كيف ستتغير السياسة الخارجية لتركيا في حال فوز كليتشدار أوغلو بالرئاسة؟

منظور مختلف للعلاقات مع مصر وسوريا والتواجد العسكري في ليبيا

ملصق ضخم لمرشح المعرضة كمال كليتشدار أوغلو في أنقرة (إ.ب.أ)
ملصق ضخم لمرشح المعرضة كمال كليتشدار أوغلو في أنقرة (إ.ب.أ)
TT

كيف ستتغير السياسة الخارجية لتركيا في حال فوز كليتشدار أوغلو بالرئاسة؟

ملصق ضخم لمرشح المعرضة كمال كليتشدار أوغلو في أنقرة (إ.ب.أ)
ملصق ضخم لمرشح المعرضة كمال كليتشدار أوغلو في أنقرة (إ.ب.أ)

على الرغم من أن القاعدة المتعارف عليها أن تغيير الحكومات لا يحدث فرقاً كبيراً في سياسة الدول الخارجية، فإن حالة تركيا تبدو مختلفة. فكل حزب يتولى السلطة يطبع السياسة الخارجية بطابع مختلف.

فمثلاً، ظلت السياسة التركية لعقود منذ تأسيس الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك متجهة إلى الغرب، مبتعدة عن الشرق الأوسط، باستثناء فترة حكم الرئيس تورجوت أوزال في تسعينات القرن الماضي. ولم تعرف السياسة التركية تقارباً واضحاً مع المنطقة إلا مع مجيء حزب «العدالة والتنمية» الحاكم برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان، حيث ازدهرت التجارة والاستثمارات الخليجية على وجه الخصوص في تركيا.

سياسة تركيا وموقف المعارضة

لكن مع ما عُرف بانتفاضات «الربيع العربي»، انقلب التقارب إلى تدخل مباشر في شؤون دول المنطقة بشكل أثار الغضب من سياسات إردوغان، الذي كان يسعى في البداية إلى إنشاء اتحاد يضم تركيا وسوريا والأردن ولبنان، على غرار الاتحاد الأوروبي.

أدى انهيار ما سُمي بـ«الربيع العربي» و«مشروع الشرق الأوسط الكبير»، الذي شارك فيه إردوغان بفاعلية، إلى تحويل سياسة «صفر مشاكل مع دول الجوار» التي أسس لها رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو عندما كان وزيراً لخارجية تركيا، إلى «صفر علاقات». وقاد الإطاحة بحكم «الإخوان المسلمين» في مصر، مع تبني تركيا إردوغان سياسات مناصرة للجماعة التي أعلنتها مصر ودول عربية «تنظيماً إرهابياً» إلى قطيعة مع مصر و10 سنوات عجاف في العلاقات معها، ومع السعودية والإمارات والبحرين، إلى جانب التدخل العسكري المباشر في سوريا، ثم ليبيا.

الرئيس رجب طيب إردوغان يلقي خطاباً في أنقرة الاثنين الماضي (أ.ب)

واتسمت سياسة تركيا الخارجية في ظل حكم إردوغان بتطوير التدخل الناعم عبر العلاقات الاقتصادية والتجارية وأعمال الإغاثة والمشروعات الإنسانية في أفريقيا، إلى تدخل خشن دافعه المنافسة مع القوى التقليدية، منطلقاً من تصور العودة إلى مناطق نفوذ الدولة العثمانية. عبّرت المعارضة التركية، التي يقودها حزب «الشعب» الجمهوري برئاسة مصطفى كمال كليتشدار أوغلو منذ البداية عن رفضها السياسة التي يتبعها إردوغان تجاه دول المنطقة، ولمجمل سياسته الخارجية التي تسببت في الكثير من المشاكل مع دول المنطقة المهمة بالنسبة لتركيا، وكذلك مع العديد من الدوائر، أهمها الاتحاد الأوروبي والغرب بصفة عامة وقادت إلى دفع تركيا إلى عزلة تامة في محيطها، برّرها إردوغان وحكومته بشعار «العزلة القيمة».

رؤية كليتشدار أوغلو

والآن، تتردد تساؤلات كثيرة حول الصورة التي ستكون عليها السياسة الخارجية لتركيا في حال فوز مرشح المعارضة كمال كليتشدار أوغلو بالرئاسة في جولة الإعادة المقررة في 28 مايو (أيار) الحالي.

وقبل ترشحه للرئاسة ومنذ قطعت تركيا علاقاتها مع سوريا وخفضتها مع مصر وتدخلت في ليبيا، اتخذ كليتشدار أوغلو موقفاً واضحاً برفض سياسة الحزب الحاكم، وأكد أنها تكلف تركيا الكثير من الخسائر وتعزلها وتؤثر سلباً على مصالحها. وتعهد أن يغير تحالف «الأمة» السياسة الخارجية 180 درجة عندما يفوز بالسلطة. بالنسبة لمصر، ومنذ العام 2013، رفض كليتشدار أوغلو تعامل إردوغان مع العلاقات مع مصر على أنها علاقات مع «تنظيم الإخوان المسلمين»، ووصف «الإخوان المسلمين» بأنهم تنظيم إرهابي.

وتساءل كليتشدار أوغلو مراراً عن السبب الذي يجعل تركيا تتشاجر مع مصر، وقال أكثر من مرة داخل البرلمان في معرض انتقاداته للسياسة الخارجية لحكومة إردوغان، إن الجميع موجود في منطقة شرق المتوسط، ومصر، واليونان، وقبرص، وصولاً إلى قطر، لكن تركيا وحدها الغائبة عن المنطقة الغنية بموارد الطاقة، لماذا؟ لأن تركيا تتشاجر مع مصر من أجل تنظيم إرهابي. وبالنسبة لليبيا، تساءل كليتشدار أوغلو عن أسباب إرسال الجيش التركي إلى الصحراء في ليبيا، وما هو شأنهم هناك، وكذلك بالنسبة لسوريا والعراق. وخلال حملته للانتخابات الرئاسية، أثار كليتشدار أوغلو هذه القضايا بشكل واضح، مؤكداً أنه ضد الوجود العسكري لتركيا في الخارج. وفي الملف السوري بالذات، تبدو رؤية كليتشدار أوغلو واضحة، وعبّر عنها مراراً، مؤكداً أن أولى خطواته ستكون العمل على إعادة العلاقات معها إلى سابق عهدها وفتح السفارات، والعمل على إعادة اللاجئين خلال عامين عبر التنسيق مع دمشق والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لتأمين حياة كريمة لهم. وشدد على أن تركيا ينبغي أن تأخذ زمام المبادرة لضمان الاستقرار في المنطقة ووضع كل جهود قيادتها في هذا الاتجاه، انطلاقاً من مبدأ أتاتورك «السلام في الداخل والسلام في العالم».

أذربيجان وأرمينيا

تعدّ العلاقات مع أذربيجان قضية محسومة بالنسبة لأي رئيس أو حكومة في تركيا. فالعلاقات معها تنبع من تاريخ وإرث مشترك لا يمكن فصمه، لكن قد يكون هناك اختلاف في حال تولي كليتشدار أوغلو رئاسة تركيا في التعامل مع مشكلة قره باغ، التي تدخل فيها إردوغان عسكرياً بشكل مباشر. لا يميل كليتشدار أوغلو إلى دخول تركيا كطرف في النزاعات حتى لو في الدول التي تعرف بالجمهوريات التركية، وبالتالي فإن توجهه سيكون محكوماً بمبدأ التركيز على التفاوض لا التدخل. أما بالنسبة لقضية العلاقات مع أرمينيا، التي شهدت تقدماً نوعاً ما في العامين الماضيين، ثم سرعان ما تراجعت الخطوات، بسبب مسألة الإصرار على المزاعم المتعلقة بإبادة الأرمن على يد العثمانيين في شرق الأناضول في زمن الحرب العالمية عام 1915، فإن موقف كليتشدار أوغلو لا يختلف عن موقف أي حكومة تولت السلطة في تركيا، فهي قضية مبدأية.

وعبّر كليتشدار أوغلو، صراحة عن موقفه من هذه القضية، عندما احتج على موقف فرنسا والولايات المتحدة من تأييد مزاعم إبادة الأرمن وإقامة هياكل لتخليد ذكراها، بإرسال رسائل إلى الدول التي تؤيد هذه المزاعم للتأكيد على أن القضية هي مسألة تاريخية يجب أن تدرس بين الدولتين عبر فتح أرشفيهما، وأنه يرفض تدخل أي طرف ثالث في هذه القضية، وهو الموقف الذي تبنته أيضاً حكومات غردوغان والحكومات السابقة عليها.

سياسة متوازنة

تعهد كليتشدار أوغلو العمل، في حال فوزه بالرئاسة، على ضمان أن تواصل تركيا التوازن الذي يعزز مصالح البلاد؛ لأنه لن يكون صحيحاً حصر السياسة الخارجية لتركيا في تعريف «مؤيد للشرق أو مؤيد للغرب». وأكد أنه «لا تراجع عن طريقنا للوصول إلى مستوى الحضارات الحديثة، الذي ورثناه عن أتاتورك، لكن سيكون من غير الصحيح قراءة هذا على أنه سياسة موجهة فقط نحو الغرب». ولفت إلى أن تركيا لم تهمل الشرق أبداً، على الرغم من كونها عضواً في مؤسسات ومنظمات غربية، وأن رؤيتيه لكلٍ من آسيا وأوروبا تستندان إلى نهج متكامل للسياسة الخارجية. وقال «نحن مع كل من الصين والولايات المتحدة في مجموعة العشرين، حيث مناقشة السياسات العالمية، وبالمثل، فإن علاقاتنا مع روسيا، وهي لاعب عالمي مهم في جغرافيتنا، متوازنة للغاية، ومن الخطأ الاعتقاد بأن أي توجه للسياسة الخارجية التركية يضر بمناطق جغرافية أخرى أو جهات فاعلة أخرى». وتعهد كليتشدار أوغلو، وتحالف «الأمة» المعارض الذي رشحه للرئاسة، بأن سياسة تركيا الخارجية ستمضي بالنهج المتوازن نفسه كما كانت عليه تقليدياً منذ تأسيس الجمهورية، وستوازن في علاقاتها مع الشرق والغرب، وستعيد إحياء مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مع مراعاة مختلف دوائر العلاقات والمصالح بحسب لا تكون تركيا دولة معزولة.

أمن الحدود

يرى المحلل السياسي مدحت بايدور، أن كليتشدار أوغلو، في حال فوزه بالرئاسة، سيعمل على الحفاظ على التوازن في علاقات تركيا مع مختلف الدوائر في الشرق والغرب، وسيواصل العمل على إنهاء الصراع الروسي - الأوكراني، من خلال حل مقبول يحفظ ماء الوجه لكلا الجانبين. ولفت بايدو إلى أن تحالف الأمة يضم اثنين من وزراء الخارجية السابقين، هما رئيس حزب «المستقبل» أحمد داود أوغلوو ورئيس حزب «الديمقراطية» علي باباجان، فضلاً عن أن حزب «الشعب الجمهوري» ينطوي على كفاءات دبلوماسية ساهمت في بناء مدرسة السياسة الخارجية التركية قبل إردوغان، وبالتالي فإن هذا الملف سيثمر نجاحاً كبيراً في إدارة علاقات تركيا مع الشرق والغرب، بلا مشكلات كالتي شهدتها البلاد، في السنوات العشر الأخيرة على وجه الخصوص.

أعلام تركية وأعلام للمعارضة السورية في مدينة أعزاز السورية (رويترز)

بدوره، قال الصحافي المحلل السياسي مراد صابونجو، إنه بالنسبة لسوريا على سبيل المثال، لن تجد الولايات المتحدة التي تختلف مع تركيا بشدة في هذا الملف، مُحاوراً أكثر تصالحية من كليتشدار أوغلو، كما أنه يملك ميزة في الحوار الرئيس السوري بشار الأسد وحكومته. وتوقع أن يواصل كليتشددار أوغلو الاعتماد على القوة العسكرية لحماية الحدود الجنوبية الشرقية لتركيا من هجمات حزب العمال الكردستاني، في ظل إعلانه أن الحدود شرف، وبالتالي فإنه لن يسمح بالهجمات ولا بتسلل النازحين. وترى مصادر قريبة من أروقة حزب «الشعب الجمهوري» أن كليتشدار أوغلو قد يحقق شرط انسحاب تركيا من سوريا، ولكن من خلال إحياء اتفاقية أضنة لعام 1998 وتوسيع مساحة التدخل العسكري التركي حال الضرورة. وأضافت أن مسألة الانسحاب العسكري التركي من المناطق المختلفة التي يعتقد أن التدخل فيها كان خطأ، مثل ليبيا، ستتحقق، لكنها ستأخذ وقتاً، وبالنسبة للدول التي ترتبط بحدود مباشرة مع (سوريا والعراق)، سيتم تحقيق ذلك حال التوصل إلى اتفاقيات تضمن التنسيق بشأن أمن الحدود.

ثقة المستثمرين

هذا عن ملف السياسة الخارجية، فماذا عن ملف الاقتصاد والاستثمار إذا تولى كليتشدار أوغلو الرئاسة؟

وعد كليتشدار أوغلو بجذب استثمارات أوروبية بمبلغ 300 مليار دولار من أوروبا خلال 5 سنوات، في حال فوزه بالرئاسة. وقال «تركيا دولة جاذبة... لقد رأينا شهية المستثمرين العالميين، لكن المشكلة هي أن هؤلاء المستثمرين فقدوا الثقة في الحكومة التركية بسبب سياسات إردوغان الاقتصادية». وأضاف «يبتعد المستثمرون المحليون والأجانب عن الاستثمارات التي قد تؤدي إلى تصنيع منتجات ذات قيمة مضافة عالية، وإلى زيادة فرص العمل... سنعمل بقوة لعكس هذا الاتجاه». وتبددت آمال المستثمرين بحدوث انتعاش في الأسواق التركية مع ظهور النتائج شبه الرسمية للجولة الأولى للانتخابات الرئاسية وأظهرت تقدم إردوغان بنحو 4 نقاط مئوية على كليتشدار أوغلو؛ ما قد يمنحه تقدماً سهلاً في جولة الإعادة في 28 مايو (أيار) يغلق الحديث عن نهاية سنوات بلغ فيها التضخم ذروة قياسية غير مسبوقة وعصفت فيها الأزمات المتكررة بسبب سياساته الاقتصادية بالليرة التركية التي فقدت 95 في المئة من قيمتها منذ تطبيق النظام الرئاسي عام 2018.

أتراك في محل صيرفة عقب الجولة الأولى للانتخابات (رويترز)

صدمة الأسواق

وصدمت نتيجة الجولة الأولى الأسواق وتراجع مؤشر البورصة التركية على مدى يومين، كما بدأت الليرة التركية رحلة جديدة من الترنح وسجلت في تعاملات الثلاثاء الرسمية 19.70 ليرة للدولار، في حين نشأت سوق موازية يبلغ سعر الدولار فيها 21.5 ليرة. وجاء رد الفعل الأولي للسوق على نتائج الانتخابات عنيفاً، الاثنين. فالليرة التركية انخفضت إلى أدنى مستوى لها في شهرين بينما كان التراجع أشد في أسهم البنوك والسندات الحكومية بالعملة الصعبة. ويتخوف خبراء ومحللون أتراك وغربيون من خطر لجوء الحكومة إلى إجراءات مثل تقييد معاملات النقد الأجنبي للأفراد أو الشركات أثناء محاولتها السيطرة على سعر الصرف؛ مما سيجعل الأمور أكثر صعوبة بالنسبة للشركات. وقال محللون في «جيه بي مورغان» إنه بافتراض فوز إردوغان في جولة الإعادة، فإن السياسة المالية التركية ستظل توسعية لأنه يفي بوعوده في الإنفاق على حملته لزيادة الدخل وإعادة بناء البلاد بعد زلزال فبراير (شباط). وسبق أن توقع البنك أن تنخفض العملة التركية إلى 30 ليرة مقابل الدولار ما لم يحدث تحول واضح نحو السياسات التقليدية، وهو ما وعد كليتشدار أوغلو بتطبيقه حال فوزه بالانتخابات. وكان من المتوقع، مع استمرار التضخم فوق 40 في المئة، أن ترتفع أسعار الفائدة التركية من 30 في المئة إلى 40 أو حتى 50 في المئة من مستواها الحالي البالغ 8.5 في المئة لو فاز تحالف المعارضة. لكن لم يعد واضحاً الآن.


مقالات ذات صلة

تحليل إخباري مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

تحليل إخباري «تصنيف ترمب» يضاعف الضغوط على «إخوان مصر»

صنّفت واشنطن جماعة الإخوان المسلمين بمصر، رفقة فرعيها في الأردن ولبنان، باعتبارها «منظمات إرهابية»، بعد أكثر من 12 عاماً من حظرها في مصر.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله مستقبلاً أمين عام «الجماعة الإسلامية» محمد طقوش في يونيو 2024 إثر انخراط الجناح العسكري للجماعة المعروف بـ«قوات الفجر» ضمن «جبهة مساندة غزّة» التي افتتحها «حزب الله» في الثامن من أكتوبر 2023 (الوكالة الوطنية للإعلام)

لبنان في قلب تداعيات التصنيف الأميركي لفروع «الإخوان»

وسّعت الإدارة الأميركية دائرة المواجهة مع جماعة «الإخوان المسلمين» عبر تصنيف فروعها في مصر والأردن ولبنان منظماتٍ إرهابية

صبحي أمهز (بيروت)
الخليج صورة تعود إلى عام 2011 لمقار مكاتب جماعة الإخوان في الأردن وذراعها السياسية حزب «جبهة العمل الإسلامي» في عمّان (أ.ف.ب)

السعودية ترحّب بتصنيف أميركا «الإخوان» في مصر والأردن ولبنان منظمات إرهابية

رحّبت السعودية بتصنيف الولايات المتحدة الأميركية فروع الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان جماعات إرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب (الرئاسة المصرية)

مصر ترحب بقرار ترمب تصنيف «الإخوان» منظمة إرهابية

رحبت القاهرة بإعلان الإدارة الأميركية تصنيف جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر «كياناً إرهابياً عالمياً»، وعدّت «القرار خطوة فارقة تعكس خطورة الجماعة».

أحمد جمال (القاهرة)

واشنطن وطهران تحملان التفاؤل والتشاؤم إلى جولة تفاوض ثانية

طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
TT

واشنطن وطهران تحملان التفاؤل والتشاؤم إلى جولة تفاوض ثانية

طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)

في اليوم التالي لانعقاد جولة المفاوضات بين واشنطن وطهران في مسقط، بدا المشهد محكوماً بإيقاع مزدوج بين فتح نافذة دبلوماسية محدودة وتصعيد متواصل في الخطابين السياسي والعسكري، وسط شكوك عميقة بشأن إمكان تحقيق اختراق فعلي في الخلاف المزمن حول البرنامج النووي الإيراني وأجندة التفاوض الأوسع، التي من المفترض أن تشمل الصواريخ الإيرانية ودعم الحلفاء الإقليميين.

وعُقدت مفاوضات غير مباشرة، الجمعة، بين واشنطن وطهران في مسقط، شملت مصافحة مباشرة بين ممثلي البلدين، هي الأولى منذ أن شنَّت الولايات المتحدة، في يونيو (حزيران) 2025، ضربات على مواقع نووية رئيسية خلال حرب استمرت 12 يوماً، وبدأتها إسرائيل على إيران.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فجر السبت، أن الولايات المتحدة أجرت محادثات «جيدة جداً» مع إيران، مؤكداً أن طهران «ترغب في التوصل إلى اتفاق»، ومشيراً إلى أن جولة جديدة من المفاوضات ستستأنف «في مطلع الأسبوع المقبل».

لكن ترمب شدد في المقابل على أن إيران «لن تمتلك سلاحاً نووياً»، محذراً من أن عدم التوصل إلى اتفاق سيقود إلى «عواقب وخيمة للغاية». وأعاد الرئيس الأميركي التذكير بإرسال أسطول عسكري كبير إلى المنطقة، في رسالة تؤكد أن خيار القوة لا يزال قائماً إلى جانب المسار الدبلوماسي، وفق تصريحات صحافية نقلها البيت الأبيض.

إيرانيون بجانب جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع بالعاصمة طهران يوم 7 فبراير 2026 (رويترز)

خطوط حمراء

وحرصت طهران على تثبيت خطوطها الحمراء. وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن المحادثات التي جرت الجمعة في سلطنة عُمان كانت «غير مباشرة»، لكنه أشار إلى أنه «على الرغم من ذلك، سنحت الفرصة لمصافحة الوفد الأميركي»، في إشارة رمزية إلى كسر الجليد من دون تغيير طبيعة الوساطة العُمانية.

ووصف عراقجي جولة مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنها لم تُفضِ إلى اختراق حاسم، مؤكداً أن الطريق ما زال طويلاً لبناء الثقة، وأن استمرار المسار مرهون بمشاورات داخلية في العواصم المعنية.

وأوضح عراقجي أن طهران وواشنطن متفقتان على ضرورة عَقْد جولة جديدة «قريباً»، من دون تحديد موعد نهائي حتى الآن. وأكد استعداد بلاده للتوصل إلى اتفاق «مطمئن» بشأن تخصيب اليورانيوم، لكنه شدَّد على أن «التخصيب حق غير قابل للتصرف، ويجب أن يستمر»، وأن فكرة «التخصيب بنسبة صفر» خارج إطار المفاوضات.

كما أكد عراقجي أن اليورانيوم المخصَّب «لن يخرج من البلاد»، مع استعداد إيران لمناقشة مستوى ونقاء التخصيب أو صِيَغ فنية أخرى «مطمئنة»، من بينها إنشاء اتحاد إقليمي، وفق ما أفاد به دبلوماسيون مطلعون على موقف طهران.

وفيما يتعلَّق بأجندة الجولة المقبلة، قطع عراقجي الطريق على أي توسيع للملفات المطروحة، مؤكداً أن البرنامج الصاروخي الإيراني «غير قابل للتفاوض الآن ولا في المستقبل»، واصفاً إياه بأنه «موضوع دفاعي بحت».

وأضاف في تصريحات نقلها التلفزيون الإيراني أن واشنطن عادت إلى طاولة المفاوضات بعد محاولات ضغط وتهديد بشن هجمات عسكرية، عادّاً ذلك يعكس فشل سياسة التهديد في تغيير الموقف الإيراني.

وكان وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، قد صرح بأن المحادثات ساعدت في تحديد مجالات محتملة للتقدم.

«لن نستهدف الجوار»

صعّد عراقجي لهجته، محذراً من أن بلاده ستستهدف القواعد الأميركية في المنطقة إذا تعرضت لهجوم، قائلاً: «لا مجال لمهاجمة الأراضي الأميركية، لكننا سنهاجم قواعدهم في المنطقة». وأكد في الوقت نفسه أن إيران «مستعدة للحرب تماماً كما هي مستعدة لمنع وقوعها».

وتزامنت هذه التصريحات مع رسائل عسكرية مباشرة؛ إذ نقل الإعلام الإيراني عن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، عبد الرحيم موسوي، قوله إن إيران «لن تبدأ الحرب أبداً»، لكنها «لن تتردد للحظة واحدة في الدفاع القاطع عن أمنها القومي ومصالحها الحيوية»، محذراً من أن أي «مغامرة» لفرض الحرب ستفشل، وتؤدي إلى إشعال المنطقة بأسرها.

وفي سياق موازٍ، انتقد عراقجي ما وصفه بـ«عقيدة الهيمنة» الإسرائيلية، معتبراً أنها تسمح لإسرائيل بتوسيع ترسانتها العسكرية بلا قيود، بينما تضغط على دول أخرى في المنطقة لنزع سلاحها أو تقليص قدراتها الدفاعية.

جاءت هذه التصريحات على خلفية حرب يونيو 2025 التي استمرت 12 يوماً، وشنت خلالها إسرائيل هجمات واسعة على أهداف نووية وعسكرية ومدنية داخل إيران، قبل أن ترد طهران بضربات صاروخية وطائرات مسيّرة.

صورة أصدرتها البحرية الأميركية في 5 فبراير 2026 لبحارة أميركيين يوجهون طائرة عسكرية في بحر العرب (أ.ف.ب)

شكوك إسرائيلية

في إسرائيل، سادت لهجة تشكيك واضحة حيال نتائج مفاوضات مسقط. ونقلت القناة «12» الإسرائيلية عن مسؤولين رفيعين أن المحادثات «لن تؤدي إلى اتفاق»، بسبب الفجوات العميقة بين الطرفين، محذرين من أن أي استهداف لإسرائيل سيقابل برد «مضاعف» على غرار عملية «الأسد الصاعد» التي نُفذت في يونيو الماضي.

كما أشارت القناة إلى ضغوط إسرائيلية لإدراج البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم طهران لتنظيمات مسلحة ضمن جدول الأعمال، وهو ما ترفضه إيران بشكل قاطع.

أما في واشنطن، فأكد مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية أن محادثات مسقط «لم تكن مصممة أساساً للتوصل إلى اتفاق»، بل كانت اختباراً للنيات، ومحاولة لمنع التصعيد. ورأى أن انتهاء الجولة من دون انهيار أو قطيعة «هو بيت القصيد»، مشيراً إلى مرحلة توقف لتقييم المواقف يعود خلالها الطرفان إلى عاصمتيهما لتحديد جدوى الاستمرار في الانخراط الدبلوماسي، مع التأكيد على أن الخيارات الأخرى «جاهزة بالفعل»، إذا لم تُبدِ إيران مرونة كافية.

وفي إطار «حملة الضغوط القصوى التي تشنّها الولايات المتحدة» على طهران، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية بعيد انتهاء جولة المفاوضات الأولى فرض عقوبات جديدة على قطاع النفط الإيراني شملت 15 كياناً وشخصين و14 سفينة. وفي الوقت ذاته، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً (دخل حيّز التنفيذ السبت)، وينصّ على فرض تعريفات جمركية إضافية على الدول التي تواصل التجارة مع إيران. وستؤثر هذه الرسوم على التجارة مع عدد من الدول، من بينها روسيا وألمانيا وتركيا. وبحسب بيانات «منظمة التجارة العالمية»، فإن أكثر من ربع نشاط إيران التجاري في عام 2024 كان مع الصين.

وتشير معطيات مختلفة إلى أن الجولة المقبلة، إذا ما انعقدت قريباً، كما يتوقع الطرفان، ستتركز عملياً على الملفّ النووي وحده من وجهة نظر طهران، مع نقاش تقني حول مستويات التخصيب وضمانات تطمئن الغرب، في مقابل إصرار أميركي على تنازلات «ملموسة وكبيرة»، وربما محاولة جديدة لتوسيع جدول الأعمال. وبين هذين المسارين، تبقى الدبلوماسية قائمة على حافة دقيقة تحكمها حسابات الوقت وتوازن الردع، ومخاوف انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع إذا أُغلقت نافذة التفاوض.


تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
TT

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار والبدء في إعادة إعمار القطاع، والحفاظ على وصول مستدام للمساعدات الإنسانية لسكان القطاع.

وقالت مصادر تركية إن إردوغان والملك عبد الله بحثا، خلال لقائهما في المكتب الرئاسي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول، السبت، العلاقات بين بلديهما وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، وتناولا القضايا والتطورات الإقليمية والدولية.

وعقد إردوغان والملك عبد الله جلسة مباحثات ثنائية، أعقبها جلسة موسعة بمشاركة وفدي البلدين، بعد وصول العاهل الأردني في زيارة قصيرة تلبية لدعوة من الرئيس التركي.

وتناولت المباحثات بالتفصيل تطورات الأوضاع في قطاع غزة وتنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام، وشددا على ضرورة استمرار وقف إطلاق النار ورفض الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، واستدامة وصول المساعدات الإنسانية ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين.

كما تناولت المباحثات التطورات في سوريا، وأكد إردوغان والملك عبد الله ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي سوريا وسيادتها ورفض أي محاولات لهز استقرارها، وضمان عودة السوريين إلى بلادهم بشكل طوعي وآمن.

جانب من المباحثات الموسعة بين إردوغان وعاهل الأردن بحضور وفدي البلدين (الرئاسة التركية)

وبحسب المصادر، ناقشت المباحثات الثنائية والموسعة مختلف التطورات في المنطقة وأكد الجانبان استمرار التعاون والعمل معاً لضمان الاستقرار في المنطقة.

وشارك في المباحثات من الجانب التركي وزيرا الخارجية هاكان فيدان، والدفاع يشار غولر، ورئيس المخابرات إبراهيم كالين، ومستشار رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية والأمنية عاكف تشاغطاي كيليتش، ونظراؤهم من الجانب الأردني.

وجاءت زيارة العاهل الأردني لتركيا، غداة استئناف حركة الشحن البري باتجاه تركيا واليونان عبر بوابة «جيلوه غوزو» (باب الهوى) الحدودية بين تركيا وسوريا، بعد توقف استمر 15 عاماً.

وجاءت الخطوة نتيجة جهود وتنسيق مشترك بين وزارتي النقل في البلدين أدت إلى إزالة جميع العقبات الجمركية والإجرائية، حيث دخلت 3 شاحنات الأراضي التركية، الجمعة، في خطوة تجريبية عبر البوابة الحدودية.

وينتظر أن تشكل هذه الخطوة قفزة نوعية في خريطة النقل البري الإقليمي وإحياء لشريان تجاري مهم يربط الأردن بالقارة الأوروبية عبر الأراضي السورية والتركية، من خلال معبري جيلوه غوزو (باب الهوى) وأونجو بينار (باب السلامة).


صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
TT

صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

رغم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب محادثات مسقط بأنها «جيدة جداً»، ومع كسر الشكل التفاوضي لمجرد حصول لقاء مباشر بين الوفدين الإيراني والأميركي، فإن القراءة الأكثر شيوعاً في واشنطن تميل إلى التشاؤم أكثر.

والسبب ليس ما قيل داخل الغرف بقدر ما لم يتغير خارجها: طبيعة الفجوة الاستراتيجية، وتناقض «الخطوط الحمراء»، وسقف التوقعات الذي ترفعه التهديدات العسكرية والعقوبات، ثم يعود ليصطدم بواقع نظامٍ يتقن كسب الوقت وإدارة التفاوض كأداة لتخفيف الضغط لا كطريقٍ لإنهائه.

المحادثات التي جرت في مسقط بوساطة سلطنة عمان استمرت ساعات طويلة وانتهت بتصريحات عامة من الطرفين عن «أجواء إيجابية» و«بداية جيدة»، مع توقع جولة تالية الأسبوع المقبل، بحسب ما أعلنه ترمب. وقال إن إيران «تريد إبرام صفقة»، وإن المباحثات ستُستكمل «مطلع الأسبوع المقبل».

وأشار «أكسيوس» إلى أن لقاءً مباشراً حصل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومبعوثي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. لكن هذا «التقدم الشكلي» لم يبدد الشكوك حول أن الجولة قد تكون افتتاحاً لمسار طويل من الجولات، أي ما تخشاه واشنطن وحلفاؤها تحديداً.

صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم استقباله ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)

عقدة «الصفر»

جوهر التشاؤم يبدأ من سؤال واحد: ما الحد الأدنى الذي سيعتبره الطرفان «صفقة»؟ في المقاربة الأميركية التي يكررها ترمب، هناك مطلب مُبسط ومطلق: «لا سلاح نووي» ويُترجم عملياً لدى فريقه إلى خط أحمر على التخصيب.

في المقابل، ترى طهران أن التخصيب جزء من السيادة ورمز للاستقلال، وتعتبر التنازل عنه هزيمة سياسية داخلية لا تقل كلفة عن العقوبات نفسها. هذه الثنائية (صفر مقابل حق) تجعل مساحات التسوية ضيقة بطبيعتها: حتى لو وجد حل تقني وسط (نسب وسقوف ورقابة)، فإن الغلاف السياسي لكل طرف يدفعه إلى التصلب.

الصحف الأميركية تناولت هذه المعضلة، ولخص تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» المعضلة برقم واحد: «صفر»، بوصفه التعريف العملي لمطلب «صفر تخصيب»، محذّراً من أن الإصرار عليه قد يتحول إلى «جرعة سم» قد تقتل التفاوض مهما كانت الأجواء الإيجابية.

السبب الثاني للتشاؤم مؤسسي بحت: مَن يملك القرار النهائي في طهران؟ حتى لو تفاوض عباس عراقجي بمرونة، يبقى اختبار أي تفاهم هو قدرته على عبور مراكز القوة وصولاً إلى المرشد علي خامنئي. وهذا ليس تفصيلاً؛ إنه ما يجعل الدبلوماسية مع إيران بطيئة بطبيعتها، وأحياناً «مجزّأة» إلى رسائل متناقضة بين ما يقوله المفاوض وما تسمح به دوائر القرار.

هذا المعنى ظهر حتى في الخطاب الأميركي الداخلي: افتتاح التفاوض لا يُعامل كإنجاز بحد ذاته، بل كمرحلة لاختبار «النية» و«القدرة على الالتزام». وفي مثل هذه البيئة، أي تنازلٍ يُقرأ داخل إيران على أنه رضوخ تحت التهديد، خصوصاً مع الحشد العسكري، الذي قد يدفع النظام إلى التصلب بدل المرونة.

شراء الوقت؟

يُفترض أن الجمع بين «الجزرة والعصا» يُسرّع التفاهم. لكن في الحالة الإيرانية غالباً ما ينتج أثراً مزدوجاً: يرفع ضغطاً اقتصادياً ونفسياً قد يدفع طهران للعودة إلى الطاولة. وفي الوقت نفسه يمنحها حافزاً لاستخدام الطاولة لتخفيف الضغط دون حسم الملفات، أي استراتيجية «إدارة الأزمة» لا حلّها.

هنا يتقاطع تشاؤم المنتقدين مع ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، في افتتاحية تتهم إيران بالعودة إلى أسلوب «المماطلة التفاوضية»: جولات متتابعة من دون تنازلات جوهرية، مع رفضٍ لإنهاء التخصيب أو نقلِه للخارج، ورفضٍ، بحسب الافتتاحية، لمنح ضمانات أو عمليات تحقق كافية بعد الضربات السابقة على منشآت نووية.

وفي يوم المحادثات نفسه، تزامن المسار الدبلوماسي مع مزيد من ضغط «العصا»: عقوبات أميركية جديدة مرتبطة بـ«أسطول الظل» النفطي الإيراني. هذا التزامن قد يكون رسالة تفاوضية، لكنه أيضاً يسهّل على طهران تسويق روايتها بأن واشنطن تفاوض «تحت التهديد»، ما يبرر تشدداً داخلياً.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

«نطاق» الملفات

حتى لو انحصرت الجولة على الملف النووي، فإن التناقض البنيوي قائم: واشنطن، وفق ما نُقل، كانت تميل إلى مسارين، نووي و«أوسع» يشمل الصواريخ والشبكات الإقليمية، بينما أعلن عراقجي أن النقاش يقتصر على النووي فقط. هذا يعني أن أي «تقدم» نووي، إن حصل، قد يُستهلك سياسياً داخل واشنطن إذا بدا أنه يتجاهل ملفات يعتبرها صقور الإدارة والكونغرس جزءاً من «السلوك الإيراني» لا يمكن فصله عن النووي. لذلك يأتي التشاؤم أيضاً من داخل واشنطن: حتى لو تحقق اتفاق تقني، قد لا يملك الغطاء السياسي الكافي ليصمد، هذا من دون الحديث عن إسرائيل.

ومن دون الغرق في تفاصيل مسقط، يمكن تلخيص معيار النجاح في الجولة المقبلة بـ3 إشارات لا تحتاج إلى بيانات مطولة: لغة واضحة حول التخصيب، تتجاوز مفردات «الحق» أو «الصفر» كشعارات، بل صيغة عملية قابلة للقياس والتحقق والجدولة. إطار تحقق عبر عودة جدية للرقابة والوصول، لأن أي اتفاق بلا تحقق سيُعامل كهدنة مؤقتة لا كصفقة. تسلسل العقوبات مقابل الخطوات، بحيث إذا لم تُحسم آلية رفع أو تعليق العقوبات مقابل خطوات نووية محددة، ستبقى كل جولة مجرد «استماع متبادل».

لهذا، تبدو مفارقة مسقط منطقية: يمكن لترمب أن يصف المحادثات بـ«الجيدة» لأنها فتحت باباً مباشراً وأعادت اختبار الدبلوماسية تحت سقف التهديد. لكن التشاؤم يسود لأن الاختبار الحقيقي ليس الجوّ، بل القدرة على كسر عقدة الصفر، وتأمين التحقق، ومنع إيران من تحويل التفاوض إلى مساحة زمنية آمنة لإعادة التموضع، وهي مهارة راكمتها طهران تاريخياً، وتخشى واشنطن اليوم أن تعود إليها بحلتها المعتادة.