كوريا الجنوبية واليابان تدفنان مرارة الماضي... وتتقاربان لمواجهة التحدي الإقليمي المتزايد

طموح بكين وبيونغ يانغ يعيد رسم أولويات الشرق الأقصى

إحدى القمتين الخيرتين بين اليابان وكوريا الجنوبية (أ.ف.ب)
إحدى القمتين الخيرتين بين اليابان وكوريا الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

كوريا الجنوبية واليابان تدفنان مرارة الماضي... وتتقاربان لمواجهة التحدي الإقليمي المتزايد

إحدى القمتين الخيرتين بين اليابان وكوريا الجنوبية (أ.ف.ب)
إحدى القمتين الخيرتين بين اليابان وكوريا الجنوبية (أ.ف.ب)

في خطوة جيوسياسية كبرى وناجحة باتجاه دفن الماضي المرير لعلاقات اليابان بجارتها كوريا الجنوبية، عقد قادة الدولتين العملاقتين المؤثرتين في منطقة الشرق الأقصى قمَّتين متتاليتين تحظيان حالياً، في ظل التطورات الدولية، بأهمية كبرى. خلال الفترة الأخيرة، التقى كل من رئيس كوريا الجنوبية، يون سوك يول، ورئيس الوزراء الياباني، كيشيدا فوميو، مرتين، في غضون شهرين فقط؛ الأولى في العاصمة اليابانية طوكيو، والثانية في العاصمة الكورية الجنوبية سيول. وجاء اللقاءان، وفق خبراء ومراقبين، في محاولة للتغلب على مشاعر السخط والاستياء المزمنة التي تعود بين الجانبين إلى ما يزيد على 100 سنة، وأيضاً لمواجهة التحديات الإقليمية الجديدة للتوازن الاستراتيجي في شرق آسيا، وبالأخص عبر مضيق تايوان، وفي شبه الجزيرة الكورية.

يرى محللون سياسيون أن السياسات الإقليمية لكل من اليابان وكوريا الجنوبية مدفوعة الآن بالبيئة الدولية المقلقة، التي تهيمن عليها تهديدات خطيرة للنظام الدولي جراء الغزو الروسي لأوكرانيا، والموقف الدولي العدواني للصين، والتهديد النووي والصاروخي المتزايد من قِبَل كوريا الشمالية. بل إنه، خلال الشهور الأخيرة، لم تطلق كوريا الشمالية صواريخ باتجاه اليابان فحسب، بل هدّدت كذلك بشن هجوم نووي ضد كوريا الجنوبية.

في هذا الصدد، يعتقد الصحافي الهندي البارز، سي راجا موهان، أن «القمتين المنعقدتين بين اليابان وكوريا الجنوبية تشكلان انتصاراً للجغرافيا السياسية على جهود البحث عن العدالة التاريخية». ويضيف موهان: «يمكن أن تكون مسألة عقد القمتين بمثابة مقامرة من جانب الرئيس الكوري الجنوبي يون سوك يول ورئيس الوزراء الياباني كيشيدا، ورهان على قدرتهما على التغلب على الخلافات التاريخية والسياسات الداخلية التي دفعت العلاقات بين الجارتين (وهما من أكبر اقتصادات المنطقة وديمقراطيات راسخة) نحو أدنى نقطة لها منذ عقود».

ثم يتابع: «إلى حد كبير، هدفت القمتان المتتاليتان إلى التوصل لتسوية بعد فترة طويلة من العلاقات الفاترة، التي أثارتها أحكام أصدرتها محكمة كورية جنوبية عام 2018 تقضي بدفع شركات يابانية تعويضات لبعض موظفيها الكوريين السابقين، عن تعرضهم للعمل القسري قبل نهاية الحرب العالمية الثانية. ولقد أثارت هذه الأحكام غضب اليابان، التي أصرَّت على أن جميع قضايا التعويض قد جرت تسويتها بموجب معاهدة عام 1965 التي أثمرت تطبيع العلاقات بين البلدين».

في الواقع، لطالما ساد الخلاف علاقة «الجارتين» في شرق آسيا، وكلتاهما من الدول الحليفة المهمة للولايات المتحدة، حول قضايا تاريخية على صلة بالاحتلال الاستعماري الوحشي لليابان من عام 1910 إلى عام 1945 لشبه الجزيرة الكورية، بما في ذلك العبودية الجنسية والعمل القسري.

يُذكر أنه، عام 1910، ضمت إمبراطورية اليابان إليها شبه جزيرة كوريا، وظلَّت شبه الجزيرة كلها جزءاً من الإمبراطورية اليابانية حتى عام 1945. وخلال تلك الفترة، شنت اليابان هجوماً شاملاً ضد الثقافة الكورية بغية تعزيز وضعها الاحتلالي المهيمن.

سيول اتخذت الخطوة الأولى

يعود كثير من الفضل عن التقارب الأخير بين كوريا الجنوبية واليابان إلى الرئيس الكوري الجنوبي يون سوك يول، وذلك لأخذه زمام المبادرة واتخاذه الخطوة الأولى نحو اليابان، بغية إصلاح العلاقات التي تضرّرت في عهد سلفه، مون جاي إن، ورفضه أن يحدد التاريخ المؤلم ملامح الحاضر والمستقبل.

وحقاً، بدأ التحول في العلاقات بين طوكيو وسيول أوائل مارس (آذار) 2023، مع قرار يون وضع نهاية لحالة التأزم التي وصلت إليها المفاوضات حول قضية ضحايا العمل القسري. وبدلاً عن ذلك، استعان يون بصندوق كوري جنوبي لتقديم تعويضات من جانب واحد للناجين وعائلاتهم الذين ذهبوا إلى المحكمة، الأمر الذي أعفى شركات يابانية من طلب تقديم اعتذار ودفع تعويضات. وفي غضون أيام من قراره هذا، زار يون طوكيو واتخذ خطوات مهمة نحو استعادة مناخ الأعمال والتجارة بين البلدين. وكانت هذه أول قمة ثنائية بين رئيس كوري جنوبي ورئيس وزراء ياباني منذ 12 سنة.

في هذا الصدد، يوضح سانديب كومار ميشرا، الأستاذ المساعد لدى مركز دراسات شرق آسيا في العاصمة الهندية، دلهي: «لم يلقَ هذا التقارب استقبالاً إيجابياً داخل كل من سيول وطوكيو؛ فبينما جرى اتهام يون باتباع دبلوماسية مهينة أمام المعتدي الاستعماري السابق، تعرّض كيشيدا لانتقادات باعتباره وضع بلاده على الطريق نحو خيبة أمل أخرى عندما تأتي الانتخابات المستقبلية في كوريا بسياسي مناهض لليابان إلى الرئاسة. ولكن، مع ذلك، يستحق الرجلان معاً الثناء، لاعترافهما بالتاريخ المأساوي لبلديهما، بينما يتطلعان نحو المستقبل... إن تعميق العلاقات بين القوتين الآسيويتين لا يفيد بلديهما فحسب، وإنما يعزز كذلك الجهود المبذولة لكبح العدوان الكوري الشمالي وتحقيق توازن ضروري أمام نفوذ الصين المتزايد في المنطقة».

الخطر الصيني

ويتابع ميشرا قائلاً: «مساعي الصين للهيمنة على شرق آسيا قد حققت على ما يبدو ما لم تحققه سنوات من الجهود الأميركية... فقد أثمرت عقد مصالحة بين حليفتي الولايات المتحدة المتناحرتين: اليابان وكوريا الجنوبية».

ومن جانبه، صرح رئيس كوريا الجنوبية يون سوك يول، خلال قمته الثنائية الثانية مع رئيس الوزراء الياباني كيشيدا بأن «الظروف الدولية الخطيرة»، و«مجموعة معقدة من الأزمات العالمية»، تستلزم التعاون بين كوريا الجنوبية واليابان. وبالفعل، هذا الشهر، ردَّ رئيس الوزراء الياباني كيشيدا زيارة الرئيس كوري الجنوبي لبلاده. وأظهر كيشيدا شجاعة سياسية تُسجل له؛ بزيارته سيول، في وجه معارضة العناصر المحافظة في اليابان.

لقد أقدم كيشيدا على فعل نادر الحدوث من جانب القادة السياسيين اليابانيين في فترة ما بعد الحرب، وذلك بإعرابه عن تعاطفه مع الكوريين الذين أُجبروا على العبودية خلال الحكم الاستعماري الياباني، وقال إن قلبه «يتألم»، بسبب معاناة كوريا خلال تلك الحقبة. وأضاف كيشيدا أن مسؤوليته رئيساً لوزراء اليابان تكمن في التعاون مع الرئيس يون وكوريا الجنوبية في المستقبل «ومواصلة جهود أسلافنا للتغلب على الفترات العصيبة». واستطرد الزعيم الياباني قائلاً: «نحن الحلفاء الأساسيون للولايات المتحدة في شمال شرق آسيا». وأكد أن اليابان وكوريا الجنوبية تسعيان إلى تعزيز قدراتهما على صعيدَي الردع والاستجابة لكوريا الشمالية، من خلال سلسلة من التحالفات الأمنية بين البلدين، إضافة إلى الولايات المتحدة.

- مناورات بحرية صينية قرب سواحل تايوان (رويترز)

في السياق ذاته، أعرب دانييل شنايدر، زميل «المعهد الاقتصادي الكوري»، عن اعتقاده بأن كيشيدا، تحت ضغط من المحافظين الذين يعارضون أي اعتذار ياباني إضافي أو الاعتراف بمسؤولية القمع في كوريا الجنوبية، ساوره التردد حيال الذهاب إلى هذا الحد البعيد. لكنه، مع ذلك، اتخذ قراره بإظهار تعاطفه الشخصي مع الضحايا... وقال أمام المراسلين إن قلبه «يتألم» بسبب معاناتهم. كذلك عرض على كوريا الجنوبية إتاحة الوصول إلى موقع فوكوشيما النووي لتهدئة المخاوف إزاء التلوث الإشعاعي في المياه التي يجري تصريفها.

المصلحة في التقارب

مراقبون يرون أن التوجع العدواني المتزايد من جانب الصين وكوريا الشمالية دفع الولايات المتحدة نحو مزيد من التدخل في تحالفات شرق آسيا. وعليه، دعم البيت الأبيض التقارب الياباني - الكوري الجنوبي بشكل غير مباشر عبر سلسلة من اللقاءات الثلاثية خلال العام الماضي. ويرى محللون أن الأميركيين عملوا بجدٍ لتقليل التوترات بين حليفيهم الآسيويين الرئيسيين، مع أن هذه الجهود لم تصادف نجاحاً يُذكر على امتداد فترة طويلة... رغم تصاعد التوترات مع الصين وكوريا الشمالية.

مع هذا، في ظل أجواء «الحرب الباردة» المتجددة التي بدأت تلقي بظلالها على آسيا، والتي تهدد باستمرار التصعيد وصولاً للمواجهة، يخالج سيول وطوكيو القلق. ويتركز هذا القلق على القوة العسكرية المتنامية للصين في بحر الصين الجنوبي وحول جزيرة تايوان، والتوجهات العدوانية لكوريا الشمالية التي تنفذ اختبارات صاروخية متطورة على نحو متزايد.

موقف واشنطن

في هذا الإطار، رفعت الولايات المتحدة وتيرة جهودها في الفترة الأخيرة، خصوصاً بعدما أجرت كوريا الشمالية تجارب على إطلاق أكثر من 70 صاروخاً، يتميز كثير منها بقدرة نووية، خلال عام 2022. وبالفعل، اعترف السفير الأميركي لدى اليابان، رام إيمانويل، بأن بلاده وحليفتيها، اليابان وكوريا الجنوبية، عقدوا قرابة 40 اجتماعاً ثلاثياً قبل قمة طوكيو.

من ناحية أخرى، ترى الصحافية الهندية، بالكي شارما، أن كلاً من اليابان وكوريا الجنوبية تتبنى التوجه الاستراتيجي المقبل من واشنطن، وأنهما تدركان أن بقاءهما - على الصعيدين الوطني والسياسي - يعتمد على الانسجام مع الأولويات العالمية والإقليمية لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن؛ فقد أدركت طوكيو وسيول أن «البيئة الجيوسياسية سريعة التغير خلقت تحديات ليس بمقدورهما التعامل معها بمفردهما».

وأسهمت المناورات المشتركة لطائرات عسكرية صينية وروسية قرب المجالين الجويين الكوري الجنوبي والياباني، خلال السنوات الأخيرة، في تعزيز هذه الرسالة.

وبجانب ذلك، ليس بإمكان كوريا الجنوبية تعزيز تحالفها مع الولايات المتحدة؛ ما لم تحافظ على علاقة عمل جيدة مع اليابان، وهذا أمر يدركه الرئيس يون جيداً.

التعاون الثلاثي

على صعيد متصل، من المتوقَّع أن يعقد كل من يون وكيشيدا مباحثات ثلاثية مع الرئيس جو بايدن، قبل نهاية مايو (أيار) الحالي، على هامش اجتماعات «مجموعة السبع» في مدينة هيروشيما اليابانية. وترمي المباحثات لمناقشة حالة كوريا الشمالية، واللااستقرار الإقليمي الناجم عن سياسة الصين الخارجية التي تبدي قوة متزايدة.

هنا يعتقد ميشرا أن «الحوار الأمني الثلاثي بين اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة سيحمل رداً قوياً على كل من كوريا الشمالية والصين، وحتى على المحور العسكري الصيني ـ الروسي المحتمل. كما ستثمر المباحثات اجتماعاً ثلاثياً في يونيو (حزيران) بين وزراء الدفاع، سيكون من شأنه إضفاء طابع رسمي على مشاركة البيانات حول الدفاع الصاروخي، وهو هدف أُقِر عام 2023. وعلاوة على ذلك، فإن استعادة العلاقات بين أقوى حليفين لواشنطن في آسيا، تتيح فرصاً أمام إدارة بايدن لبناء جبهة موحّدة ضد الصين، التي تسعى إلى تقويض النظام الدولي القائم على القواعد، والهيمنة على المنطقة في مواجهة الولايات المتحدة.

أيضاً، تخطط اليابان وكوريا الجنوبية لربط الرادارات الخاصة بهما عبر نظام أميركي، وذلك لإمداد طوكيو ببيانات في الوقت الفعلي، وهي خطوة من شأنها تحسين قدراتها بينما تواصل كوريا الشمالية المسلحة نووياً إطلاق الصواريخ بمعدل غير مسبوق. وضمن هذا الإطار، أفادت وكالة أنباء «يونهاب» الكورية الجنوبية، نقلاً عن مسؤول بالرئاسة في سيول، أن الدول الثلاث تعمل كذلك على إطلاق مجموعة استشارية لتبادل بيانات التحذير من الصواريخ في الوقت الفعلي.

إعلان واشنطن

جدير بالذكر أنه بعد زيارة طوكيو، وصل يون إلى واشنطن للاحتفال بالذكرى السبعين للعلاقات الثنائية بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة. وكان أبرز ما في الزيارة التوقيع على «إعلان واشنطن» كاستراتيجية ردع نووي.

ماذا يقول إعلان واشنطن؟

وفق الإعلان، سيُصار إلى تمركز غواصة نووية أميركية باليستية قبالة شبه الجزيرة الكورية. وسيجري تشكيل مجموعة استشارية نووية لصياغة مبادئ تكتيكات الرد المشترك. وستتلقى كوريا الجنوبية معلومات استخباراتية من الولايات المتحدة فيما يخص التطورات النووية، كما ستعزز الولايات المتحدة قدرات الردع النووي لكوريا الجنوبية من خلال برامج التدريب العسكري المشتركة.

أيضاً، أكد الإعلان من جديد على معاهدة حظر الانتشار النووي؛ ما يعني أن كوريا الجنوبية لن تغامر بإنشاء قدرات نووية مستقلة خاصة بها، بل ستركز اهتمامها، بدلاً من ذلك، على تدابير الردع، من خلال نهج قائم على التحالف. كما يفوض الإعلان الرئيس الأميركي باعتباره صاحب «السلطة الوحيدة» لاستخدام الترسانة النووية للولايات المتحدة، حال وقوع مواجهة نووية.

ما يستحق الذكر عند هذه النقطة أن التحالف بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة أُسس قبل 70 عاماً، تحديداً في أعقاب الحرب الكورية (1950 - 1953)، وهو الصراع الذي شهد مقتل قرابة 37000 أميركي قاتلوا إلى جانب نظرائهم الكوريين الجنوبيين. وكانت شرارة الحرب الكورية قد انطلقت، يوم 25 يونيو 1950، عندما شنت كوريا الشمالية غزواً مفاجئاً ضد كوريا الجنوبية. ورداً على هذا العدوان، أصبحت الولايات المتحدة أول دولة أجنبية تتدخل في الصراع، وتقف إلى جانب كوريا الجنوبية.

الترسانة النووية

أما بالنسبة للسؤال: لماذا لا تبدو الولايات المتحدة متحمسة تجاه امتلاك كوريا الجنوبية ترسانة نووية؟ فإن فيمي فرنسيس، الباحثة في «المعهد الوطني للدراسات المتقدمة» ببنغالورو (جنوب الهند)، توضح: «أعيق برنامج التطوير النووي لكوريا الجنوبية الذي دعمه الرئيس السابق بارك تشونغ هي، بسبب ضغوط أميركية. وفي التسعينات، سحبت واشنطن 100 سلاح نووي من كوريا الجنوبية جزءاً من (معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية). وكانت واشنطن - التي أملت في جعل كوريا الشمالية تنزع سلاحها – قد افترضت خطأً أنها يمكن أن تردع إنتاج الأسلحة لكوريا الشمالية من خلال إعاقة القدرة النووية لكوريا الجنوبية».

وأضافت فرنسيس: «مراجعة الوضع النووي عام 2022 تعكس تحولاً في الرؤية الأميركية، مع شعور واشنطن بالقلق إزاء القدرات النووية المتقدمة لكوريا الشمالية». يذكر التقرير أن كوريا الشمالية تخلق معضلات ردع أمام الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها، وأن اندلاع أزمة أو صراع في شبه الجزيرة الكورية يمكن أن يضم عدداً من العناصر الفاعلة المسلحة نووياً؛ ما يفاقم خطر اشتعال صراع أوسع.

- صواريخ كورية شمالية خلال عرض عسكري (رويترز)

وفي نهاية الأمر، ترغب واشنطن في السيطرة على إنتاج الأسلحة النووية عالمياً. لذلك، شعرت بالتردد حيال السماح لكوريا الجنوبية بتطوير ترسانتها النووية، لأنها ستعيق بذلك جهود السيطرة على الإنتاج النووي في العالم. ويتوافق التأكيد على أن الولايات المتحدة وأسلحتها النووية ستحمي حلفاءها، من خلال تحمل المسؤولية عن الحفاظ على الاستقرار في المنطقة، مع الهدف الأميركي الأكبر المتمثل في منع الانتشار النووي.

وبوجه عام، تحظى واشنطن بنفوذ كبير فيما يخص صياغة أهداف السياسة الخارجية لكوريا الجنوبية. وفي المقابل، تفضل سيول تجنب إحباط آمال واشنطن، لأن الأخيرة داعم محوري لها.

غضب صيني وكوري شمالي مفهوم ... لتقارب الخصوم

* التقارب بين سيول وطوكيو، إلى جانب الإعلان النووي لواشنطن، أثار قلق بكين.

وبحسب مقال في صحيفة «غلوبال تايمز» الحكومية في الصين، فإن «سلوك الولايات المتحدة يأتي نتاجاً لعقلية الحرب الباردة. إن ما فعلته الولايات المتحدة يؤجج احتمالات المواجهة، ويقوّض نظام حظر الانتشار النووي، ويضر بالمصالح الاستراتيجية للدول الأخرى».

وتناول مقال آخر سياسات الرئيس الكوري الجنوبي يون «الداعمة للولايات المتحدة بشدة»، واتهمه بـ«السير خلف الولايات المتحدة بشكل أعمى»، و«الإذعان أمام اليابان لإرضاء واشنطن».

وذكر كذلك أن يون «فقد التوازن»، و«يبدو أكثر عدائية تجاه جيرانه الثلاثة المهمين»، بما في ذلك كوريا الشمالية وروسيا.

وبالنسبة لبيونغ يانغ، هدد زعيم كوريا الشمالية، كيم يونغ أون، مراراً بمهاجمة كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، اللتين تعتبرهما بيونغ يانغ «بلدين عدوين» لها. وجرى التأكيد على تصريحاته من خلال عدد قياسي من عمليات إطلاق الصواريخ، العام الماضي. ومنذ العام الماضي، أظهرت الأنشطة في موقع بونغيي ـ ري للتجارب النووية في كوريا الشمالية، استعداد الأخيرة لإجراء تجربة نووية بأي وقت.

غير أن الرئيس الكوري الجنوبي، بعد زيارته الرسمية لواشنطن، أعلن رفضه الانتقادات الصينية، وقال يون: «إذا كانوا يريدون إثارة مشكلة معنا، وانتقادنا لتبني إعلان واشنطن ورفع مستوى تعاوننا الأمني مع واشنطن إلى تعاون نووي، فعليهم خفض التهديد النووي»، الصادر عن كوريا الشمالية، «أو على الأقل الالتزام بالقانون الدولي، والالتزام بالعقوبات المفروضة من مجلس الأمن الدولي».

في الوقت ذاته، رأى مراقبون دبلوماسيون أن رد فعل بكين على التحسُّن السريع في العلاقات بين كوريا الجنوبية واليابان، يؤكد مخاوفها المتزايدة بشأن تحالف عسكري ناشئ بين الجارتين الآسيويتين وواشنطن. وفي الإطار ذاته، قالت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، في تعليقاتها المنشورة عبر وسائل الإعلام الرسمية إن «الاتفاق بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية يعكس (إرادة الحلفاء الأكثر عدائية وعدوانية) ضد كوريا الشمالية، وسيدفع السلام والأمن الإقليميين نحو (خطر أكبر)».


مقالات ذات صلة

«أنا الزعيم» و«هل لديكِ لصقة نيكوتين؟»... أحاديث جانبية طريفة لقادة قمة السبع

العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يسار) ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (يمين) ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال غداء عمل مع قادة مجموعة السبع (أ.ب)

«أنا الزعيم» و«هل لديكِ لصقة نيكوتين؟»... أحاديث جانبية طريفة لقادة قمة السبع

كشفت الميكروفونات المفتوحة في أروقة قمة السبع عن أحاديث عفوية ولحظات طريفة أظهرت جانباً مختلفاً بعيداً عن أجواء الاجتماعات الرسمية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا صورة جماعية لقادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال قمته في لاهاي في 2025 (د.ب.أ)

تركيا تضع خطة أمنية محكمة استعداداً لقمة «الناتو»

تُكثف تركيا استعداداتها لاستضافة قمة رؤساء الدول والحكومات الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) المقرر عقدها في أنقرة يومي 7 و8 يوليو المقبل.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه في باريس... 9 يونيو 2026 (رويترز)

ماكرون يدعو قادة 4 دول عربية إلى قمة مجموعة السبع

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء، أن قادة كل من مصر والسعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة سيشاركون، الثلاثاء، في إحدى جلسات قمة مجموعة السبع.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا السفير توماس برّاك مشاركاً في منتدى أنطاليا بتركيا... أبريل الماضي (المنتدى)

ماكرون يستقبل برّاك... ويجدد دعم فرنسا لسوريا والعراق ولبنان

استقبل الرئيس الفرنسي ماكرون، اليوم، سفير الولايات المتحدة لدى تركيا المبعوث الخاص لرئيس الولايات المتحدة إلى سوريا والعراق، توماس براك، بقصر الإليزيه في باريس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ من اليسار: وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ ووزير الشؤون الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار ووزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيغي ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يعقدون مؤتمراً صحافياً مشتركاً عقب الاجتماع الوزاري الرباعي في نيودلهي... 26 مايو 2026 (د.ب.أ)

روبيو يعيد إحياء مجموعة «كواد» وسط تساؤلات حول الالتزام الأميركي

أعلنت الولايات المتحدة والهند وأستراليا واليابان التي تشكّل معاً مجموعة «كواد»، الثلاثاء، عن تعاون جديد في مجالَي الأمن البحري والمعادن الحيوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».