تغير المناخ يزيد وتيرة عواصف الغبار بالمنطقة العربية

خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» عن تشخيص المشكلة واقتراح الحلول

عاصفة ترابية ضربت مصر أخيراً (الشرق الأوسط)
عاصفة ترابية ضربت مصر أخيراً (الشرق الأوسط)
TT

تغير المناخ يزيد وتيرة عواصف الغبار بالمنطقة العربية

عاصفة ترابية ضربت مصر أخيراً (الشرق الأوسط)
عاصفة ترابية ضربت مصر أخيراً (الشرق الأوسط)

عند الحديث عن التغيرات المناخية وتأثيراتها، فإن العواصف الترابية ليست واحدة من العواقب الأولى التي نضعها في الاعتبار، لكن خبراء استطلعت «الشرق الأوسط» آراءهم، يرون أن عددها المتزايد وشدتها، يجب أن يجعلانا نضع «تغير المناخ» في الحسبان.

وشهدت مصر الأسبوع الماضي عاصفة ترابية وصفت بأنها «غير مسبوقة»، إذ تلبدت خلالها السماء بسحب الغبار، وانعدمت الرؤية تماماً، وسبقها في 27 مايو (آيار) الماضي، عواصف ترابية أخف شهدتها بعض مناطق دول الخليج ودول الشام، وتحذر الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية من عواصف أخرى يومي الأربعاء والخميس.

ويقول مجدي علام، أمين عام اتحاد خبراء البيئة العرب: «تواتر حدوث العواصف وشدتها له علاقة وثيقة بالجفاف، والجفاف هو أحد التداعيات الرئيسية لتغير المناخ».

وتنشأ أحداث العواصف القوية إذا كانت التربة السطحية جافة وإذا كانت التربة جرداء، وتحدث هذه الظروف في أثناء الجفاف، كما يوضح علام.

وتاريخياً، شهدت الولايات المتحدة الأميركية هذه الظروف من اجتماع الجفاف مع عواصف الغبار، خلال المدة من يوليو (تموز) 1928، حتى مايو (أيار) 1942، وهو ما جعل خبراء يطلقون على تلك الحقبة مصطلح «قصعة الغبار».

وجرى استدعاء أجواء تلك الحقبة العام الماضي، عندما تسببت عواصف ترابية في مقتل 10 أشخاص بسوريا واختناق الآلاف، كما اجتاحت 170 قرية جنوب شرقي إيران، ما أدى إلى توقف العمل والدراسة، بالإضافة إلى تعطيل حركة الملاحة الجوية في الكويت والعراق.

وترافقت تلك العواصف مع جفاف شديد تسبب في انحسار المياه عن الأنهار، كما ظهر بشكل واضح في نهري دجلة والفرات بالعراق، غير أن خبراء قالوا حينها إنه «من الخطأ التعويل على حدث وقع في عام واحد فقط، للقول بأننا نعيش موجة جفاف، أياً كان اسمها، لأن موجات الجفاف تتشكل في مدة زمنية، وتكون المدة من عقد إلى عقدين».

لكن تكرار هذه الحالة العام الحالي، كما حدث قبل أيام، هو ما يدعو علام للقول: «نحن نسير نحو سيناريو شبيه».

ويضيف: «صحيح أن القول بأننا نعيش حقبة جفاف يحتاج لمراقبة الظاهرة سنوات عدة، لكن هناك دراسات ترصد وتيرة متسارعة في أحداث الجفاف، بسبب تداعيات التغيرات المناخية».

وتتفق عالمة المناخ الأميركية بجامعة كولورادو فرجينيا إغليسياس، مع ما ذهب إليه علام، مشيرة إلى أن الجفاف يوصف علمياً بأنه عملية بطيئة تتطلب مواسم أو حتى سنوات لتتطور بشكل كامل، غير أن أحداث الجفاف سريعة التطور الأخيرة، تؤكد أننا نسير نحو سيناريو شبيه بحقبة «قصعة الغبار».

واعتمدت إغليسياس للوصول لهذه الرؤية على أرقام علمية، حيث ذهبت إلى أن متوسط معدلات هجوم الجفاف في أمريكا لم يتغير بشكل كبير منذ عام 1951 حتى 2021، لكن التكثيف السريع في ظروف الجفاف خلال المدة من 2011 - 2021، كان من أسرع المعدلات خلال العقود السبعة الماضية، والمقصود بالتكثيف السريع، هو التطور السريع في ظروف الجفاف مثل فقدان الرطوبة من التربة بسرعة ودون سابق إنذار.

وكانت دراسة قادها باحثون من جامعة «هونغ كونغ»، نشرتها في أبريل (نيسان) من عام 2022 دورية «نيتشر كومينيكيشن»، قد أكدت على ما أشارت إليه إغليسياس، حيث ذهبت الدراسة إلى أن موجات الجفاف التي تحدث فجأة يبدو أنها تضرب بشكل أسرع في العقدين الماضيين، مع ظهور ما يقرب من 33 - 46 في المائة من حالات الجفاف المفاجئ بغضون خمسة أيام فقط.

واعتمدت تلك الدراسة على تحليل 21 عاماً من بيانات المناخ المائي، المستقاة من قياسات الأقمار الصناعية للانخفاضات السريعة والشديدة في رطوبة التربة حول العالم منذ عام 2000 إلى 2020.

ويحذر الخبراء من التكلفة الاقتصادية الكبيرة للعواصف الترابية، حيث يشير تقرير للبنك الدولي في عام 2019، إلى أن تكاليف تبعات تلك العواصف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبلغ نحو 150 مليار دولار أمريكي وأكثر من 2.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في المتوسط.

والحل الوحيد لتلك المشكلة، كما يرى علام، هو العمل على تثبيت التربة في المناطق المصدرة للعواصف الترابية، من خلال استزراع الأشجار حال توافرت المياه، أو تثبيت التربة بالحلول الكيميائية في حال عدم توافر المياه.

ويقول علام إن «المملكة العربية السعودية تعمل على حل تلك المشكلة عبر مبادرة (السعودية الخضراء) التي تستهدف زراعة ملايين الأشجار، لتقوم بهذا الدور، كما توجد محاولات لابتكار حلول كيميائية لتثبيت التربة».

وخرج أحد هذه الحلول قبل سنوات من قسم هندسة التعدين بجامعة الملك عبد العزيز، حيث عالج فريق بحثي الكثبان الرملية باستخدام مسحوق خام مادة «البنتونايت»، وهي عبارة عن طين غير نقي يوجد بمنطقة خليص في المملكة، وأثبتت النتائج زيادة في ثبات الكثبان المعالجة بتلك المادة ضد الرياح، إذ لم تعد تتحرك مع سرعة هواء تصل إلى أكثر من 100 كم/ساعة.



إسرائيل تقتل عائلة لإنقاذ «عصابة مسلحة» في بيت لاهيا

فتى يجلس بمستشفى الشفاء أمام جثامين أُسرة قُتل أفرادها بعد استهداف منزلها في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز)
فتى يجلس بمستشفى الشفاء أمام جثامين أُسرة قُتل أفرادها بعد استهداف منزلها في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز)
TT

إسرائيل تقتل عائلة لإنقاذ «عصابة مسلحة» في بيت لاهيا

فتى يجلس بمستشفى الشفاء أمام جثامين أُسرة قُتل أفرادها بعد استهداف منزلها في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز)
فتى يجلس بمستشفى الشفاء أمام جثامين أُسرة قُتل أفرادها بعد استهداف منزلها في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز)

أودت قنبلة إسرائيلية بحياة أسرة فلسطينية مكونة من زوجين وطفلتيهما في بلدة بيت لاهيا بشمال قطاع غزة، فجر الخميس، بعدما سقطت على منزل متضرر جزئياً كانوا يقيمون به ظناً أنه يوفر حياة أفضل وأكثر أمناً من خيام النازحين.

وذكرت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» أن طائرات حربية ومُسيرات «كوادكابتر» أطلقت النار عشوائياً، إلى جانب آليات عسكرية، في محاولة إنقاذ عناصر تابعة «لعصابة مسلحة» مدعومة إسرائيلياً ويقودها شخص يدعى أشرف المنسي، انتشرت في مناطق بشمال القطاع بعدما تسللت إلى محيط منطقة «الخلفاء الراشدين» بين مخيم جباليا وأطراف بيت لاهيا.

وقال أحد المصادر إن المجموعة كانت تضم أكثر من 20 مسلحاً «كانوا يعربدون ويقتربون من مناطق بها نازحون، قبل أن يباغتهم مسلحون من فصائل فلسطينية ويطلقوا النار عليهم ويفجروا عبوتين ناسفتين قرب مركباتهم»، مؤكداً سقوط قتلى وجرحى بين أفراد العصابة المسلحة.

وأضاف المصدر أنه فور حدوث ذلك، حلقت مُسيَّرات «كوادكابتر» وبدأت تطلق النار في كل اتجاه، قبل أن تصل طائرات مروحية أطلقت نيران أسلحتها وقصفت المنطقة وسط غطاء ناري كثيف لإنقاذ أفراد العصابة وسحبهم باتجاه أقرب موقع للجيش الإسرائيلي في المنطقة على بعد أكثر من 400 متر.

انفجار عقب هجوم إسرائيلي في مدينة غزة يوم الأربعاء (أ.ب)

وأشار المصدر إلى أن القصف وإطلاق النار أحدث إصابات في صفوف نشطاء من الفصائل ومواطنين مقيمين قرب المنطقة أو يعيشون في خيام بالقرب من منازلهم المدمرة.

قصف عشوائي وضحايا

ومع بزوغ ساعات الصباح، اكتشف مواطنون أن طائرات حربية قصفت أحد المنازل الواقعة إلى الشمال من «مستشفى كمال عدوان» ببلدة بيت لاهيا، على مسافة قصيرة من مكان الهجوم الإسرائيلي، وعثروا على جثامين المواطن مؤمن أحمد، وزوجته، وطفلتيهما البالغتين من العمر 8 و12 عاماً.

وقال شاهد عيان يقطن بجوار منزل عائلة أحمد إن السكان فوجئوا بإطلاق النار والقصف من كل اتجاه، وسمعوا دوي انفجار كبير نحو الساعة الثانية قبل الفجر، ورأوا تطاير حجارة وتناثر أشياء، لكنهم لم يتبينوا ما جرى حتى بدأ نور الصباح يبزغ، وفوجئوا باستهداف منزل جيرانهم.

وأكد الشاهد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن القصف كان عشوائياً، خصوصاً أنه بعيد نسبياً عن مكان تسلل عناصر العصابة المسلحة وموقع القصف والاشتباكات.

ولم تكتفِ القوات الإسرائيلية بقصف المنطقة جواً، بل واصلت المدفعية والآليات العسكرية استهداف المنطقة في أعقاب انسحاب أفراد العصابة المسلحة، حتى صباح الخميس.

فلسطيني يضيء ناراً داخل خيمة وسط ظلام بسبب نقص الكهرباء والوقود في خان يونس بجنوب قطاع غزة (رويترز)

وبعد الظهر، أصيب رجل وسيدة بجروح خطيرة إثر قصف بالقرب من أحد المساجد غرب مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة. كما نفذت طائرات مُسيرة إسرائيلية غارتين منفصلتين، مستهدفتين ناشطَين من حركة «حماس» بمنطقة مواصي خان يونس بجنوب قطاع غزة، ما أدى إلى إصابتهما بجروح خطيرة، إلى جانب إصابات متفاوتة في صفوف المارة.

وأُعلن عن وفاة الطفلة سارة موسى (6 أعوام) متأثرةً بجروحها الحرجة، بعد إصابتها بطلق ناري في الرأس أطلقته طائرة «كوادكابتر» تجاه خيمة عائلتها قبل عام في منطقة أصداء بخان يونس.

ووفقاً لوزارة الصحة بغزة، وصل عدد القتلى منذ وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى أكثر من 1359 قتيلاً، وبلغ عدد الإصابات 4571. وبهذا يرتفع العدد الإجمالي للقتلى منذ بداية الحرب إلى 73670 قتيلاً.

مزاعم إعادة التسلح

يجيء هذا في خضم تصعيد إسرائيلي متواصل على قطاع غزة؛ وشهد اليومان الماضيان قصف منازل وشقق سكنية بحجة أنها مخازن أسلحة لحركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي».

وذكرت صحيفة «معاريف» العبرية أن جهاز الأمن العام (الشاباك) ركز جهوده الاستخباراتية في الأيام الأخيرة على منع «حماس» من إعادة استخدام مستودعات الأسلحة، وأن الجيش دمر 20 مستودعاً للحركة فوق الأرض وتحتها في الآونة الأخيرة.

طفلتان ترسمان خارج خيمة أسرتهما النازحة في دير البلح بوسط قطاع غزة (رويترز)

ونقلت الصحيفة عن مصدر أمني إسرائيلي قوله إن الجيش و«الشاباك» يعملان حالياً على جبهتين ضد الحركة، الأولى لمنعها من تخزين الأسلحة أو استخدام مخازن سابقة، والثانية تتمثل في استهداف مسؤولين في جناحها العسكري، ضمن خطة تهدف لمنعها من استعادة قوتها وإعادة بناء نفسها؛ زاعماً أنه تم استهداف منصات إطلاق صواريخ أعادت الحركة استخدامها.

وتنفي «حماس» باستمرار الادعاءات الإسرائيلية بشأن تسليحها وإعادة بناء نفسها، وتؤكد التزامها بوقف إطلاق النار وما اتُفق عليه من تفاهمات، داعيةً الوسطاء والضامنين لإلزام إسرائيل بها.


مستشفيات غزة ومنازلها تصارع لتشغيل المولدات مع اشتداد وطأة نقص الوقود

الفلسطيني علاء الحوراني يعاني من تليف الكبد وانخفاض مستويات الأكسجين ويجد نفسه عاجزاً في بعض الأحيان عن تحمل كلفة الكهرباء في غزة (رويترز)
الفلسطيني علاء الحوراني يعاني من تليف الكبد وانخفاض مستويات الأكسجين ويجد نفسه عاجزاً في بعض الأحيان عن تحمل كلفة الكهرباء في غزة (رويترز)
TT

مستشفيات غزة ومنازلها تصارع لتشغيل المولدات مع اشتداد وطأة نقص الوقود

الفلسطيني علاء الحوراني يعاني من تليف الكبد وانخفاض مستويات الأكسجين ويجد نفسه عاجزاً في بعض الأحيان عن تحمل كلفة الكهرباء في غزة (رويترز)
الفلسطيني علاء الحوراني يعاني من تليف الكبد وانخفاض مستويات الأكسجين ويجد نفسه عاجزاً في بعض الأحيان عن تحمل كلفة الكهرباء في غزة (رويترز)

تتوالى نوبات انقطاع التيار الكهربائي في أحد أكبر المستشفيات العاملة بقطاع غزة، ويتصبب المرضى ​عرقاً في أجنحة شديدة الحرارة بانتظار تلقي العلاج، فيما يحذر العاملون في المجال الطبي من أن نقص زيت المحركات وقطع الغيار يتسبب في تعطل المولدات الكهربائية، مما يعرض الأرواح للخطر.

وتتسع الأزمة وتتجاوز المستشفيات؛ لأن الزيادة الحادة في أسعار زيت المحركات والديزل تجعل الكهرباء من مولدات الأحياء باهظة الثمن بصورة تفوق قدرة الأسر التي تعتمد عليها.

وتعيش غزة بلا كهرباء من الشبكة العامة منذ بدء الهجوم العسكري الإسرائيلي على القطاع في أعقاب هجمات قادتها حركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وأوقفت إسرائيل إمدادات الكهرباء وفرضت قيوداً على استيراد الوقود وزيت المحركات، واصفة هذه الإجراءات بأنها تهدف إلى معاقبة «حماس».

واستمرت تلك القيود على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر 2025، والذي أنهى القتال الشامل، لكنه فشل في وقف الهجمات ‌الإسرائيلية أو ضمان نزع سلاح «حماس» أو تخفيف حدة الأزمات الإنسانية وأزمات الطاقة في غزة.

وقال أحمد النبريص، اختصاصي ​الباطنة ‌في مستشفى ناصر، إن ​نقص الوقود وزيت المحركات وقطع الغيار أجبر المستشفى على تطبيق خطة تقشف تشمل قطع التيار الكهربائي بالتناوب بين المباني.

وأضاف، وفقاً لوكالة «رويترز»: «المرضى في خطر شديد؛ لأن أي انقطاع للكهرباء يعرض حياتهم لخطر جسيم».

فلسطيني يصلح خيمته وسط قطاع غزة خلال انقطاع الكهرباء (رويترز)

وأشار إلى أن أحد المولدات الأربعة التابعة للمستشفى معطل حالياً، وإن أكبر مولدين من بين الثلاثة المتبقية يعملان تحت ضغط تشغيلي شديد. وعادة، ينبغي تغيير زيت المحركات في المولدات كل 250 ساعة تشغيل، لكن النقص أجبر الفنيين على تمديد هذه الفترة إلى نحو ألف ساعة.

وأشار إلى أن النظام الكهربائي للمستشفى تعرض لأضرار متكررة منذ غارة عسكرية إسرائيلية في أوائل 2024. فقد تم تدمير نظام الطاقة الشمسية ولم يتم استبداله قط، في حين فقد كل من المولد الرئيسي والمولد الاحتياطي. وتتهم إسرائيل المسلحين الفلسطينيين باستخدام مستشفيات غزة كقواعد لهم.

إمدادات آخذة في النفاد

وقالت فاطمة، وهي مريضة في مستشفى ناصر تعاني من تليف رئوي، إن المرضى ‌الذين يحتاجون إلى وضعهم على أجهزة التنفس الصناعي أو أجهزة الاستنشاق يضطرون للانتظار لحين ‌وصول التيار في إطار نظام تناوب التيار الكهربائي بين الأقسام.

وأضافت: «نظل ننتظر ونحسب الثواني ​والدقائق. لا بد من الانتظار حتى تعود الكهرباء». ومضت قائلة: «ننتظر... نعد ‌الثواني والدقائق... ليس أمامنا إلا الانتظار».

وأوضحت المرأة، وهي أم لأربعة أطفال، أن حالتها ‌تدهورت منذ اندلاع الحرب في 2023، مما اضطرها إلى الإقامة في المستشفى.

وقالت منظمة «أطباء بلا حدود» الخيرية في بيان في أغسطس (آب) إن آلاف الأشخاص معرضون بصورة كبيرة للإصابة بالأمراض والوفاة؛ لأن القيود على دخول زيت المحركات وقطع الغيار تؤثر بالسلب، وتقوض قدرة مولدات الكهرباء بالمستشفيات وسيارات الإسعاف ومضخات المياه وشاحنات نقل المياه.

وأضافت أن تراجع الإمدادات أجبر جماعات الإغاثة على اللجوء إلى السوق المحلية، حيث يقول السكان إن الأسعار قفزت إلى 1300 ‌دولار للتر الواحد من نحو ثلاثة دولارات قبل الحرب.

وقالت «وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق»، وهي الوحدة العسكرية الإسرائيلية التي تتحكم في الوصول إلى غزة، في بيان، إن آلية منسقة مع المجتمع الدولي تسهل دخول زيت المحركات وقطع غيار المولدات وسيارات الإسعاف وغيرها من معدات المستشفيات تحت المراقبة والإشراف.

وأضافت أن الآلية «تهدف إلى منع المعدات المتقدمة من الوقوع في أيدي (حماس)، وضمان وصول هذه المعدات إلى السكان مباشرة».

سكان: زيادة حادة في تكلفة كهرباء المنازل

خارج المستشفيات، أثر النقص على شبكة غزة من المولدات الخاصة ومولدات الأحياء التي توفر للمنازل بضع ساعات من الكهرباء يومياً.

وأظهرت سجلات فلسطينية وسجلات الأمم المتحدة، في وقت سابق من العام، أن ما لا يقل عن ثلثي سكان غزة البالغ عددهم نحو مليوني نسمة ما زالوا يعيشون في أكثر من ألف موقع للنزوح في أنحاء القطاع، وسط نقص حاد في المياه والكهرباء. ويقول السكان إن نسبة ضئيلة للغاية فقط تستطيع تحمل تكلفة المولدات الخاصة.

طفلة فلسطينية تنام في خيمة وسط نقص في الكهرباء والوقود بقطاع غزة (رويترز)

وقال ياسر عاشور، الذي يبيع الكهرباء من مولدات يملكها، إنه رغم الحاجة الملحة إلى إمدادات كهرباء مستقرة، لا سيما لمن يعانون من حالات طبية أو إصابات خطيرة، فإن مواصلة العمل أصبحت أكثر صعوبة مع الارتفاع الحاد في أسعار زيت المحركات والديزل وقطع الغيار.

وقال السكان إن النقص رفع تكلفة إمدادات الكهرباء للمنازل بنحو 20 مثلاً في الأشهر الماضية. ومع ذلك، لا يجد كثيرون ​خياراً سوى الدفع.

وقال علاء الحوراني (65 عاماً)، الذي يعاني من تليف ​الكبد وانخفاض مستويات الأكسجين، إنه يجد نفسه عاجزاً في بعض الأحيان عن تحمل كلفة الكهرباء، وسط صراعاته من أجل تأمين الغذاء والمياه بأثمان باهظة.

وقال، وهو يمسك بقطعة كرتون يستخدمها لتخفيف إحساسه بالحر: «خنقة وطلوع روح... لكن ما باليد حيلة... ملناش غير الكرتونة هادي عمال بنهوي فيها».


لماذا يتكرر انفجار مستودعات الأسلحة «المؤقتة» في شمال غربي سوريا؟

رجال إنقاذ من الخوذ البيضاء السوريين يتفقدون موقع انفجار مستودع مؤقت للأسلحة والمراسم الحربية في بلدة سرمدا بمحافظة إدلب (أ.ف.ب)
رجال إنقاذ من الخوذ البيضاء السوريين يتفقدون موقع انفجار مستودع مؤقت للأسلحة والمراسم الحربية في بلدة سرمدا بمحافظة إدلب (أ.ف.ب)
TT

لماذا يتكرر انفجار مستودعات الأسلحة «المؤقتة» في شمال غربي سوريا؟

رجال إنقاذ من الخوذ البيضاء السوريين يتفقدون موقع انفجار مستودع مؤقت للأسلحة والمراسم الحربية في بلدة سرمدا بمحافظة إدلب (أ.ف.ب)
رجال إنقاذ من الخوذ البيضاء السوريين يتفقدون موقع انفجار مستودع مؤقت للأسلحة والمراسم الحربية في بلدة سرمدا بمحافظة إدلب (أ.ف.ب)

يعيد الانفجار الأخير في مدينة سرمدا بريف إدلب الشمالي تسليط الضوء على معضلة مستودعات الأسلحة، ومخلفات الحرب التي ترزح تحت وطأتها مناطق شمال غربي سوريا.

وباتت تلك الانفجارات تهدد حياة المدنيين، وتقوّض الاستقرار، وسط تعالي الأصوات الشعبية والمحلية المطالبة بتفكيك هذه المخازن التي تؤرق الأهالي، ونقلها خارج التجمعات السكنية.

وقد بلغ عدد ضحايا الانفجار الذي وقع في مدينة سرمدا قرب الحدود السورية التركية شمال إدلب، يوم الأربعاء، 14 شخصاً، وإصابة 11 آخرين، بحسب مديرية إعلام إدلب «وهي حصيلة غير نهائية، مع استمرار عمل فرق الدفاع المدني في البحث والتعامل مع تداعيات الانفجار».

عناصر الدفاع المدني ورجل إطفاء ينتشلون جثة من موقع انفجار مستودع للتخزين المؤقت للأسلحة بالقرب من سرمدا بمحافظة إدلب الأربعاء (أ.ب)

وكانت فرق الدفاع المدني في مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث قد توجهت إلى الموقع عقب الانفجار «الذي يعتقد بحسب المعطيات الأولية ارتباطه بذخائر في منطقة برج النمرة قرب سرمدا، وبدأت عمليات تقييم وتأمين المكان، والبحث عن الضحايا، والمصابين»، بحسب الدفاع المدني، «واتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع أي تداعيات محتملة».

بينما أوضحت وزارة الدفاع السورية في تعليقها على الحادثة أنها «نجمت عن انفجار مستودع مؤقت مخصص لجمع الأسلحة، ومخلفات الحرب، قبل نقلها»، مضيفةً أن «الانفجار أدى إلى إصابة عدد من العاملين في الوزارة، وتعمل وحداتنا، بالتنسيق مع الجهات المختصة، على تأمين موقع الحادثة».

تحقيق وعقوبات

بحسب مصادر في وزارة الدفاع، فإن المخزن المنفجر هو مستودع مؤقت لجمع الذخائر غير المنفجرة، والألغام، ومخلفات الحرب المجمّعة من مناطق ريف إدلب الشمالي، استعداداً لترحيلها إلى أماكن التفجير أو الإتلاف المخصصة»، مشيرةً إلى أن «الوزارة بدأت عمليات التحقيق مباشرة، للتأكد من غياب أيادٍ خارجية، أو متورطين في الحادثة، وعدم ترك أي مجال للشك قبل اتخاذها إجراءاتها القانونية بحق المسؤولين عن مكان التخزين، وهي عقوبات وجزاءات مقرونة بنتائج التحقيق».

ومع ذلك، ترجح المصادر في وزارة الدفاع أن الانفجار «ناجم عن انفجار لغم، أو ذخيرة مخزنة داخل المستودع، خاصة أن المخلفات ظلت راكدة لسنوات».

جنود سوريون يحملون نعوشاً مغطاة بأعلام سورية خلال جنازة جماعية في إدلب لعناصر قُتلوا في انفجار مستودع أسلحة وذخيرة 9 سبتمبر (أ.ب)

لكن تبريرات الوزارة والخطوات اللاحقة التي تتخذها لا تعفيها من المسؤولية، والانتقاد، بحسب خبراء عسكريين تواصلت معهم «الشرق الأوسط»، لجهة ضعف مقومات السلامة والتخزين، وتأخرها في عمليات ترحيل المخازن، وإزالة مستودعات الأسلحة والذخائر إلى خارج المناطق المدنية.

رجال الإطفاء يخمدون النيران في موقع انفجار مستودع للأسلحة في سرمدا بمحافظة إدلب الأربعاء (أ.ف.ب)

محافظة إدلب شمال غربي سوريا، التي تحولت إلى مصدر لحوادث انفجارات الأسلحة والمخازن في الشمال السوري، شهدت خلال الفترة الماضية سلسلة انفجارات مرتبطة بمستودعات الأسلحة، والذخائر، وعمليات نقلها، بينها انفجار سيارة محملة بالذخيرة وسط مدينة بنش، مطلع شهر سبتمبر (أيلول) الجاري، أودت بحياة خمسة أشخاص.

وسبق ذلك انفجار وقع في الجهة الشمالية لبلدة كفر تخاريم بريف إدلب لمستودع يحوي صواريخ، وذخائر، أسفر عن سقوط خمسة ضحايا، وإصابة عدد من المدنيين، ارتبط وقوعه أيضاً بأعمال كانت تنفذها إحدى الورش بالقرب من الموقع.

والعام الماضي، سجلت أيضاً سلسلة حوادث مشابهة، أبرزها كان قرب المدخل الغربي لمدينة إدلب، يوم 14 أغسطس (آب) 2025، بانفجار مستودع للأسلحة أعقبته انفجارات متتالية لمخلفات صواريخ وقذائف، ما أدى إلى سقوط أربعة ضحايا، وإصابة مدنيين، بحسب الدفاع المدني.

انفجارات إضافية شهدتها بلدة معرة مصرين، أودت بحياة 11 مدنياً، وإصابة العشرات، إلى جانب أضرار بليغة بالممتلكات، كما شهدت بلدة الفوعة سلسلة انفجارات عمقت مخاوف المدنيين من استمرار وجود المخازن التي أنشئت خلال فترة الحرب ضد نظام بشار الأسد قرب المناطق السكنية.

عناصر الإنقاذ من ذوي الخوذ البيضاء يتفقدون الأضرار بينما يزيل رجال الإطفاء النيران في موقع انفجار مستودع مؤقت للأسلحة والذخائر في بلدة سرمدا بمحافظة إدلب الأربعاء (أ.ف.ب)

يرجّح الخبير العسكري، ضياء قدور، أسباب تكرار حوادث الانفجارات إلى أنه «بعد 14 سنة حرب وسقوط النظام نهاية 2024، بقيت كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر ومخلفات الحرب منتشرة، بعضها من مخازن النظام القديم، وبعضها من الفصائل السابقة، والمجموعات الأجنبية، وغنائم المعارك».

ويؤكد على محاولات الحكومة السورية ووزارة الدفاع معالجة هذا الملف، وتأمين هذه الأسلحة، إلا أنها «لا تزال بطيئة، ومعقدة، بسبب الحجم الهائل للمخزون، والحاجة لمسح شامل، ووجود مواقع مؤقتة قريبة من المناطق السكنية»، مرجحاً سبب التأخير في نقلها من المناطق المدنية إلى «نقص الكوادر المتخصصة، والمعدات».

ويعتبر قدور أنه «لغياب مقومات السلامة دور كبير بتكرار حوادث الانفجار، بسبب أن التخزين كثيراً ما يكون في مواقع غير محصنة، أو قرب المناطق المأهولة، دون عزل كافٍ عن الحرارة، أو مصادر الاشتعال، ونقص التجهيزات المناسبة، وأحياناً تعامل غير المتخصص معها، عدا عن الحرارة العالية صيفاً».

يشير أيضاً إلى الأسلحة محلية الصنع، وهي ذخائر غير قابلة للتخزين طويل الأمد، ولا تتمتع بالقدرة على مقاومة التغيرات، وتحمل النقل، وسوء التخزين، خاصة أنها «أقل استقراراً، وجودتها متفاوتة، والحرارة والرطوبة تسرع في تدهورها، وتجعلها مع الوقت أكثر عرضة للمشكلات».

دور إسرائيلي محتمل

بدوره لم يستبعد الخبير العسكري، العميد عماد شحود، أن يكون لإسرائيل دور في الانفجار الأخير الذي وقع في سرمدا، «رغم ضعف الأدلة، والإثباتات، وعدم تبني حكومة الاحتلال عملية الاستهداف حتى اللحظة».

ورغم غياب الأدلة، فإنّ «احتمالية أن يكون سرب الطيران الإسرائيلي قد دخل الأجواء السورية بوضعية (الشبح) ونفذ عمليته تظل موجودة، رغم عدم تصريح الحكومة الإسرائيلية حتى الآن، لكن رصد تحليق الطيران الإسرائيلي في أجواء الجنوب السوري يضعها ضمن الاحتمالات».

وللتوضيح، يقول إن حادثة التفجير تزامنت مع «تقرير استخباراتي» بوجود طيران استطلاع كبير للسرب 122 الإسرائيلي مؤلف من النحشون شافيت، والنحشون أورن وغولفستريم 550 فوق كامل الأراضي السورية، واللبنانية، خلال الساعات التي سبقت الانفجار».