الكرملين يلتزم الصمت حيال مصير سوروفيكين وغيراسيموف

جهاز الأمن الفدرالي الروسي علم مسبقاً بخطط بريغوجين لاعتقال شويغو وغيراسيموف

دبابات تابعة لمجموعة «فاغنر» تستعد لمغادرة مدينة روستوف (إ.ب.أ)
دبابات تابعة لمجموعة «فاغنر» تستعد لمغادرة مدينة روستوف (إ.ب.أ)
TT

الكرملين يلتزم الصمت حيال مصير سوروفيكين وغيراسيموف

دبابات تابعة لمجموعة «فاغنر» تستعد لمغادرة مدينة روستوف (إ.ب.أ)
دبابات تابعة لمجموعة «فاغنر» تستعد لمغادرة مدينة روستوف (إ.ب.أ)

تتواصل تداعيات التمرد الذي شهدته روسيا نهاية الأسبوع الماضي، مثيرة التساؤلات عن المصير المجهول لعدد من الجنرالات الروس، الذين يشتبه في ضلوعهم، أو على الأقل معرفتهم بنيات قائد التمرد، يفغيني بريغوجين، الذي غادر روسيا إلى بيلاروسيا، بعد تسوية أنهت تمرده. وبدا أن بعض كبار الجنرالات الروس قد «اختفوا» من المشهد، في ظل سعي الرئيس فلاديمير بوتين إعادة تأكيد سلطته.

وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو (يمين) مع الجنرال الروسي سيرغي سوروفيكين نائب قائد العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا (أ.ب)

وتشير تقارير، نقلا عن مصدرين وصفتهما بالمقربين من وزارة الدفاع الروسية تحدثا شريطة عدم الإفصاح عن اسميهما، إلى اعتقال جنرال واحد على الأقل، هو سيرغي سوروفكين، القائد السابق للقوات الروسية في أوكرانيا، الذي لم يظهر منذ يوم السبت الماضي، حسبما ذكرت صحيفة «موسكو تايمز» الروسية مساء الأربعاء.

ولم تعلق وزارة الدفاع الروسية بعد على الاعتقال المزعوم لسوروفيكين، الملقب بجنرال «يوم القيامة»، عندما أطلق قائد مجموعة «فاغنر» العسكرية الروسية الخاصة يفغيني بريغوجين تمردا مسلحا ضد القيادة العسكرية الروسية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اجتماع مع الجنرال فاليري غيراسيموف (أ.ب)

وقال أحد المصادر، كما نقلت عنه الصحيفة الروسية: «الوضع معه لم يكن على ما يرام بالنسبة للسلطات. لا أستطيع أن أقول أي شيء أكثر من ذلك». ووفقا للمصدر الثاني، تم الاعتقال «في سياق بريغوجين»، دون مزيد من التوضيح. وقال المصدر: «على ما يبدو، أنه (سوروفيكين) اختار جانب بريغوجين خلال الانتفاضة». وعندما سئل عن مكان الجنرال الحالي، أجاب المصدر: «نحن لا نعلق حتى على هذه المعلومات من خلال قنواتنا الداخلية».

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز»، قد نقلت عن مصادر استخباراتية أميركية أن سوروفيكين كان على علم مسبق بالتمرد، وأن السلطات الروسية تتحقق فيما إذا كان متواطئا مع بريغوجين. كما لم يظهر رئيس أركان الجيش الروسي، الجنرال فاليري غيراسيموف (67 عاما)، قائد الحرب الروسية في أوكرانيا، وحامل إحدى «الحقائب النووية» الثلاث الروسية، علنا ​​أو على شاشة التلفزيون الحكومي، منذ يوم السبت أيضا. كما أنه لم يُذكر في أي بيان صحافي لوزارة الدفاع منذ 9 يونيو (حزيران).

رفض الكرملين اليوم الخميس الإجابة على أسئلة لصحافيين عن الجنرال سوروفيكين. وأحال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف الأسئلة عن سوروفيكين إلى وزارة الدفاع التي لم تصدر بيانا حتى الآن بشأنه. وعندما سأله الصحافيون عما إذا كان من الممكن أن يوضح الكرملين وضع سوروفيكين، قال بيسكوف «لا، للأسف لا». وأضاف «لذلك أوصيكم بالتواصل مع وزارة الدفاع، هذا اختصاصها». وحينما سأله صحافي إذا ما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يزال يثق في سوروفيكين، رد بيسكوف «إنه القائد الأعلى للقوات المسلحة ويعمل مع وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان العامة».

ولفت بيسكوف إلى أن الأسئلة حول «الوحدات الهيكلية داخل الوزارة» ينبغي توجيهها إلى وزارة الدفاع. وعند سؤاله عن مكان وجود بريغوجين بعدما حلقت طائرة مرتبطة ب«فاغنر» من سان بطرسبرغ إلى موسكو، قال بيسكوف إنه لا معلومات لديه بخصوص مكان بريغوجين حاليا.

 

كشف خطط بريغوجين

وكان زعيم التمرد بريغوجين قد سعى إلى اعتقاله مع وزير الدفاع سيرغي شويغو، لكن خططه أحبطت بعدما كشف جهاز الأمن الفدرالي الروسي مخططه، بحسب ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين غربيين.

وذكرت الصحيفة، أن بريغوجين كان يخطط لاعتقالهما خلال توجههما إلى منطقة جنوبية على الحدود مع أوكرانيا. لكن جهاز الأمن الفدرالي علم بنياته، قبل يومين من تنفيذ العملية، وقام الرجلان بتعديل برنامجهما. وهو ما أرغم بريغوجين على تسريع موعد تنفيذ مخططه بشكل ارتجالي، حيث قامت قواته بالاستيلاء من دون مقاومة تذكر على المقر الرئيسي لقيادة الجيش الروسي في مدينة روستوف، التي تقود الحرب في أوكرانيا، وذلك قبل «زحفه» إلى موسكو.

رئيس مجموعة «فاغنر» يفغيني بريغوجين (أ.ب)

ورغم أن الكرملين قد قلل يوم الأربعاء من أهمية التقارير التي تتحدث عن اعتقال سوروفيكين، واصفا إياها بأنها «شائعات» و«نميمة»، قال مسؤولون في الاستخبارات الأميركية والغربية إنهم لا يعلمون على وجه اليقين ما إذا كان سوروفكين قد ساعد التمرد بأي شكل من الأشكال.

وبحسب وكالة «رويترز»، قال بعض المراسلين العسكريين الآخرين إنه تم استجوابه وضباطا كبارا آخرين من قبل جهاز الأمن الفيدرالي للتحقق من ولائهم. ورغم ذلك، لم يكن بالإمكان التحقق مما إذا كان سوروفيكين قد تم القبض عليه أو تم استجوابه، مع آخرين، للتأكد من ولائهم. وبحسب قناة «ريبار» الروسية على تطبيق «تليغرام»، يديرها مسؤول صحافي سابق بوزارة الدفاع الروسية، فإن عملية تطهير جارية في صفوف القيادة العسكرية. وأضافت أن السلطات تحاول التخلص من الأفراد العسكريين الذين يُعتقد أنهم أظهروا «نقصا في الحسم» في إخماد التمرد وسط بعض التقارير التي تفيد بأن قطاعات من القوات المسلحة لم تفعل الكثير على ما يبدو لوقف مقاتلي ««فاغنر»» في المرحلة الأولى من التمرد. وقالت المحطة: «إن التمرد المسلح الذي قامت به («فاغنر») أصبح ذريعة لتطهير واسع النطاق في صفوف القوات المسلحة الروسية».

وفي حال تم تأكيد هذه الخطوة، فإنها يمكن أن تغير الطريقة التي تشن بها روسيا حربها في أوكرانيا، وتتسبب في اضطرابات في صفوف القوات الروسية، في وقت تحاول فيه موسكو التصدي لهجوم أوكراني مضاد. كما يمكن أن تؤدي إلى ترسيخ أو رفع مناصب كبار الشخصيات العسكرية والأمنية الأخرى التي تعتبر موالية. وحتى الساعة، لم يصدر تعليق رسمي على ما يجري من وزارة الدفاع الروسية.

 

الفائزون والخاسرون

ويعتقد بعض المحللين العسكريين والسياسيين الروس والغربيين أن وزير الدفاع سيرغي شويغو، حليف بوتين، الذي أراد بريغوجين اعتقاله مع غيراسيموف، بسبب «عدم كفاءتهما» المزعومة، قد يكون الآن أكثر أمانا في منصبه. وكتب مايكل كوفمان، المتخصص في الشأن العسكري الروسي، في مركز أبحاث كارنيغي، على تويتر: «أعتقد أنه (بريغوجين) توقع فعل شيء بشأن شويغو وغيراسيموف، وأن ينحاز بوتين لمصلحته». وأضاف «وبدلا من ذلك، ربما يكون تمرده قد ضمن استمرارهما في منصبيهما، رغم النظرة العالمية بأنهما غير كفئين، ومشاعر الكره واسعة النطاق لهما في القوات المسلحة الروسية».

وبدا أيضا أن الجنرال فيكتور زولوتوف، رئيس الحرس الوطني وحارس بوتين الشخصي، مستفيد آخر، بعد ظهوره العلني قائلا إن رجاله مستعدون «للوقوف حتى الموت» للدفاع عن موسكو، وحديثه عن إمكانية حصول قواته على أسلحة ثقيلة ودبابات في أعقاب التمرد. وقال إن السلطات كانت على علم بنوايا بريغوجين، قبل أن يبدأ محاولته.

كان غياب غيراسيموف واضحا عندما شكر بوتين، يوم الثلاثاء، الجيش لتفادي حرب أهلية، على عكس شويغو الذي ظهر في العديد من المناسبات العامة منذ ذلك الحين. وشوهد سوروفيكين، نائب غيراسيموف، للمرة الأخيرة، يوم السبت، عندما ظهر في مقطع فيديو يناشد بريغوجين وقف تمرده. وبدا منهكا ولم يكن واضحا ما إذا كان يتحدث تحت الإكراه.

وقال دارا ماسيكوت، الخبير في الجيش الروسي بمركز الأبحاث التابع لمؤسسة «راند»، إن شيئا ما بدا غريبا في الفيديو، حيث حمل سوروفيكين سلاحا آليا في حضنه. وكتب على تويتر: «لاحظت قبل بضعة أيام أنه كان هناك شيء غريب. إنه لا يرتدي شاراته أو علامات الرتب الخاصة به». وبحسب تقارير غير مؤكدة لوسائل إعلام روسية، ومدونات روسية، مساء الأربعاء، فإن سوروفيكين محتجز في مركز احتجاز ليفورتوفو، في موسكو، بعد اعتقاله.

وقال الصحافي الروسي أليكسي فينيديكتوف، دون ذكر مصادره، إن سوروفكين لم يكن على اتصال بعائلته منذ يوم السبت وأن حراسه الشخصيين قد صمتوا أيضا. وكان بريغوجين، الذي أمضى شهورا في تشويه سمعة شويغو وغيراسيموف، بسبب عدم كفاءتهما المزعومة في حرب أوكرانيا، قد أشاد كثيراً بسوروفكين، الذي يحظى باحترام كبير في الجيش لتجربته في الشيشان وسوريا.

 

تصدعات في جهاز سلطة بوتين

بوتين لدى مخاطبته الشعب الروسي بخصوص تمرد ««فاغنر»» السبت الماضي (أ.ب)

 

وينظر المحللون العسكريون الغربيون إلى سوروفيكين، الذي قضى فترة كقائد عام للحرب الأوكرانية قبل تعيين غيراسيموف لتولي المنصب، على أنه عامل فعال، وقد طرحه مراسلو الحرب الروس في بعض الأحيان على أنه وزير دفاع محتمل في المستقبل. وقال لورنس فريدمان، الأستاذ الفخري لدراسات الحرب في «كينغز كوليدج لندن»: «إن إزاحة سوروفيكين، إذا كان هذا صحيحا، يمكن أن يكون أكثر زعزعة لاستقرار المجهود الحربي الروسي من تمرد يوم السبت، خاصة إذا بدأ تطهير شركاء آخرين لبريغوجين وسوروفكين». وأضاف فريدمان على تويتر «سوروفيكين متوحش لكنه أيضا أحد القادة الروس الأكثر قدرة».

واعتبر بعضهم أن تمرد مجموعة «فاغنر» علامة على وجود تصدعات في جهاز السلطة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس «لا أعتقد أنه يجب أن تكون خبيرا في (شأن) روسيا لتدرك أن الوضع الذي يمكن أن ينفجر إلى هذا الحد في مثل هذا الوقت القصير هو إشارة واضحة على أن الأمور قد انحرفت هناك وأن هناك تصدعات».

وأضاف في مقر وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) الأربعاء، خلال أول زيارة رسمية له إلى الولايات المتحدة بعد توليه منصب وزير الدفاع: إنه ليس من الممكن حاليا تقييم مدى عمق هذه التصدعات وعواقبها على روسيا والاستقرار الداخلي للبلاد والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأدلى بيستوريوس بهذه التصريحات عقب اجتماع مع نظيره الأميركي لويد أوستن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان. وقال بيستوريوس إن المحادثات ركزت على الوضع في أوكرانيا وكيف يمكن أن يؤثر الوضع السياسي الداخلي في روسيا على الحرب.

ورأى المستشار أولاف شولتز الأربعاء أن بوتين خرج «ضعيفا» من التمرد الفاشل لمجموعة «فاغنر». وقال المستشار الألماني على قناة «آي آر دي» العامة، كما نقلت الوكالة الألمانية، إن تمرد مجموعة المرتزقة هذه «ستكون له عواقب على المدى البعيد على روسيا» لكنه تحفظ عن «المشاركة في أي تكهنات حول مدة ولاية (بوتين)، التي يمكن أن تكون طويلة أو قصيرة، لا نعلم». وأضاف «أعتقد أنه (بوتين) بات أضعف لأن ذلك يثبت وجود شروخ في الهيكلية الاستبدادية وهيكلية السلطة وأن (حكمه) ليس متينا كما يدعي».

وقال شولتز إن «روسيا قوة نووية، وهي دولة قوية للغاية، ولهذا السبب علينا دائما أن نكون متيقظين للأوضاع الخطرة، وما حصل كان وضعا خطرا». وتابع «يتكهن كثيرون بأن الأمر انتهى، ولا نعرف ذلك أيضا ولكن على أي حال سيكون لذلك بالتأكيد عواقب على المدى البعيد في روسيا». وأكد شولتز مجددا أن أي مفاوضات لا يمكن أن تبدأ إلا إذا سحبت موسكو قواتها من أوكرانيا. وأوضح «لا يمكننا أن نقول حقا ما إذا كان الأمر سيكون أسهل أو أكثر صعوبة بسبب هذه الأحداث». وتابع «لهذا السبب من المهم أن تقدم أوكرانيا مساهمتها ليصبح هذا الأمر ممكنا. وهذا ما يحاولون فعله مع الهجوم الحالي». وأضاف «نحن ندعم أوكرانيا لتتمكن من الدفاع عن نفسها، وهدف دعمنا لأوكرانيا ليس تغيير النظام في روسيا».

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


مقالات ذات صلة

«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

أوروبا تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تكشف الضربات المتزامنة عن هشاشة المساعي الرامية إلى الحد من استهداف المنشآت الحيوية.

«الشرق الأوسط» (موسكو- كييف)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مؤتمر صحافي مشترك في قاعدة إلمندورف-ريتشاردسون المشتركة بألاسكا - 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

جمهوريون يهددون بعرقلة 350 مليار دولار لتمويل «البنتاغون» احتجاجاً على قرار ترمب

أثار قرار الرئيس دونالد ترمب تعليق عقوبات جديدة على موسكو غضب الجمهوريين والديمقراطيين على السواء مما عدّوه سياسة تمنح الرئيس الروسي موارد إضافية للحرب

هبة القدسي (واشنطن)
أوروبا موقع المنازل التي تضررت بسبب غارة جوية روسية في مدينة سلوفيانسك على الخطوط الأمامية الأوكرانية (رويترز) p-circle

زيلينسكي: روسيا هاجمت قطاع الطاقة الأوكراني 76 مرة في أسبوع

قال الرئيس الأوكراني زيلينسكي، الأحد، إن روسيا شنّت عشرات الهجمات على منشآت الكهرباء والنفط والغاز في بلاده خلال الأسبوع الذي تلا إعلان الرئيس ترمب وقف الهجمات.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا ملصق أصفر يحمل كلمة «مخبأ» عند مدخل قبوٍ مخصص ليكون ملجأ للسكان في حال حدوث خطر وذلك في حي فابيونيشكيس السكني في فيلنيوس بليتوانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

ليتوانيا تطلب من سكانها التوجه إلى الملاجئ بعد رصد جسم طائر

أصدرت السلطات في ليتوانيا تعليمات لسكان المناطق الوسطى والشمالية بالتوجه إلى الملاجئ لمدة ساعة تقريباً، بسبب رصد جسم طائر غير معروف.

«الشرق الأوسط» (فيلنيوس )
أوروبا أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب) p-circle

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

موسكو ترحب بتعليق الرسوم الجمركية الجديدة المرتبطة بالحرب على أوكرانيا، ووصفت هذه الخطوة بأنها «لحظة مهمة وتاريخية بحق».

«الشرق الأوسط» (لندن)

«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

تبادلت روسيا وأوكرانيا هجمات واسعة استهدفت منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية، في تصعيد جديد يهدد بتوسيع تداعيات الحرب على المدنيين، مع انقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف واندلاع حرائق في منشآت نفطية روسية، رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى هدنة في قطاع الطاقة بين البلدين.

وتكشف الضربات المتزامنة عن هشاشة المساعي الرامية إلى الحد من استهداف المنشآت الحيوية، في وقت تتبادل موسكو وكييف الاتهامات بخرق التفاهمات، بينما تتزايد المخاوف من تأثير الهجمات على إمدادات الكهرباء والوقود مع اقتراب فصل الشتاء.

حرائق وهجمات بمئات المسيّرات

واستهدفت طائرات مسيّرة أوكرانية، ليل السبت - الأحد، منشآت نفطية وصناعية في سان بطرسبورغ ومقاطعة لينينغراد المحيطة بها، ما أدى إلى اندلاع حرائق في محطة سان بطرسبورغ النفطية ومنشأة روتشي لتخزين النفط ومستودعات صناعية في جنوب المدينة.

وقال حاكم سان بطرسبورغ ألكسندر بيغلوف إن الهجوم أسفر عن مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين نُقلوا إلى المستشفى، فيما لحقت أضرار بنحو 12 مبنى سكنياً ومنزلين. كما أعلنت شركة «أوزون» الروسية للتجارة الإلكترونية تعرض أحد مراكزها اللوجستية لضربة بطائرة مسيّرة.

وفي مقاطعة لينينغراد، قال الحاكم ألكسندر دروجدنكو إن الدفاعات الجوية أسقطت 145 طائرة مسيّرة خلال الليل، وهو أكبر عدد من المسيّرات تشهده المنطقة منذ بدء الحرب عام 2022؛ بحسب وكالة «تاس» الروسية. وأضاف أن الهجمات تسببت في انقطاع الكهرباء عن نحو 20 ألف شخص.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط 1015 طائرة مسيّرة أوكرانية فوق نحو 15 منطقة روسية خلال الليل، بينها مناطق في جنوب البلاد وغربها ومنطقة موسكو.

وامتدت الهجمات إلى البنية التحتية الرقمية؛ إذ أعلنت شبكة «في كيه» الروسية تعرض مركز بيانات تابع لها في المنطقة لهجوم، مؤكدة استمرار خدماتها بصورة طبيعية. وقالت شركة «فاير بوينت» الأوكرانية المصنعة للطائرات المسيّرة إن الجيش الأوكراني استهدف المركز.

ووصف المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الهجوم على سان بطرسبورغ بأنه دليل على مقاومة كييف، لكنه قال إن ذلك لن يغير مسار الأحداث، مؤكداً أن روسيا تواصل الرد على الهجمات الأوكرانية بضربات واسعة.

كييف تتهم موسكو بخرق الهدنة

صورة من مقطع فيديو تظهر تصاعد النيران بالقرب من محطة نفط في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات أمس (رويترز)

في المقابل، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القوات الروسية استهدفت منشآت كهرباء في مقاطعات فينيتسا وجيتومير وخميلنيتسكي وأوديسا، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف من الأسر.

وقال زيلينسكي إن الهجمات الروسية خلال الأسبوع الماضي شملت نحو 2700 طائرة مسيّرة و1700 قنبلة جوية و66 صاروخاً، معظمها باليستية. وأضاف أن روسيا نفذت 76 هجوماً على قطاعات الطاقة والنفط والغاز الأوكرانية منذ إعلان ترمب الهدنة قبل أسبوع.

وأسفرت الضربات الروسية، وفق زيلينسكي، عن مقتل شخصين وإصابة 12 آخرين، بينهم طفلان، فيما تعمل فرق الإصلاح على مدار الساعة لإعادة التيار الكهربائي.

وتأتي هذه التطورات بعد انقطاعات واسعة للكهرباء شهدتها أوكرانيا خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، في وقت تزيد فيه الحاجة إلى الطاقة مع اقتراب الشتاء.

خلاف أميركي أوكراني

كان ترمب قد دعا مراراً زيلينسكي إلى وقف استهداف مصافي النفط ومستودعاته الروسية، معتبراً أن هذه الهجمات تسهم في رفع أسعار الوقود. وتقول كييف إن ضرباتها تأتي رداً على القصف الروسي لمنشآت الطاقة الأوكرانية، وتهدف أيضاً إلى تقليص عائدات موسكو النفطية التي تمول الحرب.

لكن الهدنة المعلنة لم تمنع استئناف الهجمات؛ إذ أعلنت أوكرانيا الخميس عزمها استئناف ضرب مصافي النفط، متهمة روسيا بعدم الالتزام بالتفاهمات.

وزادت التوترات تعقيداً بعد توقيع ترمب، الجمعة، أمراً تنفيذياً علّق بموجبه عقوبات ورسوم جمركية تستهدف عائدات النفط الروسية، عقب اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استئناف صادرات الديزل الروسية إلى الأسواق الأميركية والعالمية مقابل تخفيف العقوبات. وقوبلت الخطوة بتنديد أوكراني.

وبينما تسعى واشنطن إلى احتواء التصعيد، تشير الضربات المتبادلة إلى أن منشآت الطاقة لا تزال في صلب المواجهة العسكرية والاقتصادية، وأن أي هدنة لا تحظى بالتزام متبادل ستظل عرضة للانهيار، مع استمرار تعرض المدنيين لخطر انقطاع الكهرباء وتضرر إمدادات الوقود والخدمات الأساسية.


فرنسا تواجه تداعيات أسوأ اضطرابات تشهدها منذ سنوات

حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)
حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تواجه تداعيات أسوأ اضطرابات تشهدها منذ سنوات

حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)
حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)

تواجه فرنسا تداعيات موجة من الاضطرابات الاجتماعية تعد من الأعنف منذ سنوات، بعدما تحولت احتجاجات واسعة على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة إلى أعمال عنف ونهب واشتباكات مع الشرطة، في تطور يعكس اتساع فجوة الثقة بين قطاعات من الشارع الأوروبي وحكوماتها. ولم تقتصر موجة الغضب على فرنسا، بل توسعت في دول أوروبية أخرى؛ إذ شهدت مدن إيطالية، بينها ميلانو وتورينو، مواجهات مماثلة خلال مظاهرات ضد غلاء المعيشة، فيما تصاعدت الاحتجاجات في ألبانيا على خلفية اتهامات بالفساد ونقص فرص العمل وتدهور التعليم.

وفي فرنسا، أسفرت أحداث السبت عن وفاة أحد المتظاهرين وإصابة مئات من أفراد الشرطة والمتظاهرين، فيما أوقفت السلطات نحو 1800 شخص، في حصيلة تعكس حجم التوتر الذي اجتاح مدناً عدة، من باريس إلى مرسيليا وليون وبوردو. ويزيد التصعيد الضغوط على الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، وسط مخاوف من أن تتحول المطالب الاجتماعية إلى أزمة سياسية أوسع.

احتجاجات تتحول إلى عنف

شارك أكثر من نصف مليون شخص في مسيرات شهدتها عشرات المدن الفرنسية، في حراك جمع بين احتجاجات طلابية مستمرة منذ نحو شهر واستياء اجتماعي أوسع من ارتفاع الأسعار وخفض الإنفاق العام وتراجع مستوى الخدمات الأساسية.

وبدأت التحركات على خلفية أوضاع المدارس ونقص المعلمين في ضواحي الطبقة العاملة، قبل أن تتسع لتشمل مطالب تتعلق بعدم المساواة وتكاليف المعيشة. ورغم أن غالبية المشاركين احتجوا سلمياً، استغلت مجموعات عنيفة المظاهرات لاستهداف مبانٍ عامة ومتاجر، ونهب محال فاخرة وكبرى، وإضرام النار في سيارات وممتلكات، والاشتباك مع قوات الأمن.

وفي باريس، سجلت الشرطة 855 حالة اعتقال، وهو رقم غير مسبوق في العاصمة، فيما تجاوز إجمالي الموقوفين في أنحاء البلاد 1800 شخص، وفق وزير الداخلية لوران نونيز، الذي أعلن إصابة أكثر من 500 من أفراد الشرطة. كما أُصيب متظاهرون، فيما توفي أحد المشاركين في الاحتجاجات إثر سكتة قلبية.

وقال رجل الأعمال الهولندي تايه دي بوير، الذي كان يزور باريس برفقة أطفاله، إن الأضرار التي لحقت بالفندق الذي يقيم فيه في ساحة الجمهورية اضطرته إلى إخلائه، واصفاً المشهد بأنه «أشبه بمنطقة حرب».

مدن تستيقظ على مشاهد الدمار

عامل في البلدية ينظف الشارع في اليوم التالي لاندلاع اشتباكات يوم السبت العنيفة في مدينة مرسيليا بفرنسا (رويترز)

مع بزوغ صباح الأحد، بدأت فرق النظافة والبلديات عمليات واسعة لإزالة آثار ليلة من العنف، فيما واجه السكان وأصحاب الأعمال حجم الخسائر التي خلفتها المواجهات.

وفي وسط باريس، بدت الشوارع مغطاة بالنفايات والبضائع المنهوبة، فيما تناثرت الدراجات الهوائية المحطمة وظهرت آثار الحرائق على واجهات المباني والمتاجر. وتكررت المشاهد في مرسيليا وليون، فيما امتدت الأضرار إلى مدن أخرى في شمال البلاد وشرقها وجنوبها الغربي.

وفي مدينة ليموج، أضرم مثيرو شغب النار في مبنى البلدية التاريخي المدرج ضمن مواقع التراث المحمية. وقال موريس بارات، محافظ إقليم أوت فيين، إن تدخلات الطوارئ أسهمت في إنقاذ الجزء الخلفي من المبنى.

كما شهدت بوردو اقتحام مجموعة من الملثمين مقر إقامة مسؤول محلي، فيما أكد وزير الداخلية أن مئات المتاجر تعرضت لأضرار خلال أحداث يوم السبت.

وتعهد وزير الاقتصاد رولان ليسكور بتقديم الدعم لأصحاب الأعمال المتضررين، محذراً من أن المسؤولين عن التخريب والنهب سيواجهون المحاسبة، وأن عليهم تحمل تبعات الأضرار التي تسببوا فيها.

ماكرون أمام اختبار سياسي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

وتضع الاضطرابات الحكومة الفرنسية أمام تحدٍّ مزدوج: احتواء العنف وإعادة النظام إلى الشوارع من جهة، والتعامل مع أسباب الاحتقان الاجتماعي التي غذت الاحتجاجات من جهة أخرى.

وألقى رئيس الوزراء، سيباستيان لوكورنو، بالمسؤولية عن أعمال العنف على اليسار المتطرف والمجرمين، في وقت تتزايد فيه الضغوط على السلطة التنفيذية لتقديم استجابة تتجاوز الإجراءات الأمنية.

وتكمن المعضلة الحكومية في أن الاحتجاجات لم تعد محصورة في مطالب طلابية أو اعتراضات قطاعية، بل اتسعت لتلامس قضايا تمس الحياة اليومية لشرائح واسعة، من القدرة على تحمُّل نفقات المعيشة إلى جودة الخدمات العامة والإنفاق على التعليم.

ومع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، قد تؤثر طريقة تعامل الحكومة مع الأزمة في صورتها السياسية، خصوصاً إذا استمرت المواجهات أو لم تقترن التدابير الأمنية بخطوات ملموسة لمعالجة المطالب الاجتماعية.

إيطاليا: مواجهات مشابهة

وفي إيطاليا، شهدت بعض المدن مواجهات مشابهة لما حدث في فرنسا؛ إذ وقعت اشتباكات خلال مظاهرات خرجت احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة، في مشهد يعكس امتداد الغضب الاجتماعي إلى خارج فرنسا.

وأفادت وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا» بأن ميلانو كانت بؤرة المواجهات الأبرز، حيث رشق شبان ملثمون يرتدون ملابس سوداء الشرطة بالألعاب النارية والزجاجات في ساحة بيازا دومو، وسط المدينة، وأقاموا متاريس دفعت قوات الأمن إلى التراجع مؤقتاً وانتظار وصول تعزيزات.

وامتدت الاشتباكات إلى تورينو وبولونيا وبيرغامو، حيث ألقى متظاهرون الحجارة والألعاب النارية باتجاه الشرطة. وفي ميلانو وحدها، أُصيب أربعة من أفراد الشرطة على الأقل ونحو 20 متظاهراً، فيما أُلقي القبض على أكثر من 50 شاباً، نصفهم قاصرون، وفقاً للتقارير.

وتسلط هذه الأحداث الضوء على صعوبة احتواء الاحتجاجات عندما تتداخل المطالب المعيشية مع الغضب من الأوضاع الاقتصادية، ولا سيما في ظل تصاعد الضغوط على الأسر بسبب تكاليف الحياة.

ألبانيا: الاحتجاجات ضد الحكومة

عناصر من الشرطة يسيرون وسط غاز مسيل للدموع خلال احتجاج مناهض للحكومة نظمه طلاب في تيرانا بألبانيا (رويترز)

وفي ألبانيا أيضاً، اتخذت الاحتجاجات منحى سياسياً أكثر وضوحاً، مع تصاعد الدعوات إلى استقالة رئيس الوزراء إيدي راما، على خلفية اتهامات بالفساد ونقص الوظائف وتراجع معايير التعليم.

واجتاحت مظاهرات يقودها طلاب وسط العاصمة تيرانا، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى خلال الأسبوع الماضي. وأضرم محتجون النار في مبانٍ حكومية ومصارف، واقتلعوا حجارة الأرصفة لإلقائها على الشرطة، التي ردت باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي.

ورفض راما دعوات التنحي، معتبراً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بمستقبل حكومته وحدها، بل بمسار ألبانيا نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقال في خطاب بث عبر «فيسبوك» إن على الألبان التفكير ملياً في الاتجاه الذي يريدون أن تسلكه بلادهم، محذراً من أن الاضطرابات قد تهدد هذا المسار.

وتشكل الاحتجاجات أكبر تحدٍّ يواجه راما منذ توليه السلطة عام 2013، وفوزه بولاية رابعة العام الماضي. وقد جاءت بعد أشهر من احتجاجات اتسمت بالسلمية إلى حد كبير ضد مشروع تطوير ساحلي فاخر يدعمه جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وتواجه ألبانيا منذ سنوات انتقادات تتعلق بالفساد والجريمة المنظمة وغسل الأموال، في حين تؤكد الحكومة أنها تكثف جهود مكافحة الفساد. وتسعى البلاد، إلى جانب الجبل الأسود، إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030.

وقالت الشرطة الألبانية إن 388 شخصاً وُجهت إليهم اتهامات بارتكاب جرائم خلال المظاهرات، فيما أصيب عشرات من أفراد الشرطة والمتظاهرين.

ترمب: الهجرة سبب اضطرابات فرنسا

شخص يركل عبوة غاز مسيل للدموع فيما يتجمع متظاهرون بساحة الجمهورية في باريس يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

ودخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب على خط الأزمة الفرنسية، مستخدماً منصته «تروث سوشيال» لربط الاضطرابات بالهجرة. وكتب أن هجرة أشخاص من «عالم مختلف كلياً» مزقت، على حد تعبيره، دولة كانت عظيمة في السابق، مضيفاً أن «فرنسا تحترق»، وداعياً إلى إغلاق الحدود والسيطرة على الأوضاع قبل فوات الأوان.

وكان نائبه، جي دي فانس، قد تبنى موقفاً مماثلاً؛ إذ اتهم السياسات الليبرالية الغربية باستقدام مهاجرين من دول العالم الثالث تحت شعارات التنوع والتعاطف، معتبراً أن الحكومات تجاهلت قضايا الاندماج والتوافق المجتمعي.

غير أن هذه التصريحات تمثل قراءة سياسية أميركية لأحداث فرنسا، ولا تثبت أن الهجرة هي سبب الاضطرابات. فالمعطيات الواردة عن الاحتجاجات تشير أيضاً إلى عوامل اقتصادية واجتماعية، من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة إلى عدم المساواة ونقص فرص العمل، فضلاً عن المطالب المرتبطة بالتعليم والفساد في البلدان الأخرى.

أزمة تتجاوز الحدود الوطنية

تكشف التطورات في فرنسا وإيطاليا وألبانيا عن أزمات متباينة في أسبابها المباشرة، لكنها تتقاطع في اتساع السخط الشعبي وتراجع الثقة بقدرة السلطات على الاستجابة لمطالب المواطنين.

ففي فرنسا وإيطاليا، برزت تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات بوصفهما من أبرز محركات الاحتجاج، فيما تركز الغضب في ألبانيا بدرجة أكبر على الفساد والوظائف والتعليم، وعلى أداء الحكومة ومسار الإصلاح السياسي.

ومع ذلك، فإن تحول بعض المظاهرات إلى أعمال عنف ونهب يضيف بعداً أمنياً إلى هذه الأزمات، ويضع الحكومات أمام اختبار قدرتها على حماية الممتلكات العامة والخاصة من دون تجاهل المطالب التي دفعت المواطنين إلى الشوارع.

وبالنسبة إلى فرنسا، لا يقتصر التحدي على إعادة تنظيف الشوارع وإصلاح الأضرار، بل يمتد إلى استعادة الثقة واحتواء الاستياء الاجتماعي قبل أن يتحول إلى عامل حاسم في المشهد السياسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية. أما في بقية الدول، فتشير الاحتجاجات إلى أن التعامل مع الضغوط المعيشية والفساد والخدمات العامة بات جزءاً أساسياً من معادلة الاستقرار الداخلي، في وقت تتسع فيه رقعة الغضب من باريس إلى مدن أوروبية أخرى.


البابا يخاطب حشوداً في الفاتيكان بعد خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني

البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
TT

البابا يخاطب حشوداً في الفاتيكان بعد خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني

البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)

خاطب البابا ليو الرابع عشر آلاف الذين احتشدوا في ساحة القديس بطرس، الأحد، وذلك في أول صلاة أسبوعية له منذ خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني في الرئة.

وغادر رأس الكنيسة الكاثوليكية التي تضم 1.4 مليار شخص في العالم، المستشفى، في روما، السبت، بعد فترة نقاهة أمضاها فيه عقب خضوعه لجراحة الثلاثاء، تمَّ خلالها استئصال ورم سرطاني وجزء من رئته اليمنى.

وأطل البابا البالغ 71 عاماً من نافذة الشقة البابوية، وبدا في حالة جيدة، وتحدث بطريقة طبيعية ودون صعوبة.

وشكر البابا من صلُّوا لأجله، قائلاً: «بعد تجاوز هذه المرحلة الدقيقة -كما تعلمون- سأستأنف الآن أنشطتي تدريجياً»، وذلك على وقع هتافات: «يعيش البابا!» في الساحة.

وأُدخل ليو الرابع عشر الثلاثاء إلى مستشفى «جيميلي» في روما، الواقع شمال الفاتيكان؛ حيث خضع للعملية. وعاد إلى الفاتيكان السبت؛ إذ اعتبر طبيباه أنه «بات مؤهلاً لمغادرة المستشفى».

وقد ألغى ليو الرابع عشر كل استقبالاته حتى 20 أكتوبر (تشرين الأول).

وكان البابا قد تولى بنفسه في 11 أكتوبر إبلاغ الجمهور المحتشد في ساحة القديس بطرس أنه سيخضع «في الأيام المقبلة» لعملية جراحية لإزالة ورم اكتُشف «في مرحلة مبكرة جداً»؛ مشيراً إلى أن «الأطباء يرون أن التدخل الجراحي هو الخيار الأنسب».

ولا تزال نتائج الفحوص الرامية إلى تحديد ما إذا كان السرطان قد انتشر قيد الانتظار.

واستأنف البابا بعضاً من أنشطته في المستشفى؛ إذ أجرى اتصالاً الجمعة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حثَّه فيه على وقف إطلاق النار في مدينة أوليشكي الأوكرانية التي تحتلها موسكو.