مؤسسات حكومية أميركية تقتني بيانات المواطنين المسوَّقة تجارياً

في التفافٍ صارخ على قوانين حماية الخصوصية الفردية

مؤسسات حكومية أميركية تقتني بيانات المواطنين المسوَّقة تجارياً
TT

مؤسسات حكومية أميركية تقتني بيانات المواطنين المسوَّقة تجارياً

مؤسسات حكومية أميركية تقتني بيانات المواطنين المسوَّقة تجارياً

قام الكثير من الوكالات الحكومية، بما في ذلك مكتب التحقيقات الفيدرالي، ووزارة الدفاع، ووكالة الأمن القومي، ووزارة الخزانة، ووكالة استخبارات الدفاع، والبحرية، وخفر السواحل، بشراء كميات هائلة من المعلومات الشخصية لمواطني الولايات المتحدة، من وسطاء البيانات التجارية، وفقاً لماء جاء في تقرير «المكتب الداخلي لمدير المخابرات الوطنية Office of the Director of National Intelligence» الصادر في 9 الماضي، الذي رُفعت السرّية عنه جزئياً.

ويُظهر التقرير الحجم المذهل والطبيعة التدخلية الغازية لسوق بيانات المستهلكين، وكيف تتيح هذه السوق بشكل مباشر مراقبة الأفراد «بالجملة». ولا تتضمن البيانات المستقاة، المكان الذي يكون فيه الشخص ولا الأشخاص الآخرون الذين يتصل بهم فحسب، بل تشمل طبيعة معتقداتك وتوقعاتك حول ما قد تفعله في المستقبل. كما يسلط الضوء على المخاطر الجسيمة التي يشكّلها شراء هذه البيانات، ويحث مجتمع الاستخبارات على اعتماد مبادئ توجيهية داخلية لمعالجة هذه المشكلات.

بصفتي محامية للخصوصية والمراقبة الإلكترونية وقانون التكنولوجيا وباحثة وأستاذة في القانون، أعد هذه القضايا ملحّة بشكل متزايد، إذ إن المعلومات المتاحة تجارياً اليوم، إلى جانب تطوير نظم الذكاء الاصطناعي التوليدي في كل مكان لصنع القرار، تهدد بشكل أكبر الخصوصية والحريات المدنية من خلال منح الحكومة إمكانية الوصول إلى المعلومات الشخصية الحساسة بما يتجاوز حتى ما يمكن أن تجمعه من خلال تخويل المحكمة، أي المراقبة المصرح بها.

* تشمل أنواع البيانات: الموقع الجغرافي، والجنس والتوجه الجنسي، والآراء والانتماءات الدينية والسياسية، وضغط الدم، والحالات العاطفية، والمعلومات السلوكية، وأنماط التسوق، والأسرة والأصدقاء.

ما المعلومات المتاحة تجارياً؟

يتخذ واضعو التقرير موقفاً مفاده أن المعلومات المتاحة تجارياً هي مجموعة فرعية من المعلومات المتاحة للجمهور. إلا أن التمييز بين الاثنين مهم من منظور قانوني، فالمعلومات المتاحة للجمهور هي المعلومات الموجودة بالفعل في المجال العام التي يمكن العثور عليها عن طريق إجراء القليل من البحث عبر الإنترنت.

أما المعلومات المتاحة تجارياً فمختلفة. إنها معلومات شخصية تُجمع من مجموعة مذهلة من المصادر بواسطة وسطاء البيانات التجاريين الذين يقومون بتجميعها وتحليلها، ثم إتاحتها للشراء من الآخرين، بما في ذلك الحكومات. وبعض هذه المعلومات خاصة أو سرية أو محمية قانوناً.

إن مصادر وأنواع البيانات الخاصة بالمعلومات المتاحة تجارياً هائلة بشكل محيّر للعقل. وهي تشمل السجلات العامة وغيرها من المعلومات المتاحة للجمهور. ولكن يأتي المزيد من المعلومات من الأجهزة المتصلة بالإنترنت في كل مكان تقريباً في حياة الناس، مثل الهواتف المحمولة وأنظمة المنزل الذكي والسيارات وأجهزة تتبع اللياقة البدنية. كل هذه تستخدم البيانات من أجهزة الاستشعار المتطورة والمضمنة والكاميرات والميكروفونات. وتتضمن المصادر أيضاً بيانات من التطبيقات والنشاط عبر الإنترنت والنصوص ورسائل البريد الإلكتروني وحتى مواقع مقدمي الرعاية الصحية.

* توفر البيانات الشخصية للشركات والحكومات نافذة على «إنترنت السلوكيات» التي ترسم خريطة لعمل كل شخص والمتوقع أن يعمله

تشمل أنواع البيانات: الموقع الجغرافي، والجنس، والتوجه الجنسي، والآراء، والانتماءات الدينية والسياسية، والوزن، وضغط الدم، وأنماط الكلام، والحالات العاطفية، والمعلومات السلوكية حول الأنشطة الكثيرة، وأنماط التسوق والأسرة والأصدقاء.

توفر هذه البيانات للشركات والحكومات نافذة على «إنترنت السلوكيات»، وهي مزيج من جمع البيانات وتحليلها بهدف فهم سلوك الأشخاص والتنبؤ به. ولدى جمع مجموعة واسعة من البيانات، بما في ذلك الموقع والأنشطة، تستخدم الأساليب العلمية والتكنولوجية، بما في ذلك علم النفس والتعلم الآلي، لتحليل تلك البيانات. ويوفر إنترنت السلوكيات خريطة لما قام به كل شخص وما يفعله والمتوقع أن يفعله، ويوفر وسيلة للتأثير على سلوك الشخص.

بيانات أفضل وأرخص وغير مقيدة

توفر الأعماق الغنية بالمعلومات المتاحة تجارياً، والتي تم تحليلها باستخدام الذكاء الاصطناعي القوي، قوة وذكاء ورؤى استقصائية غير مسبوقة. تعد المعلومات وسيلة فعالة من حيث التكلفة لمراقبة الجميع تقريباً، بالإضافة إلى أنها توفر بيانات أكثر تعقيداً بكثير من أدوات أو طرق المراقبة الإلكترونية التقليدية مثل التنصت على المكالمات الهاتفية وتتبع الموقع.

* تحليل البيانات باستخدام الذكاء الاصطناعي القوي يوفر قوة وذكاءً ورؤى استقصائية غير مسبوقة

============

يُنظم استخدام الحكومة لأدوات المراقبة الإلكترونية على نطاق واسع بواسطة القوانين الفيدرالية وقوانين الولايات الأميركية. وقد قضت المحكمة العليا في الولايات المتحدة بأن التعديل الرابع للدستور، الذي يحظر عمليات التفتيش والمصادرة غير المعقولة، يتطلب أمراً قضائياً لمجموعة واسعة من عمليات البحث الرقمي. وتشمل هذه العمليات: التنصت على المكالمات الهاتفية، أو اعتراض المكالمات، أو الرسائل النصية، أو رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بشخص ما؛ واستخدام نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) أو معلومات الموقع الخلوي لتتبع الشخص؛ أو البحث في الهاتف المحمول لشخص ما.

يستغرق الامتثال لهذه القوانين وقتاً ومالاً، بالإضافة إلى أن قانون المراقبة الإلكترونية يقيّد ماذا ومتى وكيف يمكن جمع البيانات. لذا يعد الحصول على المعلومات المتاحة تجارياً أرخص، وتوفر بيانات وتحليلات أكثر ثراءً، وتخضع لقليل من الرقابة أو التقييد مقارنةً بوقت جمع نفس البيانات مباشرةً من الحكومة.

تهديد الخصوصية وخرق القوانين

* تهديدات للخصوصية. تسمح التكنولوجيا والحجم المتزايد للمعلومات المتاحة تجارياً بدمج أشكال مختلفة من المعلومات وتحليلها بطرق جديدة لفهم جميع جوانب حياة الأفراد، بما في ذلك تفضيلاتهم ورغباتهم.

يحذّر تقرير مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الجديد من أن الحجم المتزايد والتوافر الواسع للمعلومات المتاحة تجارياً، يشكّلان «تهديدات كبيرة للخصوصية والحريات المدنية». فهما يزيدان من قوة الحكومة في مراقبة مواطنيها خارج حدود القانون، ويفتحان الباب أمام الحكومة لاستخدام تلك البيانات بطرق يُحتمل أن تكون غير قانونية. يمكن أن يشمل ذلك استخدام بيانات الموقع التي تم الحصول عليها من خلال المعلومات المتاحة تجارياً بدلاً من أمر قضائي للتحقيق مع شخص ما ومقاضاته بتهمة الإجهاض.

كما يوضح التقرير مدى انتشار عمليات الشراء الحكومية للمعلومات المتاحة تجارياً ومدى انتشار الممارسات الحكومية العشوائية حول استخدام المعلومات. عمليات الشراء منتشرة للغاية وممارسات الوكالات موثقة بشكل سيئ، لدرجة أن مكتب مدير المخابرات الوطنية لا يمكنه حتى تحديد كمية وأنواع وكالات المعلومات التي تشتريها، وما الذي تفعله الوكالات المختلفة بالبيانات.

* هل شراء البيانات قانوني؟ مسألة ما إذا كان من القانوني للوكالات الحكومية شراء المعلومات المتاحة تجارياً، أمر معقَّد، لأن البيانات مستقاة من مجموعة مصادر وبسبب المزيج المعقد من المعلومات التي تحتوي عليها.

لا يوجد حظر قانوني على قيام الحكومة بجمع المعلومات التي كُشف عنها بالفعل للجمهور أو المتاحة للجمهور. لكن المعلومات غير العامة المدرجة في التقرير الذي رُفعت عنه السرية تتضمن بيانات يحميها القانون الأميركي عادةً. لذا فإن مزيج المعلومات غير العامة من البيانات الخاصة أو الحساسة أو السرية أو المحمية بطريقة أخرى بشكل قانوني يجعل عملية الجمع منطقة رمادية قانونية.

* ثغرة تشريعية. على الرغم من عقود من تجميع البيانات التجارية المعقدة والمتطفلة بشكل متزايد، لم يقر الكونغرس قانوناً فيدرالياً لخصوصية البيانات. يؤدي عدم وجود تنظيم اتحادي حول البيانات إلى وجود ثغرة أمام الوكالات الحكومية للتهرب من قانون المراقبة الإلكترونية. كما يسمح للوكالات بتجميع قواعد بيانات هائلة تتعلم منها أنظمة الذكاء الاصطناعي وتستخدمها بطرق غير مقيدة في كثير من الأحيان...

يُقرّ تقرير مكتب مدير الاستخبارات الوطنية بالثغرة المذهلة التي توفرها المعلومات المتاحة تجارياً للمراقبة الحكومية: «لم يكن مسموحاً للحكومة مطلقاً بإجبار مليارات الأشخاص على حمل أجهزة تتبّع الموقع على أشخاصهم في جميع الأوقات، وتسجيل الدخول وتتبع معظم تفاعلاتهم الاجتماعية، أو الاحتفاظ بسجلات خالية من العيوب لجميع عادات القراءة لديهم. ومع ذلك، كان للهواتف الذكية والسيارات المتصلة وتقنيات تتبع الويب وإنترنت الأشياء وغيرها من الابتكارات، هذا التأثير دون مشاركة الحكومة».

إلا أنه كان بإمكان السلطة التشريعية منع هذا الموقف من خلال سن قوانين خصوصية البيانات، وتنظيم ممارسات البيانات التجارية بشكل أكثر إحكاماً، وتوفير الرقابة في تطوير الذكاء الاصطناعي. يمكن للكونغرس حتى الآن معالجة المشكلة.

إن قوانين خصوصية البيانات الفعالة ستحافظ على معلوماتك الشخصية أكثر أماناً من الوكالات الحكومية والشركات، وستمنع تنظيمات الذكاء الاصطناعي المسؤولة هذه المعلومات من التلاعب بك.

* أستاذة قانون زائرة في جامعة «ريتشمون» الأميركية، «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

أميركا لتوسيع الحرب التكنولوجية على الصين

الاقتصاد زوار في جناح «هواوي» خلال مؤتمر التكنولوجيا بالصين - 26 يوليو 2025 (رويترز)

أميركا لتوسيع الحرب التكنولوجية على الصين

أمرت وزارة الخارجية الأميركية بحملة عالمية لتسليط الضوء على محاولات لشركات صينية؛ مثل «ديب سيك» للذكاء الاصطناعي، لسرقة حقوق الملكية الفكرية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا (الولايات المتحدة))
الاقتصاد مشهد عام للبنك المركزي النرويجي حيث يقع صندوق الثروة السيادي في أوسلو (رويترز)

تراجع أسهم التكنولوجيا يكبّد الصندوق السيادي النرويجي خسارة فصلية بـ68 مليار دولار

أعلن صندوق الثروة السيادي النرويجي، الأكبر في العالم بأصول تبلغ نحو 2.2 تريليون دولار، يوم الخميس، تسجيل خسارة قدرها 636 مليار كرونة نرويجية (68.44 مليار دولار)

«الشرق الأوسط» (أوسلو )
خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

خاص من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

دراسة «لينوفو» تكشف اعتماد طلاب الجيل زد على الأجهزة اللوحية، والذكاء الاصطناعي للدراسة، والإبداع، والتنظيم اليومي مع أولوية للأمان، والاستدامة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.