من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

منصات ووكلاء ورقائق وبيانات وأمن... ماذا تعني لجاهزية المؤسسات في الخليج؟

تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)
تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)
TT

من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)
تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

سعت «غوغل كلاود» في مؤتمرها السنوي «Google Cloud Next 2026» الذي حضره أكثر من 30 ألف مشارك، الأربعاء، في مدينة لاس فيغاس الأميركية، إلى تقديم صورة أوسع من مجرد سلسلة إعلانات تقنية جديدة. فمنذ اليوم الأول، بدا أن الشركة تريد وضع الحدث في إطار تحول أكبر في الذكاء الاصطناعي المؤسسي، عنوانه الانتقال من مرحلة الاستخدام التجريبي إلى مرحلة التشغيل الواسع داخل المؤسسات. هذا التحول صاغته «غوغل» تحت مفهوم «المؤسسة الوكيلة»، أي مؤسسة لا يقتصر فيها الذكاء الاصطناعي على المساعدة أو التلخيص، بل يمتد إلى بناء الوكلاء وتشغيلهم وربطهم بالبيانات والأنظمة وسير العمل اليومي.

توماس كوريان الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود» خلال كلمته الافتتاحية (غوغل)

حاول توماس كوريان الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود» أن يضع هذا الاتجاه في صياغة واضحة، مقدماً الكلمة الافتتاحية بوصفها «خريطة طريق للمؤسسة الوكيلة». وفي المعنى الذي خرج به اليوم الأول، فإن الرسالة لم تكن أن الذكاء الاصطناعي يدخل الشركات بوصفه أداة إضافية، بل إنه يدفعها نحو نموذج تشغيلي جديد، تصبح فيه البنية التحتية والبيانات والحوكمة والأمن وتطبيقات العمل أجزاء مترابطة في طبقة واحدة أكثر اعتماداً على الوكلاء. كما سعى الحدث إلى دعم هذا الطرح بأرقام تعكس الزخم الذي تريد الشركة إبرازه، قائلة إن نحو 75 في المائة من عملاء «غوغل كلاود» يستخدمون منتجاتها للذكاء الاصطناعي، وإن نماذجها الأساسية تعالج أكثر من 16 مليار رمز في الدقيقة عبر الاستخدام المباشر من العملاء.

ركائز التحول المؤسسي

على مستوى الإعلانات نفسها، كان المشهد موزعاً على 4 ركائز رئيسية. الأولى كانت «Gemini Enterprise Agent Platform» التي قدمتها «غوغل» بوصفها منصة لبناء الوكلاء الذكيين وتوسيعهم وحوكمتهم ومراقبتهم داخل المؤسسات. والثانية كانت البنية التحتية، مع الإعلان عن الجيل الثامن من وحدات «TPU» إلى جانب ما تصفه الشركة بمعمارية «AI Hypercomputer». أمّا الركيزة الثالثة فكانت «Agentic Data Cloud» التي تعكس محاولة لإعادة صياغة علاقة الذكاء الاصطناعي ببيانات المؤسسات. وجاءت الرابعة عبر «Agentic Defense» الذي يربط بين الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وحماية التطبيقات والبيئات السحابية. كما أضافت الشركة طبقة رابعة موازية على مستوى الاستخدام اليومي، عبر توسيع دور «Gemini Enterprise» داخل بيئات العمل، وتقديم «Workspace Intelligence» بوصفها طبقة دلالية تربط بين أدوات مثل «جيميل» و«دوكس» و«درايف» و«ميت» و«شات». وباختصار، فإن الحدث لم يُبنَ حول إعلان نموذج جديد فقط، بل حول حزمة تقول إن المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي ستكون معركة تشغيل مؤسسي متكامل.

ركزت إعلانات الحدث على 4 طبقات رئيسية تشمل الوكلاء والبنية التحتية والبيانات والأمن السيبراني (غوغل)

جاهزية الخليج للذكاء المؤسسي

ما يمنح هذا الطرح وزناً أكبر بالنسبة إلى الخليج هو أن المنطقة نفسها باتت معنية بهذه المرحلة من تطور الذكاء الاصطناعي. فالنقاش هنا لم يعد يقتصر على أهمية الذكاء الاصطناعي أو الرغبة في استخدامه، بل يتجه بصورة متزايدة إلى كيفية تشغيله على نطاق أوسع داخل القطاعات الحساسة والمنظمة، مثل التمويل والاتصالات والرعاية الصحية والطاقة والخدمات اللوجستية والقطاع الحكومي. ومن هذه الزاوية، فإن ما قُدم في «نيكست 2026» لا يبدو مجرد إعلانات حدث سنوي، بل يعكس تحولاً أوسع في السوق من التركيز على الوصول إلى النماذج إلى التركيز على الجاهزية المؤسسية لتشغيلها.

وبالنسبة إلى السعودية تحديداً، فإن هذا يبرز اتجاهاً نحو نقاش أكثر ارتباطاً بالجوانب التشغيلية والتطبيقية. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالبنية الحاسوبية أو الشراكات أو إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي إلى بعض الوظائف، بل أيضاً بكيفية دمج هذه التقنيات داخل الأنظمة والعمليات المؤسسية بصورة فعالة ومنظمة. ويشمل ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي في بيئات خاضعة للامتثال، وتوظيفه في عمليات الشبكات والخدمات، والاستفادة من الوكلاء داخل المؤسسات مع الحفاظ على المتابعة والتدقيق والضبط المؤسسي.

المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي ستعتمد على قدرة المؤسسات على تشغيله على نطاق واسع داخل بيئات العمل الفعلية (شاترستوك)

حوكمة البنية الذكية

عندما تتحدث «غوغل» عن منصة لإدارة الوكلاء، أو عن هوية الوكيل، أو عن بوابة للتحكم في تفاعلاته، أو عن أدوات للمراقبة، فإن هذه ليست مجرد تفاصيل تقنية داخل منتج جديد، بل تعكس اتجاهاً أوسع في السوق نحو تشغيل الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات ضمن أطر واضحة وقابلة للمراجعة. وهذه نقطة مهمة لأن إحدى الرسائل الأكثر دلالة في الحدث الذي حضرته «الشرق الأوسط» كانت أن النقاش لم يعد يتمحور فقط حول القدرة على بناء وكيل ذكي، بل حول كيفية إدارة أعداد كبيرة منهم داخل المؤسسة الواحدة. وبالنسبة إلى السعودية والخليج، فإن هذا يبرز أهمية طبقات الحوكمة والمراقبة والهوية، خصوصاً مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحساسة.

والأمر نفسه ينطبق على البنية التحتية. فإعلانات مثل «TPU 8t» و«TPU 8i» و«AI Hypercomputer» لا تكتسب أهميتها فقط من سباق الرقائق أو من التنافس بين مزودي الحوسبة السحابية، بل أيضاً من دلالتها على أن المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي ستعتمد على بنية تحتية تدعم التدريب والاستدلال المستمر واسع النطاق. ومن هذه الزاوية، يبرز التركيز على كيفية توظيف هذه البنية في تطبيقات مؤسسية عملية عبر قطاعات متعددة.

تعكس وحدات «TPU» الجديدة التي أعلنتها «غوغل» تركيزاً واضحاً على بنية تحتية تخدم التدريب والاستدلال معاً (غوغل)

البيانات في الصدارة

ثم تأتي البيانات، وهي من العناصر الأساسية في المرحلة المقبلة. فطرح «Agentic Data Cloud» يعكس اتجاهاً متزايداً نحو تعزيز جاهزية البيانات وربطها بشكل أفضل داخل المؤسسات. وبالنسبة إلى السعودية، فإن هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة مع تسارع التحول الرقمي في ظل «رؤية 2030» واتساع الحاجة إلى بيئات بيانات أكثر ترابطاً، بما يتيح للذكاء الاصطناعي العمل بسياق أعمال أدق وأكثر فاعلية.

وفي هذا السياق، لا تبدو طبقة الاستخدام اليومي التي تحدثت عنها «غوغل» أقل أهمية من طبقات الرقائق أو المنصات. فعندما توسع الشركة دور «Gemini Enterprise» داخل بيئة العمل، وتقدم «Workspace Intelligence» كطبقة سياقية موحدة عبر البريد والمستندات والاجتماعات والمحادثات والملفات، فهي لا تضيف مزايا إنتاجية فقط، بل ترسم تصوراً لبيئة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي أقرب إلى جزء من التدفق اليومي للعمل، لا أداة منفصلة على الهامش. وهذه النقطة تهم المنطقة أيضاً، لأن نجاح الذكاء الاصطناعي في المؤسسات لن يُقاس فقط بما إذا كانت الإدارات التقنية قادرة على بنائه، بل بما إذا كان يمكن دمجه في العمل الفعلي للموظفين والفرق من دون زيادة التعقيد أو خلق طبقات تشغيلية منفصلة.

أوضح المؤتمر أن نجاح الذكاء الاصطناعي المؤسسي يتطلب حوكمة أوضح وبيانات أكثر ترابطاً وبنية تحتية تدعم الاستدلال المستمر (غوغل)

الأمن في الصميم

أما الأمن، فكان واحداً من أكثر المحاور التي كشفت أن السوق دخلت مرحلة أكثر واقعية. فعبر «Agentic Defense»، سعت «غوغل» إلى ربط الذكاء الاصطناعي مباشرة بالأمن السيبراني، ليس باعتباره طبقة منفصلة، بل جزءاً من المعمارية نفسها. هذه النقطة لها أهمية واضحة في المنطقة، لأن توسع الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات في قطاعات مثل الطاقة والاتصالات والقطاع المالي لا يمكن فصله عن سؤال الثقة والاستمرارية والقدرة على احتواء المخاطر. وكلما توسعت المؤسسات في استخدام الوكلاء وربطتهم ببياناتها وأنظمتها، أصبح الأمن جزءاً من الذكاء الاصطناعي ذاته، لا مجرد إضافة لاحقة إليه.

ومن بين الرسائل المهمة أيضاً في الحدث أن «غوغل» حاولت الجمع بين فكرتين تبدوان متوازيتين. إحداهما تقديم حزمة متكاملة ومحسنة رأسياً من جهة، والأخرى التأكيد على الانفتاح وتعدد النماذج والتكامل مع الشركاء من جهة أخرى. وهذه ليست مجرد نقطة تنافسية بين الشركات الكبرى، بل مسألة عملية للمؤسسات نفسها، خصوصاً في الأسواق التي تسعى إلى الموازنة بين التكامل التقني والمرونة التشغيلية على المدى الطويل. وبالنسبة إلى الخليج، فإن هذا التوازن بين التكامل والانفتاح يبرز كأحد الأسئلة المهمة في المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي المؤسسي.

ربما يكون أهم ما كشفه اليوم الأول من «Google Cloud Next 2026» بالنسبة إلى السعودية والخليج ليس منتجاً واحداً بعينه، بل طبيعة التحول الذي يعكسه. فالموجة الأولى من الذكاء الاصطناعي كانت تدور حول إثبات الفائدة. أما الموجة التالية، كما بدت في لاس فيغاس، فتدور حول إثبات الجاهزية. وهذا يعني أن المعركة المقبلة لن تُحسم فقط بمن يملك النموذج الأذكى، بل بمن يملك المؤسسة الأقدر على تشغيله، وضبطه، وتأمينه، وربطه ببياناته وعملياته، وتحويله من تجربة لافتة إلى قدرة يومية يمكن الوثوق بها. ومن هذه الزاوية، فإن الرسالة الأهم القادمة من الحدث ليست تقنية فقط، بل مؤسسية أيضاً: المرحلة المقبلة في الذكاء الاصطناعي في المنطقة ستكون معركة تنفيذ بقدر ما هي معركة ابتكار.


مقالات ذات صلة

من «سفاري» إلى «سيري»...هل يعمّق الذكاء الاصطناعي علاقة «أبل» و«غوغل»؟

تحليل إخباري شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من صفقة البحث التقليدية إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات (رويترز)

من «سفاري» إلى «سيري»...هل يعمّق الذكاء الاصطناعي علاقة «أبل» و«غوغل»؟

شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من محرك البحث إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات الذكية.

نسيم رمضان (لندن)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يلقي خطاباً في «أسبوع لندن للتكنولوجيا» حول خطط الحكومة لاستخدام التكنولوجيا لتعزيز النمو في لندن... المملكة المتحدة 8 يونيو 2026 (أ.ب)

بريطانيا تمهل عمالقة التكنولوجيا 3 أشهر لمنع تبادل محتوى جنسي بين القصّر

أمرت الحكومة البريطانية، الاثنين، شركات التكنولوجيا العملاقة بتوفير أدوات خلال ثلاثة أشهر لمنع إرسال الصور الجنسية الفاضحة واستقبالها من جانب المستخدمين القصّر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا مقر شركة «سبيس إكسبلوريشن تكنولوجيز» (سبيس إكس) في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

«غوغل» تدفع لماسك 920 مليون دولار شهرياً لتأجير قدرة حاسوبية

سوف تحصل «سبيس إكس» للنقل الفضائي المملوكة لإيلون ماسك على 920 مليون دولار شهرياً من «غوغل» بالسنوات المقبلة لتأجير قوتها الحاسوبية لعملاق التكنولوجيا المنافس.

«الشرق الأوسط» ( سان فرانسيسكو)
الاقتصاد مقر شركة «سبيس إكسبلوريشن تكنولوجيز» (سبيس إكس) في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

«غوغل» تدفع لماسك 920 مليون دولار شهرياً لتأجير قدرة حاسوبية

من المقرر أن تحصل شركة «سبيس إكس» للنقل الفضائي المملوكة لإيلون ماسك، على 920 مليون دولار شهرياً من «غوغل» في السنوات المقبلة لتأجير قوتها الحاسوبية.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
الاقتصاد زوار يمرُّون بجناح يعرض أحرف «AI» (الذكاء الاصطناعي) في معرض هانوفر الصناعي يوم 21 أبريل 2026 (رويترز)

سندات الذكاء الاصطناعي تعيد رسم خريطة أسواق الدَّين العالمية وتتحدى الهيمنة الدولارية

تُعد شركة «ألفابت»، المالكة لـ«غوغل»، فعلاً، من أكبر المقترضين في أسواق سندات الشركات المقومة بالجنيه الإسترليني والفرنك السويسري.

«الشرق الأوسط» (لندن)

من التحديث السنوي إلى الاستجابة السريعة... كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي أمن الشبكات؟

أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)
أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)
TT

من التحديث السنوي إلى الاستجابة السريعة... كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي أمن الشبكات؟

أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)
أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)

في عصر الذكاء الاصطناعي، يتغير أمن البنية التحتية من إدارة دورية للتحديثات إلى سباق مستمر مع ثغرات يمكن اكتشافها واستغلالها بسرعة غير مسبوقة. وترى شركة «سيسكو» أن المؤسسات لم تعد قادرة على التعامل مع الشبكات ومراكز البيانات بمنطق الصيانة المتباعدة أو التحديث السنوي. في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «سيسكو لايف 2026» في مدينة لاس فيغاس الأميركية، يقول توم غيليس، نائب الرئيس الأول والمدير العام لمجموعة البنية التحتية والأمن في «سيسكو»، إن الذكاء الاصطناعي لا يسرّع الهجمات فقط، بل يفرض نموذجاً جديداً لتشغيل البنية التحتية وتأمينها. ويضيف أن البيانات التي ترصدها الشركة أصبحت واضحة في إظهار هذا التحول، موضحاً أن الفترة بين اكتشاف الثغرات واستغلالها «انتقلت من أشهر إلى دقائق». ولا تتوقف المشكلة عند سرعة المهاجمين فقط، بل إن النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي، كما يقول، باتت تملك قدرة أعلى بكثير على العثور على الثغرات؛ ما يضع المؤسسات أمام عدد أكبر من نقاط الضعف، وزمن أقصر للتعامل معها، وبنية تحتية لا تزال في كثير من الحالات تُدار بإيقاع بطيء.

توم غيليس نائب الرئيس الأول والمدير العام لمجموعة البنية التحتية والأمن في «سيسكو» (الشركة)

نهاية منطق التحديث السنوي

لعقود، تعاملت المؤسسات مع البنية التحتية بأسلوب يقوم على التصميم ثم التحقق ثم النشر، وبعد ذلك تجنب التغيير لأطول فترة ممكنة. يصف غيليس هذا النموذج بالقول إن الفِرق كانت تبني تصميماً لمركز بيانات أو شبكة، تتحقق منه، تنشره، ثم تحاول «ألا تلمسه لأطول فترة ممكنة». كان هذا المنطق مقبولاً في عالم تظهر فيه بضع ثغرات خلال العام، ويحتاج فيه المهاجمون إلى شهور لاستغلالها.

لكن هذه المعادلة لم تعد قائمة. فإذا كانت المؤسسة تحدّث بنيتها مرة واحدة في السنة، في حين تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي العثور على ثغرات واستغلالها خلال فترة قصيرة، فإن الفجوة بين سرعة الهجوم وسرعة الدفاع تصبح خطرة. المشكلة لا تكمن في وجود الثغرات وحدها، بل في أن نموذج التعامل معها ما زال مبنياً على افتراضات قديمة.

ويدعو غيليس إلى نقل فلسفة التشغيل المعروفة في بيئات السحابة إلى البنية التحتية التقليدية. ففي السحابة، لا تعتمد المؤسسات عادة على تغييرات ضخمة ومتباعدة، بل على تعديلات صغيرة ومتكررة، تُختبر باستمرار ويمكن التراجع عنها بسرعة إذا حدث خلل.

برأي غيليس، يجب ألا يبقى هذا النموذج محصوراً في التطبيقات السحابية؛ لأن الشبكات ومراكز البيانات والفروع والبيئات الموزعة تحتاج إلى المرونة نفسها. ويردف أن التحديث عندما يحدث مرة واحدة في السنة يصبح «خطوة كبيرة» من وضع إلى آخر، وغالباً ما يحمل معه خطر التعطيل. أما التغييرات الصغيرة المتتابعة، فتجعل المؤسسة أكثر قدرة على التكيف، وتسمح بإصلاح أسرع، وتقلل الخوف من التحديثات الكبيرة.

درع مؤقت لا بديل عن التصحيح

ضمن هذا التحول، تطرح «سيسكو» تقنية» (Live Protect) بوصفها أداةً لسد الفجوة بين لحظة الإعلان عن ثغرة حرجة ولحظة تطبيق التصحيح الكامل. ويحرص غيليس على توضيح حدود هذه التقنية بدقة، قائلاً إنها «ليست تصحيحاً» ولا تلغي الحاجة إلى التحديث، بل تعمل بوصفها «درعاً مؤقتاً» أو «تحكماً تعويضياً» يمنع استغلال ثغرة معروفة إلى حين تطبيق الحل النهائي.

أهمية هذا المفهوم أنه يتعامل مع مشكلة عملية تواجه معظم المؤسسات؛ لأن بعض الأنظمة لا يمكن إيقافها بسهولة. تعطيل منصة تجارة إلكترونية، أو خدمة مصرفية، أو شبكة اتصالات، أو بنية حكومية، قد يسبب خسائر أو اضطراباً كبيراً. وفي الوقت نفسه، لم يعد ترك ثغرة حرجة مكشوفة إلى حين توافر نافذة صيانة خياراً آمناً.

يشرح غيليس بأن «Live Protect» يمكن نشره على مكونات مثل المفاتيح والموجّهات والجدران النارية من دون الحاجة إلى إعادة تشغيلها. هذه نقطة جوهرية؛ لأنها تنقل الحماية من إجراء ثقيل ينتظر نافذة صيانة إلى استجابة أسرع، تُستخدم كجسر بين الإعلان عن الثغرة وتطبيق التصحيح الكامل.

ويرى أن هذه القدرة «تحولية» بالنسبة إلى المؤسسات التي لا تستطيع تحمل التوقف، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل الثغرات. ففي عالم تتعرض فيه الثغرات للاستغلال بسرعة أكبر، يصبح المطلوب تقليص الزمن بين معرفة الخطر واحتوائه، حتى لو لم يكن التصحيح النهائي قد طُبق بعد.

في البداية، قد يفضّل العملاء نشر هذه الدروع يدوياً لاختبارها وبناء الثقة بها. لكن التصميم الذي تتجه إليه «سيسكو»، كما يوضح، هو أنه عندما تعلن الشركة عن ثغرة يمكن أن تقدم التصحيح، وفي الحالات المناسبة تقدم الدرع المؤقت، بحيث يصبح نشره فورياً عندما يثق العملاء بهذه الآلية.

وكلاء الذكاء الاصطناعي يفتحون تحدياً أمنياً جديداً لأن المؤسسات تحتاج إلى حمايتهم والتحكم فيما يمكنهم فعله داخل الأنظمة (شاترستوك)

من الهجمات على البنية إلى الحماية المستمرة

يشير غيليس إلى أن تفكير «سيسكو» في هذه الضوابط لم يأتِ من فراغ، بل من متابعة هجمات ركزت على البنية التحتية نفسها، ومنها حملات مثل «Volt Typhoon» و«Salt Typhoon». هذه الهجمات، حسب شرحه، استهدفت بيئات مثل مزودي الاتصالات، حيث لا يكون تحديث البنية أمراً سهلاً أو سريعاً.

في مثل هذه الحالات، لا تكون المشكلة فقط في معرفة الثغرة أو امتلاك التصحيح، بل في القدرة على نشره من دون تعطيل خدمات حساسة. لذلك يصبح «التحكم التعويضي» ضرورياً. فهو لا يحل المشكلة من جذورها، لكنه يمنح المؤسسة وقتاً آمناً نسبياً للتحرك. ومع انضغاط الزمن بين اكتشاف الثغرة واستغلالها، يصبح هذا الجسر جزءاً أساسياً من نموذج الدفاع الجديد.

البنية تحتاج إلى مرونة السحابة

اللافت، في طرح غيليس أنه لا يقدم الأمن كطبقة منفصلة تضاف إلى البنية، بل كطريقة جديدة لتشغيلها. فالشبكة أو مركز البيانات لا يمكن أن يبقى نظاماً ثابتاً تخشى المؤسسة لمسه، بينما تتغير التهديدات بسرعة الآلة.

يشير غيليس إلى استخدام «التوأم الرقمي» كنموذج برمجي يراقب سلوك البنية التحتية ويمثلها باستخدام الذكاء الاصطناعي. وعندما تريد المؤسسة تطبيق تغيير في الإعدادات أو تحديث في المكونات التشغيلية، يمكن اختبار هذا التغيير داخل النموذج قبل نقله إلى الواقع.

فكلما زادت ثقة فرق التقنية بأن التغيير سيعمل من دون تعطيل، أصبح التحرك أسرع. ويرى غيليس أن الجمع بين التغييرات الصغيرة، والاختبار المسبق، والتوأم الرقمي، يمكن أن يجعل البنية التحتية «أسهل في الإدارة، وأكثر مرونة، وأكثر ديناميكية»، بما يناسب ما يسميه عالم ما بعد الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي يقلّص الوقت بين اكتشاف الثغرات وتحويلها هجماتٍ من أشهر إلى دقائق (شاترستوك)

الوكلاء الأذكياء... مشكلة أمنية باتجاهين

لا يتوقف حديث غيليس عند الثغرات التقليدية، فظهور وكلاء الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة من التعقيد. هذه الأنظمة لا تكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يمكنها تنفيذ خطوات، والوصول إلى أدوات وبيانات، والتفاعل مع تطبيقات داخل المؤسسة.

يرى غيليس أن المشكلة تسير في اتجاهين، الأول يتعلق بحماية الوكلاء من العالم الخارجي، أي منع التلاعب بهم أو تسميمهم أو دفعهم إلى تنفيذ أوامر خبيثة. ويشرح أن الوكلاء «قطع برمجية معقدة وذكية»، لكنها لا تمتلك حكماً بشرياً. لذلك؛ يجب حمايتها في مراحل مختلفة: أثناء البناء، وقبل الإطلاق عبر الاختبارات والهجمات التجريبية، وأثناء التشغيل من خلال مراقبة المدخلات والوصول إلى الأدوات والموارد.

ويشبّه غيليس الوكلاء الأذكياء بـ«المراهقين» الذين لديهم نوايا جيدة، لكنهم قد يرتكبون «أخطاء غبية» إذا لم تُوضع حولهم الضوابط المناسبة. هذا التشبيه يوضح طبيعة الخطر، حيث إن الوكيل قد لا يكون خبيثاً، لكنه قد يتصرف بطريقة غير متوقعة أو يسيء فهم الهدف أو يتجاوز حدود المهمة.

أما الاتجاه الآخر والأصعب، فيتعلق بحماية المؤسسة من الوكلاء أنفسهم. فالمؤسسة قد ترغب في أن يصل وكيل ذكي إلى أنظمة داخلية لإنجاز مهمة محددة، لكنها لا تريد منحه صلاحيات مفتوحة. يضرب غيليس مثالاً بوكيل يعالج تقارير المصروفات ويحتاج إلى الوصول إلى نظام السفر، والتقويم، وربما صور الفواتير أو بيانات بطاقة الائتمان لمطابقة النفقات. هذه مهمة مفيدة ومحددة، لكن المؤسسة لا تريد أن يتحول هذا الوصول قدرةً على شراء أشياء لا علاقة لها بالمهمة.

ولتوضيح الفكرة، يستخدم غيليس مثالاً بسيطاً كوكيل طُلب منه ألا يشتري سيارة «بورشه»، قد يختار «فيراري»، وإذا منعته من ذلك قد يبحث عن خيار آخر. المشكلة، كما يوضح، ليست في اسم الشيء المحظور، بل في نية التصرف. لذلك؛ لا تكفي القواعد الثابتة وحدها. تحتاج المؤسسة إلى أنظمة تفهم السياق والنية، وتستطيع التمييز بين وكيل ينهي تقرير مصروفات وآخر يخرج عن غرضه الأصلي.

لماذا يصبح الإنسان أسهل من الوكيل؟

وفي رد على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عما يُعدّ أسهل في التحكم به، يعد غيليس أن التحكم في البشر «أسهل بكثير» من التحكم في وكلاء الذكاء الاصطناعي. فالإنسان يملك حكماً وسياقاً وإدراكاً للعواقب. قد يستطيع موظف ما إساءة استخدام بطاقة أو نظام، لكنه يعرف أن هناك مساءلة وأن شخصاً سيدفع الثمن. أما الوكيل، كما يقول غيليس، «لا يهتم» بهذه العواقب بالطريقة نفسها.

فالتحدي داخل المؤسسات لم يعد منح صلاحية لمستخدم بشري فقط، بل إدارة كيانات برمجية قادرة على الحركة داخل الأنظمة، واتخاذ خطوات متعددة بسرعة عالية. لذلك؛ تحتاج المؤسسات إلى نموذج جديد للهوية والحوكمة والمراقبة، يتعامل مع الوكلاء كفاعلين داخل البيئة الرقمية، لا كأدوات بسيطة.

ويشير غيليس إلى أن مراقبة الوكلاء ستحتاج بدورها إلى ذكاء اصطناعي من حيث التفاعل بين الوكيل والتطبيق، أو بين الوكيل ونموذج لغوي آخر والذي قد يكون معقداً وسريعاً. لذلك؛ تحتاج المؤسسات إلى أنظمة قادرة على تحليل السلوك، ورصد الخروج عن النمط، وتقييم النية، لا مجرد البحث عن كلمات أو أوامر محددة.

نموذج التحديث السنوي لم يعد كافياً لحماية الشبكات ومراكز البيانات في بيئة تهديدات سريعة (شاتوستوك)

الجاهزية الكمية قبل وضوح الخطر بالكامل

يتناول غيليس مسألة الحوسبة الكمية وما يعرف بمخاطر «احصد الآن وافك التشفير لاحقاً». الفكرة هنا أن جهات قد تجمع اليوم بيانات مشفرة لا تستطيع فكها حالياً، لكنها تراهن على أن تطور الحوسبة الكمية مستقبلاً قد يجعل فك بعض أنظمة التشفير ممكناً.

لا يقدم غيليس موعداً قاطعاً لحدوث هذا التحول، بل يقول إن الجميع يدرك القلق، لكن «لا أحد يعرف الإطار الزمني» بدقة. قد يكون الخطر قريباً، أو قد يحتاج إلى جيل أو جيلين تقنيين إضافيين. لكن موقف «سيسكو»، كما يشرحه، هو أن المؤسسات لا ينبغي أن تنتظر اليقين الكامل قبل التحرك.

ويضيف أن الشركة تعمل على إدخال خوارزميات آمنة في مواجهة التهديدات الكمية داخل البنية التحتية، بحيث تصبح هذه الحماية جزءاً مدمجاً وخفيفاً من الأنظمة. ويشير إلى أن «سيسكو» تستهدف أن تكون هذه الخوارزميات مدمجة في بنية مراكز البيانات بنهاية العام، مع توسع تدريجي لاحقاً.

أهمية هذا الملف أنه يرتبط بالبيانات طويلة الأمد، خاصة فيما يخص المعلومات الحكومية أو المالية أو الصحية أو الصناعية التي قد تبقى حساسة لسنوات طويلة. وإذا جُمعت اليوم وهي مشفرة بطرق قد تصبح قابلة للكسر مستقبلاً، فإن الخطر لا يتعلق باليوم فقط، بل بعمر البيانات نفسها.

الأمن بوصفه طريقة تشغيل لا طبقة إضافية

ما يقدّمه غيليس في حديثه لـ«الشرق الأوسط» هو تصور أوسع لأمن البنية التحتية في مرحلة ما بعد الذكاء الاصطناعي. لم تعد القضية مجرد شراء أدوات أمنية إضافية، بل تغيير طريقة تشغيل الأنظمة نفسها. فالهجمات أسرع، والثغرات أكثر، والوكلاء الأذكياء يدخلون بيئات العمل، والحوسبة الكمية تفرض استعداداً مبكراً.

في هذا السياق، يصبح الأمن عملية مستمرة، لا مشروعاً دورياً. والتحديثات يجب أن تكون أصغر وأكثر تكراراً. أما الحماية المؤقتة فيجب أن تسد فجوة الخطر من دون تعطيل. والتوأم الرقمي يجب أن يقلل الخوف من التغيير، والوكلاء يجب أن يخضعوا لحوكمة تفهم النية والسلوك، لا الأوامر المباشرة فقط.

لا يغير الذكاء الاصطناعي شكل الهجوم فقط، بل يغيّر إيقاع الدفاع. والمؤسسات التي تواصل إدارة بنيتها بمنطق الثبات الطويل قد تجد نفسها أمام تهديدات تتحرك أسرع من قدرتها على الاستجابة. أما المؤسسات التي تتجه إلى نموذج أكثر ديناميكية، قائم على التغيير المستمر والاختبار المسبق والحماية المؤقتة والحوكمة الذكية، فقد تكون أقرب إلى متطلبات المرحلة المقبلة.

بهذا المعنى، لا يبدو مستقبل أمن البنية التحتية مرتبطاً بتحديث أكبر أو أداة واحدة أكثر تقدماً، بل بنموذج تشغيل جديد يعامل الشبكات ومراكز البيانات والأنظمة الموزعة كبيئات حية تتغير باستمرار، وتحتاج إلى دفاع قادر على الحركة بالسرعة نفسها.


من «سفاري» إلى «سيري»...هل يعمّق الذكاء الاصطناعي علاقة «أبل» و«غوغل»؟

شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من صفقة البحث التقليدية إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات (رويترز)
شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من صفقة البحث التقليدية إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات (رويترز)
TT

من «سفاري» إلى «سيري»...هل يعمّق الذكاء الاصطناعي علاقة «أبل» و«غوغل»؟

شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من صفقة البحث التقليدية إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات (رويترز)
شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من صفقة البحث التقليدية إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات (رويترز)

تفتح تحديثات «أبل» الأخيرة في الذكاء الاصطناعي باباً جديداً للنقاش حول طبيعة علاقتها مع «غوغل». فالشركتان اللتان ارتبطت أسماؤهما لسنوات طويلة بصفقات البحث الافتراضي على أجهزة «أبل»، تدخلان الآن مرحلة أكثر حساسية تتعلق بنماذج الذكاء الاصطناعي والبنية السحابية التي ستدعم الجيل المقبل من مزايا «ذكاء أبل» (Apple Intelligence) و«سيري» الأكثر تخصيصاً.

لكن قراءة هذه العلاقة باعتبارها تحالفاً كاملاً ستكون مبالغة. كما أن تصويرها على أنها تراجع من «أبل» عن استقلالها التقني لا يبدو دقيقاً. الأقرب أنها شراكة انتقائية تعكس طبيعة المرحلة الحالية في سوق الذكاء الاصطناعي. فحتى أكبر شركات التكنولوجيا لم تعد تبني كل شيء وحدها، بل تختار أين تعتمد على شركاء، وأين تحتفظ بالسيطرة المباشرة على تجربة المستخدم والخصوصية والنظام التشغيلي.

من البحث إلى الذكاء الاصطناعي

لسنوات، كانت العلاقة بين «أبل» و«غوغل» تُفهم غالباً من خلال البحث. «غوغل» تستفيد من الوصول إلى قاعدة مستخدمي «أبل» الواسعة، و«أبل» تستفيد من عائدات كبيرة ومنح مستخدميها محرك بحث مألوفاً. أما الآن، فالمسألة تنتقل إلى طبقة أعمق من التقنية.

في البيان المشترك بين الشركتين، أعلنت «أبل» و«غوغل» تعاوناً متعدد السنوات، يقوم على أن الجيل المقبل من «Apple Foundation Models» سيستند إلى نماذج «جميناي» (Gemini) وتقنيات «غوغل» السحابية، لدعم مزايا مستقبلية في «ذكاء أبل»، من بينها نسخة أكثر تخصيصاً من «سيري». هذه النقطة هي ما يجعل العلاقة مختلفة عن شراكة توزيع أو تكامل خدمات. نحن هنا أمام دور محتمل لـ«غوغل» داخل طبقة الذكاء نفسها، حتى لو بقيت التجربة المعروضة للمستخدم باسم «أبل».

تعتمد «أبل» على قدرات «غوغل» في النماذج لكنها تحافظ على التحكم في تجربة المستخدم والخصوصية والنظام التشغيلي (شاترستوك)

لماذا تحتاج «أبل» إلى هذه الشراكة؟

تدخل «أبل» هذه المرحلة وهي تدرك أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أساسياً من المنافسة بين أنظمة التشغيل والأجهزة. لم يعد السؤال عن جودة الكاميرا أو سرعة المعالج فقط، بل عن قدرة الهاتف أو الحاسوب على فهم السياق، تنفيذ المهام عبر التطبيقات، تلخيص المعلومات، التعامل مع الصور والنصوص، ومساعدة المستخدم بطريقة أكثر شخصية.

من هذه الزاوية، تمنح شراكة «غوغل» «أبل» طريقاً أسرع لتقوية قدراتها في النماذج التوليدية، من دون أن تضطر إلى انتظار اكتمال كل مكونات بنيتها الداخلية. فـ«غوغل» تملك خبرة واسعة في النماذج الكبيرة، والبحث، والسحابة، ومعالجة اللغة، بينما تملك «أبل» سيطرة عميقة على الأجهزة، ونظام التشغيل، والتجربة اليومية للمستخدم.

هذه ليست معادلة غريبة في عالم التقنية. الشركات الكبرى تتنافس في مجالات وتتعاون في أخرى. الفارق هنا أن التعاون يأتي في لحظة أصبح فيها الذكاء الاصطناعي عنصراً مركزياً في مستقبل الأجهزة الشخصية.

سيطرة «أبل» على التجربة

رغم أهمية «غوغل» في هذه المعادلة، لا يبدو أن «أبل» تريد تقديم التجربة باعتبارها «جميناي على آيفون». العلامة التي ستراها الغالبية هي «Apple Intelligence» و«سيري». هذا مهم، لأن «أبل» لا تنافس بقوة النموذج فقط، بل بطريقة دمجه في الجهاز.

تاريخياً، تفضّل «أبل» أن تجعل التقنية غير مرئية قدر الإمكان. المستخدم لا يحتاج إلى معرفة كل طبقة تعمل في الخلفية، بل يهتم بما إذا كان الجهاز يفهمه، ويحفظ خصوصيته، وينفذ المهمة بسلاسة. لذلك، حتى إذا اعتمدت بعض النماذج على تقنيات «غوغل»، ستبقى «أبل» حريصة على التحكم في الواجهة، وفي حدود الوصول إلى بيانات المستخدم، وفي كيفية انتقال الطلبات بين الجهاز والسحابة.

وتؤكد «أبل» أن المعالجة على الجهاز تمثل ركناً أساسياً في نهجها، وأن الطلبات الأكثر تعقيداً يمكن أن تستخدم «Private Cloud Compute» مع التركيز على حماية البيانات وعدم الاحتفاظ بها أو كشفها. بهذا المعنى، تحاول الشركة وضع التعاون مع «غوغل» داخل بنية خصوصية تتحكم هي في قواعدها، لا داخل تجربة مفتوحة على مزود خارجي بصورة مباشرة.

تمنح الشراكة «أبل» طريقاً أسرع لتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي من دون التخلي عن هويتها التقنية

ما الذي تكسبه «غوغل»؟

بالنسبة إلى «غوغل»، يبدو أن هذه الشراكة تمثل فرصة مختلفة عن المنافسة التقليدية بين «أندرويد» و«iOS». فحتى إذا لم تظهر «جميناي» كعلامة مستقلة أمام مستخدم «آيفون»، فإن وجود تقنياتها في أساس بعض مزايا «ذكاء أبل» قد يمنحها حضوراً مؤثراً داخل واحدة من أهم قواعد المستخدمين في العالم.

هذا لا يعني أن «غوغل» ستحصل تلقائياً على العلاقة المباشرة مع مستخدم «أبل»، فهذه العلاقة ستبقى في يد «أبل». لكنه يعني أن نماذج «غوغل» قد تصبح جزءاً من البنية التي تشغل تجارب ذكية واسعة الانتشار، حتى إن كانت غير مرئية للمستخدم النهائي. في الذكاء الاصطناعي، قد يكون هذا النوع من الحضور مهماً بقدر ظهور العلامة نفسها، لأن المنافسة لا تدور على التطبيقات فقط، بل على النماذج والبنية التي تعتمد عليها التطبيقات.

اعتماد أم براغماتية؟

السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه الخطوة تعني اعتماداً استراتيجياً أكبر من «أبل» على «غوغل». الإجابة الأقرب أنها اعتماد محسوب، لا تفويض كامل. «أبل» تستخدم قدرات خارجية في مجال تحتاج إلى تسريعه، لكنها تحاول في الوقت نفسه حماية نقاط قوتها الأساسية من حيث تكامل العتاد والبرمجيات والتحكم في النظام والخصوصية وتجربة المستخدم.

في المقابل، لا تخلو الشراكة من أسئلة. فكلما تعمق دور طرف خارجي في طبقة الذكاء الاصطناعي، زادت أهمية الشفافية حول حدود البيانات، وآليات المعالجة، والضوابط التنظيمية، ومدى قدرة «أبل» على تغيير المورد أو تطوير بدائل داخلية مستقبلاً. كما أن العلاقة بين الشركتين ستبقى تحت نظر الجهات التنظيمية، خصوصاً أن علاقتهما التجارية في البحث كانت أصلاً موضع تدقيق في أكثر من سوق.

لكن من زاوية المستخدم، قد لا تظهر هذه الأسئلة مباشرة إذا جاءت التجربة أكثر سلاسة وفائدة، وبقيت الضمانات المتعلقة بالخصوصية واضحة. ما سيهم المستخدم هو ما إذا كان «سيري» أصبح أكثر قدرة على فهم الطلبات، والعمل عبر التطبيقات، وحفظ السياق، وإنجاز مهام يومية بطريقة لا تشعره بأن بياناته خرجت عن سيطرته.

يتضمن التعاون بين «أبل» و«غوغل» دعماً لتطوير قدرات «سيري» (شاترستوك)

مرحلة جديدة للعلاقة

على الأرجح، شراكة الذكاء الاصطناعي هذه لا تلغي المنافسة بين «أبل» و«غوغل»، بل تعيد توزيعها. «غوغل» ستبقى منافساً رئيسياً في أنظمة التشغيل والخدمات والذكاء الاصطناعي. و«أبل» ستبقى حريصة على تقديم تجربة مغلقة ومحكومة بشروطها. لكن بين هذين الطرفين، تظهر مساحة جديدة للتعاون، لأن بناء الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع يتطلب نماذج قوية وبنية حوسبة وبيانات تشغيلية وتكاملاً عميقاً مع الأجهزة.

لذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كانت «أبل» قد أصبحت تابعة لـ«غوغل»، ولا ما إذا كانت «غوغل» ستسيطر على تجربة «آيفون». السؤال الأدق هو: هل نشهد انتقال العلاقة من صفقة بحث مربحة إلى شراكة بنيوية في الذكاء الاصطناعي؟

الإجابة تبدو نعم، ولكن بشروط «أبل»: «غوغل» تساعد في طبقة الذكاء، و«أبل» تحتفظ بطبقة التجربة. وبين الطبقتين، تتشكل علاقة جديدة قد تحدد كيف ستدخل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى حياة مئات الملايين من المستخدمين، من دون أن يدرك كثيرون بالضرورة من يعمل في الخلفية.


لتجنب «مخاطر كارثية»... مبتكر «شات جي بي تي» يدعو لكبح تطوير الذكاء الاصطناعي

شعار برنامج «شات جي بي تي» يظهر إلى جانب يد روبوت في صورة مركبة (رويترز)
شعار برنامج «شات جي بي تي» يظهر إلى جانب يد روبوت في صورة مركبة (رويترز)
TT

لتجنب «مخاطر كارثية»... مبتكر «شات جي بي تي» يدعو لكبح تطوير الذكاء الاصطناعي

شعار برنامج «شات جي بي تي» يظهر إلى جانب يد روبوت في صورة مركبة (رويترز)
شعار برنامج «شات جي بي تي» يظهر إلى جانب يد روبوت في صورة مركبة (رويترز)

وسط التسارع غير المسبوق في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتزايد المخاوف العالمية من تداعيات هذه الطفرة على مستقبل البشرية. وبينما تتنافس الشركات الكبرى على إطلاق نماذج أكثر تقدماً، يبرز في المقابل اتجاه يدعو إلى التريث وفرض ضوابط أكثر صرامة، تفادياً لمخاطر قد تكون واسعة النطاق.

في هذا السياق، صرّح سام ألتمان، مبتكر برنامج «شات جي بي تي»، بأنه ينبغي للدول أن تمتلك القدرة على المطالبة بإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، بهدف تجنب ما وصفه بـ«المخاطر الكارثية» التي قد تهدد البشرية، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «التليغراف».

ودعا الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» إلى إنشاء منظمة دولية تُعنى بمراقبة تطورات الذكاء الاصطناعي، والعمل على التصدي للتهديدات المحتملة التي قد تنجم عن هذه التقنية.

وفي تدوينة له، أوضح ألتمان أن أحد الأهداف الرئيسية لهذه المنظمة يتمثل في تمكين العالم من اتخاذ إجراءات منسقة، بما في ذلك إبطاء وتيرة التطوير في مراحله المبكرة عند الحاجة، بما يضمن قدرة المجتمعات على مواكبة هذه التقنيات من حيث السلامة والمرونة والتوافق.

وأشار أيضاً إلى أن إنشاء هيئة رقابية دولية من شأنه أن يسهم في «الحد من المخاطر الكارثية» المرتبطة بتطور الذكاء الاصطناعي.

وفي السياق ذاته، كانت شركة «أنثروبيك»، المنافس الرئيسي لشركة «أوبن إيه آي»، قد دعت في وقت سابق إلى تجميد عالمي لأبحاث الذكاء الاصطناعي المتطورة، لإتاحة الوقت الكافي لتطوير تقنيات السلامة وتمكين المجتمعات من الاستجابة لهذه التحولات.

سام ألتمان مبتكر برنامج «شات جي بي تي» (رويترز)

وصرّح مسؤولون تنفيذيون في الشركة الأسبوع الماضي قائلين: «نعتقد أنه من مصلحة العالم أن يمتلك خيار إبطاء أو حتى إيقاف تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة مؤقتاً».

وقد حذر رواد هذا المجال مراراً من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي، رغم إمكاناتها الكبيرة، قد تشكل تهديداً محتملاً للحضارة الإنسانية، لا سيما مع قدرتها على إحداث اضطرابات في الاقتصاد العالمي والتسبب في فقدان مئات الملايين من الوظائف.

ورغم هذه التحذيرات، تواصل الشركات ضخ استثمارات تُقدّر بمئات المليارات من الدولارات لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر قوة.

وفي هذا الإطار، تسعى كل من «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» إلى طرح أسهمهما للاكتتاب العام خلال العام الحالي، في خطوة قد ترفع تقييم كل منهما إلى أكثر من تريليون دولار (نحو 750 مليار جنيه إسترليني)، ما يعكس حجم الرهانات الاقتصادية المرتبطة بمستقبل هذه التقنية.