روبرت كنيدي يراهن على اسم عائلته «السحري» ومؤيدي نظرية مؤامرة «الدولة العميقة»

المنافس الرئيسي لبايدن على نيل ترشيح الحزب الديمقراطي

روبرت كنيدي يراهن على اسم عائلته «السحري» ومؤيدي نظرية مؤامرة «الدولة العميقة»
TT

روبرت كنيدي يراهن على اسم عائلته «السحري» ومؤيدي نظرية مؤامرة «الدولة العميقة»

روبرت كنيدي يراهن على اسم عائلته «السحري» ومؤيدي نظرية مؤامرة «الدولة العميقة»

رغم أن القانون الأميركي لا يمنع أي شخصية من الترشح ضد رئيس هو عملياً زعيم الحزب الذي يحتل المكتب البيضاوي، ويسعى للتجديد لولاية ثانية، لم يحدث أن هذا الترشح أدى إلى تغيير في النتيجة. ذلك أن كل الرؤساء الأميركيين، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، نجحوا عملياً في الحصول على ترشيح حزبهم في الانتخابات التمهيدية، التي عادة ما تكون حامية لدى الطرف المعارض، رغم «تمرد» البعض وإصرارهم على تحدي «الرئيس». بيد أن فشل بعضهم في الحصول على فترة ولاية ثانية غالبا ما كان سببه خسارتهم الانتخابات العامة أمام خصمهم من الحزب المعارض.

مع استطلاعات الرأي الجارية في الولايات المتحدة تظهر أن 38 في المائة فقط من الديمقراطيين يؤيدون ترشيح الرئيس جو بايدن (80 سنة) لفترة ثانية، بدا أن حظوظ روبرت كنيدي (جونيور) «الابن» (69 سنة)، المرشح الديمقراطي «المتمرد»، الذي يبني حملته الانتخابية على «نظرية المؤامرة» القائمة على فكرة «أن الأشخاص الأقوياء يعملون في الخفاء لخداعك»، قد تكون أقرب لكسر تلك القاعدة... وهذا ما لم يتقدم مرشح آخر مدعوم من «مؤسسة» الحزب.

إذ أظهر استطلاع حديث أجرته شبكة «سي إن إن»، أن 20 في المائة من الناخبين الديمقراطيين يؤيدون كنيدي كمرشح رئاسي، وأن 44 في المائة إضافية سيفكرون في دعمه. ومن المجموعة الثانية، قال 1 من كل 5 إن اسم كنيدي والعلاقات الأسرية كانت الأسباب الرئيسية لاعتبارهم. وهذا يضعه عملياً في المرتبة الثانية في السباق التمهيدي الديمقراطي، بموازاة حاكم فلوريدا رون دي سانتيس في التصويت التمهيدي للحزب الجمهوري، رغم التغطية الضئيلة التي يحظى بها من وسائل الإعلام، وقلة الإعلانات المدفوعة.

سيرة ذاتية

ولد روبرت فرنسيس كنيدي في مستشفى جامعة جورج تاون في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 17 يناير (كانون الثاني) 1954. وهو الثالث من بين 11 مولوداً للسيناتور والمدعي العام (وزير العدل) روبرت كنيدي وزوجته إثيل، كما أنه ابن شقيق الرئيس جون كنيدي والسيناتور الراحل إدوارد «تيد» كنيدي.

نشأ كنيدي «الابن» في منازل عائلته في مدينة ماكلين، إحدى ضواحي واشنطن الراقية بولاية فيرجينيا، حيث يقيم معظم مسؤولي الدولة وأصحاب الشركات، وأيضاً في منتجع العائلة الريفي بشبه جزيرة كيب كود في ولاية ماساتشوستس.

كان عمره تسع سنوات عندما اغتيل عمه الرئيس جون كنيدي، عام 1963، و14 سنة عندما اغتيل والده في ولاية كاليفورنيا أثناء حملة ترشحه للرئاسة عن الحزب الديمقراطي عام 1968. وبعد مقتل والده، عاش في كمبريدج بضواحي بوسطن عاصمة ولاية ماساتشوستس في بيت أسرة راعية، وكان ذا شخصية مشاغبة ومتمردة.

تخرّج في مدرسة بلفري ستريت النهارية في ووترتاون في الولاية. وكان قبل انضمامه إلى تلك المدرسة قد طُرد من مدرستين داخليتين خاصتين راقيتين في ولاية نيويورك وولاية كونيتيكت لتعاطيه المخدرات.

وفي أغسطس (آب) 1970، قبض عليه مع بوبي شرايفر، ابن عمته، لحيازة الماريغوانا، ووضعا تحت المراقبة لمدة 13 شهرا. وعام 1982، قبض عليه مرة ثانية بتهمة حيازة الهيرويين. وعندما سئل عن الكيفية التي يجب أن يفسّر بها الناخبون ملفه الرئاسي غير المعتاد، أجاب كنيدي «إذا اعتقد شخص ما أن إدماني الهيرويين قبل أربعة عقود يجب أن يستبعدني من البيت الأبيض، يحق له ذلك. أنا لا أحسد أحداً».

بعدها التحق كنيدي - مثل أعمامه - بجامعة هارفارد، وتخرّج عام 1976 بدرجة بكالوريوس الآداب في التاريخ والأدب الأميركي. ودرس لاحقاً في مدرسة لندن للاقتصاد قبل أن يحصل على الإجازة في القانون من كلية الحقوق بجامعة فيرجينيا، والماجستير في القانون من جامعة بايس بنيويورك.

بدأ حياته المهنية كمساعد للمدعي العام في مدينة نيويورك. وكان محامياً وحقوقياً بيئياً ناجحاً، أسس ودافع عن جمعيات بيئية، قبل أن يوجه انتباهه في أوائل العقد الأول من القرن 21 إلى «انتهاكات» ثقة الجمهور التي كان يعتقد أنها موجودة في تنظيم صناعة الأدوية واللقاحات. وهو يعيش الآن في كاليفورنيا مع زوجته الثالثة الممثلة شيريل هاينز ولديه 6 أولاد. ومن مؤلفاته كتاب نشر عام 2005، زعم فيه أن الزئبق في اللقاحات قد يسبب في زيادة الاضطرابات العصبية مثل التوحّد. ولقد جرى سحبه في وقت لاحق من ناشريه بعد تصحيحات متعددة.

الاقتراب من السياسة

سياسياً، دار نقاش في الصحافة الأميركية عن أن إدارة الرئيس باراك أوباما الأولى ربما كانت تعتبره مرشحاً لمنصب مدير «وكالة حماية البيئة»، لكن تصريحاته المثيرة للجدل واعتقاله بتهمة حيازة الهيرويين في الثمانينيات استبعدا احتمالات حصوله على التثبيت اللازم لتعيينه من مجلس الشيوخ. ومن ثم، منذ ظهور جائحة «كوفيد - 19»، برز كنيدي كمؤيد ومروّج رائد للمعلومات المضللة عن اللقاح المضاد داخل الولايات المتحدة. وألّف عامي 2021 كتاباً عن «أنتوني فاوتشي الحقيقي»، الطبيب البارز الذي قاد جهود التصدي للجائحة، وكتاباً آخر عام 2022 بعنوان «رسالة إلى الليبراليين».

وفي الواقع، دأب كنيدي «الابن» على استخدام خطاب «نظرية المؤامرة» من أجل تبرير شكوكه وترويجها بشأن جائحة «كوفيد - 19». وهو يعتبر أن التآمر المزعوم يخدم مصالح المليارديرات، وأنه أدى إلى انتقال 4.4 تريليون دولار من ثروة الطبقة الوسطى الأميركية إلى «هذه الأوليغارشية الجديدة التي أنشأناها، من 500 ملياردير جديد بسبب الإغلاق، والمليارديرات الذين قمنا بالفعل بزيادة ثرواتهم بنسبة 30 في المائة».

في المقابل، يرى البعض أن مواقف كنيدي الحادة من قضايا البيئة، وشعاراته المدافعة عن الطبقات الفقيرة وتعاطفه مع الطبقة الوسطى، فضلا عن اسم عائلته «السحري»، عوامل ربما أسهمت بالفعل في ارتفاع أرقام مؤيديه. وكمثال، انتقد الضرر البيئي لتدريبات الجيش الأميركي في الجزر التابعة للولايات المتحدة، وخاض معارك قانونية وعلاقات عامة ضد التلوث الذي تسببه مصانع المزارع طيلة ما يقرب من 20 سنة.

وأيضاً، دافع عن التحول العالمي بعيدا عن الوقود الأحفوري نحو الطاقة المتجددة. وانتقد بشكل خاص صناعة النفط، ورفع إحدى أولى القضايا البيئية ضد شركة «موبيل أويل» بتهمة تلويث نهر الهدسون. وتحت قيادته، أطلق عام 2001 حملة للتخلص من إنتاج الفحم الحجري، ورفعت العشرات من الدعاوى القضائية التي تستهدف ممارسات التعدين، وعارض الطاقة النووية التقليدية، بحجة أنها غير آمنة وعاجزة عن المنافسة اقتصادياً.

رهان خاطئ أم خدعة؟

لكن من أين بالضبط أتى التأييد لكنيدي «الابن»؟ وهل يُمكن الرهان على نجاحه، الذي قد يكون إشكالياً، مثلما يمكن أن يكون ترشحه خادعاً في هذه المرحلة المبكرة من السباق الرئاسي؟

حسب «المتابعة» الضئيلة نفسها لنشاطات الرجل، يُعزى الاهتمام به أساساً إلى نسبه كفرد من عائلة كنيدي، إحدى أشهر العائلات السياسية الأميركية. وكما سبقت الإشارة، والده السيناتور ووزير العدل روبرت كنيدي، الذي اغتيل عام 1968، حين كان مرشحا رئاسياً، وأحد أعمامه الرئيس الأسبق جون كنيدي، الذي اغتيل أيضاً عام 1963. وعمه الأصغر السيناتور اللامع الراحل إدوارد كنيدي.

كل هذا الإرث قد يكون كافياً - عند كثيرين - لجعل بعض الديمقراطيين يلقون نظرة جدية على حملته الرئاسية. ولكن هؤلاء سرعان ما سيجدونه ناشطاً مضاداً للقاحات، كما أنه غالباً ما يبدو مثل جمهوريي «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى) المتطرفين اليمينيين... وفق بعض الكتابات عنه.

ما يستحق الذكر هنا أنه ترويجاً لفكرته عن «خداع الأقوياء»، بدأ كنيدي «الابن» خطاباً حديثاً له بالتكلم عن «كذب» إدارة الرئيس الأسبق دوايت أيزنهاور، عام 1960، عندما أسقط السوفيات طائرة تجسّس أميركية ادّعيَ أنها كانت طائرة متخصصة بأبحاث الطقس. ثم أضاف العديد من الروايات عن هذا «الخداع»، بعضه مثبت، مثل الكشف العرضي عن مخططات فعلية ألحقت ضرراً واضحاً، كما هو الحال في فضائح بعض رجال الدين من الكنيسة الكاثوليكية، أو صناعة التبغ، أو أجهزة الاستخبارات، في حين دحض بعضه الآخر، وظل الكثير مجرد تخمينات من قبله.

أقرب إلى جمهوريي «ماغا»

مع هذا، لا أحد يعرف حتى الآن كيف سيكون رد فعل الناخب الأميركي أو الحزب الديمقراطي عندما يتكشف المزيد عن سياسات كنيدي «غير التقليدية».

مثلاً، لم يضع الرجل حتى الآن استراتيجية لقضية الهجرة، وهو «غير متأكد» مما إذا كان ينبغي حظر جراحات المتحوّلين جنسيا للشباب، رغم أنه يعارض تنافس النساء المتحولات في الرياضة النسائية. ثم يقول إنه يدعم حقوق الإجهاض ولن يقطع الضمان الاجتماعي أو برنامج الرعاية الصحية الحكومي «ميديكيد»، لكنه يرفض القول ما إذا كان سيؤيد حظر الأسلحة الهجومية، لأن «السيطرة على الأسلحة يجب أن تتحقق من خلال الإجماع».

وعلى صعيد السياسة الدولية، أدان كنيدي غزو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأوكرانيا، إلا أنه يلوم واشنطن على إثارة الحرب من خلال دعمها الانتفاضة الشعبية فيها عام 2014. بل، ووصف الحرب بأنها «إعداد من قبل المحافظين الجدد ووكالة المخابرات المركزية».

ومثل ترمب، قال كنيدي إنه سيتفاوض بسرعة على السلام إذا ما انتُخِب رئيساً. وبدا أيضاً أكثر انسجاماً مع سياسات «ماغا» الجمهورية اليمينية المتطرفة منه مع سياسات الحزب الديمقراطي، في أنه لا يزال يؤمن بأن المرشح الديمقراطي - آنذاك - جون كيري، فاز في انتخابات عام 2004 الرئاسية التي أعيد فيها انتخاب الرئيس الجمهوري جورج بوش «الابن». وهو في هذا يستند غالباً إلى تحليل «فضفاض» لاستطلاعات الرأي، وماكينات الاقتراع، وعدّ الأصوات في الدوائر الانتخابية. وهذا الأمر يذكّر بنوع الادعاءات نفسها التي أدلى ويدلي بها ترمب وأنصاره حول «سرقة» انتخابات 2020. أما عن صحة انتخاب الرئيس الحالي بايدن، فهو يقول إنه لا يعرف ما إذا فاز بايدن... «لكنني أعتقد أنه فاز».

هل يساعد ترشحه ترمب؟

كنيدي يرفض المخاوف التي يعبر عنها ديمقراطيون من أن ترشحه يمكن أن يساعد ترمب أو يؤدي إلى فوز أي جمهوري آخر، وهذا بينما يعلن أنه لن يدعم بايدن - الذي يعتبره «صديقاً»، وذلك بسبب مقاربته لحرب أوكرانيا.

وفي هذه النقطة، يقر كنيدي بأن بعض أفراد عائلته، ومنهم عدد من الأعضاء الذين يخدمون في إدارة بايدن، غير موافقين على ترشحه وغير مؤيدين لآرائه. وحقاً، كتب إخوة كنيدي، تحديداً كاثلين كنيدي تاونسند وجوزيف كنيدي، وابنة أخته ماييف كنيدي ماكين، مقالة رأي عام 2019، حذّروا فيها من «معلوماته الخاطئة والخطيرة» التي تعرّض الصحة العامة والأطفال للخطر. وحتى زوجته، الممثلة شيريل هاينز، نأت بنفسها عن آرائه، عندما قال إن اليهود كانوا يتمتعون بحريات أكبر في عهد هتلر مقارنة بالأميركيين الذين لم يتلقوا اللقاح المضاد لـ«كوفيد - 19».

بيد أن إطلالاته الإعلامية مع المحطات والمواقع اليمينية، تبقى التصرفات الأكثر إثارة لمخاوف المؤسسة الحزبية الديمقراطية. إذ إنه ظهر مع محطة «فوكس نيوز» التي عاملته على أنه «منافس جاد» لبايدن. وظهر مع مجموعة من المتحدثين اليمينيين في برامج بودكاست، شملت الكاتب المحافظ مات والش، الذي يصف نفسه بأنه «ثيوقراطي فاشي»، والناشطة اليمينية السوداء كانديس أوينز، الداعية إلى مساعدة السود على «الهروب من المزرعة الديمقراطية»، وتشارلي كيرك، وهو مؤسس مجموعة يمينية تدعى «نقطة تحول لأميركا». وكان الموضوع المشترك لهؤلاء المتحدثين اليمينيين اقتناعهم بأن المؤسسات الإخبارية الكبرى لم تعد تقدم صوراً دقيقة لما يحدث، وهو ما يلتقي مع اتهامات كنيدي السابقة لوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) «تواصل التأثير على التغطية الإخبارية السياسية المحلية».

ورغم ذلك، وفق مجموعة «القيم الأميركية 2024» المستقلة التي تدعم حملته، فقد جمع بالفعل 5.7 مليون دولار، منذ ترشحه نهاية أبريل (نيسان) وحتى بداية هذا الشهر.

بعض ما في جعبة كنيدي «الابن» من «نظريات المؤامرة»

دونالد ترمب

دونالد ترمب

تاريخ روبرت كنيدي «الابن» مع «نظريات المؤامرة» حافلٌ في الواقع، وهو يسبق ادعاءاته الأخيرة، عن اللقاحات، إذ جادل طويلاً أن اللقاحات المنقذة للحياة تشكل تهديداً، وأن لقاحات الأطفال تسبّب التوحّد، وهذا قبل أن يبدأ معركته ضد لقاحات «كوفيد - 19» المضرة. إذ إنه زعم عندما استضافه جو روغان، مقدم البرامج اليميني على بودكاست هذا الشهر «سيقول الجميع لا توجد دراسة تظهر أن التوحّد واللقاحات مرتبطان. هذا مجرد جنون. هؤلاء هم الأشخاص الذين لا ينظرون إلى العلم. إنه جزء من الدين». في عام 2019، جادل كنيدي بأن «تمريناً» يحاكي جائحة وهمية «أرشِف» على موقع «يوتيوب»، و«كشف خطة سرّية» قال إنها تضم خبراء تجسس أميركيين «لإثراء شركات الأدوية وقمع حرية التعبير». ولاحقاً، إبّان جائحة «كوفيد - 19» قلب نتائج بيانات سريرية من تجربة لقاح ضد الفيروس لم تكن مصممة لقياس معدل الوفيات، ما أشار بشكل خاطئ إلى أن اللقاحات قتلت أشخاصاً أكثر مما أنقذتهم، متجاهلاً أن اللقاح منع تفشي الوباء وأنقذ الأرواح. وأمام حشد من المؤيدين الديمقراطيين المتشككين سياسياً - كما لدى الجمهوريين - من مؤيدي نظرية المؤامرة، قال «لقد كذبتنا الحكومة ووسائل الإعلام... وهكذا كان كل شيء محيّراً، لأنهم يبقوننا عمداَ في حيرة من أمرنا». وفي مجال السياسة، كنيدي مقتنع بأن خطابه يمكن أن يعيد تشكيل الحزب الديمقراطي، ويفي بالطموحات التي «سُرقت» من والده وعمه (الرئيس جون كنيدي)، الذي لا يزال يؤمن بأنهما اغتيلا على أيدي وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه)، الأمر الذي تنفيه الحكومة الأميركية بشدة. وعندما سأله روغان عما إذا كان هو أيضاً يمكن أن يكون هدفا للوكالة، قال كنيدي، «عليّ أن أكون حذراً. أنا أعلم ذلك، ومدرك لهذا الخطر»، وأردف «لذا آخذ الاحتياطات». في مقابلة صحافية أجريت مع كنيدي أخيراً، قال «أنا لم أستطع الترشح إلا في هذه الانتخابات، ولقد قمت بالفعل بدمج الخداع ومنهجه بطرق تتجاوز تجربة بلدنا... الناس يريدون الحقيقة». وبينما يعتقد أن حملته تهدف إلى إعادة احتضان «روح حملات عائلته» في عامي 1960 لجون كنيدي و1968 لوالده روبرت، التي وحّدت أنصار الطبقة العاملة البيض - القوة الشعبية الكبيرة للرئيس السابق دونالد ترمب - مع تحالف الديمقراطيين السود واللاتينيين، فهو يجادل بأن الاقتراع الوطني لا يأخذ في الحساب التحولات التي يمكن أن يحققها التصويت في انتخابات تمهيدية ديمقراطية مفتوحة. وحقاً، يرى البعض أن ترشح كنيدي يأتي في لحظة تحوّل زلزالي في السياسة الأميركية، وهو في وضع فريد ليكون قادرا «على إعادة مؤشر الحوار الوطني إلى المركز». فالأسلوب «التآمري» للسياسة والفكرة التي يدفع بها وتقوم على أن «الأقوياء» يشكلون الأحداث سرا بأهداف خبيثة، باتت تهيمن على الرأي العام الأميركي عموماً. وخلال العقود الأخيرة، وثّق مركز «غالوب» ثقة منخفضة قياسية في مؤسسات مثل الكونغرس، والشركات والصحف والإعلام ونظام العدالة والقضاء. ثم إن «المؤامرات» الجديدة، ترفد الآيديولوجيات السائدة، مثل تحميل دونالد ترمب «الدولة العميقة» المسؤولية عن مشاكله، في حين يتهم السيناتور اليساري المستقل بيرني ساندرز «فاحشي الغنى» مسؤولية فشله الرئاسي، ويعتبر دي سانتيس أن «نخبة مؤسسية وتنظيمية وأكاديمية وإعلامية» تنشر خلسة «فيروس استيقاظ العقل»(ثقافة الـWOKE) من أجل الترويج للفكر التحرّري.

 

بيرني ساندرز

بيرني ساندرز

من جهة أخرى، يرشح كنيدي نفسه، كأحد أشهر الأحفاد الأحياء للعائلة السياسية العريقة، باعتباره كان منبوذاً لعقود بسبب مناهضة ما يراه جهداً منسّقاً لإبعاده عن الساحة العامة، إثر تعليقاته وكتاباته المبكّرة عن اللقاحات، وانتقاداته لدور المؤسسات الحكومية وأجهزة الاستخبارات وأسرارها. وضمن سياق ترديده آراءه حول اللقاحات، جادل بأن فيروس «كوفيد - 19» نشأ في مختبر تموّله الولايات المتحدة في الصين، بسبب قانون «باتريوت» الذي صدر عام 2001، والذي ادعى بعد ذلك أنه جرى تمريره فقط بعد تعرض اثنين من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين الرافضين، باتريك ليهي وتوم داشل، للتهديد. وهو ما نفته كل التحقيقات والأدلة اللاحقة، وكذلك شهادات السيناتورين نفسهما. كنيدي زعم أيضاً أن شركات التكنولوجيا العملاقة مثل أمازون أيّدت عمليات الإغلاق وحدّت من الآراء المعارضة «لأنها ستستفيد من العزلة»، واتهم وسائل إعلام ومؤسسات إخبارية بالتحالف مع تلك الشركات، في انتهاك لقوانين مكافحة الاحتكار، بحجة «مكافحة المعلومات المضللة». وعلى الأثر، عام 2021 أغلق حسابه على تطبيق «إنستغرام»، بسبب ما وصفته الشركة بـ«المزاعم الكاذبة حول فيروس كوفيد أو اللقاحات»؛ (أعاد الموقع حسابه بداية هذا الشهر، بعد ترشحه للرئاسة). وطلبت السيناتورة الديمقراطية، إليزابيث وارين، من أمازون التوقف عن الترويج لكتبه، ووصفته الناطقة باسم البيت الأبيض بأنه عضو في «دزينة المعلومات المضللة» بسبب آرائه حول «كوفيد».

 

إليزابيث وارين

إليزابيث وارين

مع هذا، مقاربته العنيدة لـ«نظرية المؤامرة» لا تتوقف عند هذا الحد. إذ شن لفترة من الوقت حملة ضد تكنولوجيا الإنترنت «جي5»، مدعياً أنها تلحق ضرراً بالحمض النووي البشري، وبأنها «أداة سرية للمراقبة الجماعية». ومن ثم، اتهم بيل غيتس، أحد مؤسسي شركة «مايكروسوفت» بالعمل على تطوير «شريحة قابلة للحقن» تسمح، مرة أخرى، بمراقبة جماعية!


مقالات ذات صلة

المعارضة الجزائرية «تستنجد» بالرئاسة لمواجهة «أزمة التزكيات»

شمال افريقيا اجتماع الرئيس بوزراء وقادة أمنيين حول انتخابات البرلمان (الرئاسة)

المعارضة الجزائرية «تستنجد» بالرئاسة لمواجهة «أزمة التزكيات»

قبل 3 أسابيع من انطلاق حملة الانتخابات البرلمانية الجزائرية، تتصاعد حدة العقبات أمام الأحزاب السياسية التي تفتقر لوعاء من المنتخبين المحليين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية رجل من «الحريديم» قرب علمين إسرائيليين (أرشيفية - رويترز)

مبادرة نتنياهو لتبكير الانتخابات... ضد حلفائه «الحريديم» أم لمصلحتهم؟

كان رؤساء أحزاب الائتلاف الحاكم بإسرائيل بقيادة «الليكود» قد قدموا بشكل رسمي، مساء الأربعاء، مشروع قانون لحل الكنيست الـ25 والتوجه إلى انتخابات مبكرة.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يمين) يظهر إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب (وسط) ونائب الرئيس جي دي فانس (رويترز) p-circle

سباق انتخابات 2028 يبدأ مبكراً: روبيو يتفوق على فانس في أحدث استطلاع

تشير المؤشرات السياسية المبكرة إلى بدء تشكّل ملامح السباق الرئاسي الأميركي لعام 2028، في ظل تنافس متصاعد داخل الحزب الجمهوري حول هوية المرشح الأوفر حظاً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ديفيد لامي نائب ستارمر ووزير الدفاع جون هيلي ووزيرة الدولة جيني تشابمان يغادرون «10 داونينغ ستريت» (رويترز)

توالي الاستقالات من حكومته يزيد الضغوط على ستارمر لمغادرة منصبه

توالي الاستقالات من حكومته تزيد الضغوط على كير ستارمر لمغادرة منصبه، مع مطالبة أكثر من 80 نائباً من حزبه الحاكم علناً بتحديد موعد لاختيار خليفة له...

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ النائب الجمهوري تود وارنر يرتدي علم الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تينيسي (أ.ب)

حرب ترسيم الدوائر تتسع في أميركا تمهيداً للانتخابات النصفية

وسّع الجمهوريون والديمقراطيون نطاق إعادة ترسيم الخرائط الانتخابية بولايات إضافية أملاً في السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ خلال الانتخابات النصفية للكونغرس

علي بردى (واشنطن)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».