومتطوعون وباحثون إسبان يبحثون في عمق التاريخ عن حلول، وتوجهوا نحو شبكة من قنوات الرّي التي بناها الموريون (مغاربة)، وهم المسلمون الذين فتحوا شبه الجزيرة الإيبريية، واستقروا فيها خلال القرون الوسطى.

لقد جعلت القنوات التي اشتقت الكلمة المشيرة إليها من كلمة «الساقية» العربية، الحياة ممكنة في واحدة من أكثر مناطق أوروبا جفافاً، حيث غذّت نافورات قصر الحمراء الملكي، وحوّلت منطقة الأندلس إلى مركز للزراعة.

وباتت الكثير من قنوات الري تلك غير مستخدمة في ستينات القرن العشرين عندما اتجهت إسبانيا إلى تبني نموذج زراعي فضّل خزانات الماء، ودفع بالكثير من الإسبان إلى مغادرة المناطق الريفية نحو المدن. وكما انتهى زمن استخدام الشبكة، كذلك ضاعت المعرفة القديمة والتقاليد التي كانت توصل المياه إلى أبعد مناطق الأندلس.

متطوعون وعاملون في التنقيب عن القنوات المائية في سييرا نيفادا بجنوب إسبانيا (نيويورك تايمز)

واليوم يُعاد إحياء ذلك النظام المعقّد، الذي يُنظر إليه بوصفه أداة قليلة التكلفة وفعّالة للتخفيف من وطأة الجفاف. قال خوسيه ماريا مارتين سيفانتوس، عالم آثار ومؤرخ يتولى مهمة تنسيق مشروع ترميم وإصلاح ضخم: «لطالما كانت قنوات الرّي قادرة على الصمود والبقاء في مواجهة ألف عام من التغيّر المناخي والاجتماعي والسياسي على الأقل. لماذا نستغني عنها اليوم؟».

وقال سيفانتوس إن الموريين بنوا على الأقل 1500 ميل من قنوات الري في مناطق غرناطة وألميريا الأندلسية، مشيراً إلى أنه قبل قنوات الري كان من الصعب زراعة أي محاصيل غذائية في مناخ البحر المتوسط المضطرب، الذي يشهد موجات دورية من الجفاف. وأضاف قائلاً: «تكمن عبقرية النظام في أنه يُبطئ تدفّق المياه من الجبال إلى السهول من أجل الاحتفاظ بها وتوزيعها بشكل أفضل».

قرية كانيار تقع في منطقة البشرات (نيويورك تايمز)

من دون وجود قنوات الرّي يتدفق الماء الناتج عن ذوبان الثلج من قمم الجبال مباشرة إلى الأنهار والبحيرات التي تجفّ مياهها خلال فصل الصيف، لكن في ظل وجود قنوات الرّي تُوجّه تلك المياه إلى قنوات عدّة تعمل عبر التلال.

وتتشرب الأرض الماء مثل «الإسفنجة»، ومن ثَمّ تدور ببطء عبر الطبقات الصخرية المائية، وتعود للظهور مرة أخرى بعد أشهر في اتجاه المنحدر في الينابيع التي تروي المحاصيل خلال موسم الجفاف.

ولا تزال آثار النظام موجودة في كل مكان بجبال البشرات الجنوبية على المنحدرات الجنوبية لمنطقة سييرا نيفادا، تتدفق المياه من الجبال على كل منحنى من الطرق، وتجعل تربة السهول المرتفعة لينة. إنها تنبجس من نافورات في قرى المنطقة المطلية باللون الأبيض.

قالت إيلينا كوريا، باحثة في مشروع الترميم والإصلاح الذي تديره جامعة غرناطة وهي تمسك بمجرفة، وتشير إلى الأراضي الخضراء الممتدة بالأسفل: «لم يترك لنا الموريون قنوات الري فحسب، بل أيضاً المحيط الجغرافي الذي صاحب إنشاءها. لم يكن أيّ مما نراه ليكون موجوداً لولا قنوات الرّي تلك، ولم يكن لولاها من مياه للشرب أو نافورات أو محاصيل، ولكانت الأرض أصبحت صحراء تقريباً». ولطالما كانت المياه ضرورية هنا إلى درجة أن السكان المحليين يتحدثون عنها كأنها المحصول نفسه. لا تمتص التربة التحتية المياه، بل «يتم بذرها»، ولا تُجمع من أجل الري، بل «تُحصد».

عندما استخدمت إسبانيا أنظمة حديثة لإدارة المياه عوضاً عن الكثير من قنوات الري التقليدية أصبحت نحو خمس القنوات الموجودة في سييرا نيفادا مهجورة ومهملة حسب بيانات حكومية.

وساعدت الثورة الزراعية في تحويل الأندلس إلى حديقة أوروبا الخلفية بفضل ما تنتجه من كميات هائلة من الرمان والليمون التي تُصدّر إلى جميع أنحاء أوروبا. مع ذلك أدى الأمر إلى نقص كبير في الماء تسبب في نضوب الطبقات الصخرية المائية في المنطقة، وتفاقم موجات الجفاف.

وما يزيد الأمر سوءاً هو تعرّض إسبانيا إلى موجات كثيرة متكررة من الحرارة الشديدة بسبب التغير المناخي، وكان فصل الربيع الحالي هو الأكثر حرارة فيها حسب هيئة الأرصاد الجوية الإسبانية، حيث تجاوزت درجة الحرارة مائة درجة فهرنهايت في الأندلس خلال شهر أبريل (نيسان).

المزارع رامون فيرناندز يتذكر عندما كانت المنازل توشك على الانهيار بسبب الثلوج (نيويورك تايمز)

وعانت كانيار، وهي قرية تقع في منطقة البشرات، من الزراعة المكثفة، ودرجات الحرارة المرتفعة، وإهمال قناة ري قريبة، وأصبحت العديد من الأراضي الزراعية في القرية جدباء حالياً. هناك لافتة في مقهى مكتوب عليها «أبحث عن مزرعة مروية». وتتجه أكثر روافد المياه في جبال المنطقة بعيداً عن قرية كانيار، وتغذي نهراً في وادٍ بالأسفل يروي خيماً زراعية تزرع فيها الأفوكادو، ولا يعمل أحد من القرية هناك. وقال رامون فيرناندز، مزارع عمره 69 عاماً، إنه يتذكر عندما كانت منازل القرية توشك على الانهيار تحت وطأة ثلوج الشتاء. وعندما سُئل عن أخر مرة تساقطت فيها الثلوج على المنطقة، ضحك وقال: «الأيام السيئة آنذاك باتت السنوات الجميلة الآن».

عالم الآثار خوسيه ماريا مارتين سيفانتوس (نيويورك تايمز)

في عام 2014 أصبحت القرية موقع اختبار لمشروع ترميم قنوات الري الخاص بخوسيه ماريا مارتين سيفانتوس وإصلاحها. وظل سيفانتوس و180 متطوعاً يحفرون الأرض تحت أشعة الشمس الحارقة لمدة شهر من أجل استكشاف قناة واستعادتها. وأوضح قائلاً: «كان بعض المزارعين في الثمانين من العمر، وكانوا يبكون لاعتقادهم أنهم لن يروا هذا الماء يتدفق مرة أخرى».

وقال فرانشيسكو فيلتشيز، أحد السكان الذين يديرون شبكات الرّي في قرية كانيار، إن استعادة قناة الري مكّنت بعض السكان من زراعة الكرز والكيوي مرة أخرى.

وقد تمكّن سيفانتوس وفريقه حتى هذه اللحظة من إعادة إحياء أكثر من 60 ميلاً من قنوات الرّي، وهو ما تطلب عملاً شاقاً من جانب مجموعات متباينة من الباحثين والمزراعين ونشطاء البيئة والسكان المحليين في أنحاء منطقة البشرات. لقد انتشرت المبادرة، ووصلت إلى مناطق في شرق وشمال إسبانيا، لكن سيفانتوس والعديد من المزارعين قالوا إنهم يحتاجون لدعم مالي؛ لأن السياسيين ورجال الأعمال كثيراً ما يعدون قنوات الرّي غير فعّالة مقارنة بالشبكات الهيدروليكية الحديثة. وتابع موضحاً: «من الصعب تغيير العقليات وطرق التفكير، لكن إذا فهم المرء الفاعلية من حيث تعدد الوظائف، فستكون أنظمة الرّي التقليدية أكثر فاعلية، فهي تحتفظ بالمياه بشكل أفضل، ومن ثمّ تعيد تغذية قنوات الري وتحسّن خصوبة التربة».

مياه متدفّقة من ذوبان ثلوج سييرا نيفادا (نيويورك تايمز)

مع ذلك يظلّ التحدي الأكبر أمام إنقاذ قنوات الرّي هو الحفاظ على معرفة تمتد لعصور تقف وراء وجود تلك القنوات، في قرى مثل كانيار، حيث لا يزال السكان يستخدمون سجلاً يعود إلى القرن الـ19 لتوزيع المياه على المزراعين، وتهدد الهجرة من الريف عملية التناقل والتوارث الشفهي للتقنيات والوسائل.

وقال فيلتشيز إن أحد السكان، الذي كان يعرف كل فرع على طول 22 ميلاً من قنوات الرّي في المنطقة، قد تُوفي مؤخراً وأخذ معه إلى القبر «معرفة الأجداد الغالية». وأفاد خوسيه أنطونيو غارسيا، عمدة بلدة بيتريس (58 عاماً)، خلال استراحته أثناء عملية التنظيف بأن هناك «الكثير من الحكمة» المحفوظة في قنوات الرّي، مشيراً إلى أن (الفرصة لا تزال أمامنا لاستغلال هذه الحكمة القديمة في مكافحة التغير المناخي».


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا منزل غمرته المياه قرب نهر غواداليتي مع وصول العاصفة «ليوناردو» إلى أجزاء من إسبانيا (رويترز)

فيضانات «ليوناردو» تجتاح المغرب وإسبانيا والبرتغال... وإجلاء عشرات الآلاف (صور)

ضربت العاصفة «ليوناردو» المغرب وجنوب إسبانيا والبرتغال، ما دفع السلطات إلى إعلان حالات التأهب القصوى وإجلاء عشرات الآلاف من السكان.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
علوم اختراقات 2026 العلمية

اختراقات 2026 العلمية

انطلاق البرمجة التوليدية وتصاميم لبطاريات مطورة وإحياء الكائنات المنقرضة

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص مديرة السياسات الاجتماعية في مجموعة البنك الدولي عفت شريف (الشرق الأوسط) p-circle 01:59

خاص البنك الدولي من الرياض: وظائف الغد خارج «المنطق التقليدي»

في وقت يواجه فيه العالم منعطفات اقتصادية حاسمة لم يعد الحديث عن «وظائف المستقبل» مجرد توقعات نظرية بل ضرورة تفرضها التحولات العالمية

زينب علي (الرياض)
الولايات المتحدة​ عامل يزيل الجليد من أحد الشوارع في أوكسفورد بميسيسيبي الأميركية (أ.ب)

عاصفة قطبية توقع 30 قتيلاً في الولايات المتحدة

ارتفعت حصيلة ضحايا البرد القارس الذي يضرب الولايات المتحدة إلى 30 قتيلاً، بينهم سبعة قضوا في حادث تحطم طائرة ليلة الأحد، في ظل استمرار موجة الصقيع القطبية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.