الفقر... الضيف الدائم على موائد ملايين اليمنيين

أسر محرومة من الغذاء الصحي... ووجبات غايتها سد الرمق

صيادون يجلبون الأسماك لبيعها في مدينة الحديدة اليمنية (أ.ف.ب)
صيادون يجلبون الأسماك لبيعها في مدينة الحديدة اليمنية (أ.ف.ب)
TT

الفقر... الضيف الدائم على موائد ملايين اليمنيين

صيادون يجلبون الأسماك لبيعها في مدينة الحديدة اليمنية (أ.ف.ب)
صيادون يجلبون الأسماك لبيعها في مدينة الحديدة اليمنية (أ.ف.ب)

تفقد محمد الصهيبي ما في جيبه من نقود ليرى ما إذا كانت ستكفيه ورفيقه ثمن وجبة عشاء في المطعم الشعبي الذي يقف أمامه، قبل أن يقرر دعوة رفيقه، ليشعر بعدها بتأنيب الضمير.

على الطاولة المجاورة لطاولة الصهيبي ورفيقه كان ثمة رجلان متقدمان في السن يتناولان الخبز مع «السحاوق»، وهو عصير الطماطم والفلفل الأخضر فقط، والذي يعدّ أهم المقبلات في المائدة اليمنية، وغالباً الوحيد، وعادة ما يتم تقديمه في المطاعم مجاناً رفقة الوجبات، غير أن الأوضاع المعيشية جعلته وجبة ثمينة لوحده.

بحسب الصهيبي؛ فإن الرجلين طلبا قطعة كبيرة من الخبز مع السحاوق، وعندما ألح عليهما عامل التقديم في المطعم ليطلبا أي طبق آخر؛ رفضا ذلك وهما يشعران بالخجل الشديد، وعندما وضعت الوجبة التي طلباها أمامهما؛ سارعا بالتهامها بشراهة من لم يأكل منذ وقت طويل.

عندما أكمل الرجلان وجبتهما وذهبا لدفع حسابها، وقعا في مشادة مع عامل المطعم لأنه احتسب ثمن السحاوق؛ الأمر الذي لم يتوقعاه، وكان مبرر العامل أن السحاوق يقدم مجاناً إذا كانت الوجبة تتكون من طبق أو أطباق أخرى، ولحل الخلاف أعلن الصهيبي استعداده لدفع ثمن وجبتهما إلى جانب وجبته.

عائلة يمنية في الحديدة تجمع أوراق الشجر لتناولها (تويتر)

يفيد الصهيبي بأنه بادر إلى ذلك وهو يشعر بتأنيب الضمير لأنه لم يدعهما لمشاركته ورفيقه وجبتهما التي تتكون من طبق من الفاصوليا الحمراء وآخر من الفول؛ فالمبلغ الذي يملكه لن يكفي لإضافة طبق أو طبقين، لكنه يكفي لإضافة وجبتهما البسيطة إلى الفاتورة.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «بهذا المبلغ الذي دفعته ثمن عشائي ورفيقي كان يمكننا قبل سبع سنوات أن نتناول الوجبة نفسها طيلة أسبوع كامل، أو يمكنني أن أتناول بها وجبتين من اللحوم والأسماك، أما الآن لا أدري كيف يستطيع الناس حتى دخول المطاعم في صنعاء».

مساعدات من تعز إلى صنعاء

خلال أبريل (نيسان) الماضي قلص الانقلابيون الحوثيون كميات المساعدات الغذائية المقدمة من برنامج الغذاء العالمي والمخصصة للموظفين العموميين، ليزيد ذلك من تضاؤل الموائد التي تتجمع حولها العائلات اليمنية، خصوصاً في مناطق سيطرة الانقلابيين، وهو ما لاحظه الصهيبي في زيارته.

كان الصهيبي عاد إلى صنعاء لقضاء بعض حاجياته؛ بعد سبع سنوات من نزوحه منها، حين تسببت الحرب بفقدان عمله؛ إلى مسقط رأسه، حيث يعمل في الزراعة والبناء وأعمال أخرى بالأجر اليومي، واستقر به الحال على الرغم من قسوة المعيشة، وخلال رحلته هذه حمل معه كيساً كبيراً مليئاً بمواد غذائية من امرأة عجوز في قريته إلى ابنها المقيم في صنعاء.

لم تكن هذه العجوز أول من يرسل مواد غذائية إلى أقاربها في العاصمة صنعاء، فمنذ سنوات تعودت الكثير من العائلات في المناطق المحررة مقاسمة أقاربها في مناطق سيطرة الانقلابيين الحوثيين ما تتحصل عليه من المساعدات الغذائية عبر المنظمات الدولية، وهذه هي طريقة المساندة الوحيدة لهم؛ نظراً لصعوبة مساندتهم بالنقود.

يمني يطهو أوراق نبتة «الحلص» لإطعام أسرته في محافظة حجة (برنامج الغذاء العالمي)

يذكر الصهيبي أن الشاب الذي حمل إليه كيس المواد الغذائية المرسل من والدته كان ممتناً جداً، وأبدى خجلاً كبيراً لأنه يفترض أن يقوم هو بكفالتها، غير أن الأوضاع المعيشية فرضت هذه الحال عليهما، فهو يعمل مدرساً في مدرسة خاصة، وراتبه الذي ينقطع خلال إجازة الصيف؛ يكفي بالكاد لدفع إيجار المنزل وإطعام عائلته الصغيرة.

«سأعزمك على الحاصل يا محمد... عصيدة من الغَرِب والوزف اللذين أرسلتهما أمي، أنت تعرف الظروف». هكذا دعا الشاب الصهيبي بخجل لتناول وجبة الغداء في منزله، حيث «على الحاصل» جملة يستخدمها اليمنيون لإزالة الحرج عند تواضع ما يقدمون من وجبات لضيوفهم وتعني المتوفر من الأكل.

والغَرِب (بفتح الغين وكسر الراء)، هو حبوب السورغم الذي يعدّ منه اليمنيون بعض المخبوزات إلى جانب العصيدة، وهي وجبة تتكون من خلط الدقيق بالماء الساخن، أما الوزف فهو الأسماك الصغيرة المجففة، والتي يصنع منها اليمنيون صوصاً يتناولونه مع العصيدة أو المخبوزات.

نبتة «الحلص» بديلاً

هذا الشاب يبدو أسعد حظاً من غيره ممن كانوا يتلقون مساعدات غذائية من أقاربهم في المناطق المحررة، فلأن أمه العجوز تعيش وحدها في قريتها في محافظة تعز؛ ولديها قطعة أرض تزرعها بالاستعانة بشباب القرية؛ يتوفر لها قدر لا بأس به من الحبوب والدقيق سواء من تلك التي تزرعها أو التي تأتي مساعدات إلى جانب بعض البقوليات.

على العكس من ذلك، يبدي نجيب طه، من أهالي مديرية الشمايتين في محافظة تعز أيضاً، أسفه من تراجع كميات المساعدات الغذائية التي تقدمها المنظمات الإغاثية إلى حد كبير، وهو ما منعه من إرسالها إلى عائلة شقيقه المتوفي، والذين يقيمون في العاصمة صنعاء.

تسببت إجراءات الحوثيين ضد المطاعم في رفع أسعار الوجبات (فيسبوك)

ففي السابق كانت عدد من المنظمات الإغاثية دولية وإقليمية تقدم سلالاً غذائية متنوعة تفيض أحياناً عن حاجة العائلات فتضطر إما إلى بيعها والاستفادة من أثمانها في شراء حاجيات أخرى كالأدوية أو المستلزمات المدرسية لأطفالها، أو ترسلها مع المسافرين أو سيارات النقل إلى أقاربها في المناطق الخاضعة للانقلابيين الحوثيين.

يذكر نجيب أن عائلة شقيقه طلبت منه مرة أن يرسل لها ما يستطيع من نبتة «الحلص» أو «الغلف» وقد شعر حينها بتأنيب الضمير؛ لأن حاجة أقاربه إلى هذه النبتة تعني أنهم لا يجدون ما يأكلونه خلال الفترة الأخيرة التي عجز فيها عن مساندتهم؛ وتقديراً منهم لظروفه القاسية، طلبوا منه هذه النبتة التي لن تكلفه إلا عناء جلبها من منابتها في الوديان وتعبئتها في أكياس وإرسالها إليهم.

وتسببت الأزمة المعيشية في اليمن بدفع اليمنيين إلى تناول هذه النبتة بكثرة، خصوصاً في مناطق سيطرة الانقلابيين الحوثيين، وبحسب ما يفيد الأهالي في محافظة حجة (شمال غرب)؛ فإن الحلص أوشك على الانقراض من الكثير من المناطق بسبب التنافس على اقتطافها، وعدم السماح لها بالنمو.

يشرح عائض علوان حيلته لإطعام أولاده الأربعة أطعمة جيدة الفوائد بأنه يضطر وزوجته إلى الصيام خلال النهار والاكتفاء بوجبتي الإفطار والعشاء اللتين تتكونان من أي نوع من أنواع الخبز إلى جانب السحاوق أو الفول أو الفاصوليا، وغالباً ما تغيب هذه الأصناف ويكتفيان بالخبز والشاي ليتركا وجبة الغداء لأطفالهما.

ويفسر علوان ذلك بأنه يسعى جاهداً لتوفير دجاجة أو اثنتين وتقسيمهما على وجبات غداء عدة كل أسبوع، وحرمان نفسيهما منها مقابل أن يستمتع الأطفال بأكبر قدر ممكن منها، فبعد ارتفاع أسعار اللحوم والأسماك والدجاج؛ لم يبقَ أمامه إلا هذه الحيلة للحفاظ على صحة أطفاله من سوء التغذية.

عائلة يمنية بلا مأوى تتناول وجبتها في الشارع (رويترز)

ويحذر الطبيب على الموشحي من آثار كارثية على صحة اليمنيين بسبب سوء التغذية الحاصل حالياً، وخصوصاً لدى الأطفال والرضع، فالعادات الغذائية التي انتشرت بسبب الفقر والبطالة تضر بصحة الجميع، إلا أن الأطفال هم الفئة الأكثر ضعفاً، وتبدأ معاناتهم من عدم تلقي الأمهات تغذية صحية خلال فترتي الحمل والرضاعة، وعندما يبدأ الطفل بالأكل فإن فقر العائلات لا يسمح لها بتقديم وجبات صحية له.

ويشير الموشحي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى زيادة احتمال إصابة الجيل الحالي من الرضع بالتقزم وضعف البنية الجسدية واختلالات في المناعة وهشاشة العظام وضعف الإدراك، ويؤكد أنه لن ينجو من طائلة هذه الأمراض حتى أولئك الأطفال الذين يملك آباؤهم جينات مقاومة للأمراض.


مقالات ذات صلة

الحوثيون يستنزفون سوق الدراجات النارية للاستخدام العسكري

العالم العربي الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)

الحوثيون يستنزفون سوق الدراجات النارية للاستخدام العسكري

تكثف الجماعة الحوثية شراء الدراجات النارية للاستخدام العسكري؛ ما يرفع الأسعار ويقلص المعروض في صنعاء ومدن أخرى، ويهدّد مصدر رزق محدودي الدخل

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

تعمل الجهات المعنية في الحكومة اليمنية، بالتنسيق مع المنظمات الإنسانية، على فتح طريق من أحد المنافذ الرئيسية لمدينة تعز، بهدف إدخال مساعدات إغاثية عاجلة.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)

ما بين جولة الإعمار والصاروخ... محافظ عدن ينجو من هجوم المطار

السلطات المحلية تتخذ احتياطات أمنية خلال تحركاتها، ومن بين هذه الاحتياطات تجنب البقاء فترات طويلة في المواقع، وعدم الإعلان مسبقاً عن مواعيد الزيارات والتحركات.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي مئات المشاريع السعودية لدعم قطاعات التعليم والصحة في اليمن (البرنامج السعودي لإعمار اليمن)

300 مشروع سعودي لتعزيز الخدمات الأساسية في اليمن

توسّع السعودية دعمها لليمن عبر 300 مشروع ومبادرة في 16 محافظة، تشمل الصحة والتعليم والمياه والغذاء، بالتوازي مع تطوير المنشآت الطبية والمدارس ومساعدة النازحين.

«الشرق الأوسط» (عدن)
أوروبا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يدلي بتصريح على متن طائرة في شونيفيلد بألمانيا قبيل التوجه إلى إسطنبول يوم 23 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

وزير خارجية ألمانيا: تعطيل حرية الملاحة يهدد بحدوث مجاعات

حذّر وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول من تداعيات الهجمات على الممرات البحرية، سواء في مضيق هرمز أو هجمات الحوثيين أو الهجمات الروسية على شحنات الحبوب.

«الشرق الأوسط» (برلين)

الحوثيون يستنزفون سوق الدراجات النارية للاستخدام العسكري

الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)
الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)
TT

الحوثيون يستنزفون سوق الدراجات النارية للاستخدام العسكري

الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)
الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)

في وقت تتفاقم فيه الأوضاع المعيشية وتتقلص فرص العمل في مناطق سيطرة الحوثيين باليمن، تكثف الجماعة شراء الدراجات النارية من الأسواق في صنعاء ومدن أخرى، لتوزيعها على عناصرها في جبهات القتال؛ ما يرفع أسعارها ويزيد صعوبة اقتنائها أمام الشباب الذين يعتمدون عليها مصدراً للدخل.

وكشفت مصادر مطلعة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، عن تخصيص الحوثيين أموالاً لشراء مئات الدراجات النارية خلال الأسبوعين الماضيين، في صنعاء وعمران والحديدة وذمار وإب؛ لاستخدامها في العمليات العسكرية.

وأوضحت المصادر أن زيادة الطلب أسهمت في ارتفاع الأسعار وتقليص المعروض؛ ما أضعف قدرة المواطنين، خصوصاً العمال والشباب محدودي الدخل، على شرائها لتأمين احتياجات أسرهم.

وحسب المصادر، جاء هذا التوجه بعد إخفاق الجماعة في استقطاب عدد من مالكي الدراجات وسائقيها في صنعاء ومدن أخرى للانضمام إلى صفوفها؛ ما دفعها إلى شرائها مباشرة من الأسواق وتوزيعها على عناصرها لاستخدامها في الجبهات.

الدراجات النارية تشكّل مصدر عيش لعشرات آلاف اليمنيين (فيسبوك)

وربطت المصادر تكثيف عمليات الشراء بتعرض تعزيزات الجماعة ومركباتها لضربات جوية خلال الأسابيع الأخيرة، إلى جانب النقص الحاد في إمدادات الوقود. وقالت إن الدراجات توفر وسيلة للتحرك عبر الشعاب ومجاري السيول والمسالك الوعرة التي يصعب على الآليات العسكرية الثقيلة اجتيازها، وتُستخدم في نقل المقاتلين والإمدادات إلى الجبهات وإخلاء القتلى والجرحى.

ولم يكن استخدام الدراجات النارية في العمليات القتالية جديداً على الجماعة؛ إذ اعتمدت عليها خلال سنوات الحرب الماضية في عدد من الجبهات، مستفيدة من صغر حجمها وسهولة حركتها. وتشير المصادر إلى استمرار استخدامها في جبهات تعز والضالع والساحل الغربي، مع سعي الحوثيين إلى توفير أعداد إضافية منها لتعزيز تحركاتهم العسكرية.

منافسة جديدة

تضع هذه التحركات الحوثية السكان أمام منافسة جديدة على وسيلة تُعدّ بالنسبة إلى كثيرين أداة للعمل ومصدراً محدود التكلفة لكسب الرزق، في وقت تتراجع فيه فرص العمل وتتزايد الأعباء المعيشية.

ويقول مواطنون في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، إن الدراجات النارية لا تمثل مجرد وسيلة مواصلات، بل رأسمال لمشروعات صغيرة ومصدراً مباشراً للدخل، سواء عبر توصيل الطلبات أو نقل البضائع أو التنقل إلى مواقع العمل. وأشاروا إلى أن ارتفاع أسعارها يهدد بحرمان مزيد من الشباب والعمال من فرص العمل التي تعتمد على امتلاكها.

وفي السياق، أفاد مالك معرض لبيع الدراجات النارية في جنوب صنعاء بأن مشرفين حوثيين اشتروا خلال الأسبوعين الماضيين العشرات من الدراجات من معرضه.

يمنيون في إحدى أسواق صنعاء على متن دراجاتهم النارية (الشرق الأوسط)

وقال مالك المعرض، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسعار الدراجات تتراوح بين 280 ألفاً و500 ألف ريال يمني للدراجة الواحدة، تبعاً لموديلها ومواصفاتها (سعر الدولار الذي تفرضه الجماعة يبلغ نحو 530 ريالاً). وأضاف أن الإقبال على الشراء ارتفع خلال الأيام الأخيرة بالتزامن مع تكثيف عمليات التزويد الموجهة إلى الجبهات.

وأشار إلى أن زيادة الطلب انعكست على الأسعار، وأضعفت قدرة المواطنين، خصوصاً الشباب محدودي الدخل، على اقتناء الدراجات والعمل عليها لتوفير احتياجات أسرهم، في وقت بات فيه تأمين رأس المال اللازم لبدء مشروع صغير يفوق قدرة كثيرين.


تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
TT

تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

تعمل الجهات المعنية في الحكومة اليمنية، بالتنسيق مع السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية، على فتح طريق من أحد المنافذ الرئيسية لمدينة تعز، بهدف إدخال مساعدات إغاثية عاجلة إلى للمحافظة المُحاصَرة من قبل الميليشيات الحوثية، ومن المتوقع أن تتم هذه العملية خلال الأيام القليلة المقبلة.

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

وقال نايف البكري، وزير الشباب والرياضة اليمني، رئيس لجنة الإسناد الشعبي والدعم الحكومي للقوات المسلحة في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إن اللجنة تبذل كل مساعيها مع الشركاء الدوليِّين لنجدة المُحاصَرين في مدينة تعز، لافتاً إلى أن القافلة الجاري تجهيزها تشمل المشتقات النفطية والأدوية والاحتياجات الأساسية، إلى جانب تسيير قوافل إغاثية إلى عدد من المحافظات والمناطق المتضررة من هجمات الحوثيِّين.

وشدَّد على أن أكثر ما يزعج الميليشيات، ما يقدِّمه أبناء المدينة من نموذج فريد في الصمود والوفاء للوطن، مشيداً بمواقف أبنائها من الرجال والشباب والنساء، وما أظهروه من تضحيات في مواجهة الحصار والهجمات الحوثية، إذ شاهد العالم صوراً مشرفة لنساء تعز، إحداهن تحمل ابنها الشهيد، وأخرى تشتري السلاح للمقاومة، وهي صور تعكس حجم الوفاء والصمود اللذين تقدِّمهما هذه المدينة دفاعاً عن الدين والوطن.

نايف البكري وزير الشباب والرياضة اليمني رئيس لجنة الإسناد الشعبي والدعم الحكومي للقوات المسلحة

عن آلية وصول المساعدات قال البكري، إن لجنة الإسناد على تواصل مستمر مع محافظ تعز، وتبحث عن منافذ وطرق تتيح إدخال الإمكانات والمساعدات المتاحة إلى المحافظة، بما فيها المشتقات النفطية والأدوية وغيرهما من الاحتياجات الإنسانية، مشيراً إلى أن هناك تواصلاً وتباحثاً مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتلعب دوراً في إدخال هذه المساعدات، ولا تزال الجهود مستمرة لتأمين وصولها.

وكشف الوزير البكري، عن أن محافظة حضرموت سترسل كميات من المساعدات المُقدَّمة من أبنائها إلى تعز، كما وجَّهت لجنة الإسناد رسائل إلى «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» تطلب فيها مزيداً من الدعم للمحافظة، خصوصاً أن المركز يقدم كثيراً من البرامج والدعم المتواصل للمحافظات اليمينة كافة.

ولفت البكري إلى أن اليمن يشهد حراكاً مجتمعياً واسعاً لمساندة المتضررين من الحرب، خصوصاً مع نزوح أكثر من 200 ألف أسرة، مشيداً بالتضامن بين أبناء المحافظات اليمنية في إيواء النازحين وتوفير احتياجاتهم، مؤكداً أن الحكومة والسلطات المحلية تضطلع بمسؤولياتها تجاه الأسر النازحة، بالتوازي مع الجهود المجتمعية والمبادرات الإنسانية التي تنفِّذها لجنة الإسناد.

وحول دعم باقي المحافظات، أكد البكري، أن اللجنة نفَّذت بالتعاون مع السلطة المحلية في عدن، حملة إغاثية لأبناء مناطق الصبيحة والمضاربة ورأس العارة، خصوصاً الأسر التي تعرَّضت مناطقها للاستهداف بالصواريخ والهجمات الحوثية، مشيراً إلى تسيير قافلة إغاثية قبل يومين، إلى جانب التحضير لقوافل أخرى بالتنسيق مع محافظ لحج، لدعم المتضررين في مديرية المضاربة والمناطق المجاورة.

تشتد الأزمة الإنسانية في تعز مع تضييق الخناق الحوثي على المدينة (إعلام محلي)

وأضاف أن جهود الإسناد تشمل محافظة الضالع، بالتنسيق مع محافظها، لتقديم المساعدات للأسر المتضررة في مناطق مريس وقعطبة وجبهات القتال، موضحاً أن من أدوار اللجنة الطابع المجتمعي والإنساني، وتركز على دعم الأسر والمحافظات التي تعاني تداعيات الحرب والهجمات الحوثية.

وتابع: «اللجنة توسِّع خطط عمليات الإسناد خلال الأيام المقبلة، لتشمل المديريات الواقعة باتجاه الساحل الغربي، وفي مقدمتها موزع والوازعية والمخا، التي تشهد موجات نزوح كبيرة نتيجة العمليات العسكرية والهجمات الحوثية، كما يشمل هذا الدعم مخيمات النازحين في محافظتَي عدن ولحج، بالتنسيق مع المنظمات الدولية والجهات الحكومية المعنية بشؤون النازحين».

«وفي محافظة شبوة، تعمل لجنة الإسناد على ترتيب قوافل إغاثية لدعم المديريات التي تشهد مواجهات عسكرية»، وفقاً للبكري الذي أشار إلى أن «العمل جارٍ لتحضير وتسيير قافلة من محافظة المهرة إلى محافظة الجوف، إلى جانب استمرار الدعم المُقدَّم من عدد من المحافظات إلى جبهات مأرب»، مشدداً على أن كل أبناء اليمن بمَن فيهم النازحون يشاركون في معركة «فجر اليمن» ويلتحقون بمختلف الجبهات.

وتحدَّث البكري عن الدعم السعودي، قائلاً: «إن المملكة العربية السعودية تضطلع بدور مهم في دعم اليمن بشكل عام»، مثمناً جهود القوات المشتركة و«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» في إيصال المساعدات إلى المتضررين، مؤكداً على أهمية المساعدات كافة التي وصلت إلى محافظة عدن بدعم من القوات المشتركة والمركز، ودورها في مساندة الأسر المتضررة والتخفيف من تداعيات الحرب.


ما بين جولة الإعمار والصاروخ... محافظ عدن ينجو من هجوم المطار

محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)
محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)
TT

ما بين جولة الإعمار والصاروخ... محافظ عدن ينجو من هجوم المطار

محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)
محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)

لم يكن في برنامج عبد الرحمن شيخ، وزير الدولة ومحافظ عدن، صباح الأربعاء، ما يوحي بأنَّ جولته الميدانية ستتحوَّل إلى سباق مع لحظات فارقة، وقد خرج من منزله كعادته لمتابعة أعماله اليومية، حاملاً جدولاً من الزيارات إلى مواقع ومرافق في المدينة.

ضمن هذه الزيارات كان مطار عدن الدولي، حيث تفقَّد أعمال تأهيل المدرج، واستمع إلى شرح عن تقدُّم المشروع، وأنهى زيارته وغادر المطار متجهاً إلى محطات أخرى، قبل أن يتلقَّى نبأ محاولة استهدافه بصاروخ باليستي سقط في محيطه.

بين مغادرة الموقع ووصول نبأ محاولة الاستهداف، لم يكن يفصل المحافظ عن مشهد آخر سوى وقت قصير، جولة بدأت اعتيادية، في إطار متابعة المشروعات والأعمال الجارية، انتهت بمفارقة النجاة من استهداف وقع بعد مغادرته المكان الذي كان يتفقده.

وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، وصف شيخ، الزيارة بأنها جزء من جولاته الميدانية المعتادة، مؤكداً أن الاستهداف وقع بعد خروجه من المطار، حيث كان يتابع أعمال المرحلة الثالثة من مشروع التأهيل، الذي ينفِّذه «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، موضحاً أنه استمع خلال الزيارة إلى شرح عن سير العمل في تأهيل المدرج، الذي بلغت نسبة الإنجاز فيه ما بين 70 و80 في المائة، قبل أن يغادر لاستكمال جولته في مواقع أخرى من المدينة.

محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)

لم يكن المطار المحطة الأخيرة في برنامج المحافظ؛ فبعد مغادرته، واصل جولته لمتابعة مشروعات وأعمال خدمية أخرى، شملت طريق شارع الخمسين، إلى جانب زيارة عدد من الإدارات الأمنية، من بينها إدارة البحث الجنائي ومكافحة المخدرات.

هذه المفارقات في التوقيت، والنجاة من استهداف مباشر وغير مباشر، اعتاد على التعامل معها في مدينة عدن منذ تداعيات الحرب عام 2015 وانقلاب الحوثيِّين على السلطة، لتتداخل في تفاصيل العمل اليومي الاعتبارات الأمنية، في حين تظل المشروعات والخدمات جزءاً من محاولات الحفاظ على استمرارية الحياة رغم التحديات.

وهنا أوضح شيخ، أن السلطات المحلية تتخذ احتياطات أمنية خلال تحركاتها، في ظلِّ استخدام الحوثيين الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، ومن بين هذه الاحتياطات تجنب البقاء فترات طويلة في المواقع، وعدم الإعلان مسبقاً عن مواعيد الزيارات والتَّحرُّكات، خصوصاً مع إسقاط الأجهزة المعنية عدداً من الخلايا الحوثية النائمة في عدن ومحافظات أخرى، في سياق الجهود الأمنية الرامية إلى حماية المدينة ومرافقها الحيوية.

وأكد المحافظ أن هذه الأعمال العدائية لن تثني أبناء اليمن عن مواصلة أداء مهامهم وخدمة بلادهم، مشدداً على أن الاستهدافات لن توقف الحياة في عدن أو تعطِّل الجهود الرامية إلى تحسين الأوضاع.

بعيداً عن المشهد الأمني ونجاة المحافظ، تواجه المدينة العتيقة عدن، تحديات معيشية تتصل بتوفير الاحتياجات الأساسية، وفي مقدمتها الغاز المنزلي والكهرباء والأدوية، وهي ملفات تتأثر بظروف الحرب وضغوط الإمدادات والطلب المتزايد.

وقال المحافظ إن الأوضاع العامة لا تزال مطمئنة، رغم وجود تحديات في توفير بعض الاحتياجات، موضحاً أن أزمة الغاز المنزلي ترتبط بالإمدادات المقبلة من محافظة مأرب، التي تأثرت بظروف الحرب، إلى جانب ارتفاع الطلب مقارنة بالكميات المتاحة، الأمر الذي أدى إلى نقص المعروض.

أما الكهرباء، فتظل من أبرز الملفات الخدمية التي تواجه المدينة، في ظلِّ ظروف استثنائية قد تزيد من حدة الضغوط على هذا القطاع، وتنعكس على الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية، في حين يمتد الاحتياج إلى القطاع الصحي، الذي يتطلب استمرار توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، بما يساعد المرافق الصحية على أداء مهامها والاستجابة لاحتياجات المرضى.

في مواجهة هذه التحديات، ثمن محافظ عدن، الدعم الذي يقدمه «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، والقوات المشتركة، و«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، مشيراً إلى مساهمتهم في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية بصورة دورية، مؤكداً أن السلطات المحلية ستواصل متابعة المشروعات والعمل على الحفاظ على استقرار الخدمات، رغم التحديات الأمنية والاقتصادية.

وبين مطار غادره قبل استهدافه، وطرق ومرافق واصل جولته لتفقدها، تبدو عدن أمام مشهد تختلط فيه مخاطر الحرب بمحاولات استعادة الحياة، فالصاروخ الذي سقط في محيط المطار لم ينهِ برنامج المحافظ اليومي، كما لم يغيِّر، وفق تأكيده، إصرار السلطات المحلية على مواصلة العمل لتبقى مشروعات الإعمار والخدمات حاضرةً في مدينة تحاول المضي إلى الأمام، رغم كل ما يعترض طريقها بفعل الحوثيِّين.