منذ بداية التمرّد الذي أعلنه يفغيني بريغوجين زعيم مجموعة «فاغنر» نهاية الأسبوع الماضي، ضد القيادة العسكرية الروسية، والدبلوماسية الأوروبية تتحرّك في أجواء من الضباب الكثيف الناجم عن قلّة المعلومات الموثوقة حول حقيقة الوضع الراهن في الدوائر العليا للقرار السياسي والعسكري في موسكو، وما يمكن أن يترتب من تداعيات عن التطورات الأخيرة التي يكتنفها الغموض، فيما لا تزال قراءتها حبيسة التكهنات والتوقعات التي سادت مناقشات مجلس وزراء الخارجية تحضيراً لقمة غد (الخميس) التي أعيد ترتيب جدول أعمالها، بحيث يكاد يومها الأول يقتصر على مناقشة تداعيات السيناريوهات المحتملة للأزمة الروسية.

المسؤول عن السياسة الخارجية الأوروبية جوزيب بورّيل يكتفي بقراءة أكاديمية لما حصل في روسيا منذ الأحد الماضي، ويقول إنه دليل على التصدّع الذي أحدثته حرب أوكرانيا في السلطة الروسية والنظام السياسي الذي يستند إليه نفوذ فلاديمير بوتين، لكنه يعترف بأن مثل هذه الانقسامات الحادة في بلد ينام على ترسانة نووية ضخمة ويخوض حرباً متعثرة منذ بداياتها ومفتوحة خواتيمها على كل الاحتمالات، لا تبعث على الاطمئنان وتقتضي مضاعفة الحذر ورصّ الموقف الأوروبي في المرحلة المقبلة.
الصدمة التي أحدثتها التطورات الأخيرة على المسرح الروسي وضعت التصريحات الصادرة عن الدوائر الدبلوماسية الأوروبية في دائرة من الحذر الشديد، أولاً لعدم توفر المعلومات الكافية، وثانياً لأن واشنطن ذاتها سارعت إلى نفي أي علاقة بهذه التطورات، وأعلنت أنها تنأى عن التدخل في الشؤون الداخلية لموسكو، في رسالة واضحة إلى حلفائها كي يحذوا حذوها.

إلى جانب هذا الحذر الذي تمليه ضبابية المشهد الروسي الداخلي، يزداد القلق الأوروبي من تنامي دور الرئيس البيلاروسي لوكاشينكو، خصوصاً أن غالبية عناصر مجموعة «فاغنر» ترجح أن تنتقل إلى بلاده، حيث يخشى أن تقوم من هناك بأنشطة لزعزعة الاستقرار في البلدان المجاورة. ولا تستبعد مصادر أوروبية مسؤولة أن تحمل الأيام المقبلة مزيداً من المفاجآت على المسرح الروسي، انطلاقاً من اقتناعها بأن زعيم مجموعة «فاغنر» ما كان ليقدم على خطوته من غير دعم في دوائر القرار العليا، وأن ثمّة جهات نافذة بين «النخبة» المحيطة بالرئيس الروسي لم تكشف بعد عن أوراقها.
لكن في الوقت الذي يترقب فيه الأوروبيون بقلق شديد ما قد تحمله الأيام المقبلة من تطورات ومفاجآت، بدأت دبلوماسية الاتحاد والأجهزة الخارجية للعواصم الكبرى تنشط على جبهة الاتصالات والوساطات، التي كانت مجمدة حتى الآن، للدفع باتجاه مسار تفاوضي يراوح منذ أشهر أمام أفق مسدود بسبب الرفض الروسي والمطالب الأوكرانية بضمانات لانسحاب قوات موسكو من جميع الأراضي التي احتلتها.
وثمّة إجماع بين الدول الأعضاء في الاتحاد حول ضرورة افتراض اهتزاز سلطة بوتين وتصدّع نفوذه المطلق على القرار، من أجل استمالته إلى طاولة المفاوضات بشروط كان حتى الآن يرفض القبول بها أو حتى الحديث عنها. وكان المسؤول الأوروبي عن السياسة الخارجية قد لمح الاثنين الماضي، خلال اجتماعات مجلس وزراء خارجية الاتحاد في لوكسمبورغ، إلى أن واشنطن قد تكون مستعدة لتوفير الغطاء اللازم لمثل هذا التوجه.
في موازاة ذلك، من المنتظر أن توافق القمة الأوروبية اليوم، على رفع سقف الصندوق المشترك المخصص لشراء أسلحة ترسلها الدول الأعضاء إلى أوكرانيا إلى 3.5 مليار يورو، ومواصلة مدّها بالمساعدات التي قال بورّيل إنها اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وتتوقع مصادر دبلوماسية مسؤولة في المجلس الأوروبي أن يبقى الموقف الذي سيصدر عن القمة بشأن التطورات الأخيرة في روسيا ضمن إطار الحذر والنأي عن التدخل في الشأن الداخلي، خصوصاً أن خلية الدراسات الاستراتيجية التابعة للمجلس نصحت بالتريّث والحذر، تحسباً لمزيد من التطورات التي قد تحصل في أي لحظة.
وكانت هذه الخلية قد وضعت تحليلاً للوضع في الأيام الثلاثة الأخيرة، سيكون على مائدة رؤساء الدول والحكومات اليوم لدى مناقشة الوضع الراهن في روسيا. ويستفاد من هذا التحليل الذي اطلعت عليه «الشرق الأوسط»، أن رفض الأجهزة الأمنية والعسكرية الانضمام إلى بريغوجين، وامتناعها عن التصدّي له لوقف مسيرته نحو موسكو، دليل واضح على أن بوتين لم يعد يحكم سيطرته على السلطة، وأن ما حصل ليس فحسب بداية النهاية بالنسبة لزعيم مجموعة «فاغنر»، بل أيضاً بداية أفول عهد بوتين ونظامه، مع كل ما يمكن أن يترتب عن ذلك من تداعيات يستحيل التكهن بها. ويشير التحليل إلى أن نظام بوتين يترنّح ببطء منذ فترة، بعد أن بدأ يفقد من شرعيته الشخصية جراء التعثّر في العمليات العسكرية، وضمور الكتلة النقدية الهائلة التي في تصرفه، وها هي الأحداث الأخيرة تظهر أنه لم يعد يملك السيطرة الكاملة على الأجهزة الأمنية والعسكرية.
