ممثل قبيلة «التبو» في لجنة دستور ليبيا: نعاني من الإقصاء أكثر من عهد القذافي

خالد وهلي لـ {الشرق الأوسط}: قاطعنا أعمالها مع الطوارق والأمازيغ.. وكل الخيارات مفتوحة

موالون للجيش الليبي أثناء مظاهرة مطالبة الأسرة الدولية بتسليح الجيش في بنغازي أمس (أ.ف.ب)
موالون للجيش الليبي أثناء مظاهرة مطالبة الأسرة الدولية بتسليح الجيش في بنغازي أمس (أ.ف.ب)
TT

ممثل قبيلة «التبو» في لجنة دستور ليبيا: نعاني من الإقصاء أكثر من عهد القذافي

موالون للجيش الليبي أثناء مظاهرة مطالبة الأسرة الدولية بتسليح الجيش في بنغازي أمس (أ.ف.ب)
موالون للجيش الليبي أثناء مظاهرة مطالبة الأسرة الدولية بتسليح الجيش في بنغازي أمس (أ.ف.ب)

قال ممثل قبيلة «التبو» في لجنة دستور ليبيا، خالد وهلي، لـ«الشرق الأوسط» أمس إن الكثير من المكونات الليبية أصبحت تعاني من الإقصاء والتهميش من جانب القائمين على أمور الدولة في الوقت الراهن، أكثر من عهد معمر القذافي الذي استمر حتى 2011 بعد أن حكم البلاد لمدة 42 عامًا. وأضاف أن قبيلته وقبيلة الطوارق قررتا مقاطعة الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع دستور ليبيا، لتلحق القبيلتان بقبائل الأمازيغ التي سبق لها رفض المشاركة في الهيئة التأسيسية، مما يضع المزيد من الصعوبات أمام استقرار هذا البلد الغارق في الفوضى.
وبينما تفيد مصادر في هيئة صياغة الدستور بأن أعمالها ديمقراطية وتأخذ الأقلية بعين الاعتبار، حذر وهلي، وهو في طريقه لزيارة القاهرة، من تداعيات «إقصاء» مكونات أساسية في المجتمع الليبي من هيئة صياغة الدستور، على باقي أعضاء قبيلتي التبو والطوارق في البرلمان والحكومة والجيش، مشيرا إلى وجود تململ بالفعل في جنوب ليبيا، وهو المنطقة التي يتركز فيها وجود هاتين القبيلتين. وفيما يتعلق بالمخاوف التي أطلقها البعض من مغبة اتجاه هاتين القبيلتين للتعاون مع الميليشيات التي تسيطر على العاصمة طرابلس، وتعد بمثابة الخصم اللدود للسلطات الشرعية، قال وهلي إن «كل الاحتمالات مفتوحة».
ومنذ نحو أسبوع علق ممثلو التبو والطوارق عضويتهم في هيئة تأسيس وصياغة الدستور، وأعلنوا في بيان لهم الرفض الكامل لما يصدر عن الهيئة من مقترحات ومسودات، وذلك بعد أن شكلت الهيئة لجنة مصغرة لم تضم في عضويتها أي وجود يُذكر للتبو والطوارق. وقال البيان إن جميع ما يصدر عن الهيئة ولجنتها «ليس له شرعية»، ولا يمثل القبيلتين «لانعدام التوافق».
ومن جانبه، شدد وهلي على أن «التوافق شرط أساسي، لكن ما يحدث معنا هو مغالبة من جانب الأغلبية».
وينص الإعلان الدستوري الذي وضعه الليبيون بعد التخلص من حكم القذافي على شرط التوافق. كما حملت مواقف الكثير من الأطراف الدولية المعنية بليبيا تأكيدات على ضرورة اتخاذ القرارات بالتوافق بين الأغلبية التي تمثلها قبائل ذات أصول عربية، وقبائل معروفة بأصولها غير العربية، وعلى رأسها التبو والطوارق والأمازيغ. وقال أحد المصادر المقربة من رئاسة صياغة الدستور إن مواده تتضمن مراعاة حقوق الأقليات و«هذا ما سيظهر عند طرح المشروع على الرأي العام».
لكن وهلي، المنتخب عن دائرة مرزق في جنوب ليبيا، شدد، وهو يتحدث عن موقف قبيلته وقبيلتي الطوارق والأمازيغ، على أن ما حدث في هيئة تأسيس الدستور يُعد خرقًا للإعلان الدستوري، وهو بمثابة انحراف عن أسس بناء دولة ديمقراطية متعددة الثقافات، ومحاولة من الأغلبية لتجاهل الواقع، واتباع نهج المغالبة.
وتتكون الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع دستور دائم، بدأت أعمالها منذ أبريل (نيسان) العام الماضي من 60 عضوا منتخبين وموزعين على ثلاثة أقاليم هي برقة شرقا وطرابلس غربا وفزان في الجنوب، بواقع 20 عضوًا عن كل إقليم، لكن لجنة أصغر تتكون من 12 عضوًا (4 عن كل إقليم) هي التي تتولى عملية الصياغة في الوقت الراهن، بناء على مقترحات مقدمة من 8 لجان نوعية في الهيئة الأعلى. ومن المقرر أن الانتهاء من المسودة المبدئية للدستور قبل نهاية هذا العام.
وتطرق وهلي، الذي يرأس في ليبيا منظمة الأمان لمناهضة التمييز العنصري، إلى عدة قضايا كان ينبغي وضعها في الحسبان، قائلا إن هيئة صياغة مشروع الدستور لم تلتزم بالإعلان الدستوري الذي يشترط التوافق مع مكونات التبو والطوارق والأمازيغ في أعمالها. وأوضح: «هم لم يلتزموا بالتوافق في عدة قضايا، منها موضوع تشكيل لجنة عمل لكتابة مسودة عن طريق لجنة مصغرة، ولم يلتزموا في هذه اللجنة المصغرة بالتوافق بين الأغلبية والأقلية، وقاموا، في المقابل، بإقصاء التبو والطوارق من تشكيل اللجنة.. ولذلك ننظر إليها على أنها غير شرعية ومخرجاتها لا تمثلنا».
وأضاف قائلا: «نحن بحكم أننا أقلية، جرى وضع شرط في الإعلان الدستوري بضرورة وجود توافق في كل القضايا. قضايا اللغة والتمثيل والمشاركة السياسية وقضايا هيئة الدولة والعدالة الانتقالية. لكن عملية الإقصاء والتهميش استمرت منذ عدة أشهر، فقررنا مقاطعة هيئة صياغة الدستور بصفة عامة، وليس مقاطعة اللجنة المصغرة فقط.
وعما إذا كانت توجد أي محاولات من جانب رئاسة هيئة الدستور مع الأعضاء المنسحبين للوصول معهم لحلول وسط، قال إنه لا يوجد حتى الآن أي اتصال من هذا النوع، و«منذ إعلان مقاطعتنا لم يأتِ لنا أي اتصال من جانب رئاسة الهيئة أو أعضائها أو أي من القائمين على موضوع الدستور». وعن تفسيره لعدم التواصل معهم رغم مقاطعتهم، قال إن الأمر قد يرجع إلى سير اللجنة «إنها تسير على النهج الإقصائي الذي قامت به بحق الأمازيغ منذ بداية أعمالها. حين قاطع الأمازيغ هيئة الدستور لم يسأل عنهم أحد. ببساطة جرى تجاهلهم، ويبدو أن هذا ما يريدون فعله معنا».
وأعرب وهلي عن اعتقاده في أن هيئة الدستور لا تريد الالتفات إلى ممثلي الأقلية. وقال: «يتبعون معنا أسلوب المغالبة، وهذا يبين النية في عدم الجدية في وضع دستور ليبي يرضي جميع المكونات. ما يجري عملية إفشال للدستور. هناك عملية لإفشال الدستور التوافقي، وربما كان هناك من لا يريد لليبيا أن تصل لبر الاستقرار والأمن».
وعما إذا كانت مقاطعة التبو والطوارق ومن قبلهم الأمازيغ لهيئة الدستور، يمكن أن تؤدي للتأثير على وجود مكوناتهم في الجيش والحكومة والبرلمان، قال إن هذا بالتأكيد يؤثر. وأضاف أنه يوجد في الوقت الحالي تململ وغليان في الجنوب الليبي بخصوص إقصاء التبو والطوارق من لجنة صياغة الدستور. وشدد على أن «التبو والطوارق جزء من ليبيا ولا بد من النظر إليهم على هذا الأساس في جميع الإجراءات».
وتابع وهلي قائلا إن القبائل التي كانت تعاني من الإقصاء والتهميش في عهد القذافي، يبدو أنها تواجه المشكلة نفسها من جديد. وأضاف موضحا: «للأسف نرى، نهج الإقصاء المستمر منذ أكثر من 42 سنة، أي منذ بداية عهد القذافي. كنا نحلم بدستور جديد لليبيا جديدة. ما يحدث اليوم له بالتأكيد تأثير على الشارع وعلى الاقتصاد وعلى الأمن، خاصة في الجنوب، وعلى استقرار ليبيا بصفة عامة».
وعن الإجراءات التي يقوم بها المقاطعون، للضغط على هيئة تأسيس مشروع الدستور وعلى الهيئات الرسمية الأخرى، مثل البرلمان والحكومة والجيش؟ قال وهلي: «وجهنا رسالة إلى ناخبينا من التبو والطوارق والأمازيغ بأن نهج هيئة صياغة الدستور غير سوي. ووجهنا رسالة للمجتمع المحلي والدولي بأن ما يقوم به أعضاء الهيئة ليس في صالح ليبيا».
وعما إذا كانت هناك أي مخاوف من أن تلتحق مكونات «التبو» و«الطوارق» وباقي «الأمازيغ» إلى المجموعات المسلحة أو ما يُعرف باسم «قوات فجر ليبيا» التي تحكم طرابلس وتستند على «المؤتمر الوطني» المنتهية ولايته (البرلمان السابق)، قال إن كل الخيارات مفتوحة، و«لا أحد يعرف كيف يمكن أن تسير الأوضاع، في حال استمرار النهج الإقصائي نفسه، لا تعرف كيف تتغير الأمور.. كل شيء وارد، وكل الاحتمالات مفتوحة».



جماعة مسلحة تصعد على ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن

سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)
سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)
TT

جماعة مسلحة تصعد على ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن

سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)
سفينة شحن تعرّضت لهجوم في البحر الأحمر - 1 مارس 2024 (رويترز)

ذكر الجيش البريطاني أن جماعة مسلحة صعدت على متن ناقلة مواد كيميائية قبالة ساحل اليمن، الجمعة، أثناء عبورها خليج عدن.

وقال مركز عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة، إن السلطات العسكرية أبلغت أن الناقلة صعد على متنها «أفراد غير مصرّح لهم» جنوب مدينة المكلا في اليمن، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وقالت شركة «أمبري» البريطانية للأمن البحري، إنه يُعتقد أن قراصنة صوماليين صعدوا على متن الناقلة التي لم يكن على متنها فريق أمني مسلّح.


العليمي: ماضون في حماية سيادة اليمن ومواجهة تصعيد الحوثيين

طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (رويترز)
طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (رويترز)
TT

العليمي: ماضون في حماية سيادة اليمن ومواجهة تصعيد الحوثيين

طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (رويترز)
طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (رويترز)

وجَّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي رسائل متزامنة إلى الداخل اليمني والمجتمع الدولي، أكد فيها أنَّ الدولة في بلاده ماضية في حماية سيادتها ومصالح مواطنيها، مع التمسُّك بخيار السلام وعدم الانجرار إلى توسيع دائرة المواجهة، متهماً الجماعة الحوثية، المدعومة من إيران، باستغلال معاناة اليمنيين وافتعال الأزمات للهروب من استحقاقات التسوية السياسية وتقويض التهدئة القائمة منذ عام 2022.

وجاءت تصريحات العليمي في أعقاب التصعيد الأخير المرتبط بمحاولة إدخال طائرة إيرانية إلى مطار صنعاء خارج موافقة الحكومة الشرعية، وهي الأزمة التي أعادت التوتر إلى واجهة المشهد اليمني، وسط مخاوف من سعي الحوثيين إلى فرض وقائع جديدة بدعم إيراني، ونقل الصراع إلى مستويات أوسع، بما يهدِّد مسار التهدئة الذي رعته الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية.

وأكد رئيس مجلس القيادة اليمني، في تغريدات على منصة «إكس»، أن سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين «يمثلون روح الجمهورية»، مشدداً على أن الدولة لن تتخلى عنهم، وستواصل العمل لتخفيف معاناتهم واستعادة مؤسسات الدولة وتحقيق السلام العادل، رغم ما وصفه بـ«إصرار الجماعة على تحويل معاناة المواطنين إلى ورقة سياسية تخدم أجندتها الخاصة».

وأشار إلى أن الحكومة قدمت خلال السنوات الماضية مبادرات متكررة لتخفيف معاناة اليمنيين وفتح مسارات السلام، إلا أن الحوثيين اختاروا في كل مرة التصعيد بدلاً من الانخراط في الحلول، عادّاً أن هذا السلوك يعكس نمطاً ثابتاً في إدارة الجماعة للأزمة اليمنية.

اتهامات بتقويض التهدئة

تأتي تصريحات العليمي في وقت تشهد فيه الأزمة اليمنية تصعيداً متدرجاً، يرى مراقبون أنه يستهدف تقويض حالة الهدوء النسبي التي سادت منذ إعلان الهدنة الأممية في أبريل (نيسان) 2022، والتي، رغم انتهاء مدتها الرسمية، فإنَّ آثارها استمرَّت عبر تراجع العمليات العسكرية الواسعة، واستمرار الجهود الدولية للدفع نحو تسوية سياسية.

ويرى رئيس مجلس الحكم اليمني أن الجماعة الحوثية لم تتعامل مع التهدئة بوصفها فرصة لإنهاء الحرب، وإنما استغلتها لإعادة ترتيب قدراتها العسكرية، ثم عادت إلى سياسة خلق الأزمات كلما اقتربت من استحقاقات السلام، أو واجهت ضغوطاً داخلية وخارجية.

العليمي أكد تمسُّك الدولة بالسلام مع حماية السيادة اليمنية (سبأ)

وفي هذا السياق، شدَّد العليمي على أنَّ الحكومة لم تكن يوماً سبباً في تعطيل الرحلات الجوية عبر مطار صنعاء، نافياً الاتهامات الحوثية بهذا الشأن، ومؤكداً أن السلطات الشرعية قدمت بدائل قانونية لتشغيل المطار عبر الناقل الوطني (الخطوط الجوية اليمنية)، بما يكفل حقَّ جميع اليمنيين في السفر دون تمييز.

واتهم الحوثيين باحتجاز طائرات الشركة الوطنية، والاستيلاء على أموالها، والإضرار بمقدراتها، عادّاً أن الجماعة تسعى إلى استخدام المطار أداةً لفرض أمر واقع سياسي، وليس بوصفه مرفقاً عاماً يخدم المواطنين.

كما أعلن بوضوح أن الحكومة لن تسمح مستقبلاً بدخول أو هبوط أي طائرة أجنبية في أي مطار يمني خارج موافقة الدولة الشرعية، في تأكيد على تمسكها بممارسة صلاحياتها السيادية وفق القانون الدولي.

رسائل للداخل... وتحذير من إيران

في موازاة رسائله السياسية، وجَّه العليمي نداءً مباشراً إلى القبائل اليمنية وإلى الأسر في مختلف المحافظات، دعاهم فيه إلى عدم السماح للحوثيين باستقطاب أبنائهم والزج بهم فيما وصفها بـ«الحروب العبثية» التي لا تخدم مستقبل اليمن، مؤكداً أن الجمهورية قامت لحماية كرامة جميع اليمنيين، وأن الانحياز لمشروع الدولة هو الطريق إلى الأمن والاستقرار وسيادة القانون.

وأكد أن الدولة ستواصل، عبر مؤسساتها وقواتها المسلحة، أداء واجبها الدستوري في حماية السيادة الوطنية وصون مصالح المواطنين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على نهج مسؤول يجنِّب البلاد الانزلاق إلى مواجهة أوسع تخدم أهداف الأطراف الداعمة للحوثيين.

لقاء العليمي مع القائم بأعمال السفير الأميركي تناول التصعيد الحوثي (سبأ)

وخلال استقباله القائم بأعمال السفير الأميركي لدى اليمن، جوناثان بيتشا، أشاد العليمي بالشراكة مع الولايات المتحدة ودورها في دعم أمن اليمن ومكافحة الإرهاب وحماية الملاحة الدولية، كما ثمن موقف المجتمع الدولي خلال الجلسة الطارئة لمجلس الأمن، التي أدانت الانتهاكات الإيرانية لسيادة اليمن، وحملت طهران مسؤولية دعم الحوثيين، في مخالفة لقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 2216.

وأوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي أن تعامل الحكومة مع التطورات الأخيرة انطلق من مسؤوليتها القانونية والأخلاقية بصفتها عضواً في الأمم المتحدة، مؤكداً أن قرار ضبط النفس وعدم توسيع المواجهة لم يكن تراجعاً عن السيادة، بل إنه تعبير عن مسؤولية الدولة وحرصها على حماية المدنيين، ومنع انزلاق البلاد إلى صراع يخدم الأجندة الإيرانية.

وقال إن الفارق واضح بين دولة تلتزم بالقانون الدولي وتحاول تجنب تعريض المدنيين للخطر، وبين جماعة مسلحة لا تتردد في استخدام السكان دروعاً بشرية، وتوظيف المؤسسات المدنية لخدمة أهدافها العسكرية والسياسية.

وفي تقييمه لمسار الأزمة، عدَّ العليمي أن قراءة سلوك الحوثيين خلال السنوات الماضية تكشف اعتمادهم سياسةً ثابتةً تقوم على الهروب من استحقاقات السلام عبر افتعال أزمات خارجية، وتحويل الأنظار عن جوهر القضية اليمنية، بما يسمح لهم بابتزاز المجتمعَين الإقليمي والدولي، وفرض وقائع جديدة بالقوة.

وأكد أنَّ هذا النهج لن يغيِّر حقيقة الصراع، ولن يحجب أي سلام مستدام يبدأ بإنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، والالتزام بالمرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية، مجدداً تأكيده أنَّ يد الدولة ستظل ممدودة لكل مسعى صادق يفضي إلى سلام عادل ينهي الحرب ويصون كرامة اليمنيين، لكنه شدَّد في الوقت نفسه على أنَّ حماية السيادة الوطنية ستظل مسؤوليةً لا يمكن التهاون فيها.


تصعيد إيران وأمن الملاحة يتصدران مباحثات العليمي مع دوائر القرار البريطاني

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي في اجتماع مع وزيرة الدفاع البريطانية (سبأ)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي في اجتماع مع وزيرة الدفاع البريطانية (سبأ)
TT

تصعيد إيران وأمن الملاحة يتصدران مباحثات العليمي مع دوائر القرار البريطاني

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي في اجتماع مع وزيرة الدفاع البريطانية (سبأ)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي في اجتماع مع وزيرة الدفاع البريطانية (سبأ)

حملت زيارة عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي إلى العاصمة البريطانية لندن أبعاداً تتجاوز إطار العلاقات الثنائية بين البلدين؛ إذ جاءت في لحظة تشهد تصاعداً في التوترات الإقليمية، وتزايد التدخلات الإيرانية في اليمن، مع مساعي الحكومة الشرعية لإعادة وضع قضيتها ضمن أولويات العواصم الغربية بوصفها قضية تتصل بأمن المنطقة واستقرار التجارة العالمية، وليس مجرد نزاع داخلي مع الجماعة الحوثية.

وخلال الزيارة التي اختتمها الخميس، شارك عبد الله العليمي في أعمال مؤتمر لندن 2026 الذي ينظمه المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس»، وأجرى سلسلة واسعة من اللقاءات مع مسؤولين في الحكومة البريطانية والبرلمان ووزارتَي الدفاع والخارجية، إلى جانب السفراء العرب، وعدد من الخبراء والإعلاميين وصنّاع القرار، في تحرك هدفه توسيع قاعدة الدعم الدولي للحكومة اليمنية، وتعزيز الشراكة مع المملكة المتحدة في الملفات السياسية والأمنية والدفاعية.

وجاءت الزيارة بالتزامن مع الأزمة التي أثارتها محاولة تسيير رحلات إيرانية إلى مطار صنعاء، وهي القضية التي حضرت بقوة في معظم لقاءات عبد الله العليمي، باعتبارها - وفق رؤية الحكومة - اختباراً لسيادة الدولة، ومحاولة لفرض واقع جديد يسمح لطهران بتوسيع نفوذها داخل اليمن، في وقت تؤكد فيه الحكومة تمسكها بالحل السياسي، مع رفض أي خطوات تتجاوز مؤسسات الدولة أو تنتقص من سيادتها.

عبد الله العليمي مع وزيرة القوات المسلحة البريطانية لويز ساندر جونز (سبأ)

ويقول مسؤولون يمنيون إن زيارة العليمي تأتي في إطار تحرك أوسع لإعادة تعريف الأزمة اليمنية أمام المجتمع الدولي، باعتبارها أزمة تمس الأمن الإقليمي وحرية الملاحة الدولية، بعد أن تحول سلوك الحوثيين المدعومين من إيران إلى أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة للقوى الإقليمية والغربية.

رسائل إلى لندن وشركاء اليمن

شهد برنامج زيارة عبد الله العليمي إلى لندن لقاءات مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هاميش فالكونر، ووزيرة القوات المسلحة البريطانية لويز ساندر جونز، ومدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية البريطانية روب ديكسون، وزعيم مجلس العموم السير آلان كامبل، إلى جانب عدد من البرلمانيين والمسؤولين.

وركزت المباحثات على مستقبل العلاقات مع اليمن، وآفاق تطوير التعاون في المجالات السياسية والأمنية والعسكرية، إضافة إلى دعم برامج بناء قدرات مؤسسات الدولة اليمنية، ومساندة جهود الحكومة في استعادة الاستقرار، وإنعاش الاقتصاد، واستمرار الدعم الإنساني والتنموي.

عبد الله العليمي خلال اجتماع مع زعيم مجلس العموم البريطاني (سبأ)

وأكد عبد الله العليمي خلال اللقاءات أن الحكومة في بلاده لا تزال منخرطة في جميع المبادرات السياسية الهادفة إلى إنهاء الحرب، لكنها ترى أن أي عملية سلام لا يمكن أن تنجح ما لم تقترن بضمانات تمنع الجماعة الحوثية من استغلال الهدن لإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز ترسانتها العسكرية، كما حدث - وفق قوله - خلال السنوات الماضية.

كما شدد على أن السلام المستدام لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يقوم على إعادة بناء مؤسسات الدولة، واحتكارها للسلاح، وبسط سلطتها على المنافذ البرية والبحرية والجوية، باعتبار ذلك الضمانة الوحيدة لمنع تجدد الصراع.

من جانبهم، أكد المسؤولون البريطانيون استمرار دعم مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، ومواصلة التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، بما يسهم في دعم جهود التعافي والاستقرار، وتحسين الأوضاع الإنسانية.

أمن البحر الأحمر

حظي الملف الأمني بالحصة الكبرى من مباحثات العليمي، في ظل استمرار المخاوف الدولية من تهديدات الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وما ترتب عليها من اضطراب في حركة التجارة العالمية وارتفاع تكاليف النقل البحري.

وأكد عضو مجلس القيادة اليمني أن الجماعة الحوثية لم تعد تمثل تهديداً داخلياً فحسب، بل أصبحت جزءاً من معادلة أمنية إقليمية ودولية، بعد أن وسعت دائرة عملياتها لتشمل استهداف الممرات البحرية، وهو ما جعل استعادة مؤسسات الدولة اليمنية مصلحة مشتركة للمجتمع الدولي.

وفي هذا السياق، دعا عبد الله العليمي إلى توسيع برامج التعاون الدفاعي مع بريطانيا، خصوصاً في مجالات التدريب وبناء القدرات ورفع كفاءة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وخفر السواحل، بما يعزز قدرة الدولة على حماية سواحلها الطويلة، وتأمين الموانئ والمنافذ، والمشاركة في حماية الملاحة الدولية.

عبد الله العليمي مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (سبأ)

ورأى أن دعم مؤسسات الدولة يمثل استثماراً طويل الأمد في أمن المنطقة، مؤكداً أن الحكومة لا تطلب تدخلاً عسكرياً نيابة عنها، وإنما شراكات تساعدها على استعادة وظائف الدولة، وتمكين مؤسساتها الأمنية والعسكرية من أداء مهامها الدستورية.

كما أشاد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني بالدور البريطاني في برامج الدعم الفني والمؤسسي، وبالمساهمة في تعزيز قدرات خفر السواحل اليمنية، باعتبارها جزءاً من الجهود الدولية الرامية إلى حماية الممرات البحرية.

أزمة الطائرة الإيرانية

احتلت أزمة الرحلات الإيرانية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين مساحة بارزة في محادثات العليمي، الذي اعتبر أن هبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء، ومحاولة تشغيل رحلات أخرى، يمثلان انتهاكاً واضحاً للسيادة اليمنية، ويفتحان الباب أمام إنشاء مسار جوي خارج سلطة الدولة.

وأوضح أن الحكومة قدمت بدائل تتيح تشغيل الرحلات عبر «الخطوط الجوية اليمنية» وفق الترتيبات القانونية المعترف بها دولياً، بما يكفل خدمة المواطنين دون تمييز، إلا أن الحوثيين رفضوا تلك المقترحات وأصروا على إدارة المطار بصورة منفردة، وهو ما اعتبرته الحكومة خروجاً على القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية المنظمة للطيران المدني.

عبد الله العليمي في لندن مع مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية البريطانية (سبأ)

وربط العليمي بين هذه التطورات واستمرار الدعم الإيراني للجماعة الحوثية، معتبراً أن طهران تستخدم الجماعة لتعزيز نفوذها الإقليمي، وأن أي تساهل مع هذه الممارسات سيؤدي إلى تقويض فرص السلام، ويزيد من تعقيد المشهد اليمني.

كما رحب بالخطوات البريطانية الأخيرة تجاه «الحرس الثوري» الإيراني، معتبراً أن تشديد القيود على أنشطة طهران من شأنه الحد من قدرتها على دعم الجماعات المسلحة في المنطقة، وفي مقدمتها الحوثيون.

وفي تصريحاته للإعلام البريطاني قال العليمي إن الحوثيين تحولوا من تهديد محلي إلى تهديد إقليمي ودولي، مؤكداً أن الحكومة ستواصل السعي إلى السلام، لكنها في الوقت نفسه لن تتخلى عن مسؤوليتها في حماية سيادة البلاد واستعادة مؤسساتها.

تنسيق عربي وبريطاني

على هامش الزيارة عقد العليمي اجتماعاً مع السفراء العرب المعتمدين لدى المملكة المتحدة، دعا خلاله إلى تعزيز التنسيق الدبلوماسي العربي في مواجهة التحديات المشتركة، مؤكداً أن استعادة الدولة اليمنية تمثل مصلحة عربية قبل أن تكون مطلباً يمنياً، وأن أمن البحر الأحمر يبدأ من وجود دولة يمنية قوية وقادرة على حماية حدودها وممراتها البحرية.

عبد الله العليمي مع كوادر السفارة اليمنية في لندن (سبأ)

كما شدد على أهمية استمرار الدعم العربي، مشيداً بالدور السعودي في مساندة الحكومة اليمنية سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، ورعاية المبادرات الهادفة إلى إنهاء الحرب وتحقيق السلام، ومؤكداً أن هذا الدعم كان عاملاً أساسياً في استمرار مؤسسات الدولة في أداء وظائفها رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.

ولم تقتصر الزيارة على اللقاءات الرسمية؛ إذ التقى العليمي عدداً من الإعلاميين والباحثين بمراكز الفكر البريطانية، في محاولة لإبقاء الملف اليمني حاضراً في دوائر صنع القرار. كما عقد اجتماعاً مع أعضاء البعثة الدبلوماسية اليمنية في لندن، مثمّناً دورهم في خدمة المواطنين والدفاع عن مصالح البلاد رغم الصعوبات المالية وتأخر المستحقات.