توجُّهات عالمية لمعالجة مياه الصرف وتدويرها لامركزياً

الأبنية المحايدة مائياً

محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي على نهر التيمس في لندن (أ.ف.ب)
محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي على نهر التيمس في لندن (أ.ف.ب)
TT

توجُّهات عالمية لمعالجة مياه الصرف وتدويرها لامركزياً

محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي على نهر التيمس في لندن (أ.ف.ب)
محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي على نهر التيمس في لندن (أ.ف.ب)

تُعد معالجة المنصرفات وإعادة استخدام المياه المعالَجة ممارسة تقليدية في العديد من الأماكن حول العالم، لا سيما في المناطق التي تعاني من ندرة الموارد المائية أو في البلدان التي تضع شروطاً صارمة على طرح المياه العادمة إلى الأنهار والمسطحات المائية.

ومع تواتر الجفاف واتساع نطاقه نتيجة تغيُّر المناخ، يزداد الاتجاه عالمياً نحو الحلول التي تعتمد اللامركزية في معالجة الصرف الصحي وتوفير المياه لإعادة استخدامها من جديد. وتُعرف هذه الحلول أيضاً بأنظمة المياه الموزّعة، أو أساليب إعادة تدوير المياه في الموقع، ويجري تطويرها كاستراتيجية رائدة في إطار الجهود المبذولة لجعل المياه أكثر استدامة.

الجفاف يفرض إعادة استعمال المياه

بينما كانت تطبيقات معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها تجري عادةً في الأماكن الريفية والنائية عبر ممارسات تقليدية، تشمل على سبيل المثال الحُفَر التعفنية ومعالجة المنصرفات بواسطة نباتات الأراضي الرطبة، ظهرت نظم جديدة تتيح معالجة المياه الرمادية (منصرفات الحمّامات والغسّالات) والمياه السوداء (منصرفات دورات المياه والمطابخ) في المباني التجارية والسكنية، والمرافق الخدمية والتعليمية، وغيرها.

وتساعد هذه النظم في توفير المياه، لغير أغراض الشرب، بسعر أقل من شراء المياه الصالحة للشرب من الشبكة العامة. ومع خفض الطلب على المياه الصالحة للشرب، التي تُعدّ ذات تكلفة مرتفعة في معالجتها وتوزيعها، تزداد كفاءة إدارة المياه. ويعتقد علماء أن مستقبل المياه سيقوم على جعل المباني مكتفية ذاتياً، بحيث تصبح «محايدة مائياً» نتيجة استخدام المياه ذاتها مراراً وتكراراً في حلقة مغلقة.

ولا تبدو هذه الرؤية المستقبلية حلماً بعيد المنال، فمدينة سان فرانسيسكو لا تسمح منذ عام 2015 بترخيص الأبنية الجديدة التي تزيد مساحتها على 100 ألف قدم مربع (نحو 9290 مترا مربعا) دون وجود أنظمة معالجة وتدوير للمياه في الموقع. ومن بين النظم المستخدمة حالياً معالجة الصرف الصحي في أراضٍ رطبة موزّعة حول كتل الأبنية، واستخدام المياه المعالجة في دورات المياه. وتقلل هذه العملية من إمدادات المياه المطلوبة من الشبكة العامة بنسبة 40 في المائة.

وتوجد ضغوطات كبيرة على إمدادات المياه العذبة في جميع أنحاء العالم، حيث تتوقع الأمم المتحدة أن 5 مليارات شخص قد يعانون من نقص المياه بحلول 2050. وستكون أنظمة معالجة المياه اللامركزية خيار المجتمعات لتحقيق التنمية الاقتصادية مع ضمان الأمن المائي، وقد أخذ يشقّ طريقه في مناطق تعاني حالياً من الجفاف وأزمات المياه، كما في ولايات كولورادو وتكساس وواشنطن في الغرب الأميركي، وكذلك في الهند وأستراليا واليابان.

وتقوم إحدى المبادرات، التي رُشِّحت هذه السنة لجائزة زايد للاستدامة، على تطوير محطة متنقلة لمعالجة مياه الصرف الصحي يمكن تخصيصها وفقاً للحاجة، ونشرها متى وكيفما دعت الضرورة. وتسمح المحطة المتنقلة، التي صمّمتها شركة «سيسوي» اليابانية، بمعالجة مياه الصرف الصحي في الموقع، وتخليصها من المواد الصلبة والزيوت والمعادن الثقيلة، ما يسمح بإعادة استخدام المياه. وتُقدِّر هيئة المرافق العامة في سان فرانسيسكو، التي تزوّد المدينة بالمياه العذبة، أن هناك ما مجموعه 48 نظاماً قيد التشغيل حالياً لمعالجة مياه الصرف موضعياً وإعادة استخدامها، إلى جانب 29 مشروعاً آخر يجري التخطيط لها في المدينة.

وتتيح التقنيات الحالية جمع جميع المنصرفات ومعالجتها، بحيث تصبح مياهاً صالحةً للشرب. لكن سلامة الاستخدام المباشر لمياه الصرف الصحي المعالجة لا تزال قيد الدراسة، إذ تحول التشريعات الأميركية الحالية دون استخدام المياه المعالجة لأغراض الشرب. ويرى خبراء أن النظام الدائري الكامل، الذي تتم فيه إعادة استخدام المياه في الموقع لجميع الأغراض بما فيها الشرب، سيكون متاحاً في غضون 5 إلى 10 سنوات في الولايات المتحدة.

وفي مدينة دبي، يستفيد «برج خليفة» من مجموعة الإجراءات التي يجري اتباعها للحدّ من هدر موارد الطاقة والمياه، حيث يتم تجميع الماء المتكثّف من أنظمة التكييف لتبريد مياه الشرب التي تؤمّنها هيئة كهرباء ومياه دبي (ديوا). وتُضَخ مياه التكاثف إلى خزان كبير لاستخدامها في عمليات ري الحدائق والمسطحات الخضراء المحيطة بالبرج، ما يتيح توفير نحو 57 ألف متر مكعب من المياه سنوياً.

وفي مقابل الحلول الناشئة لتدوير المياه في الموقع، تستمر الأنظمة المركزية لمعالجة المياه وتدويرها في التطوّر والنمو منذ عقود لحل مشكلة نقص المياه المتسارعة. وتعالج منشأة كبيرة لإعادة تدوير المياه في مقاطعة أورانج في كاليفورنيا نحو 500 ألف متر مكعب من مياه الصرف يومياً، في عملية إعادة استخدام غير مباشرة لمياه الشرب. والبداية من خلال عملية تشمل ثلاث مراحل هي الترشيح الدقيق، والتناضح العكسي، والتطهير بالأشعة فوق البنفسجية وبيروكسيد الهيدروجين، بعدها تُحقن المياه المعالجة في المياه الجوفية، ثم يتم ضخها ومعالجتها في المرافق المحلية لتصبح مواصفاتها مطابقة لمعايير مياه الشرب. وهي أكبر محطة في العالم تعتمد هذا الأسلوب.

وفي سنغافورة، التي تعاني من نقص المياه، تقوم محطة شانغي الضخمة لمعالجة المياه بتنظيف وتنقية نحو 900 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يومياً لتتوافق مع معايير مياه الشرب. أما في العالم العربي، فتنتشر محطات معالجة مياه الصرف الصحي على نطاق واسع لمعالجة المنصرفات إلى الحدّ الذي يسمح بطرحها في المسطحات المائية بشكل آمن. كما توجد العديد من المشاريع، كما في دول الخليج والأردن وفلسطين، لمعالجة مياه الصرف الصحي واستخدامها في الزراعة بهدف توفير الموارد المائية الثمينة وتخفيف فاتورة تحلية مياه البحر.

وكانت وزارة الموارد المائية المصرية أعلنت مؤخراً أنها تقوم بإعادة استخدام كميات من المياه، تصل إلى 20 مليون متر مكعب سنوياً، بفضل شبكة واسعة من محطات معالجة مياه الصرف الصحي والزراعي والصناعي. وتتوقع الوزارة أن تصبح مصر ضمن أكثر الدول تدويراً لمياه الصرف المعالجة عند انتهاء مشروعات محطات المعالجة في مناطق بحر البقر والحمام والمحمسة.

المعالجة في الموقع أرخص وأسهل

وتواجه الحلول المركزية لمعالجة مياه الصرف مصاعب كبيرة، لا سيما في ما يخص تأمين النفقات التأسيسية والتشغيلية. وفي المقابل، تسمح نظم تدوير المياه في الموقع بتوفير كلفة ضخ المياه لمسافات طويلة، وما يرتبط بها من نفقات حفر الشوارع لمد قساطل الصرف الصحي وأنابيب مياه الشرب. وهي من ناحية أخرى أكثر تكيُّفاً مع أحوال الطقس المتطرفة التي تتسبب في كثير من الأحيان بتعطيل محطات معالجة الصرف الصحي التقليدية.

ومما يساعد في تحسين جدوى الحلول اللامركزية لمعالجة المنصرفات أنها تتجاوب بشكل مرن مع طبيعة المنصرفات وغاية الاستخدام النهائية، مما يخفّض كلفة تشغيلها. فعلى سبيل المثال، لا توجد ضرورة لاستخدام تقنيات مكلفة في الموقع لمعالجة المياه الرمادية لاستخدامها في دورات المياه، في حين تصل مياه الصرف إلى محطات المعالجة المركزية مختلطة وتتطلب استخدام أساليب معالجة مكثّفة ومكلفة.

يزداد الاتجاه عالمياً نحو الحلول التي تعتمد اللامركزية في معالجة الصرف الصحي

وتشير دراسة حول اقتصاديات المعالجة اللامركزية لمياه الصرف وتدويرها، نُشرت العام الماضي في دورية «ووتر ريسيرتش»، إلى أن النفقات التأسيسية والتشغيلية لأنظمة حصاد المياه وإعادة التدوير في الموقع ستزيد من التكلفة الإجمالية لتشييد الأبنية الطابقية المتعددة المساكن بنحو 6 في المائة، وستصل هذه الزيادة إلى 12 في المائة للمنازل المستقلة.

وتقدّر هذه الدراسة أن السعر الإجمالي لتأمين المياه في الموقع، بما فيها كلفة حصاد مياه الأمطار وعمليات المعالجة والتدوير والمراقبة، ستتراوح ما بين 1.5 و2.7 دولار للمتر المكعب، وهو سعر أقل بكثير من التعرفة الوسطية للمياه في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. وعلى سبيل المثال، تصل تعرفة مياه الصنبور في ولاية سان فرانسيسكو إلى 6 دولارات للمتر المكعب.

وتتوافر في الأسواق حالياً مجموعة من أجهزة معالجة وتدوير المياه الصغيرة المخصصة للاستخدام في المنزل. ومن بينها جهاز «هيدرالوب»، الذي تنتجه شركة هولندية، ويأتي في حجم غسّالة لتنظيف المنصرفات ومعالجتها. ويسمح هذا الجهاز بتدوير ما يصل إلى 95 في المائة من المنصرفات المنزلية لاستخدامها في غسل الملابس وري الحدائق ولدورات المياه. كما تصنع شركة كندية جهاز «رين ستيك»، الذي يعيد تدوير مياه «الدوش» مراراً وتكراراً أثناء الاستحمام.

ويمثّل القبول الاجتماعي لإعادة استخدام المياه المعالجة حجر عثرة أمام انتشار نظم معالجة المنصرفات وتدويرها في الموقع، ما يجعل المطوّرين والمعماريين يغضّون النظر عن لحظ هذه النظم ضمن المشاريع العمرانية الحديثة، وإن كانت في تصميمها تحاكي دورة المياه في الطبيعة.

لكن المتوقَّع أن تسير أنظمة معالجة المنصرفات وتدوير المياه اللامركزية في النهاية على الخطى ذاتها التي اتبعتها نظم العزل الحراري وخفض الانبعاثات في الأبنية خلال العقود القليلة الماضية، حيث أُهملت قبل أن تصبح جزءاً ثابتاً في مواصفات البناء. ففي عالم يعاني من إجهاد مائي متزايد سيكون توفير كل قطرة ماء واجباً وليس خياراً.


مقالات ذات صلة

مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

بيئة ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

قال مركز التنبؤات المناخية الأميركي، الخميس، إن ظاهرة «النينيو» تزداد قوة، مرجحاً بنسبة تزيد ‌على 90 في المائة ‌أن ​تبلغ ‌مستويات ⁠شديدة ​

«الشرق الأوسط»
علوم البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

دراسة أميركية تحذِّر من أضراره البيئية

أديل بيترز (واشنطن)
يوميات الشرق يتّخذ مهرجان الباروك السينمائي الطبيعة حضناً والأفلام البيئية هويةً (الشرق الأوسط)

«مهرجان الباروك السينمائي»... الأفلام البيئية في الصدارة تظلِّلها أكبر غابة أَرز

انطلقت الدورة الأولى من «مهرجان الباروك السينمائي» بمبادرة شبابية، بهدف تشجيع صنّاع الأفلام على خوض السينما البيئية.

كريستين حبيب (بيروت)
أوروبا حرائق غابات (أرشيفية - أ.ف.ب)

حرائق الغابات تنتشر في دول أوروبا وكندا

أفادت السلطات المحلية بأن حريقاً اندلع في مقاطعة هويلفا بالأندلس، جنوب غربي إسبانيا، واصل انتشاره، السبت، بعدما طال نحو 4000 هكتار

«الشرق الأوسط» «الشرق الأوسط» (برشلونة)
بيئة مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

يعلم أي شخص حاول إبقاء سدادة من الفلين مغمورة تحت ‌الماء أن ذلك يتطلب جهداً، لكن حيتان العنبر تستطيع أن تظل تحت سطح المحيط على الرغم من امتلاكها رؤوساً ضخمة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

من نفوق الأسماك إلى القلق والاكتئاب... كيف تؤثر حرارة البحر في البشر؟

موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
TT

من نفوق الأسماك إلى القلق والاكتئاب... كيف تؤثر حرارة البحر في البشر؟

موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)

لم تعد موجات الحر البحرية مجرد مشكلة بيئية تهدد الشعاب المرجانية والكائنات التي تعيش في المحيطات؛ إذ تشير أبحاث حديثة إلى أن ارتفاع حرارة مياه البحر لفترات طويلة قد يمتد تأثيره إلى صحة الإنسان والأمن الغذائي وسبل العيش وحتى الصحة النفسية.

وخلص فريق من الباحثين من جامعة أديلايد وجامعة هونغ كونغ، في دراسة نُشرت في دورية «Nature Sustainability»، ونقلها موقع «ذا هيلث سايت»، إلى أن موجات الحر البحرية قد تطلق سلسلة من التأثيرات التي تمتد من النظم البيئية البحرية إلى المجتمعات الساحلية والأشخاص الذين يعتمدون على المحيط في غذائهم وأعمالهم وحياتهم اليومية.

ما هي موجة الحر البحرية؟

تُعرّف موجة الحر البحرية بأنها فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة في مكان وزمان محددين، وتستمر لفترة زمنية ممتدة.

ويحذر العلماء من أن هذه الظواهر يمكن أن تؤثر في أعداد كبيرة من البشر والنظم البيئية البحرية، وقد ارتبطت بظواهر مثل ابيضاض الشعاب المرجانية، والنفوق واسع النطاق للكائنات البحرية، وازدهار الطحالب الضارة، واضطرابات كبيرة في مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية، يتوقع الخبراء أن تزداد وتيرة موجات الحر البحرية ومدتها وشدتها، ما قد يجعل آثارها تتجاوز البيئة البحرية لتشكل تهديداً للمجتمعات البشرية أيضاً.

كيف يمكن أن تؤثر موجات الحر البحرية على صحة الإنسان؟

رصد الباحثون مجموعة من التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لموجات الحر البحرية على البشر.

ووفق نتائج الدراسة، يمكن لارتفاع حرارة المحيطات أن يزيد من قوة العواصف وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة، وهو ما قد يؤدي إلى إصابات ووفيات وتشريد السكان وتدمير المنازل والممتلكات.

وأشار الباحثون، على سبيل المثال، إلى إعصار أوتيس الذي ضرب المكسيك عام 2023، وشهد اشتداداً سريعاً بشكل غير معتاد فوق مياه دافئة، وتسبب في أضرار قُدرت بنحو 15 مليار دولار.

كما أشاروا إلى إعصار دوكسوري الذي ارتبط بمياه بحرية دافئة بصورة استثنائية، وأثر في أكثر من مليونَي شخص في آسيا عام 2023.

هل تصبح المأكولات البحرية أقل أماناً؟

تمثل سلامة المأكولات البحرية وتوافرها أحد أبرز المخاوف المرتبطة بموجات الحر البحرية. ويمكن للمياه الدافئة أن تشجع على ازدهار أنواع من الطحالب التي تنتج سموماً، ما قد يجعل بعض المأكولات البحرية خطرة على صحة الإنسان.

ولا يقتصر التأثير على سلامة الغذاء؛ إذ يمكن لموجات الحر البحرية أن تؤثر أيضاً في مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، ما ينعكس على إنتاج المأكولات البحرية وعلى سبل عيش المجتمعات التي تعتمد على المحيط.

ويحذر الباحثون من أن هذه التداعيات قد تتحول إلى مشكلة تتعلق بالأمن الغذائي، خصوصاً في المجتمعات التي تعتمد على المأكولات البحرية مصدراً رئيسياً للغذاء.

هل تمتد آثار موجات الحر البحرية إلى الصحة النفسية؟

من أكثر جوانب الدراسة إثارة للقلق إشارة الباحثين إلى احتمال تأثير موجات الحر البحرية في الصحة النفسية. فالأشخاص الذين ترتبط حياتهم ارتباطاً وثيقاً بالمحيط، سواء من خلال العمل أو الممارسات الثقافية أو الأنشطة الترفيهية، قد يواجهون ضغوطاً عاطفية عندما تتدهور النظم البيئية البحرية التي يعتمدون عليها.

وقد يؤدي تكرار الأضرار البيئية إلى مشاعر مثل القلق والحزن والإحباط والاكتئاب، في إطار ما يُعرف أحياناً بـ«القلق البيئي».

كما ربط الباحثون بين ازدهار الطحالب السامة الذي شهدته جنوب أستراليا عام 2025 وبعض المعاناة النفسية، إلى جانب مشكلات صحية جسدية مثل تهيّج الجهاز التنفسي والربو.

دعوة إلى الاستعداد لتداعيات موجات الحر البحرية

ويرى مؤلفو الدراسة أن على الحكومات ومنظمات الصحة العامة أخذ توقعات موجات الحر البحرية في الاعتبار عند إعداد خطط الاستعداد للطوارئ الصحية.

كما يمكن أن يساعد تعزيز التعاون بين باحثي المحيطات ومسؤولي الصحة ومديري الموارد الساحلية المجتمعات على الاستعداد بشكل أفضل لهذه الظواهر والاستجابة لها بصورة أكثر فاعلية.

وتشير الدراسة في النهاية إلى أن موجات الحر البحرية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أزمة تخص المحيطات وحدها؛ لأن تأثيراتها قد تمتد عبر سلسلة مترابطة تبدأ بالنظم البيئية البحرية وتنتهي بصحة الإنسان وغذائه وسبل عيشه وصحته النفسية.


مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال مركز التنبؤات المناخية الأميركي، الخميس، إن ظاهرة «النينيو» تزداد قوة، مرجحاً بنسبة تزيد على 90 في المائة أن تبلغ مستويات شديدة خلال خريف وشتاء 2026- 2027 في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.

وأضاف المركز أن هناك احتمالاً بنسبة 69 في المائة لأن تتحول الظاهرة بين أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (أيلول) 2026 واحدةً من أقوى موجات «النينيو» المسجلة منذ بدء السجلات المناخية الحديثة عام 1950، وربما تتجاوز في شدتها جميع الموجات السابقة.


إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
TT

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)

يعلم أي شخص حاول إبقاء سدادة من الفلين مغمورة تحت الماء أن ذلك يتطلب جهداً، لكن حيتان العنبر تستطيع أن تظل تحت سطح المحيط على الرغم من امتلاكها رؤوساً ضخمة مملوءة بالزيت والشمع والهواء، مما يبدو أنها ستدفعها للطفو صعوداً، وهو إنجاز يعتقد العلماء الآن أنه أصبح ممكناً بفضل نفخ الفقاعات.

وحيتان العنبر هي الحيتان الوحيدة المعروفة التي تستريح في الوضع العمودي في الماء ورؤوسها متجهة نحو الأعلى. ويعتقد العلماء أن هذا الوضع يسهم في حمايتها من حركة الأمواج السطحية دون الحاجة إلى الطاقة اللازمة للغوص إلى أعماق أكبر، لكن الطريقة الدقيقة التي تبقى بها مغمورة ظلت غير واضحة. واكتشف الباحثون الآن أن الحيتان تطلق الفقاعات لتنظيم طفوها في أثناء استراحتها في وضع عمودي تحت سطح المحيط مباشرة.

وقال باتريك ميلر، الباحث في الثدييات البحرية بجامعة سانت آندروز في اسكوتلندا، إن الباحثين يشيرون إلى هذا السلوك بـ«الاسترخاء» بدلاً من «النوم»؛ لأن النوم يؤكد عادة بقياس نشاط الدماغ، وهو أمر لم يتسنَّ التحقق منه بعد في حالة حيتان العنبر. وميلر هو المعد الرئيسي للدراسة المنشورة في دورية (جورنال أوف إكسبيريمينتال بايولوجي) العلمية. ويعتقد العلماء أن هذه الحيوانات نائمة، لكنهم يفضلون استخدام المصطلح الأكثر حذراً لأن الأمر لم يثبت بنحوٍ قاطع.

ولتحري كيفية بقاء الحيتان مغمورة بالمياه في أثناء الاسترخاء، ثبّت الباحثون أجهزة تتبع صغيرة مزودة بكؤوس شفط على حيتان العنبر قبالة سواحل النرويج. وسجلت هذه الأجهزة بيانات الصوت والحركة ثلاثية الأبعاد، مما سمح للعلماء برصد انبعاث الفقاعات ومحاكاة تأثيراتها على وضع هذه الثدييات البحرية في الماء.

ووجد الباحثون أن الفقاعات تقلل من الطفو الإيجابي للحوت؛ أي ميله للاتجاه نحو الأعلى في الماء.

وتميل حيتان العنبر بطبيعتها إلى الطفو بسبب الكميات الكبيرة من زيت العنبر، وهو مادة شمعية موجودة في رؤوسها. ومع انجراف الحيتان ببطء إلى الأعلى في وضع الاسترخاء، تتوسع الغازات الموجودة في رئتيها بسبب انخفاض ضغط الماء قرب السطح. ويساعد إطلاق الفقاعات على مواجهة هذا التأثير، مما يسمح للحيتان بالبقاء شبه معدومة الوزن تحت سطح المياه.

وقال ميلر إن إطلاق الفقاعات يبدو متعمداً. وأضاف أن بعد أكثر من عقدين من تتبع حيتان العنبر باستخدام أجهزة تسجيل الصوت المثبتة عليها «لا نسمع إطلاق الفقاعات إلا في سياق سلوكي محدد للاسترخاء؛ لذا فإن الإطلاق العرضي للغازات هو أمر لا يبدو أن حيتان العنبر تفعله».

ويشتبه العلماء أيضاً في أن هذا السلوك قد يساعد الحيتان على نقل الغازات الزائدة مثل ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين من الأنسجة إلى الرئتين، مما قد يؤدي دوراً في تبادل الغازات في عملية الأيض.

وحيتان العنبر هي أكبر الحيتان ذات الأسنان في العالم ويمكنها الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائس مثل الحبار العملاق، وتعتمد في التنقل داخل المياه المعتمة على تقنية تحديد الموقع بالصدى؛ إذ تطلق أصوات نقر عالية ثم تستمع إلى الأصداء العائدة لرسم خريطة لمحيطها.

وقال ميلر: «تقضي حيتان العنبر نحو 80 في المائة من وقتها في الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائسها. وبسبب الضغط الشديد في أثناء تلك الغطسات، يميل جسمها إلى مراكمة غازات غير مرغوب فيها مثل النيتروجين وثاني أكسيد الكربون التي قد يستغرق انتقالها من الدم إلى الرئتين وقتاً طويلاً. ونظراً لأنها تستريح على مسافات ضحلة جداً، فإن هذه هي الظروف المثالية لتفريغ تلك الغازات غير المرغوب فيها الناتجة عن بحثها عن الطعام في الأعماق».

وأضاف ميلر أن هذه الفكرة يمكن اختبارها في أبحاث مستقبلية.

وتترك الدراسة الجديدة بعض الأسئلة دون إجابة. فعلى سبيل المثال، لا يزال يتعين إثبات ما إذا كانت الحيتان تطلق الفقاعات عمداً، وماهية الإشارات التي تنبهها إلى الحاجة إلى إجراء تعديل.

ويأمل الباحثون أيضاً في تحديد ما إذا كانت حيتان العنبر تنام بنصف دماغ واحد في كل مرة، كما تفعل الدلافين، أم أن نصفي الدماغ ينامان معاً. ويمكن للدراسات المستقبلية استخدام أجهزة استشعار موجات الدماغ أو مراقبة عيون الحيتان في أثناء الاسترخاء للمساعدة في الإجابة عن هذا السؤال.

وفي الوقت الحالي، تشير النتائج إلى أن حيتان العنبر، مثل البشر، قد تكون على استعداد لفعل أي شيء للحصول على قسطٍ جيد من الراحة.