التعليم الخاص في صنعاء يغلق أبوابه في وجه الأطفال المعاقين

بعد إغلاق مدارسهم النوعية والاستيلاء على التمويل الموجه لهم

يغلق انقلابيو اليمن المدارس الخاصة بالمعاقين ويستثمرونهم في فعاليات دعائية (إعلام حوثي)
يغلق انقلابيو اليمن المدارس الخاصة بالمعاقين ويستثمرونهم في فعاليات دعائية (إعلام حوثي)
TT

التعليم الخاص في صنعاء يغلق أبوابه في وجه الأطفال المعاقين

يغلق انقلابيو اليمن المدارس الخاصة بالمعاقين ويستثمرونهم في فعاليات دعائية (إعلام حوثي)
يغلق انقلابيو اليمن المدارس الخاصة بالمعاقين ويستثمرونهم في فعاليات دعائية (إعلام حوثي)

بينما تزداد أعداد الأطفال اليمنيين المصابين بإعاقات جراء الحرب وتداعياتها، رفضت المدارس الخاصة في العاصمة صنعاء استقبالهم، بعد إغلاق المدارس الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، في حين تخشى أسرهم من تعرضهم للتنمر والاعتداءات في المدارس العمومية.

وبدأ العام الدراسي في مناطق سيطرة الانقلابيين الحوثيين مبكراً هذا العام، بسبب قرار انقلابي بتغيير التقويم المدرسي والاعتماد على التقويم الهجري، ومنذ بدء عملية تسجيل وإلحاق الأطفال بالمدارس، يشكو أهالي الأطفال ذوي الإعاقة من رفض قبول أطفالهم في المدارس، وتجاهل الجهات التعليمية التي يديرها الانقلابيون هذه المعاناة.

الطفل عماد فقد ساقيه بانفجار ويحلم بمعالجة كل الأطفال المصابين في الحرب (اليونيسيف)

ويرى التربوي محمد المقطري، العامل في العاصمة صنعاء، أن على من يملك القدرة المالية من ذوي الأطفال المصابين بأي نوع من أنواع الإعاقة النزوح والانتقال إلى مدينة أخرى، يستطيع فيها تقديم التعليم لطفله، ولو بالحد الأدنى من المعايير المتعارف عليها، نظراً للتمييز الحاصل ضد هؤلاء الأطفال في المدارس، وعدم توفير الحماية لهم.

ويقول المقطري لـ«الشرق الأوسط» إنه حاول مساعدة عدد من العائلات التي أرادت إلحاق أطفالها المعاقين في مدارس خاصة؛ إلا أنه لم يتمكن سوى من تقديم هذه المساعدة لعائلة واحدة فقط، وبحكم معرفته وعلاقاته بطاقم إحدى المدارس الخاصة، أما البقية فاضطر للاعتذار لهم، ونصحهم بنقل أطفالهم إلى مدن أخرى.

ولا ينصح المقطري بإلحاق الأطفال المعاقين بالمدارس العمومية، فحسب رأيه يعدُّ بقاء الطفل في منزله بلا تعليم أفضل من دخوله هذه المدارس التي يتعرض فيها المعاقون للتنمر وإساءة المعاملة، ولا تتوفر لهم حماية كافية، إلى جانب أن المعلمين وأطقم إدارة المدارس لن يتمكنوا من توفير هذه الحماية طوال الوقت.

من 60 مدرسة إلى مدرستين

كانت دراسة محلية قد كشفت في مارس (آذار) الماضي، أن العاصمة اليمنية صنعاء ضمت حتى ما قبل الانقلاب الحوثي واندلاع الحرب، 60 مدرسة خاصة بتعليم الأطفال ذوي الإعاقة، ولم يتبقَّ منها سوى مدرستين فقط، مع زيادة أعداد المعاقين لأسباب عديدة، منها تعرض الأطفال لصدمات نفسية أو إصابات جسدية بسبب الحرب، وانعدام التشخيص المبكر، أو عدم تلقي العلاج والتدخلات الطبية في الوقت المناسب خلال فترة الرضاعة، بسبب نقص وسائل المساعدة، وصعوبة الوصول إلى مراكز الرعاية.

وتتحسر المعلمة إيمان سلام؛ لأن الأطفال ذوي الإعاقة لم يعد بإمكانهم الحصول على التعليم الجيد والحماية من التعرض للاعتداءات أو التنمر حتى في المدارس الخاصة؛ حيث تراجعت جودة التعليم، وذلك بافتراض قدرة أهالي هؤلاء الأطفال على إلحاقهم بهذه المدارس.

وتتابع في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، بأن تسرب الأطفال ذوي الإعاقة من التعليم يمكن أن يعدّ ظاهرة وحدها، لولا أن التسرب من التعليم بشكل عام ولكل الفئات منذ بدء الحرب كان هو الظاهرة الأكثر حضوراً ومعاينة، وبسبب ذلك لم تنتبه الجهات الدولية والمحلية المعنية بالتعليم إلى تسرب هذه الفئة، لانشغالها بمعالجة أوضاع التعليم بشكل عام.

ضاعفت الحرب أعداد الأطفال المصابين بإعاقات في اليمن (رويترز)

ولم يكتفِ الانقلابيون الحوثيون بإغلاق المدارس الخاصة بتعليم الأطفال المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة؛ بل يتهمهم عدد من الجهات والناشطين بالسيطرة على الجمعيات الخاصة بهم والتمويل الموجه لصالحهم.

الفقر والتمويل

تقدر دراسة أكاديمية صادرة عن قسم علم الاجتماع بكلية الآداب في جامعة صنعاء، قبل الانقلاب، أن 76 في المائة من عائلات المعاقين تعيش تحت خط الفقر، وأن ارتفاع تكاليف الرعاية والتأهيل كانت في مقدمة الآثار السلبية على أسر المعاقين؛ حيث استفاد 78 في المائة فقط من خدمات وبرامج التأهيل التربوي.

وحسب الدراسة المحلية السابق ذكرها، والتي أعدها المركز اليمني للسياسات؛ فإن الموارد المالية المخصصة للأطفال ذوي الإعاقة منخفضة جداً، وحتى الآباء الذين توصلوا إلى تشخيص حالات أبنائهم ويمتلكون الوسائل المادية اللازمة لدعم الطفل؛ لا يجدون سوى دعم تعليمي ضئيل أو معدوم، بسبب نقص تدريب الموظفين المؤهلين أو الموارد المحدودة.

ويرى المختص التربوي عبد الواسع الفاتكي، أن إغلاق المدارس الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة يمثل انتهاكاً صارخاً للمواثيق والقوانين المحلية والدولية المتعلقة بهذه الفئة التي أفردت لها تلكم القوانين وضعاً خاصاً من الرعاية والاهتمام، وجرَّمت أي اعتداء على حقوقهم أو أي تقصير في المسؤوليات تجاههم، وبهذا تكون الميليشيات الحوثية حرمتهم من سبل العناية الخاصة المعمول بها في كل دول العالم.

طفل يمني أصابه لغم زرعه الحوثيون (مشروع مسام السعودي)

ويؤكد الفاتكي لـ«الشرق الأوسط»، أن ما أقدمت عليه الميليشيات الحوثية يعرض فئة ذوي الاحتياجات الخاصة للتنمر، وسيسبب لأفرادها انتكاسات نفسية كبيرة مع عدم استطاعتهم مواصلة التعليم، وأنه من الطبيعي أن ترفض المدارس الخاصة استقبالهم لعدم امتلاكها الإمكانات اللازمة والكوادر التعليمية للتعامل معهم، إلى جانب أنها ترغب في أن يكون تلاميذها من نوع واحد بالنسبة للقدرات العقلية والجسدية، حتى لا تتحمل أعباء إضافية للاهتمام بهم.

وفي هذه الظروف التي يعيشها البلد من حرب وتهميش للمعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة؛ فإنه لا بدائل ممكنة لتعليم الأطفال المعاقين، وفقاً للفاتكي؛ إلا من خلال تدخل منظمات دولية لرعايتهم، أو مؤسسات خيرية، مع ضمان عدم اعتراض الميليشيات الحوثية عليها أو التدخل في شؤونها.

لكن هذا لن يتحقق إلا إذا تبنت المنظمات الدولية ذات الصلة بهذه الفئة هذه القضية، وضغطت على الميليشيات الحوثية للكف عن حرمانهم من حقوقهم التي أكدت عليها القوانين والمواثيق المحلية والدولية.


مقالات ذات صلة

محافظ تعز: هذه بداية النهاية للحوثيين

العالم العربي محافظ تعز نبيل شمسان p-circle

محافظ تعز: هذه بداية النهاية للحوثيين

عدّ محافظ تعز اليمنية نبيل شمسان وصول الميليشيات الحوثية إلى المحافظة «بهذا الشكل» بداية نهايتها، مؤكداً أن تعز ستفك الحصار وستكون «البوابة الكبيرة للنصر».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)

الحكومة اليمنية تطالب بتحرك أممي عاجل لفك حصار تعز

دعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفعّالة لفك الحصار الخانق الذي تفرضه الميليشيا الحوثية على تعز، وينذر بكارثة إنسانية.

«الشرق الأوسط» (تعز)
العالم العربي الجماعة الحوثية جنّدت عدداً كبيراً من مشاهير منصات التواصل لدعم أنشطتها التعبوية (أ.ب)

مشاهير الحوثيين يطالبون بالمال وسط احتدام المعركة الدعائية

يشتكي مشاهير حوثيون من تراجع الدعم وغلاء الإنترنت، ويطالبون بأجور ثابتة بدل الحساب بالمنشور والمساواة بالناشطين الميدانيين، والجماعة تدعوهم إلى «جهاد» مجاني.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)

«فجر اليمن» تكثف ضرباتها الجوية والبرية لإنهاك القدرات الحوثية

كثفت «فجر اليمن» ضرباتها ضد الحوثيين، والجيش يعلن تحييد 1200 حوثي، وتدمير 440 آلية خلال 24 ساعة، وسط تحذيرات إنسانية من ضغط المستشفيات، ونقص الغذاء في تعز.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)

تعز تواجه الهجوم الحوثي والحصار بتعبئة حكومية وإنسانية

تتفاقم الأزمات الإنسانية في تعز مع تعثر إمدادات الغاز والحصار الحوثي، وسط تحركات حكومية لتأمين السلع الأساسية وتحسين الخدمات وتعزيز التدخلات الإغاثية للسكان

«الشرق الأوسط» (عدن)

محافظ تعز: هذه بداية النهاية للحوثيين

محافظ تعز نبيل شمسان
محافظ تعز نبيل شمسان
TT

محافظ تعز: هذه بداية النهاية للحوثيين

محافظ تعز نبيل شمسان
محافظ تعز نبيل شمسان

عدّ محافظ تعز اليمنية نبيل شمسان وصول الميليشيات الحوثية إلى المحافظة «بهذا الشكل» بداية نهايتها، مؤكداً أن تعز ستنتصر وتفك الحصار، وستكون «البوابة الكبيرة للنصر»، وأن الغاية النهائية للمعركة هي الوصول إلى العاصمة صنعاء.

وقال شمسان، في مقابلة مع «الشرق بلومبرغ»، إن المعركة مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات، وتتغير خلالها الجبهات والمواقع، موضحاً أن سقوط موقع أو منطقة جغرافية لا يعني نهاية المعركة، كما أن استعادتها لا تعني تحقيق النصر. وأضاف: «الغاية النهائية لهذه المعركة هي الوصول إلى العاصمة صنعاء»، باعتبارها النقطة التي يمكن عندها القول إن المعركة بلغت غايتها.

وأشار إلى استمرار القتال على مختلف جبهات محافظة تعز، بما فيها صبر والمسراخ والجبهتان الشرقية والغربية، مشيداً بصمود المقاتلين ورجال المقاومة وما يقدمونه في هذه الجبهات.

وأكد ثقته بقدرة المحافظة على تجاوز الحصار، قائلاً: «تعز ستنتصر وتعز ستفك الحصار وتعز ستكون البوابة الكبيرة للنصر». وأضاف أن «وصول الميليشيات الحوثية إلى تعز بهذا الشكل هو البداية الحقيقية لنهايتها».

وفي حديثه عن التداعيات الإنسانية، حذّر المحافظ من أن الحصار الحوثي أصبح يشمل جميع منافذ المحافظة، ويحول دون وصول الغذاء والدواء والطاقة والوقود، واصفاً الوضع الإنساني بأنه «غاية في الصعوبة».

وأوضح أن نقص الديزل أدى إلى شبه توقف المستشفيات وتعطل المعدات المستخدمة في نقل القمامة، فيما لم تعد مؤسسة المياه تستطيع ضخ المياه للمواطنين. وقال إن تعذر الوصول إلى المقلب الرئيسي للنفايات أجبر الجهات المعنية على نقل القمامة من الشوارع الرئيسية إلى مواقع أخرى داخل المحافظة، من دون التمكن من إخراجها.

وأشار شمسان إلى وجود أكثر من مليوني لتر من الديزل وأكثر من 51 مقطورة غاز في طور الباحة، إلى جانب مئات الناقلات المتوقفة في لحج وعدن بانتظار السماح لها بالدخول إلى تعز. وأضاف أن انتظار هذه الشحنات تجاوز أسبوعين، مؤكداً أنها تخص تجاراً دفعوا قيمتها لتوفير المواد والخدمات للمواطنين، وليست إمدادات مملوكة للدولة.

وفي شأن التنسيق مع التحالف بقيادة السعودية، قال المحافظ إن التواصل مستمر «على مدار اللحظة» وفي «كل صغيرة وكبيرة»، مضيفاً: «نحن الآن في خندق واحد».

وثمّن جهود السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، في دعم اليمن وإسناد الجبهات، قائلاً إن المملكة تقوم بجهود إسناد «نيابة تقريباً عن كل الدول».

ووصف الحوثيين بأنهم «ميليشيات إيرانية» تتجاوز أهدافها حدود تعز واليمن، مؤكداً أن «لولا الجهود التي تقوم بها المملكة العربية السعودية لكان الوضع مختلفاً تماماً».


الحكومة اليمنية تطالب بتحرك أممي عاجل لفك حصار تعز

مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)
مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تطالب بتحرك أممي عاجل لفك حصار تعز

مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)
مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)

دعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفعّالة لفك الحصار الخانق الذي تفرضه الميليشيا الحوثية على مدينة تعز، وينذر بكارثة إنسانية واسعة النطاق.

جاء ذلك في رسالة بعثتها وزيرة الخارجية اليمنية الدكتورة أفراح الزوبة إلى الأمين العام للأمم للمتحدة ورئيس مجلس الأمن الدولي والمفوض السامي لحقوق الإنسان ورئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ووكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، الأربعاء، بشأن التدهور الخطير للأوضاع الإنسانية في تعز جراء تصعيد الحوثيين.

وحذَّرت الوزيرة من أن التصعيد الحوثي الأخير وتضييق الحصار على تعز وقراها ينذر بكارثة إنسانية تطال أكثر من 4 ملايين نسمة، بين محاصرين داخل المدينة ونازحين من المديريات المتضررة كـ«الشمايتين والمواسط وجبل حبشي».

وطالَبت الرسالة، بضغط دولي مباشر، للرفع الفوري للحصار، وفتح جميع منافذ تعز أمام المدنيين وسلاسل الإمداد، وتأمين الوصول المستدام للغذاء والوقود ومياه الشرب، دون عوائق، إضافة إلى تعزيز آليات الرصد والتوثيق والمساءلة لحفظ أدلة الانتهاكات، ومحاسبة مرتكبيها وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.

كما دعت إلى اتخاذ موقف دولي واضح إزاء أي ممارسات تستهدف حرمان السكان المدنيين من مقومات الحياة أو توظيف احتياجاتهم الإنسانية وسيلة للضغط أو فرض الأمر الواقع.

وجدَّدت الحكومة التأكيد على التزامها بالتعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة والمنظمات الإنسانية والحقوقية والشركاء الإقليميين والدوليين، وتقديم ما يتوافر لديها من بيانات ومعلومات ذات صلة، والعمل على تسهيل جهود الاستجابة الإنسانية، بما يسهم في تخفيف معاناة السكان وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.

وأكدت الزوبة أن «خطورة الأوضاع القائمة في تعز، وما تنطوي عليه من تهديد مباشر لحياة المدنيين وكرامتهم وحقوقهم الأساسية، تستوجب تحركاً دولياً عاجلاً يتجاوز حدود التعبير عن القلق إلى اتخاذ تدابير عملية وملموسة تكفل إنهاء الحصار، واستعادة تدفق الإمدادات الضرورية، وحماية المرافق المدنية، ومنع تفاقم الكارثة الإنسانية».


مشاهير الحوثيين يطالبون بالمال وسط احتدام المعركة الدعائية

ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
TT

مشاهير الحوثيين يطالبون بالمال وسط احتدام المعركة الدعائية

ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)

بالتزامن مع احتدام التنافس على التأثير في الرأي العام والمعركة الدعائية الموازية للتصعيد العسكري، اشتكي عدد من مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي الموالين للجماعة الحوثية في اليمن من تردي أحوالهم المعيشية، وطالبوا بتوفير دعم مالي وخدمات مجانية أو مخفضة، مثيرين نقاشاً بين مؤيدي الجماعة ومناهضيها حول استحقاق الدعم والتهكم على مواقفهم.

وتتجاوز المطالب توفير المال إلى الدعوة لإنشاء إطار مؤسسي ينظم أوضاعهم، وتخفيض تكاليف الإنترنت، وتخصيص مخصصات شهرية ثابتة، في حين كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن أن عدداً منهم رفعوا مذكرة احتجاجية إلى قيادات إعلامية في الجماعة، اعترضوا فيها على تراجع المخصصات الممنوحة لهم، مقابل مضاعفتها لآخرين.

وحسب المصادر، فإن المذكرة الاحتجاجية أشارت إلى مضاعفة المستحقات المالية للناشطين والمشاهير المنتمين إلى المناطق التي سيطرت عليها الجماعة أخيراً، بينها مديريات في الساحل الغربي وجنوب محافظة تعز، والذين رافقوا وصول قواتها إلى بلداتهم وقراهم وسعوا للتواصل مع السكان في محاولة لتطبيع الأوضاع.

وبينما عبّر مقدمو المذكرة عن استيائهم مما عدّوه تفاوتاً في توزيع المخصصات المالية، ودعوا إلى إعادة النظر في آلية الدعم، بينت المصادر أن القادة الحوثيين ردّوا عليهم بشكل مباشر بمبررات متعددة، بينها أن الناشطين الذين رافقوا وصول الجماعة إلى مناطقهم يؤدون مهامَّ غاية في الأهمية، وذكَّروهم بالصعوبات المالية التي تواجهها الجماعة.

الجماعة الحوثية جنّدت عدداً كبيراً من مشاهير منصات التواصل لدعم أنشطتها التعبوية (أ.ب)

وتعرضت الجماعة لاستنزاف مواردها بعد عقوبات مالية واقتصادية أميركية عليها، إلى جانب استهداف سلاح الطيران الإسرائيلي عدداً من المنشآت الاقتصادية الخاضعة لسيطرتها، مثل موانئ الحديدة ومصانع الأسمنت.

ولم يتسنَّ للمصادر معرفة تفاصيل المذكرة أو أسماء مقدميها وحجم ونوعية الدعم المطلوب.

أجر لكل منشور

برز في الآونة الأخيرة عدد من الانتقادات لتعامل الجماعة مع إعلامييها والمشاهير في مواقع التواصل الاجتماعي، وكشف أحدهم، ويُدعى محمد قاطن، عن طريقة التعامل المالي التي باتت الجماعة تنتهجها معهم، بعد أن طالب اللجنة الإعلامية الحوثية في صنعاء ومسؤولين فيها بتخصيص مخصصات شهرية ثابتة، بدلاً من احتساب المقابل المالي لكل منشور على حدة.

وقال الناشط الموالي للجماعة في منشور على «فيسبوك»، إن على الجهات المعنية أن تدعم مشاهير التواصل، أو تنشئ لهم مكتباً إعلامياً أو نقابة تتولى رعاية أوضاعهم، داعياً أيضاً إلى توفير خطوط إنترنت مجانية عبر مؤسسة الاتصالات، أسوةً بما قال إنها امتيازات يحصل عليها موظفون في المؤسسة.

قادة حوثيون سخروا من مطالب الناشطين الموالين لهم بتحسين أوضاعهم (إعلام حوثي)

واشتكى آخر من أن بعض المشاهير يتحملون تكاليف الإنترنت من أموالهم، في حين لا يجدون دعماً يتناسب مع نشاطهم، منتقداً محاسبتهم على المنشورات كما لو أنهم يعملون بنظام اليومية.

ويبين هذا الطرح المفارقة في طبيعة العلاقة بين الجماعة الحوثية ومشاهيرها في منصات التواصل؛ فبدلاً من تقديم الدعم الثابت لهم، يتحدث عن آلية احتساب المقابل وفق المنشور، بما يجعل النشاط أقرب إلى العمل بالقطعة أو الأجر اليومي أو المقاولة.

كما طالب ناشط حوثي آخر، وهو هاشم الحيفي، بتوفير خدمات الإنترنت بأسعار مخفضة أو مجاناً، لكون ذلك لن يشكل عبئاً كبيراً إذا اقتصر على بضع مئات من العاملين في هذا المجال، في حين حذر زميل له من أن عدم الالتفات إلى تلك المطالب سيُضعف الجماعة أمام خصومها إعلامياً وعسكرياً، وسيمكّن الحكومة الشرعية من الوصول إلى «جولة آية»، وهو تقاطع شوارع شهير شمال العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الجماعة.

مطالب متكررة

وصف حسين الأملحي، وهو أحد المشاهير الحوثيين، الجماعة بأنها «أبخل سلطة» تحكم صنعاء، مطالباً بتوفير الأموال للإعلاميين والممثلين والناشطين حتى يتمكنوا من التفرغ للعمل الإعلامي في مواجهة ما وصفه باتساع النشاط الإعلامي المناهض للجماعة.

ودعا إلى إسناد إدارة المنظومة الإعلامية إلى شخص قادر على تشغيلها، مع تخصيص ميزانية مناسبة لها، في انتقاد لطريقة إدارة هذا الملف وحجم الموارد المتاحة له.

وكان الأملحي، وهو أحد أبرز مشاهير الجماعة على مواقع التواصل الاجتماعي، واشتهر باستخدامه عبارات نابية وألفاظاً خارجة عن اللياقة في مهاجمة خصوم الجماعة، قد تعرض قبل عامين للاعتقال لمدة تقارب الشهر، بعد حديثه عن فساد في المحاكم ومؤسسات القضاء التي يسيطر عليها الحوثيون.

وأيَّد ناشط حوثي يكنّى «أبو غيث» تلك المطالب بالدعوة إلى تخفيض أسعار الإنترنت أو توفير باقات خاصة تتيح للمشاهير التواصل ومواصلة نشاطهم على نفقتهم، مشتكياً من ارتفاع تكلفة الباقات وبطء الخدمة، فضلاً عن ضعف التفاعل مع منشوراته، حتى من خلال الإعجاب أو المشاركة.

وشدّد الناشط المكنَّى أبو طه البدري، على أهمية الحرب النفسية والإعلامية والدعاية في الصراع، داعياً قيادة الجماعة إلى إدراك الدور الذي يؤديه مشاهير مواقع التواصل وتقديم الدعم الكافي لهم، وتوفير الدعم والتمويل اللازمين.

الحوثيون يفضلون دعم الناشطين الميدانيين المرافقين للمقاتلين (إعلام حوثي)

ولاقت مطالب الأملحي تأييداً من بعض الموالين للجماعة، لكنها قوبلت أيضاً بسخرية من آخرين رأوا أن البحث عن مقابل مادي للعمل الإعلامي لا تتناسب مع ما يقدمه المقاتلون في الجبهات، حيث يخسر بعضهم حياتهم، مطالبين مشاهير التواصل بالعمل مجاناً باعتبار ذلك، وفق خطابهم، أحد أشكال الجهاد.

وفي المقابل، سخر عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي من هذه المطالب، متهمين أصحابها بتأييد جماعة تحارب اليمنيين وتنهب أموالهم ومقدرات الدولة من دون مقابل، مستغربين أن يقبل هؤلاء على أنفسهم بأداء تلك المهام وباستعداء المجتمع من دون أن يحظوا بامتيازات مالية، ويحصلوا بدلاً عنها على الازدراء.

وشهدت الأشهر الماضية تصاعد شكاوى فنانين وإعلاميين موالين للجماعة من تردي أحوالهم المعيشية، واتهموها بعدم الوفاء بالتزاماتها لهم وتركهم رهناً للمعاناة، مقابل إثراء فاحش لقادتها، وتعرض عدد منهم للاعتقال أو حملات الإساءة بسبب تلك الشكاوى.