تقرير: مسلحون بلباس مدني زرعوا الرعب خلال الاضطرابات في السنغال

الغموض يلفّ موجة العنف التي هزت البلاد من الأول إلى الثالث من يونيو

قوات الأمن تشتبك مع مؤيدين للمعارضة في دكار (رويترز)
قوات الأمن تشتبك مع مؤيدين للمعارضة في دكار (رويترز)
TT

تقرير: مسلحون بلباس مدني زرعوا الرعب خلال الاضطرابات في السنغال

قوات الأمن تشتبك مع مؤيدين للمعارضة في دكار (رويترز)
قوات الأمن تشتبك مع مؤيدين للمعارضة في دكار (رويترز)

تشير تسجيلات فيديو وشهادات في السنغال إلى انتشار مسلحين بلباس مدني وصلوا بشاحنات صغيرة وطاردوا المتظاهرين خلال الاضطرابات الأخيرة التي أعقبت الحكم بالسجن على المعارض عثمان سونكو، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وقال نديري نيانغ، وهو بائع أغنام شهد الوقائع، إن شاحنة «بيك آب» بيضاء دخلت (السبت) منطقة «غيناو ريلز نورد» في إحدى ضواحي دكار وعلى متنها «عشرات المسلحين» يرتدون ملابس عادية. وأضاف: «كانت لديهم لائحة بأسماء شبان قالوا إنهم من المتظاهرين وطاردوهم».

قبل يوم من ذلك، قُتل 3 شبان على الأقل من سكان الحي. وانتشر في المنطقة فيديو يظهر فيه باسيلو سار (31 عاماً) مقتولاً برصاصة في رأسه حسب عدد من الشهود. وأكد شاهد آخر، رفض ذكر اسمه، خوفاً على سلامته، رواية نديري نيانغ. وقال: «أنا خائف... نعرف أن هناك جواسيس».

ويلف بعض الغموض موجة العنف التي هزت السنغال من الأول إلى الثالث من يونيو (حزيران)، بدءاً بالظروف التي قُتل فيها 16 شخصاً، ومَن قتلهم. وتتبادل السلطة والمعارضة الاتهامات بقتلهم.

لكن شهوداً قابلتْهم وكالة الصحافة الفرنسية تحدثوا عن انتشار رجال مجهولين مسلحين خلال المواجهات.

وقال شاب في مستشفى أُدخل إليه بعد إصابته بجروح في بكين، إحدى بؤر الصدامات في ضواحي دكار أيضاً، إنه وجد نفسه في وسط الاشتباكات في أثناء تنقله بعربة. وقال: «رأيت شاباً على الأرض جريحاً. توقفت وهناك رأيت عشرات الرجال بثياب مدنية يطاردون متظاهرين».

وأضاف أنهم «كانوا يحملون أسلحة نارية أو أسلحة بيضاء».

مؤيدون للمعارضة يشتبكون مع القوات الأمنية في دكار (رويترز)

«معركة صور»

أُصيب الشاب برصاصة في الفخذ. وقال إن آخرين تعرفوا على مطلق النار، وهو مصارع. وكان ممارسو المصارعة التقليدية قد دعوا في الماضي للعب دور في أجواء المواجهات السياسية من قبل.

اندلع العنف بعد أن حُكم على سونكو بالسجن لمدة عامين في فضيحة جنسية. وهو حالياً غير مؤهل للانتخابات الرئاسية لعام 2024.

ويتهم الموالون لسونكو المعسكر الرئاسي بدفع أموال «لبلطجية» يتنقلون بشاحنات صغيرة لتقديم المساعدة للشرطة والدرك وسحق المتظاهرين. واتهم المدافعون عن حقوق الإنسان رجال الشرطة والدرك بارتكاب أعمال «وحشية».

وانتشرت صور لم تثبت صحتها لشرطيين يستخدمون مدنيين دروعاً بشرية لحماية أنفسهم من القذائف.

ومعركة الصور مستعرة.

فقد عرضت الحكومة والشرطة لقطات لمسلحين أكدتا أنهم متظاهرون. وتتهم الحكومة «قوى خفية» و«أجانب» بالسعي إلى زعزعة استقرار البلاد من دون أي توضيحات.

وقال ماهام كا، المتحدث باسم وزارة الداخلية، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن بعض رجال الشرطة يعملون بملابس مدنية، لكنه أضاف أنه لا يمكنه قول المزيد لأسباب أمنية. وتابع: «لا أعرف هؤلاء الأشخاص في الشاحنات ولا أستطيع أن أؤكد أنهم يعملون مع الشرطة».

عنصر من شرطة مكافحة الشغب يتحدث إلى رجل خلال اشتباكات مع أنصار زعيم المعارضة في السنغال (رويترز)

تحديد المسؤوليات

يرى المحلل السياسي إبراهيما باخوم، أن السياسيين جنّدوا «بلطجية» في الماضي لحمايتهم. وقال إن «المشهد السياسي السنغالي كان دائماً عنيفاً لكنّ العنف لم يصل يوماً إلى المستوى الحالي. نرى الآن عصابات حقيقية يتم تجنيدها في الأحياء ممّن لديهم إمكانيات لذلك».

وكانت أكثر من عشر سيارات «بيك آب» تتمركز في دكار (السبت) أمام مقر الحزب الرئاسي، «التحالف من أجل الجمهورية».

وتوافد عشرات الشبان إلى المبنى لتلقي أموال. وقال اثنان إنهما حصلا على أموال لمنع المتظاهرين من التخريب لكنهما أكدا أنهما ليسا مسلحين.

وقالت سميرة داود، المديرة الإقليمية لمنظمة العفو الدولية، إن المنظمة غير الحكومية تسعى إلى التحقق من مقاطع فيديو كثيرة تُظهر أفراداً مسلحين بملابس مدنية. وأضافت أن «هؤلاء يتحركون دائماً إلى جانب قوات الأمن أو أمام أعينها».

وتابعت أن هؤلاء المسلحين يتنقلون بأنواع السيارات نفسها المتوقفة أمام مقر الحزب الرئاسي.

ودعت إلى إجراء تحقيقات لأن «شبكة المسؤوليات يجب أن تحدَّد بوضوح».

وأعلنت الحكومة السنغالية، مساء الأربعاء، فتح «تحقيقات قضائية فورية» في «أعمال العنف غير المسبوقة» التي شهدتها البلاد بعد الحكم على المعارض عثمان سونكو وسقط خلالها 16 قتيلاً على الأقل الأسبوع الماضي.

وقال بيان نُشر بعد اجتماع للحكومة إن هذه التحقيقات تهدف إلى «الكشف عن المسؤوليات المتعلقة بهذه الأحداث» التي وقعت بين الأول والثالث من يونيو (حزيران) في دكار ومناطق أخرى بعد إدانة سونكو في إطار فضيحة جنسية.

وكانت الحكومة قد أعلنت عن تحقيقات بعد صدامات مارس (آذار) 2021 المتعلقة بسونكو أيضاً وقتل خلالها 12 شخصاً.

ويقول المدافعون عن حقوق الإنسان إنهم ينتظرون نتائج التحقيق حتى الآن.


مقالات ذات صلة

آلاف الكوسوفيين يتظاهرون تنديداً بإدانة الرئيس السابق بجرائم حرب

أوروبا مظاهرة في بريشتينا تنديداً بإدانة الرئيس السابق هاشم تاجي بارتكاب جرائم حرب (أ.ف.ب)

آلاف الكوسوفيين يتظاهرون تنديداً بإدانة الرئيس السابق بجرائم حرب

قاد مقاتلون سابقون في «جيش تحرير كوسوفو» تظاهرة في العاصمة بريشتينا، الجمعة، للتعبير عن غضبهم إزاء إدانة الرئيس السابق هاشم تاجي بارتكاب جرائم حرب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية مسعود رجل إيراني فقد ابنه محمد طه في ضربة مدرسة ميناب في 28 فبراير يتفاعل عند المدرسة في إيران 27 أغسطس 2026 (رويترز)

بعثة أممية «تشتبه» بجرائم حرب أميركية في إيران

خلصت بعثة أممية إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بارتكاب أميركا جريمتي حرب في إيران، واتهمت طهران بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

«الشرق الأوسط»
أوروبا هاشم تاجي (أ.ب)

السجن 25 عاماً لرئيس كوسوفو السابق هاشم تاجي بتهمة ارتكاب جرائم حرب

أصدرت محكمة خاصة بكوسوفو، تتخذ من لاهاي مقراً، حكماً، الأربعاء، بالسجن 25 عاماً على الرئيس السابق لكوسوفو هاشم تاجي، إثر إدانته بجرائم حرب.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
شؤون إقليمية فلسطينيات يبكين محمد اليازوري الذي قُتل بغارة جوية إسرائيلية الخميس الماضي قبيل تشييع جثمانه في خان يونس جنوب غزة (أ.ب)

«سعي رسمي لسحب جنسية المخرجَين»... هجمة إسرائيلية على فيلم عن غزة

أعلن وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي، ميكي زوهار، أنه سيعمل على سحب الجنسية من مخرجَي فيلم «نازا» الإسرائيليين، بعد كشفه عن جرائم حرب وإبادة في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صورة أرشيفية لمقاتل من المعارضة السورية يرفع علامة النصر وهو يقف على متن طائرة عسكرية تابعة لقوات موالية لحكومة بشار الأسد داخل مطار حماة العسكري - 7 ديسمبر (رويترز)
p-circle

الشرطة السورية تعتقل 9 طيارين سابقين بتهمة ارتكاب جرائم حرب

أعلن الأمن العام في محافظة اللاذقية على الساحل السوري القبض على 9 طيارين من الجيش السوري السابق «متورطين بارتكاب جرائم حرب بحق الشعب».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

إثيوبيا: قوات تيغراي تسيطر على مطار ميكيلي... ومواجهات مع الجيش الفيدرالي

دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير شعب تيغراي» 12 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)
دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير شعب تيغراي» 12 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)
TT

إثيوبيا: قوات تيغراي تسيطر على مطار ميكيلي... ومواجهات مع الجيش الفيدرالي

دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير شعب تيغراي» 12 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)
دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير شعب تيغراي» 12 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

سيطر المتمرّدون في تيغراي في شمال إثيوبيا على مطار عاصمة الإقليم، وفق ما أفادت مصادر أمنية ومحلية «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء، في وقت تتصاعد التوترات مع الحكومة الفيدرالية، وبعد أيام من انضمام جبهة تحرير شعب تيغراي إلى تحالف جديد يضم جماعات مسلحة مناهضة للحكومة من جميع أنحاء البلاد.

وقال موظف في مطار ألولا أبا نيغا بالعاصمة ميكيلي: «بينما كنّا في طريقنا إلى المطار للعمل، اتصل مُشرفنا بالسائق وأخبره بأنّ قوات تيغراي سيطرت على المطار. ونظراً لعدم وجود رحلات جوية، طُلب منا العودة إلى منازلنا». وأكد مصدر أمني في سفارة غربية هذه المعلومات.

معارك في إقليم عفر

إلى ذلك، أفاد مصدران إغاثيان «وكالة الصحافة الفرنسية» باندلاع معارك في إقليم عفر الإثيوبي بين الجيش الفيدرالي وقوات إقليم تيغراي المجاور. وأوضح مصدر إغاثي في عفر طلب عدم ذكر اسمه أنّ «قوات تيغراي تخوض مواجهات مع الجيش الفيدرالي منذ الليلة الماضية في أبالا وإيربتي»، وهما بلدتان في عفر قريبتان من الحدود مع تيغراي.

وشهدت إثيوبيا حرباً دامية من العام 2020 إلى العام 2022 بين القوّات الفدرالية ومتمرّدي جبهة تحرير شعب تيغراي أودت بحياة 600 ألف شخص على الأقلّ، بحسب الاتحاد الإفريقي. وأثارت الاشتباكات المتفرّقة في الأشهر الأخيرة مخاوف من عودة الحرب.

وأظهر موقع «فلايت رادار» لتتبع حركة الطيران، أنّ رحلة صباح الأربعاء بين ميكيلي والعاصمة الفدرالية أديس أبابا أُلغيت.

من جانبها، قالت الخطوط الجوية الإثيوبية الأربعاء إنها ​علقت رحلاتها إلى ثلاثة مطارات في إقليم تيغراي بشمال إثيوبيا. وذكرت الشركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن تعليق الرحلات إلى ميكيلي، ‌عاصمة الإقليم، ‌ومدينتي شاير ​وأكسوم ‌جاء ⁠بسبب «الوضع الراهن ​في إقليم ⁠تيغراي»، دون الإدلاء بتفاصيل أخرى، وفق «رويترز».

تحالف مسلح ضد حكومي آبي أحمد

يأتي هذا التطور بعد أيام من إعلان نائب رئيس سلطات المتمردين في تيغراي أن الجماعات المسلحة الرئيسية في إثيوبيا، بما فيها تلك الناشطة بأقاليم تيغراي وأمهرة وأوروميا، شكّلت تحالفاً بهدف «الإطاحة» بالحكومة الفيدرالية، و«تسهيل إقامة حكومة انتقالية».

وصرّح نائب رئيس جبهة تحرير شعب تيغراي أمانويل أسيفا، الأحد: «شكّلنا، للتوّ، تحالفاً ونحن نتعاون مع عدّة مجموعات، ويقضي هدفنا بالإطاحة بالحكومة وتسهيل إقامة حكومة انتقالية»، مشيراً إلى أن التحالف يضمّ سبعة تنظيمات مسلّحة؛ بينها قوّات تيغراي وقوميّو «فانو» في أمهرة وجيش تحرير أوروميا، وهي المجموعة التي تنشط في المنطقة ذات العدد الأكبر من السكان.

كما تشمل هذه المجموعة تحالفاً يضم جماعات مسلّحة من الولاية الصومالية وعفر وأوغادين وبني شنقول-قماز.

عناصر من «جبهة تحرير شعب تيغراي» يسيرون في خط واحد بميكيلي عاصمة الإقليم 30 يونيو 2021 (أ.ف.ب)

وأضاف أمانويل أسيفا: «نعتقد أننا سننجح، فنحن نناقش الأمر فيما بيننا منذ أكثر من عام»، مشيراً إلى أن زعيم «فانو» سيتولى قيادة التحالف.

من جانبه، أبدى شيتيل ترونفول، الخبير في شؤون المنطقة بكلية «أوسلو نيو يونيفرسيتي» في النرويج، شكوكاً حول قدرة الجماعات المسلّحة، في الوقت الراهن، على خوض «نزاع طويل الأمد» ضد السلطات الفيدرالية التي تملك خصوصاً أعداداً كبيرة من الطائرات المسيّرة. لكن «التنسيق على مستوى القيادة العسكرية مِن شأنه أن يغيّر المعادلة، فقد تجد الحكومة نفسها في مواجهة أربع أو خمس جبهات محتملة، ما قد يشكّل تحدّياً كبيراً»، على حد قول ترونفول.

وتشهد إثيويبا، الدولة الواقعة في الشرق الأفريقي التي تضمّ 130 مليون نسمة، نزاعات مسلّحة، منذ سنوات، في منطقتيها الأكثر تعداداً للسكان أوروميا وأمهرة.

وتتواجه القوّات الفيدرالية مع جيش تحرير أوروميا منذ 2018، ومع قوميّي «فانو» منذ 2023.

وتُعد منطقة أوروميا الأكثر اكتظاظاً بالسكان، إذ يقطنها أكثر من 40 مليون نسمة. ومنذ عام 2018، تخوض القوات الفيدرالية مواجهاتٍ فيها ضد «جيش تحرير أورومو»، الذي تُصنفه أديس أبابا «منظمة إرهابية».

وشهدت أعداد مقاتلي «جيش تحرير أورومو»، التي قُدرت ببضعة آلاف في عام 2018، زيادة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.

في المقابل، حملت ميليشيات «فانو» الشعبية التقليدية التي تشكلت بهدف «الدفاع عن النفس» لدى عِرقية الأمهرة، السلاح ضد الحكومة في أبريل (نيسان) 2023، عقب قرار السلطات الفيدرالية نزع سلاحها. وتنشط هذه الميليشيات، بشكل خاص، في المناطق الريفية، حيث تشن بانتظام عمليات حرب عصابات. كما شهد البلد، الذي تولّى آبي أحمد رئاسة الوزراء فيه سنة 2018، حرباً دامية من 2020 إلى 2022 بين القوّات الفيدرالية ومتمرّدي جبهة تيغراي أودت بحياة 600 ألف شخص، على الأقلّ، وفقاً للاتحاد الأفريقي.


توترات الداخل الإثيوبي تهدد بإرباك توازنات القرن الأفريقي

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

توترات الداخل الإثيوبي تهدد بإرباك توازنات القرن الأفريقي

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

لم تعد الاضطرابات التي تواجهها حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد محصورة داخل حدود أقاليم متنازعة مع المركز. فمع اتساع رقعة الصراعات المسلحة في تيغراي وأمهرة وأوروميا، وتشكيل تحالف جديد يضم سبع جماعات مسلحة من مناطق وقوميات مختلفة، تعقدت أزمات الداخل الإثيوبي وتشابكت مع نزاعات حدودية مع الجيران، ما يهدد بإرباك توازنات منطقة القرن الأفريقي.

وباتت السياسة والأمن في إثيوبيا بحسب أليكس دي وال، المدير التنفيذي لـ«مؤسسة السلام العالمي»، أستاذ الأبحاث في جامعة تافتس، «متشابكين إلى حد كبير» مع أوضاع الصومال وإريتريا والسودان.

وقال دي وال لـ«الشرق الأوسط» إن المنطقة تشهد «فسيفساء من الصراعات، يرتبط فيها كل مستوى من الصراع بالمستوى الأعلى منه، بحيث تظل جذور النزاعات محلية، بينما تساعد العوامل الخارجية في إطالتها وجعل تسويتها أكثر صعوبة».

وتأتي هذه الصورة في أعقاب إعلان سبع جماعات إثيوبية مسلحة أخيراً تشكيل «تحالف قوات الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء»، بهدف تغيير الحكومة الحالية. التحالف ضم خصوماً سابقين قاتلوا على جانبي حرب تيغراي بين 2020 و2022.

ولا يعني التحالف بالضرورة وجود جبهة عسكرية متماسكة؛ إذ لا تزال بين مكوناته خلافات عميقة. وقال ماغنوس تايلور، نائب مدير مشروع القرن الأفريقي في «مجموعة الأزمات الدولية» لـ«الشرق الأوسط» إن «قدرة الجماعات على العمل المشترك قد تعوقها المسافات الجغرافية والخلافات السياسية».

لكن أهمية التحالف تكمن في كونه يعكس تحولاً أوسع في الصراع، وهنا قالت هاجر علي، الباحثة في المعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية «GIGA» لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة التي تعاني منها الدولة الإثيوبية في إدارة نظامها الفيدرالي تتيح اندلاع صراعات إقليمية منفصلة بالتزامن»، محذرة كذلك من أن أطراف هذه الصراعات قد تتنافس فيما بينها على الموارد والتمثيل السياسية.

وفي رأي إبراهيم إدريس، الباحث في الشؤون الأفريقية والدولية، فإن تدهور العلاقة بين المركز وتيغراي بعد تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا بات يهدد «سلامة النظام الهيكلي الفيدرالي» نفسه.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المعضلة لا تتوقف عند تيغراي، لأن القوميات الثلاث الأكثر تأثيراً في مسار الدولة الإثيوبية، وهي الأمهرة والتيغراي والأورومو، بات لكل منها، بدرجات مختلفة، صراع أو خلاف مع المركز».

وتكشف انتخابات يونيو (حزيران) الماضي واحدة من أبرز مفارقات المشهد الإثيوبي. فقد حصل «حزب الازدهار» بقيادة آبي أحمد على 438 مقعداً، ما ضمن له أغلبية برلمانية واسعة، لكن الانتخابات لم تتم في جميع الدوائر؛ من بينها تيغراي وأمهرة وأوروميا.

وقالت هاجر علي إنه «رغم أن الحزب يبدو متمتعاً بأغلبية برلمانية قوية، فإن هذا لا يعني أنه قادر فعلياً على معالجة القضايا الإثنية أو الإقليمية التي تتسبب في عدم الاستقرار وتفاقمه»، ولا ترى علي فصلاً واضحاً بين «المظالم المحلية» والصراع الأوسع على مستقبل الدولة.

ويبقى ملف تيغراي الأكثر قابلية لتحويل الأزمات المتفرقة إلى أزمة أوسع. فقد أنهى اتفاق بريتوريا، الموقع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، حرباً استمرت عامين بين الحكومة الفيدرالية وقوات تيغراي.

جنود من القوات الخاصة في أحد شوارع مدينة حميرة الإثيوبية (رويترز)

لكن الأزمة تصاعدت خلال العام الحالي، مع إعادة «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» بسط سيطرتها السياسية على الإقليم في مايو (أيار)، متهمة الحكومة الفيدرالية بعدم تنفيذ الاتفاق. وهنا أوضح تايلور إن اتفاق بريتوريا «لا يزال قائماً رسمياً، لكنه لم يعد فاعلاً على أرض الواقع».

ومع ذلك، لا يعتبر تايلور أن الباب السياسي أُغلق تماماً، مشيراً إلى وجود مجال للتفاوض، من خلال جهود الاتحاد الأفريقي.

وفي أمهرة، تواجه الحكومة معضلة مختلفة. فقد قاتلت قوات «فانو» إلى جانب الجيش الفيدرالي خلال حرب تيغراي، قبل أن تتحول إلى خصم للحكومة في 2023. وقال إدريس إن «التطور الأهم هو انتقال الحركة من خلاف سياسي إلى تبني السلاح كأداة لتغيير النظام».

وفي أوروميا، الإقليم الذي ينتمي إليه آبي أحمد نفسه، الذي لعبت احتجاجاته الشعبية دوراً محورياً في التغيرات السياسية التي أوصلته إلى رئاسة الحكومة، واصل «جيش تحرير أورومو» تمرده ضد الدولة، ولم تؤدِ جولات التفاوض السابقة إلى تسوية شاملة.

وفي رأي هاجر علي فإن «صراع أوروميا يوضح أن الأزمة لا يمكن اختزالها في رد فعل على سياسات السنوات الأخيرة وحدها، فالنزاع هناك ممتد منذ عقود، وجزء كبير منه يتعلق بالعلاقة بين المركز والقوى الإقليمية».

وأشار إدريس إلى «انقسامات داخل الحركة السياسية الأورومية نفسها، مع ابتعاد قوى كانت جزءاً من البيئة التي دعمت صعود آبي عن الحكومة لاحقاً».

وهكذا أصبحت الحكومة، في آن واحد، أمام تمرد أمهري، وصراع مستمر في أوروميا، وانهيار متدرج لتفاهمها مع تيغراي، لكن ما يمنح هذه الصراعات بعداً إقليمياً أكثر خطورة هو علاقتها بالجوار، فإريتريا، التي انتقلت علاقتها بآبي أحمد من المصالحة التاريخية في 2018 إلى التحالف معه خلال حرب تيغراي، أصبحت مرة أخرى في موقع الخصم.

وفي فبراير (شباط) الماضي، اتهم وزير الخارجية الإثيوبي غديون تيموثيوس، إريتريا بدعم جماعات مسلحة داخل إثيوبيا، وقال تايلور إن «لإريتريا تاريخاً في دعم جماعات المعارضة الإثيوبية»، لكنه أشار إلى أن «تعاونها الحالي مع قوات تيغراي يتركز على السماح لها بالتحرك عبر الأراضي الإريترية وربما تقديم بعض المساعدات العسكرية التقنية».

وربط تايلور هذا التقارب بمخاوف أسمرة من طموحات إثيوبيا في الحصول على منفذ على البحر الأحمر، متحفظاً على وصف «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بأنها وكيل لإريتريا»، بينما ذهب إدريس إلى أن انعكاسات أزمة الموانئ، دفعت إريتريا إلى «موقع دفاعي».

ووضع أليكس دي وال هذا المشهد في سياق تاريخي أوسع، مشيراً إلى أن القرن الأفريقي عرف، منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي، نمطاً من الحروب دعمت فيه كل دولة متمردين يقاتلون حكومة الدولة الأخرى، واستمر جانب من هذا التشابك بعد الحرب الباردة، وإن تغيرت أسبابه وتحالفاته.

جنود من القوات الخاصة في إثيوبيا (رويترز)

وقال دي وال إن جذور الأزمات تظل «محلية»، لكن التشابكات الخارجية «تبقي الصراعات مستمرة وتجعلها مستعصية ويصعب حلها».

ويبرز السودان بوصفه من أكثر حلقات هذا التشابك حساسية، إلى جانب الأزمة مع الصومال بعد الاتفاق الذي وقعته أديس أبابا مع «أرض الصومال» مطلع 2024 للحصول على منفذ بحري. وترى هاجر علي أن «التركيز على الصراعات المسلحة وحدها قد يحجب ضغوطاً أخرى يمكن أن تزيد قدرة هذه الصراعات على إضعاف الدولة»، مشيرة إلى الظروف المناخية القاسية، وتداعياتها على الأمن الغذائي والبنية التحتية والنزوح، وقالت إن «الحروب الجارية قللت من قدرة الحكومة على التعامل مع مثل هذه الأزمات».

في مواجهة هذه الضغوط، تراهن الحكومة على المؤسسات السياسية والحوار الوطني بالتوازي مع العمليات الأمنية. ويعتقد دي وال أن المشكلة أعمق من مجرد غياب طاولة مفاوضات، وقال دي وال: «نحن أمام بيئة تدفع فيها كل الضغوط نحو استمرار الحرب».

وحتى عندما تبدأ المفاوضات، وفق تقديره، فإنها غالباً ما تركز على وقف إطلاق نار أو تشكيل ائتلاف أو إبرام صفقة سياسية، بدلاً من معالجة جذور النزاع وبناء «تسوية دائمة».

ورغم تعدد الضغوط، فإن الحكومة الإثيوبية لا تزال تحتفظ بأجهزة الدولة، وقوة عسكرية كبيرة، وأغلبية برلمانية واسعة، كما أن خصومها لا يشكلون حتى الآن كتلة سياسية أو عسكرية متجانسة. لكن هذا لا يلغي، تحولاً أساسياً في طبيعة الأزمة. وفي رأي دي وال فإن عكس هذا المسار يحتاج إلى «درجة أكبر بكثير من التعاون بين الدول الأفريقية، وكذلك مع دول العالم العربي والمجتمع الدولي». وخلص إلى أن «هذا التعاون غير موجود».


انتشار أمني كثيف في عاصمة جنوب السودان

رئيس جنوب السودان سلفا كير يصل إلى القصر الرئاسي في جوبا (أ.ب)
رئيس جنوب السودان سلفا كير يصل إلى القصر الرئاسي في جوبا (أ.ب)
TT

انتشار أمني كثيف في عاصمة جنوب السودان

رئيس جنوب السودان سلفا كير يصل إلى القصر الرئاسي في جوبا (أ.ب)
رئيس جنوب السودان سلفا كير يصل إلى القصر الرئاسي في جوبا (أ.ب)

شهدت جوبا؛ عاصمة جنوب السودان، انتشاراً أمنياً كثيفاً، الثلاثاء، فيما يُرتقب أن يحلّ الرئيس سلفا كير الحكومة قبل انتخابات ديسمبر (كانون الأول) المقبل، التي يخشى المجتمع الدولي أن تُغرق البلاد في مزيد من الاضطرابات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووقّع كير، الاثنين، قانوناً يسمح له بالبقاء في السلطة حتى موعد الانتخابات، وينص على إقالة نواب الرئيس، خصوصاً نواب المعارضة، من مناصبهم.

وأصدر جهاز الأمن الداخلي في جنوب السودان أمراً لكل عناصر قوات الأمن بارتداء الزي الرسمي والبقاء في حالة تأهب قصوى 3 أيام.

ولاحظ صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية»، الثلاثاء، انتشاراً أمنياً مكثّفاً في شوارع جوبا، حيث أُقيمت نقاط تفتيش. وفُرض طوق أمني في محيط المجمع الحكومي، كما أُغلق بعض الطرق الرئيسية، في إجراء نادر تشهده عاصمة جنوب السودان.

وقال مسؤول حكومي، طالباً عدم الكشف عن هويته: «طُلب مني العودة إلى المنزل. لا أعرف ما يحدث».

ومن المقرر أن تُجري جنوب السودان، التي نالت استقلالها عن السودان عام 2011، أول انتخابات لها في 22 ديسمبر المقبل.

ونبّهت «لجنة حقوق الإنسان» بجنوب السودان في تقرير خلال أغسطس (آب) الماضي، إلى أن إجراء أول انتخابات في البلاد هذه السنة قد يؤجج النزاع الذي اشتدت حدّته في الأشهر الأخيرة ويزيد من خطر ارتكاب الفظائع.

ورأت «اللجنة» أن «تنظيم انتخابات من دون استراتيجية لترسيخ الديمقراطية... قد يسهم على العكس في إعادة إشعال النزاع وزيادة خطر ارتكاب جرائم فظيعة».

في عام 2018، أفضى اتفاق سلام، وَضع حدّاً لـ5 سنوات من الحرب الأهلية الدامية، إلى تشكيل حكومة وحدة بين طرفي النزاع سلفا كير ورياك مشار، اللذين تولّى كل منهما منصبَي الرئيس ونائب الرئيس، خلال مرحلة انتقالية كان يفترض أن تنتهي في عام 2022 بإجراء انتخابات أُرجئت مرات عدة.

وأُلقي القبض على مشار في مارس (آذار) 2025 ووُضع رهن الإقامة الجبرية.