رحيل الشيف رمزي نجم المطبخ اللبناني

بسبب نوبة قلبية مفاجئة وعن عمر 52 عاماً

رحيل الشيف رمزي نجم المطبخ اللبناني
TT

رحيل الشيف رمزي نجم المطبخ اللبناني

رحيل الشيف رمزي نجم المطبخ اللبناني

صادم خبر وفاة الشيف رمزي. فالرجل لم يكن مريضاً ولا عجوزاً، بل بالكاد تجاوز الخمسين من العمر، وقضى إثر تعرضه لنوبة قلبية مفاجئة مساء الأحد، أودت به. صحيح أنه لم يطلّ على شاشة تلفزيونية منذ سنوات، لكنه نجم ذائع الصيت، حصد من الشهرة، ما يجعله باقياً في البال والضمير، خاصة عند ذاك الجيل الذي كان يشاهده يعدّ أطباقه كل يوم في برنامج «عالم الصباح» على «تلفزيون المستقبل».

بوفاة الشيف رمزي نديم شويري، يفقد لبنان وجهاً محبوباً، وطبّاخاً غاية في الطموح والحيوية، يتطلع دائماً إلى الأمام، وله مكانة خاصة عند كل من عرفه نظراً لدماثته، وطيبته، وخلقه الكريم، وابتسامته التي لا تفارق وجهه.

وُلد رمزي شويري عام 1971 وتعلم في مدرسة الجمهور في لبنان، وأكمل دراسته في مدينة ليون في فرنسا، وحاز شهادة جامعية في القانون والاقتصاد. أما الطبخ، فدرسه في إنجلترا، جامعة لندن، كلية برنموث، وتدرب بعد ذلك على يد الشيف الفرنسي المعروف جان ماسون، ثم درس صنع الحلويات والمخبوزات على شيف فرنسي آخر هو برنار موان.

التحق سنة 1993 بمؤسسة «الكفــاءات» التي أسسها والده، ونجح في جعلها قصة نجاح، وأصبح رمزي المدير العام لمدرستها الفندقية منذ 1995، وعضواً في مجلس أمناء المؤسسة، وطوّر المدرسة لتصبح سنة 2001 معهداً جامعياً للفنون الفندقية.

لكن موعد الشيف رمزي الحقيقي مع الشهرة، كان عام 1994 عبر «تلفزيون المستقبل»، يوم كان هذا الأخير في أوج ازدهاره، وانضم الشيف رمزي إلى برنامج «عالم الصباح»، في فِقرة خاصة، ليطل على المشاهدين يعلمهم الطبخ، ويمدهم بالوصفات والإرشادات، ويجيب عن أسئلتهم مباشرة على الهواء. سطع نجم الشيف رمزي بسرعة، ولعله كان الطباخ العربي الأول الذي يعيش مجداً من هذا النوع. وجهه السمح، إطلالته المحببة، صوته العذب، ووضوح الشرح، مع قدرته الفائقة على إعطاء الوصفات للمتصلات عبر الهاتف بتلقائية ويسر، كلها صنعت صورة بهية لشيف لا يضاهى.

بعد أن سجّل وقدّم على الهواء مباشرة، ما يزيد على ألفي حلقة طوال 17 سنة في «تلفزيون المستقبل»، غادر هذه المؤسسة، وقال إن التصوير اليومي أرهقه وعدم تطوير برنامجه أزعجه. انتقل بعدها إلى المؤسسة اللبنانية للإرسال وأطل يوم الجمعة في فِقرة أسبوعية خلال برنامج «حلوة ومرة».

يوم أصدر كتابه الأول للطبخ من موسوعته، وكان ذلك عام 1998، حقق رقماً قياسياً في المبيع في العالم العربي كله، وكتبت عنه كبريات الصحف والمجلات العالمية.

كتاب الشيف رمزي هذا استحق أن يقام له جناح في معرض الكتاب العربي في بيروت. يومها طبخ الشيف وقدّم أطباقه للزوار، واصطفت الحشود الغفيرة حوله، لرؤية النجم التلفزيوني الشهير، حتى تحول إلى أهم عارضي الكتب دون منازع، في حين كان مفكرون وسياسيون وشعراء يوقّعون كتبهم في هدوء ومن دون أن ينتبه لهم أحد.

طموح الشيف رمزي كان عارماً، وحيويته على قدر مشاريعه وأحلامه التي لا تُحدّ، دائم الحركة، متجدد الأفكار. في عام 2001 أطلق شركة «الشيف رمزي» للأطباق الجاهزة والمجلدة، وصدّر منتجاته إلى دول كثيرة. والعام الذي تلاه أصدر كتابه «الشيف رمزي من تراث لبنان»، وهو خلاصة تجربته طوال 3 سنوات من التجوال في المناطق اللبنانية والقرى والبلدات، متعرفاً على الوصفات التراثية من مصادرها الأولى، وتلك كانت خطوة مهمة لأرشفة طرق تحضير الأطباق، باختلافاتها المناطقية، وغنى تعدديتها.

من الصعب الحديث عن كل إنجازات الشيف رمزي؛ فقد كان طاقة خلاّقة لا تلكّ. بعد الكتب، أصدر عام 2003 مجلة «الشيف رمزي» الشهرية، ولقيت نجاحاً لبنانياً وعربياً.

نعرف بعض ما نشط به الشيف المحبوب ولا نعرف البعض الآخر. فقد تولى مسؤولية مطبخ «المقهى الأدبي» التابع للسفارة الفرنسية ومركزها الثقافي، ويرتاده طلاب الجامعة اليسوعية المجاورة، كما مثقفون وكتاب، وتنظم فيه جلسات فكرية وحوارات ونقاشات. يروق للشيف رمزي هذا النوع من التحديات، حيث تختلط الثقافة الأدبية بثقافة الطهي على مائدة واحدة. في هذا المطعم الذي توالى عليه طباخون كبار قبله، خلط الشيف رمزي بين المطبخ اللبناني والفرنسي الذي يعرفه جيداً، واستقبل ضيوفه شخصياً في الأمسيات الثقافية، واستمع إلى آرائهم في أطباقه، واقتراحاتهم.

هكذا هو الشيف رمزي طاقة لا تنضب، ومشاريع ولاّدة، حين باغتته المنية كان يخطط لفتوحات جديدة، مع أصدقاء المهنة. لم يصدقوا خبر وفاته ونقاشات العمل كانت لا تزال حارة معه. الشيف لن يتمم ما بدأه معهم، ذهب من دون أن يخبرهم، وهو واصل للتو من رحلة خارجية.

لن ينسى اللبنانيون أبداً أن الشيف رمزي قاد معركة وطنية وأدخل صحن التبولة وصحن الحمص في موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية. قرر يومها أن يقول للعالم اجمع إن صحن الحمص لبناني وإن الاستيلاء عليه ممنوع. قاد الشيف رمزي معركته يومها بمعونة 250 طباخاً متدرباً من مدرسة «الكفاءات»، يحيط بهم 30 طباخاً محترفاً وأستاذاً ومراقباً صحياً من كوادر مدرسة «الكفاءات».

ليس ذلك فحسب؛ فقد انبرى الرجل ليؤكد لبنانية صحني الحمص والتبولة معاً، من خلال دراسة مشوقة وقيمة، وضعها بين يدي المسؤولين اللبنانيين، لتكون معيناً لهم أمام الهيئات الدولية لتسجيل هذين الطبقين كمِلك لبناني في الدوائر القانونية، وخصّ «الشرق الأوسط» في حينه بجانب منها لنشرها وإطلاع قرائها عليها.

وأثبت الشيف في دراسته أن إنتاج الطحينة في لبنان مطلع القرن التاسع عشر، هو الذي فتح الباب أمام صحن الحمص. كان اللبنانيون، ولا يزالون، يستوردون السمسم من السودان، ويطحنونه وينتجون الطحينة التي أدخلت في الوصفات. وشرح الشيف رمزي يومها أن الفكر المطبخي اللبناني أبدى عبقرية بتحضير طبق يعدّ تقنياً من الوصفات الصعبة وهي «الأرنبية» بمزج الطحينة مع أكثر من ستة أنواع من الحمضيات. «لذا؛ لن يستحيل عليه أن يصل إلى مزج (البليلة) ذات الحمص الحب المسلوق الطري بالطحينة. فهل يستعصى إضافة القليل من الثوم المدقوق والملح، وتقديم الصحن مزيناً بالذهب اللبناني، أي زيت الزيتون؟».

كان الشيف رمزي عربياً غيوراً، ولبنانياً حتى الثمالة، لم يجوّد طبخاته فحسب، بل كان باحثاً ودارساً ومؤرشفاً، مهتماً بالعناصر الرئيسية التي تشكل الطبخات التراثية، ومنها زيت الزيتون، والحمضيات على أنواعها، والبرغل. لكن هذا لم يحُل دون انفتاحه على الثقافات الأخرى، وتجاريبه أطعمة من مطابخ العالم، وعلاقاته الوثيقة مع أوروبيين وأميركيين، ومطابخ عالمية مختلفة.

رحيل الشيف رمزي أصاب اللبنانيين بحزن شديد، فهو جزء من يومياتهم على مدى سنوات طوال. كان يكفي أن يضع صورته على الكتاب الذي يصدره حتى يقبل عليه الجمهور. وبإعلان خبر وفاته ليل الأحد، ساد حزن شديد، وتحول الى التراند الأول في لبنان على وسائل التواصل الاجتماعي ونعاه أصدقاؤه وأحبته، ومتابعوه. وكتبت سهى شعبان: «الشيف رمزي يعني (عالم_الصباح) يعني (تلفزيون_المستقبل)، يعني المطبخ اللبناني الذوّاق، يعني مرحلة من حياتنا حبيناها كتير، وتندثر مع اندثار نجومها وأبطالها».


مقالات ذات صلة

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

مذاقات من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

في مطابخ الأسر المصرية يكاد يكون الأرز رفيقاً دائماً للمائدة، وأحد أكثر المكونات التصاقاً بـ«الطبخة البيتية».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)

طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

يمر كل طاهٍ عظيم بلحظة يحوّل فيها طبق واحد مسار رحلته في عالم الطهي؛ طبق يثير الفضول أو يتحدى التقاليد أو يكشف عن قوة النكهة بطريقة لم يختبرها أحد من قبل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)

«فيينا بايتس» حملة تعرّف الزوار بالأطباق والمطاعم النمساوية

تفاجئ مدينة فيينا الساحرة بالتاريخ، والثقافة، والموسيقى والعمارة، والطبيعة الخلابة زوارها هذا العام من خلال إبراز جانب آخر يتمثل في مشهد الطهي المتجدد.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
مذاقات سالو... أطباق تبدو مكلفة في أجواء بعيدة عن التكلفة

سالو... أطباق تبدو مكلفة في أجواء بعيدة عن التكلفة

من الصعب إيجاد مطعم يقدم أطباقاً عصرية وراقية ولكن في أجواء بسيطة، فالمعروف عن المطاعم التي تقدم مأكولات شبيهة باللوحات الفنية ونكهات تضاهي المطاعم المكللة...

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات هونغ كونغ ترسخ مكانتها كواحدة من أبرز وجهات الذواقة في آسيا

هونغ كونغ ترسخ مكانتها كواحدة من أبرز وجهات الذواقة في آسيا

تواصل هونغ كونغ ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز وجهات الذواقة في آسيا، فكشف دليل ميشلان عن أحدث قائمة للمطاعم المختارة في حمل اسم «ميشلان هونغ كونغ وماكاو 2026»

«الشرق الأوسط» (لندن)

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.