قصف المستشفيات وتحويل بعضها إلى ثكنات أوديا بحياة مئات السودانيين

مقتل 11 طبيباً و12 من الكوادر الطبية منذ بدء القتال

تدمير مستشفى شرق النيل بالخرطوم في قصف جوي (رويترز)
تدمير مستشفى شرق النيل بالخرطوم في قصف جوي (رويترز)
TT

قصف المستشفيات وتحويل بعضها إلى ثكنات أوديا بحياة مئات السودانيين

تدمير مستشفى شرق النيل بالخرطوم في قصف جوي (رويترز)
تدمير مستشفى شرق النيل بالخرطوم في قصف جوي (رويترز)

اضطرت سمية علي، وهي سيدة تبلغ من العمر 22 عاماً، إلى ولادة طفلها الأول محمد على قارعة الطريق العام، بعد أن داهمها المخاض. ولأنها أولى ولاداتها، لم تكن تعلم ماذا أصابها، فاستعانت بوالدتها التي عرفت أعراض المخاض، فحاولت الاتصال بقابلة الحي، لكن بسبب سوء الاتصالات لم تتلق رداً من الطرف الآخر، فقررت والدتها الذهاب بها إلى الحي المجاور حيث تقيم القابلة.

في الطريق، اندلعت المعارك قريباً من «مستشفى شرق النيل»، أحد أشهر المستشفيات التي تعرضت لقصف جوي من الطيران الحربي، فوجدت الأم وابنتها أنفسهما وسط الرصاص والقذائف، وصار مستحيلاً عليهما العودة إلى المنزل، فقررتا اللجوء إلى قابلة قريبة، لكن شاءت الإرادة أن تضع سمية طفلها وهي على قارعة الطريق، وأسمته «محمد».

يقول الأطباء إن الوضع الصحي تجاوز مرحلة الخطورة، إذ فقد كثير من المرضى حياتهم نتيجة عدم توفر الدواء. فالمستشفيات، مثل مناطق أخرى، تحولت إلى ثكنات عسكرية لقوات «الدعم السريع»، بما فيها مستشفى التوليد المركزي المشهور بـ«مستشفى الدايات» في أم درمان.

توقف المستشفيات عن العمل

وقد توقفت مستشفيات عدة عقب اندلاع القتال بين الجيش و«الدعم السريع» منتصف الشهر الماضي، لكن وزارة الصحة أعلنت عودة 3 مستشفيات لتقديم الخدمة للمرضى. هي «مستشفى بشائر» في الخرطوم، و«مستشفى نيالا التعليمي»، و«مستشفى الضمان» في الأبيض، شمال كردفان، وأطلق أطباء تلك المستشفيات نداءات إلى الكوادر الطبية للعودة إلى العمل لضمان استمرار خدمة المرضى ومواجهة النقص الحاد في الكوادر، إذ غادر عدد كبير من الكوادر الصحية إلى خارج السودان، ونزح آخرون داخلياً لأن المستشفيات تحول معظمها إلى «ثكنات»، حتى العاملة منها لا يمكن الوصول إليها إلا إلى قليل منها بسبب انعدام أمان الطرق.

وقال الجيش السوداني، في بيان، أمس، إن 22 مستشفى ومرفقاً صحياً لا تزال تحت سيطرة قوات «الدعم السريع» التي حولت بعضها إلى قواعد عسكرية، معتبراً ذلك «خرقاً غير مسبوق للقانون الدولي الإنساني وأعراف الحرب وأخلاقيات القتال». وأضاف بيان الجيش أنه «في خرق فاضح لاتفاق جدة الإنساني، ما زال المتمردون يستخدمون المواطنين كدروع بشرية، ويتخذون من المساكن والمرافق العامة منصات للهجوم على قواتنا، كما ازدادت الاعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة».

أطباء يعرضون المساعدة

تصاعد القتال في مناطق جنوب الخرطوم، الثلاثاء (أ.ف.ب)

ونشر أطباء متطوعون أرقام هواتفهم على منصات التواصل الاجتماعي، معلنين استعدادهم لتقديم الاستشارات الطبية للمرضى، وأكدوا أنه لا مانع لديهم من زيارتهم إذا كانوا بالقرب من مناطق سكنهم، كما أن آخرين حولوا أجزاء من منازلهم إلى عيادات يرتادها سكان الحي بمبالغ زهيدة.

وأنشأ الطبيب حسن محمد مع بعض زملائه «مجموعة» على موقع التواصل «واتس آب»، حولوها إلى عيادة عبر الأثير. ويقول حسن: «نستقبل نحو 20 مريضاً يومياً، ولا نشترط دفع رسوم المقابلة، لأننا نعلم الظروف التي يمر بها السودانيون الآن».

وتقول وزارة الصحة الاتحادية إن 11 طبيباً قتلوا في الحرب، قضى بعضهم داخل المستشفيات التي تعرضت للقصف، وآخرون أثناء ذهابهم إلى أماكن عملهم أو عودتهم منها، فيما بلغ عدد قتلى الحرب وفقاً لنقابة أطباء السودان 530 قتيلاً، إضافة إلى 2948 جريحاً. لكن الطبيب عبد الله معتز توقع أن يكون عدد القتلى والجرحى أعلى، لأن كثيرين قتلوا في مناطق سكناهم ودفنوا في بيوتهم ولم تشملهم التقارير الرسمية.

سيارات وبنايات مدمرة في السوق المركزية بالخرطوم خلال اشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع (رويترز)

وفي مدينة «الجنينة» في ولاية غرب دارفور، التي شهدت قتالاً عنيفاً، لا تزال المرافق الصحية للمدينة خارج الخدمة نتيجة للحرب وعمليات تخريب ونهب مخازن الدواء المركزية ومساكن الأطباء ومراكز الهلال الأحمر، ما جعل المواطنين يضطرون إلى السفر إلى مشافٍ بعيدة لتلقي الخدمة العلاجية.

وتدهور الوضع الصحي في ولايات بعيدة عن مناطق القتال. ففي ولاية كسلا، شرق السودان، يتم استقبال مئات الحالات من أطراف الولاية التي يعاني مستشفاها التعليمي من نقص في أسطوانات الأوكسجين، ونقص حاد في أكياس الدم والأدوية المنقذة للحياة. وقال شهود إن «هناك نقصاً حاداً في مستلزمات الطوارئ والتعقيم، كما يعاني مركز غسيل الكلى من نقص المحاليل اللازمة التي لا تكفي لأكثر من أسبوع، ما يهدد مرضى الكلى بوضع خطر».

وتقول نقابة الأطباء السودانيين إن 66 بالمائة من مستشفيات البلاد الخاصة في المناطق القريبة من الاشتباكات توقفت عن الخدمة. فمن أصل 89 مستشفى أساسياً في الخرطوم والولايات توقف عن الخدمة 59 مستشفى، و30 مستشفى فقط تعمل بشكل كامل أو جزئي، بعضها يقدم خدمة إسعافات أولية فقط، وهي مهددة بالإغلاق أيضاً نتيجة نقص الكوادر والإمدادات الطبية والتيار المائي والكهربائي.

ووفقاً لتقارير طبية، فإن 17 مستشفى تم قصفها، و20 مستشفى تعرضت للإخلاء القسري منذ بداية الحرب. وقال خبراء في حقوق الإنسان إن قصف المستشفيات مسؤولية طرفي النزاع، وأضافوا: «ليس من حق أي طرف استخدام المستشفيات لأغراض عسكرية، أو أن يتمركز بالقرب منها. قصف المستشفيات مرفوض تماماً، واستخدام الأسلحة بهذه الكثافة يضعنا تحت طائلة القانون الدولي الإنساني».


مقالات ذات صلة

تقرير بعثة تابعة للأمم المتحدة: تجنيد مقاتلين أجانب يؤجج حرب السودان

شمال افريقيا منشقون عن «الدعم السريع» يصلون في مركبات إلى الغرب من أم درمان خلال استسلامهم فيما يبدو للجيش السوداني يوم 19 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

تقرير بعثة تابعة للأمم المتحدة: تجنيد مقاتلين أجانب يؤجج حرب السودان

حذّرت بعثة تابعة للأمم المتحدة، في تقرير، بأن تجنيد مقاتلين أجانب، والدعم الخارجي، يؤججان النزاع في السودان، ويفاقمان أعمال العنف بحق المدنيين...

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يواصل التحشيد العسكري في النيل الأزرق

قال رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، الفريق أول ركن ياسر العطا، إن القوات المسلحة تعتزم تحريك القوات دون توقف إلى جبهات القتال.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

الاتحاد الأفريقي يُرحب بالحوار السوداني... وقوى سياسية تحذّر من التقسيم

أصدر رئيس «مجلس السيادة» القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان قراراً بشطب البلاغات الجنائية ضد المشاركين في الحوار السوداني.

محمد أمين ياسين (نيروبي) وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا قاعدة أصوصا

السودان يرصد تحركات عسكرية على الحدود مع إثيوبيا

قال محافظ مدينة الكرمك في ولاية النيل الأزرق، جنوب شرقي السودان، عبد العاطي محمد الفكي، إن الجيش «يمتلك زمام المبادرة» رغم هجمات المسيّرات من إثيوبيا.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يدفع بقوات «النخبة» إلى جبهة «النيل الأزرق»

دفع الجيش السوداني، السبت، بوحدات قتالية من قوات «النخبة»، لإسناد قواته في خطوط المواجهة الأمامية في إقليم النيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد، مع الحدود الإثيوبية

محمد أمين ياسين (نيروبي)

تعاون أميركا عسكرياً مع إثيوبيا... هل دافعه الغضب من التقارب المصري - الصيني؟

دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)
دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)
TT

تعاون أميركا عسكرياً مع إثيوبيا... هل دافعه الغضب من التقارب المصري - الصيني؟

دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)
دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)

جاء الاتفاق الدفاعي الذي وقعته الولايات المتحدة مع إثيوبيا قبل أيام من زيارة مهمة قام بها الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، وشهدت توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات عديدة، وتزامنت مع مناورات جوية «مصرية - صينية».

وطرح هذا التقارب الزمني تساؤلات حول ما إذا كان التعاون العسكري بين واشنطن وأديس أبابا دافعه «الغضب الأميركي من القاهرة»، وما أبرز أهدافه في ظل توترات تشهدها منطقة القرن الأفريقي؟

وفي 21 أغسطس (آب) الماضي، جرى التوقيع على اتفاقية دفاعية بين أميركا وإثيوبيا خلال زيارة رسمية لوفد عسكري إثيوبي إلى واشنطن، كإطار استراتيجي يهدف إلى تعزيز التعاون العسكري والأمني، وحماية المصالح الوطنية، وتحقيق المنافع المتبادلة بين البلدين، بحسب ما تم إعلانه رسمياً من الجانبين.

وحول ما تستهدفه واشنطن من وراء هذا الاتفاق، قال رئيس وحدة أبحاث الشؤون الأفريقية بـ«مركز معلومات» مجلس الوزراء المصري، الدكتور رأفت محمود إن «الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة بناء علاقاتها مع أديس أبابا بعد سنوات من التوتر، خصوصاً على خلفية حرب إقليم تيغراي الإثيوبي والانتقادات الأميركية لسجل إثيوبيا في حقوق الإنسان».

وأوضح محمود لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يكشف عن أن إثيوبيا باتت جزءاً من حسابات أميركية أوسع تشمل أمن البحر الأحمر ومواجهة النفوذ الصيني والروسي ومكافحة الجماعات المسلحة في القرن الأفريقي».

ويرى عضو البرلمان الإثيوبي محمد العروسي أن «الولايات المتحدة تنظر إلى القرن الأفريقي باعتباره منطقة ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر، وحركة التجارة الدولية، وأمن الممرات البحرية، وتقع فيها تهديدات إرهابية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه «في قلب هذه الجغرافيا توجد إثيوبيا، ذات الثقل السكاني والسياسي والعسكري في منطقة واسعة، وفيها المقر الدائم للاتحاد الأفريقي... لهذا السبب، فواشنطن لا تأتي إلى إثيوبيا بحثاً عن ورقة ظرفية، بل تعيد بناء موقعها في منطقة تتغير فيها موازين القوة».

صورة لـ«سد النهضة» (الصفحة الرسمية لرئيس الوزراء الإثيوبي على فيسبوك)

عضو الحزب الجمهوري الأميركي والخبير الاستراتيجي أدولفو فرانكو قال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الاتفاق يفتقر إلى معاهدات ملزمة رسمياً، وتمويل مالي مباشر»، مضيفاً: «لا تزال جميع صادرات الدفاع المستقبلية تخضع لقيود مشددة، ويتم تقييمها بدقة على أساس كل حالة على حدة، مع مراعاة حقوق الإنسان».

ووفقاً للبرلماني الإثيوبي محمد العروسي، فقد دخلت «في مايو (أيار) الماضي، العلاقة الأميركية - الإثيوبية في إطار حوار ثنائي منظم يغطي الاقتصاد والتجارة والاستثمار والدفاع والأمن، وبعد ثلاثة أشهر فقط، شهد المسار الدفاعي تطوراً، وهذا التسلسل مهم لأنه يكشف عن أن واشنطن تتعامل مع إثيوبيا ضمن حسابات طويلة المدى».

إدارة الخلافات بدلاً من حلها

وفي اعتقاد رأفت محمود، فإن «الدعم الأميركي المتزايد لإثيوبيا قد يؤدي إلى تحسين موقعها التفاوضي، ليس فقط في ملف المياه، وإنما أيضاً في مساعيها للحصول على منفذ بحري وتعزيز حضورها في منطقة البحر الأحمر».

ومؤخراً تحدثت تقارير إعلامية عن أن التقارب الأميركي - الإثيوبي يأتي رداً من واشنطن على التقارب المصري المتزايد أخيراً مع الصين والذي توج بزيارة مهمة للرئيس الصيني إلى القاهرة هذا الأسبوع.

الرئيس المصري مرحباً بنظيره الصيني في قصر الاتحادية بالقاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)

وهو ما رد عليه رأفت محمود بأن «التقارب المصري - الصيني ليس وليد اللحظة، وإن كانت التطورات المتعلقة به تثير حساسية واشنطن بطبيعة الحال، خاصة في ضوء تنامي التعاون الاقتصادي والأمني».

وتجدر الإشارة إلى أنه في يناير (كانون الثاني) 2026، رفعت إثيوبيا والصين علاقاتهما إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية للتعاون في جميع الظروف»، وذلك بعد عامين تقريباً من الارتقاء بالعلاقات المصرية - الصينية إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية» في عام 2024.

وعن ذلك، قال العروسي إنه «عندما تأتي واشنطن وتوسع شراكتها مع أديس أبابا، فالمشهد لا يُقرأ باعتباره استبدال شريك بشريك. بل إن المشهد يكشف عن ارتفاع القيمة الاستراتيجية لإثيوبيا نفسها».

المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركي هنري إنشر، يؤكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الولايات المتحدة ترغب في شريك أمني في منطقة القرن الأفريقي. وتُعدّ إثيوبيا الخيار الأمثل نظراً لإمكانياتها. وفي حين تتنافس الصين والولايات المتحدة في أفريقيا، فإن مصر هي الشريك الأهم، لذا من غير المرجح أن تلجأ الولايات المتحدة إلى هذا الأسلوب لمواجهتها أو معاقبتها».


ليبيا: احتقان في القطرون عقب مقتل شاب بنيران نُسبت لـ«الجيش الوطني»

المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان يقدم واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)
المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان يقدم واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)
TT

ليبيا: احتقان في القطرون عقب مقتل شاب بنيران نُسبت لـ«الجيش الوطني»

المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان يقدم واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)
المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان يقدم واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)

سادت حالة من التوتر والاحتقان مدينة القطرون، الواقعة في جنوب ليبيا، بعد مقتل المواطن حسين سيدي مطر (16 عاماً) إثر تعرضه لإطلاق نار أثناء وجوده في محطة وقود بالمدينة.

وتباينت الروايات بشأن الجهة التي تقف وراء إطلاق الرصاص على مطر، في ظل توجيه مواطنين اتهاماً إلى «الكتيبة 87» التابعة لـ«الجيش الوطني».

وشهدت القطرون مناوشات وكرّاً وفرّاً بين مواطنين وعناصر من «الكتيبة 87» مساء الخميس، استخدم فيها إطلاق الرصاص العشوائي، وظهر خلالها عدد من أبناء قبيلة «التبو» وهم يحملون السلاح.

صدام حفتر في زيارة إلى القطرون الليبية في نوفمبر 2025 (القيادة العامة)

وسارع «التجمع السياسي الوطني فزان» بتحميل المسؤولية كاملة لـ«الجهة المنفذة»، ومطالبة «الكتيبة 87 بتحمل كامل تبعات هذه الجريمة». ولم يعلق «الجيش الوطني» بشكل رسمي على الواقعة، لكنّ مصدراً مقرباً من القيادة العامة «أكد تقديرها لأهالي القطرون؛ وسعيها لحل أزماتهم المعيشية».

وقالت رانيا الصيد، العضو المؤسس لـ«تجمع فزان»، إن «ما حدث في القطرون لا يمكن قراءته بوصفه حادثة عابرة أو نزاعاً فردياً»، وعدّته «استهدافاً مباشراً للنسيج الاجتماعي ولحالة الاستقرار الهشة، التي نحاول الحفاظ عليها في الجنوب، وهو يستهدف جر المنطقة إلى مربع الفوضى والثأر».

وذهبت في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «أي اعتداء على النفس والمال والعرض مرفوض»، داعية الأجهزة الأمنية والقضائية إلى القيام بواجبها في ضبط الجناة، وتقديمهم للعدالة فوراً.

وعوّلت رانيا الصيد «على دور مجالس الحكماء والأعيان والمشايخ في القطرون، وفي عموم الجنوب»، وقالت: «دوركم اليوم ليس تشريفاً، بل تكليف؛ عليكم مسؤولية رأب الصدع، وحقن الدماء، واحتواء الفتنة قبل أن تستفحل».

مشايخ وأعيان فزان يقدمون واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)

ووصل وفد من المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان، برئاسة الشيخ إبراهيم أبو بكر نصر، إلى القطرون مساء الخميس، سعياً لاحتواء الأحداث المتصاعدة، وتقديم العزاء والوقوف على الوضع الراهن داخل المدينة.

وطالب «تجمع فزان» بـ«تشكيل لجنة تحقيق عاجلة وشفافة، والكشف عن نتائجها للرأي العام، وتسليم الجناة للعدالة دون تستر أو مماطلة»، داعياً إلى وقف ما سمّاه «أي إجراءات انتقامية، أو عقاب جماعي بحق أهالي القطرون، وعدم تحميل المنطقة مزيداً من الدماء والاحتقان».

ودعا التجمع في بيان أصدره، مساء الخميس، بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلى «تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية في حماية المدنيين بالجنوب، وفتح تحقيق دولي مستقل في الواقعة»، كما طالب المجتمع الدولي بـ«التدخل العاجل لوقف هذه الأفعال التي تستهدف الأبرياء، ووضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان في مناطق الجنوب الليبي».

من جهتها، شددت رانيا الصيد على أن ليبيا «لا تحتمل مزيداً من الأزمات والانقسامات»، فيما نبهت إلى أن «ما يحدث في القطرون قد يتكرر في أي مدينة، إذا استمررنا في معالجة الأعراض وتجاهلنا الأسباب»، وحذرت «من الانجرار إلى الفتن، وخطاب الكراهية، أو تحويل المنطقة وجعلها سلاحاً في يد من يريدون لنا الفرقة».

وتخضع القطرون لسيطرة «الجيش الوطني»، ولا يوجد أي وجود لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بالمدينة، التي تعاني من أزمة نقص الوقود مثل غالبية المدن الليبية.

وقال المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان إن وفداً منه قدم واجب العزاء والمواساة إلى أهالي القطرون، «في إطار دوره المجتمعي ومساعيه للم شمل أبناء المنطقة وتوحيد الصف».

«التجمع السياسي فزان» في لقاء سابق مع محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي - 13 يوليو الماضي (مكتب المنفي)

وأوضح المجلس، الجمعة، أنه «كان في استقبال الوفد مشايخ وحكماء وشباب من أبناء التبو بالقطرون؛ وجرى خلال اللقاء البحث بشأن مجريات الحدث الذي شهدته المدينة، وسط تأكيد على أهمية التماسك الاجتماعي واحتواء تداعياته».

وأكد المجلس أن «دماء أهل فزان واحدة؛ وجرح القطرون هو جرح فزان كلها»، مشدداً على «المضي في طريق التسامح والتصالح وحقن الدماء وإحقاق الحق».

ودخلت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا على خط الأزمة، وعبرت عن قلقها حيال «تصاعد معدلات القتل خارج القانون في كثير من المدن والمناطق والبلديات»، وأرجعت ذلك إلى «الفوضى الأمنية التي يشهدها العديد من المدن في عموم البلاد، نتيجة غياب دور وزارة الداخلية والجهات الأمنية المختصة».

ودعت المؤسسة، وزارة الداخلية، ومديرية أمن القطرون، وجهاز المباحث الجنائية، ومكتب المحامي العام بدائرة محكمة استئناف سبها، إلى فتح تحقيق شامل في ملابسات واقعة قتل مطر، وتكثيف جهودها لضبط المتهمين المتورطين في ارتكاب هذه الجريمة، وتقديمهم إلى العدالة.

وسبق أن التقى نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، الفريق صدام حفتر، في مدينة القطرون، مشايخها وأعيانها، ضمن زيارة موسعة شملت مدناً عديدة بالجنوب للوقوف على حالة الأمن، واحتياجات المواطنين المعيشية.


عالق في بئر بعمق 80 متراً... الجزائر تسابق الزمن لإنقاذ الطفل أيوب

فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
TT

عالق في بئر بعمق 80 متراً... الجزائر تسابق الزمن لإنقاذ الطفل أيوب

فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)

لا يزال الطفل أيوب يحبس أنفاس الجزائريِّين، بينما تتسابق فرق الإنقاذ مع الزمن للوصول إليه بعد سقوطه داخل بئر ضيقة وعميقة في ولاية البيض، غرب الجزائر، منذ الأربعاء.

وسقط أيوب، البالغ من العمر 10 سنوات، داخل بئر جافة في بلدية الغاسول، بدائرة بريزينة، في أثناء عودته إلى منزل عائلته بعد أن كان قد حمل وجبة غداء لشقيقه الذي يرعى الأغنام، ويساعد والده في عمله.

وخلال رحلة العودة، مرَّ الطفل فوق لوح من الخشب الرقائقي كان يغطي فتحة البئر، قبل أن ينكسر اللوح تحت ثقله ويسقط أيوب إلى داخلها.

بئر بعمق 80 متراً... وفتحة لا تتجاوز 40 سنتيمتراً

وتبلغ حفرة البئر نحو 80 متراً، بينما لا يتجاوز قطر فتحتها 40 سنتيمتراً، ما جعل الوصول إلى الطفل أيوب عبر الفتحة أمراً بالغ الصعوبة.

وبحسب المعلومات المتاحة، فإنَّ البئر حُفرت بطريقة تقليدية داخل مزرعة عائلية، وهي جافة ومردومة جزئياً بالأتربة حتى عمق نحو 30 متراً، كما أنَّها غير مزودة بأنبوب تغليف خارجي، وكانت فتحتها مغطاة بلوح خشبي رقيق.

وفور الإبلاغ عن الحادث، توجَّهت مصالح الحماية المدنية الجزائرية إلى الموقع، وبدأت فرق متخصصة محاولات الوصول إلى الطفل وانتشاله.

لماذا تعذّر النزول مباشرة إلى البئر؟

إلا أن فرق الإنقاذ واجهت صعوبات كبيرة بسبب ضيق البئر وخطر انهيار التربة، الأمر الذي حال دون مواصلة محاولات النزول المباشر إليها.

ودفعت هذه المخاطر فرق الإنقاذ إلى اعتماد خطة بديلة تقوم على حفر حُفرة أو خندق عميق موازٍ للبئر، للوصول إلى المستوى الذي يُعتقد أن أيوب عالق عنده.

وبعد الوصول إلى ذلك العمق، تعمل الفرق على اختراق جدار البئر أفقياً وبشكل يدوي، في محاولة للوصول إلى الطفل من دون التسبب في انهيار التربة المحيطة.

ووصف مسؤولو فرق الطوارئ عملية الإنقاذ بأنها «معقدة للغاية»؛ بسبب وعورة المنطقة وهشاشة التربة وضيق فتحة البئر وعمقها.

حفرة ضخمة موازية للبئر في سباق مع الزمن

تواصل فرق الإنقاذ الجزائرية حفر حُفرة ضخمة موازية للبئر للوصول إلى أيوب، وسط إجراءات احترازية لتفادي انهيار التربة.

وجرى تدعيم الفرق المتدخلة بوحدات متخصصة في التدخل بالأماكن الوعرة، إلى جانب الاستعانة بكاميرات مخصصة لاستكشاف الآبار، وآليات ثقيلة للمساعدة في أعمال الحفر.

كما يوجد طاقم طبي في موقع الحادث تحسباً لأي تطورات، بينما تواصل سيارات الإسعاف وشاحنات الإنقاذ والفرق المتخصصة العمل في المكان.

الجزائريون يتابعون عملية إنقاذ أيوب بقلق

إلى ذلك، عاش سكان المنطقة ساعات عصيبة وهم يتابعون محاولات إنقاذ الطفل، بينما توجَّه عدد من سكان المناطق المجاورة إلى موقع الحادث؛ بهدف المساعدة في جهود الإنقاذ.

كما يتابع الجزائريون، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطورات العملية وسط حالة من القلق والترقب، بينما تواصل فرق الإنقاذ أعمالها في الموقع.

ويأتي ذلك في وقت تتسابق فيه الفرق المختصة مع الزمن للوصول إلى الطفل أيوب، في ظلِّ التعقيدات التي تفرضها طبيعة البئر والتربة المحيطة بها.

مأساة أيوب تعيد إلى الأذهان قصة الطفل ريان

وأعادت حادثة أيوب إلى الأذهان في الجزائر والمغرب قصة الطفل المغربي ريان، الذي سقط في فبراير (شباط) 2022 داخل بئر ضيقة في قرية بإقليم شفشاون شمال المغرب.

وكان عمق بئر ريان نحو 32 متراً، وتواصلت عملية إنقاذه على مدى 5 أيام، واعتمدت فرق الإنقاذ خلالها على حفر بئر موازية، ثم شق نفق أفقي للوصول إليه.

وتمكَّنت فرق الإنقاذ في نهاية العملية من الوصول إلى الطفل، قبل إعلان وفاته.

عياش... حادثة بئر أخرى هزّت الجزائر

كما تستحضر الحادثة مأساة الشاب الجزائري عياش، الذي سقط عام 2018 داخل بئر، واستمرَّت جهود إنقاذه 5 أيام، وسط متابعة واسعة من الجزائريِّين.

وشكَّلت صعوبة الوصول إلى عياش بسبب طبيعة البئر والتربة تحدياً كبيراً أمام فرق الإنقاذ، قبل انتشال جثته بعد انتهاء عمليات الحفر والإنقاذ.

وتتواصل في المقابل جهود فرق الإنقاذ الجزائرية للوصول إلى الطفل أيوب، وسط آمال بأن تنتهي العملية بإنقاذه وإخراجه سالماً من البئر.