العراق: تعديل سلم الرواتب يدشِّن معركة انتخابية مبكرة

موازنة 2023 لن تحل الأزمة... والسوداني يراقب «بهدوء»

جانب من المظاهرات المطالبة بتعديل سلم رواتب موظفي القطاع العام في العراق
جانب من المظاهرات المطالبة بتعديل سلم رواتب موظفي القطاع العام في العراق
TT

العراق: تعديل سلم الرواتب يدشِّن معركة انتخابية مبكرة

جانب من المظاهرات المطالبة بتعديل سلم رواتب موظفي القطاع العام في العراق
جانب من المظاهرات المطالبة بتعديل سلم رواتب موظفي القطاع العام في العراق

بعد أسابيع من اندلاع مظاهرات تطالب بتعديل سلم رواتب موظفي القطاع العام في العراق، بات من شبه المؤكد أن الموازنة المالية هذا العام لن تحل المشكلة، التي يشك سياسيون عراقيون أنها جزء من «معركة انتخابية مبكرة».

وسلم الرواتب هو النظام الذي أقره العراق عام 2008، وحدد قيمة الراتب الأساسي للموظفين، إلى جانب مخصصات إضافية تتباين بين وزارة وأخرى. وتطالب شريحة واسعة من أصحاب الدرجات الصغيرة بإجراء تسويات تقلل الفوارق مع الموظفين الكبار.

لكنّ موظفين في وزارة إنتاجية، مثل النفط، يتقاضون مخصصات خطورة وأرباحاً سنوية، وفقاً لصلاحية الوزير، وهؤلاء لا يضعهم سلم الرواتب بالمنزلة ذاتها مع موظفين في مؤسسات حكومية أخرى، غير أن المظاهرات تطالب بالمساواة بين الوظائف المكتبية، حتى وإن كانوا في النفط.

ويقول أعضاء في اللجنة المالية في البرلمان، إن تعديل سلم الرواتب سيكلف الموازنة المالية نحو 16 تريليون دينار عراقي، وإن الكتل السياسية لن تتمكن من إضافة هذا المبلغ إلى موازنة عام 2023.

ومن المرجح أن يعقد البرلمان، قريباً، جلسة للتصويت على الموازنة، بعد أن أنهت اللجنة المالية ملاحظاتها النهائية حول القانون.

جانب من المظاهرات المطالبة بتعديل سلم رواتب موظفي القطاع العام في العراق

وتسابقت الكتل السياسية الممثَّلة في البرلمان، خلال الأسابيع الماضية، في تبني مطالب الموظفين، واشترط عدد منها تعديل سلم رواتبهم مقابل التصويت على الموازنة، لكنَّ مصادر مختلفة أكدت أن «الجميع يعلم باستحالة ذلك».

وقال المراقب السياسي، غالب الدعمي، إن تعديل سلم الرواتب «قضية ميؤوس منها، لأنها تتطلب زيادة راتب نحو 80 في المائة من موظفي العراق».

ويتعامل قادة الإطار التنسيقي مع مطالب الموظفين على أنها «قضية سياسية» حرّكتها أحزاب تتنافس مبكراً على انتخابات مجالس المحافظات، والبرلمان لاحقاً، لكنّ قيادياً في حزب شيعي بارز أشار إلى مطبخ الإطار، قال: «يرجَّح أن يكون التيار الصدري يتحرك خلف هذه الأزمة لمشاكسة الحكومة».

وبالفعل، يقول مقربون من مكتب رئيس الحكومة إن أزمة تعديل الرواتب تشكل مصدر قلق للسوداني، غير أن مسؤولاً تنفيذياً أبلغ «الشرق الأوسط» بأن «الرجل يتعامل معها بحذر وبهدوء».

ويفضل الفريق الحكومي التركيز على الوظائف الجديدة التي ستوفرها الموازنة، والتي ستبلغ نحو 800 ألف وظيفة، سترفع الجهاز الإداري في العراق إلى أكثر من 6 ملايين، الذين يستهلكون أكثر من 70 في المائة من الموازنة العامة، التي تعتمد على إيرادات النفط.

لكنَّ حركة المظاهرات التي تعمّ مدن وسط العراق وجنوبه، تتخذ نشاطاً منظماً ومتزامناً، شكّلت «إنذاراً مبكراً» للقوى السياسية بأن موسم الانتخابات بدأ الآن.

ويعتقد قيادي في الإطار التنسيقي أن مظاهرات سلم الراتب تتحرك ضمن مسارين سياسيين: الأول يتعلق بتحرج سياسي مناهض لحكومة السوداني، والآخر يمثل التنافس الذي بدأ بين النواب الذين يرغبون في ضمان جمهورهم الانتخابي قبل شهور من انتخابات مجلس المحافظات.

ويقول القيادي، الذي طلب عدم نشر اسمه، إن جهود المتظاهرين قد تذهب سدى، لأن حل الأزمة لن يتحقق خلال عام 2023، لكنه أشار إلى أن السوداني «يراقب الأزمة وقد يجد مخرجاً مؤقتاً، ويكسب المزيد من الحضور الشعبي».

ويقول خبير الاقتصاد منار العبيدي، إن قانون الرواتب يتيح للحكومة تعديل الرواتب في ضوء التضخم الاقتصادي، الذي ارتفع منذ 2012 أكثر من 30 في المائة، وبالتالي لا حاجة إلى الذهاب إلى البرلمان لتعديل رواتب الموظفين.


مقالات ذات صلة

الفرنسيون يتأهّبون لسبت احتجاجي جديد وسط استنفار أمني واسع

أوروبا عامل يثبّت ألواح خشبية على واجهة محلّ في مدينة ليون عشية المظاهرات يوم 23 أكتوبر (أ.ف.ب)

الفرنسيون يتأهّبون لسبت احتجاجي جديد وسط استنفار أمني واسع

لجأ أصحاب المتاجر في العاصمة باريس ومدن فرنسا الكبيرة إلى تحصين واجهات محالهم بألواح خشبية خوفاً من تكرار أعمال النهب.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا محتجون يشاركون في مظاهرة نظَّمتها نقابات عمالية بباريس (رويترز) p-circle

فرنسا تنشر آلاف الشرطيين... وتنقل مسيرة السبت إلى أطراف باريس

تأهَّبت باريس لمسيرة جديدة ينظِّمها طلاب وعمال؛ احتجاجاً على نقص موارد التعليم، وتكاليف المعيشة المتصاعدة، اليوم (السبت)، بعد أسبوع من الاضطرابات العنيفة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، اليوم (السبت)، لتفريق نحو 150 شخصاً كانوا يحتجون في مدينة ليون بجنوب شرقي فرنسا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تحليل إخباري شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

تحليل إخباري فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

تتزايد المخاوف من أن تتحول العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة ولمكانة فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

أنطوان الحاج
شمال افريقيا وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

اختصاصات «الوحدة» الليبية في ملف الصحة تُصعّد غضب الأطباء

صعّدت مذكرة حكومية لتنظيم الاختصاصات الإدارية للخدمات الصحية في ليبيا من انتقادات الأطباء بالتزامن مع دعوات إلى وقفة احتجاجية في طرابلس الاثنين المقبل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

«حزب الله» يتعهد مجدداً عدم التدخل إسناداً لطهران

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري خلال جلسة مناقشة الحكومة (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري خلال جلسة مناقشة الحكومة (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

«حزب الله» يتعهد مجدداً عدم التدخل إسناداً لطهران

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري خلال جلسة مناقشة الحكومة (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري خلال جلسة مناقشة الحكومة (الوكالة الوطنية للإعلام)

يترقب اللبنانيون رد فعل «حزب الله»، في حال أصر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تنفيذ تهديده لإيران بضربة عسكرية «موجعة» بعد الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، وما إذا كان الحزب اللبناني سيبقى أمام تعهده بعدم إسناده لها هذه المرة، أم سيكرر تدخّله على غرار ما حصل في مارس (آذار) الماضي بإطلاقه 6 صواريخ على إسرائيل انتقاماً لاغتيالها المرشد الإيراني علي خامنئي، رغم ما تعهّد به لرئيس المجلس النيابي نبيه بري قبلها بعدم التدخل.

«حزب الله» لن يتدخل لـ«إسناد إيران»

وعلمت «الشرق الأوسط» أن الحزب أبلغ بري مجدداً بأنه لن يتدخل هذه المرة إسناداً لإيران إذا وقعت الحرب، وهذا ما أبلغه بري لرئيس الجمهورية العماد جوزيف عون. كما أن نائب وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة كان صارح مجموعة من النواب ممن يدورون في فلك «الثنائي الشيعي»، التقاهم في زيارته الأخيرة لبيروت، بأن بلاده لن تطلب من الحزب التدخُّل في حال تعرضت لهجوم من الولايات المتحدة تنفيذاً لتهديد ترمب، لأنها قادرة على التصدّي له «وقطعنا شوطاً على طريق الإعداد لمنعه من تحقيق أهدافه».

وقالت مصادر نيابية لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن زادة «كان واضحاً في موقفه بعدم طلب المساعدة من (حزب الله) في ظل الاختلال في ميزان القوى بينه وبين إسرائيل، لأن تدخّله لن يؤدي إلى إحداث تغيير في مسار المواجهة».

ولفتت إلى أن إيران، على حد قول زادة أمام النواب، تقدّر دقة الوضع في لبنان، وليست في وارد الطلب من «حزب الله» أن يُقحم نفسه في مواجهة غير متوازنة في ضوء التحذير الأميركي الذي أُحيط به عون في الاتصال الذي تلقّاه من وزير الخارجية ماركو روبيو، وأبلغه بدوره إلى بري، ورئيس الحكومة نواف سلام.

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة في بيروت الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

ورأت أن الحزب لا يتحمّل وزر ردّ فعل حاضنته الشعبية، وهذا ما يدعوه للتريُّث بتموضعه خلف بري، لأنه لن يكون في وسعه استيعاب موجة من النزوح من جراء تهديد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتوسيع المنطقة الأمنية في الجنوب، وصولاً إلى استهداف الضاحية الجنوبية، وتهجيره لنحو مليون شيعي، فيما يعمل على استيعاب إيواء النازحين بتقديمه مساعدات مالية لهم لرفع الضغوط التي يتعرض لها.

وأكدت المصادر أن المزاج الشيعي العام لن يلوذ بالصمت في حال قرر الحزب التدخُّل للمرة الثانية إسناداً لإيران كما حصل في مارس الماضي، بخلاف تعهّده لبري بعدم التدخّل، ما شكّل للأخير يومها إحراجاً لبري مع عون وسلام بعدما كان أبلغهما بعدم تدخّله بحسب ما نُقل إليه عن لسان أمينه العام نعيم قاسم عبر التواصل المفتوح بين معاونه السياسي حسين خليل ونظيره المعاون السياسي لرئيس المجلس النائب علي حسن خليل.

الدخول في الحرب يعني أزمة داخل «الثنائي الشيعي»

وقالت المصادر إن عدم صمود قاسم أمام تعهده بعدم التدخل أحدث أزمة ثقة داخل «الثنائي الشيعي»، وقد ظهرت إلى العلن، وطرحت أسئلة مشروعة حول من يتخذ القرار داخل الحزب؟ وهل يعود لـ«الحرس الثوري» الإيراني على خلفية النفوذ الذي يتمتع به داخل الحزب؟ خصوصاً أن قيادته كانت أبلغت من يعنيهم الأمر، وتحديداً بري، بأنه لا علاقة للحزب بإطلاق الصواريخ، مع أنها امتنعت عن إصدار بيان في هذا الخصوص ليكون في وسع واشنطن التدخل لدى إسرائيل لمنعها من القيام برد فعل.

وأضافت أن قيادة الحزب، وإن امتنعت عن إصدار بيان، فإن بري فوجئ ببيان صدر عن الإعلام الحربي للحزب يتبنى فيه إطلاق الصواريخ انتقاماً لاغتيال إسرائيل لخامنئي الأب، وهذا ما ترتّب عليه قيامها بتوسيع احتلالها ليشمل منطقة جنوب نهر الليطاني امتداداً إلى قلعة الشقيف، والبلدات المجاورة لها.

لا يوجد تواصل مباشر بين بري وقاسم

وتوقفت المصادر أمام قول بري إن العلاقة مع «حزب الله» كانت أقرب في عهد أمينه العام الأسبق حسن نصر الله، وإنه لا أخ أكبر، ولا أصغر، وقالت إنه كان على تواصل مباشر معه، ولديه -أي نصر الله- القدرة على التدخل لدى القيادة الإيرانية على نحو يؤدي إلى تجاوبها مع ما لديه من ملاحظات تتعلق بالساحة اللبنانية، وبمحور الممانعة في المنطقة.

وأكدت أن الظروف الأمنية التي يمر بها لبنان، مع تزايد اغتيالات إسرائيل لقادة «حزب الله» من سياسيين وعسكريين، لا تسمح بالتواصل المباشر بين بري وقاسم، ويُستعاض عنه بالاحتكاك اليومي بين مساعديهما، وهذا ما حال دون بلوغ العلاقة مرحلة متقدمة من تحصينها بـ«الكيمياء السياسية» بينهما، وهي مطلوبة لتطويق الخلافات الطارئة، بخلاف ما كان قائماً بين بري ونصر الله.

صورة لنعيم قاسم متوسطاً حسن نصر الله ومجتبى خامنئي خلال الذكرى الثانية لاغتيال نصر الله وهاشم صفي الدين (أ.ب)

مساكنة بين «الثنائي الشيعي»

وقالت إن العلاقة بين قطبي «الثنائي الشيعي» محكومة بالتعايش الأقرب إلى المساكنة السياسية تحت سقف التمايز بينهما، لقطع الطريق على حصول احتكاكات بين مؤيديهما، مع أنها لم تخلُ من حصولها.

ولفتت المصادر إلى أن ما قاله بري حول علاقته بقيادة «حزب الله» يتجاوز جمهورهما إلى القوى السياسية لملاقاته في منتصف الطريق، بدلاً من أن يتصرف بعضها على نحوٍ وكأن الثنائي في حزب واحد يستحيل التفاهم معه. ونقلت عن بري قوله أمام زواره إن لبنان يواجه حالياً عدوّين: الاحتلال الإسرائيلي، والمذهبية، وهذا ما يفسر تركيزه باستمرار على تحصين الوضع الداخلي، وتجنُّب توتير الأجواء، وتعميق الهوّة بين اللبنانيين، والتوجُّه إليهم بخطاب يغلب عليه الاعتدال، بدلاً من إصرار هذا الفريق أو ذاك على تسجيل نقاط يستهدف بها «الثنائي»، بذريعة أن الضرورة تقضي، من وجهة نظره، تصفية الحسابات معه.

ونقل الزوار عن بري قوله إن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي -الذي يمكن أن يطول- تتطلب من الجميع التلاقي في منتصف الطريق، والالتفات إلى تحصين الساحة الداخلية بإعطاء الأولوية لترسيخ الوحدة الوطنية، وهذا يدعو الجميع للابتعاد عن كل أشكال التطييف التي تغلب على الخطاب السياسي.

فبري، بحسب المصادر، يتمايز عن «حزب الله» فعلاً، وقولاً، وهو يشكّل رافعة سياسية لبقاء الحكومة، واستمراريتها، ولم يتردد في الوقت المناسب للحفاظ على السلم الأهلي الذي هو بمثابة خط أحمر إلى جانب المؤسسة العسكرية، وهذا ما يكمن وراء إصراره على عدم استخدام الشارع لإسقاط الحكومة، إضافة إلى أنه كان وراء تشجيع «حزب الله» على الحوار مع عون.

مناصرون لـ«حزب الله» في مسيرة على دراجات نارية في منطقة بشارة الخوري ببيروت (المركزية)

وقالت إن بري وإن كان لا يؤيد المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، فإنه يتمايز عن حليفه ليس بالتواصل مع عون وسلام فحسب، وإنما برفضه استخدام أساليب التهديد، والتخوين، ويسجّل على حليفه عدم تجاوبه مع الدعوات لإخلاء تلال علي الطاهر لتسهيل انتشار الجيش اللبناني فيها، إضافة إلى رفضه إسناد غزة، وإيران، وتأييد الوزراء المحسوبين عليه لحصرية السلاح بيد الدولة، وفرض الحظر على الجناح العسكري والأمني لـ«حزب الله»، ومنح نوابه الثقة للمرة الثالثة للحكومة بخلاف انسحاب زملائهم في الحزب من الجلسة.

واستغربت المصادر عدم انفتاح الفريق الآخر على بري، وسألت: مع من يمكن التوصل لتسوية في حال سمحت الظروف بإنضاجها طالما أن بري مشمولٌ بالحملات السياسية التي تستهدف الحزب. ورأت أن الحاجة إليه أكثر من ضرورة طالما أن الاتصالات مع «حزب الله» مقطوعة، وهذا ما يكمن وراء إصرار الموفدين العرب والأجانب، في زياراتهم لبيروت، على التواصل معه، ليس لأنه يحمل تفويضاً من الحزب، الذي يخرقه أحياناً، وإنما لموقعه في التركيبة السياسية، وحضوره الفاعل في المعادلة الشيعية، وغالباً من موقع التمايز عن الحزب في مقاربتهما لأبرز القضايا المُدرجة كأولوية في الملف اللبناني، وآخرها التدخُّل لمنع انفجار الحكومة من الداخل حول إحالة المتفجرات التي ضُبطت في ضهر البيدر على المجلس العدلي بانتظار انتهاء التحقيقات من دون أن يتخذ ونوابه أي موقف منها، مراعاةً لـ«حزب لله».

ويبقى السؤال: هل يلتزم «حزب الله»، أم يكرر إسناده لإيران بضغط من «الحرس الثوري» الإيراني؟


اعتداء الكرك: العاهل الأردني يؤكد أن يد العدالة ستطال كل إرهابي

أحد عناصر الأمن أمام «كنيسة حمود» بالكرك السبت (رويترز)
أحد عناصر الأمن أمام «كنيسة حمود» بالكرك السبت (رويترز)
TT

اعتداء الكرك: العاهل الأردني يؤكد أن يد العدالة ستطال كل إرهابي

أحد عناصر الأمن أمام «كنيسة حمود» بالكرك السبت (رويترز)
أحد عناصر الأمن أمام «كنيسة حمود» بالكرك السبت (رويترز)

اصطفَّ الأردنيون خلف أسر ضحايا «كنيسة حمود» في الكرك، جنوب البلاد، وهم يستقبلون العزاء في قتلى الهجوم الإرهابي الذي استهدفهم الجمعة، وتسبب في سقوط 8 قتلى وعشرات الجرحى بحسب آخر حصيلة تم الإعلان عنها ظهر السبت. وصارت قرية حمود في الساعات الماضية محجاً للمعزين القادمين دعماً لأهالي القتلى والجرحى.

وأكد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، السبت، «ضرورة إطلاع المواطنين على مستجدات التحقيق أولاً بأول، والتصدِّي بحزم للشائعات والمعلومات المضللة التي قد تستغل هذه الجريمة لإثارة الخوف والفتنة».

كما أكد الملك عبد الله الثاني أهمية «إعداد تقييم أمني شامل لآلية التعامل مع العمل الإرهابي، والخروج بإجراءات عملية تعزِّز الجاهزية الأمنية للتصدي المسبق لأي محاولات مشابهة»، لافتاً إلى ضرورة فرض سيادة القانون وهيبة الدولة.

رجلا أمن أمام الكنيسة المستهدَفة في الكرك (رويترز)

وترأس الملك عبد ﷲ الثاني، السبت، اجتماعاً لمجلس الأمن القومي، استمع فيه إلى إيجاز أمني حول الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة قرية حمود بمحافظة الكرك، موجهاً الحكومة والمؤسسات المعنية بمراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف، وتكثيف العمل على تجفيف منابعه ضمن خطة منهجية، بالتنسيق مع المرجعيات الدينية.

وشدَّد العاهل الأردني، خلال الاجتماع الذي حضره الأمير الحسين بن عبد ﷲ الثاني ولي العهد، على أنه لا مجال للتهاون عندما يتعلق الأمر بأرواح الأردنيِّين، مجدداً إدانته لهذا العمل الإرهابي الشائن. كما شدَّد على أن أمن الأردنيِّين وسلامتهم خط أحمر، مؤكداً أن يد العدالة ستطال كل إرهابي، وأن مثل هذه الأفعال الجبانة لم ولن ترهب الأردن والأردنيِّين، ولن تزعزع وحدتهم الوطنية.

ووجَّه ملك الأردن الأجهزة المعنية بالرد بحزم، والضرب بيد من حديد على «الخوارج» وكل مَن تسوّل له نفسه العبث بوحدة الأردنيِّين، مشدداً على ضرورة ملاحقة ومحاسبة كل من أيَّد أو برَّر هذا الفعل بقوة القانون.

الكرك... ومحاولات بث فتنة

آثار دماء في كنيسة قرية حمود بالكرك السبت (رويترز)

وظلّت محافظة الكرك الجنوبية على مدى عقود نموذجاً للعيش المشترك بين العشائر المسيحية والمسلمة. ويروي الأردنيون قصصاً حية عن سنوات من الجوار الاجتماعي وطبيعة العادات والتقاليد المشتركة لسكان المحافظة.

وكان لافتاً أن الأردن سعى إلى التعامل بوعي مع حملة على مواقع التواصل الاجتماعي هدفت إلى بثِّ الفتنة في البلاد. وأشارت مراصد تهتم بمتابعة التعليقات ومصادرها، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تفاعل المشتركين كان أكثر قرباً من الرواية الرسمية، على الرغم من ندرة المعلومات بسبب طبيعة التحقيقات في ملابسات هجوم الكنيسة.

تحييد السياسي لصالح الأمني

وفور وقوع الاعتداء، توجَّه فريق حكومي إلى محافظة الكرك وعقد سلسلة اجتماعات، وقدَّم بعض الإيجازات الصحافية. لكن الاهتمام بما حصل لم يقتصر على الفريق الحكومي، بل كان لافتاً أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني وصل إلى الكرك بنفسه مرتدياً الزي العسكري وبلباس وحدة العمليات الخاصة. وفي عام 1998، قاد الأمير (آنذاك) عبد الله الثاني بنفسه، مع كتيبة تابعة للعمليات الخاصة، عمليةً عسكريةً هدفت إلى اعتقال خلية إرهابية في منطقة سحاب شرق عمّان. وكان آنذاك يحمل رتبة عميد في الجيش الأردني.

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لدى وصوله لتفقُّد المصابين في حادثة الهجوم الإرهابي بالكرك الجمعة (الديوان الملكي الأردني - أ.ف.ب)

وحضور العاهل الأردني بلباسه العسكري يختصر إلى حدٍّ كبير المشهد في البلاد خلال الفترة المقبلة، إذ إنه يحمل رسائل ودلالات، خصوصاً في مثل هذه الظروف الأمنية، بحسب ما يقول محللون.

ويقول مسؤولون حضروا اجتماعات مع الملك عبد الله الثاني، إنه يضع خطط تنفيذ العمليات العسكرية بنفسه، ويشرف في كثير من الأحيان على العمليات بشكل مباشر، ليس بصفته قائداً أعلى للقوات المسلحة، بل بصفته عسكرياً متمرساً في ميادين التدريب والعمليات.

الفيديوهات تحدثت عن كل شيء

وفور وقوع الاعتداء على الكنيسة انتشرت فيديوهات وثَّقت تفاصيل العملية الإرهابية، بحيث لم يعد هناك أي ضرورة لشرح الحدث. وأظهرت مشاهد الاعتداء 3 إرهابيِّين ترجَّلوا من مركبة وهم يحملون أسلحةً أتوماتيكيةً، وبدأوا في إطلاق النار على المدنيِّين بدم بارد. وكانت بعض وجوههم واضحة للكاميرات.

وقد سُئل وزير الداخلية مازن الفراية، لحظة وصوله إلى نقطة تجمّع لأسر القتلى والجرحى، برفقة رئيس الوزراء جعفر حسان، عن سبب «تكفيل» أحد الإرهابيين الـ3ة قبل أيام من تنفيذ العملية. لكن الوزير نفى ذلك بعد خروجه من العزاء، وقال في بيان صحافي إنه «لم يتم تكفيل منفِّذ العملية».

وأكدت مصادر مطلعة تقدُّم التحقيقات في أحداث كنيسة حمود وتحديد هوية منفِّذي الجريمة، مشيرة إلى أن نتائج التحقيقات سيتم الإعلان عنها عند اكتمالها، بعد تغطية جميع أركان وأطراف العملية الإرهابية التي تُعدُّ سابقةً خطيرةً في البلاد.

والأمن الأردني مستهدَف في الحقيقة من جهات عدة. ويقول محللون في عمّان إن الخصومة مع الجماعات التكفيرية تجعل من أفرادها أدوات يسهل توجيهها لضرب أمن البلاد ووحدتها، عبر اعتداءات على غرار استهداف الموجودين في كنيسة حمود بالكرك، والذين كانوا يحضرون عزاء. وبحسب هؤلاء المحللين، فإن عملية الكرك مقصود منها إيقاع فتنة في البلاد، والفتنة هنا موجَّهة ضد «مكوّنَين ملتحمَين لا يمكن الفصل بينهما»، بحسب تصريحات صحافية للأب نبيل حداد، وهو واحد من أبرز رجالات الدين المسيحيِّين في الأردن.

وينتظر الأردنيون الآن إجابات حول انتماءات المجموعة الإرهابية التي نفَّذت عملية «كنيسة حمود»، وهل لها اتصالات بجماعات خارجية، أم أنها كانت مدفوعة بأفكار متطرفة ينتمي لها الإرهابيون الذين نفَّذوا الاعتداء. وفي انتظار الإعلان عن انتماءات المجموعة، تُثار تساؤلات عمّا إذا كان لها اتصال بجماعات أخرى في مناطق مختلفة من البلاد، وسط مخاوف من تنفيذ هجمات مشابهة، ولو بطريقة «الذئاب المنفردة».

الملك عبد الله الثاني يتحدَّث إلى أحد المصابين خلال تلقيه العلاج في مستشفى الكرك الجمعة (الديوان الملكي الأردني - أ.ف.ب)

الإرهاب... واستهداف الكرك

وكانت محافظة الكرك واجهت أحداثاً مؤلمة في عاميَ 2015 و 2016. فبعد سقوط طائرة الطيّار معاذ الكساسبة الذي ينتمي إلى قرية في جنوب المحافظة، ووضعه في الأسر من قبل تنظيم «داعش» في سوريا، لجأ هذا التنظيم الإرهابي إلى إعدام الطيار الأردني بحرقه في يناير (كانون الثاني) 2015، في صورة عكست مفاهيم «إدارة التوحش» لدى التنظيمات التكفيرية، وأثارت استياء واسعاً في الأردن. وفي ديسمبر (كانون الأول) من عام 2016 تعرَّضت محافظة الكرك لحادثة إرهابية كان مسرحها في قلعتها، حيث تحصَّن أفراد ينتمون إلى تنظيم «داعش» أخفوا أسلحةً في القلعة. في تلك الحادثة، تم حجز رهائن داخل القلعة، واستمرَّت العملية لأكثر من 15 ساعة، ما أسفر عن مقتل 14 من عناصر الأمن ومدنيين وسائحة أجنبية، وإصابة كثير من الموجودين في محيط القلعة. كما قُتل عناصر خلية «داعش» الأربعة.


ناجٍ من هجوم على كنيسة في الأردن يروي كيف صوّب أحد المهاجمين مسدساً نحوه

تطويق ساحة كنيسة القديس جورج الأرثوذكسية حيث أطلق مسلحون النار خلال جنازة في اليوم السابق في قرية حمود بالكرك في الأردن (رويترز)
تطويق ساحة كنيسة القديس جورج الأرثوذكسية حيث أطلق مسلحون النار خلال جنازة في اليوم السابق في قرية حمود بالكرك في الأردن (رويترز)
TT

ناجٍ من هجوم على كنيسة في الأردن يروي كيف صوّب أحد المهاجمين مسدساً نحوه

تطويق ساحة كنيسة القديس جورج الأرثوذكسية حيث أطلق مسلحون النار خلال جنازة في اليوم السابق في قرية حمود بالكرك في الأردن (رويترز)
تطويق ساحة كنيسة القديس جورج الأرثوذكسية حيث أطلق مسلحون النار خلال جنازة في اليوم السابق في قرية حمود بالكرك في الأردن (رويترز)

ما إن بدأت مراسم الجنازة في إحدى الكنائس بالأردن، يوم الجمعة، حتى سمع ناصر برقان صوتاً ظنه ناجماً عن انفجار جهاز تكييف. لكن الأصوات المدوية تواصلت، فأدرك سريعاً أنها أصوات إطلاق نار، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفرّ بعض الحاضرين، فيما حاول آخرون -كان بعضهم ينزف- الاحتماء داخل دار العبادة التي كانت تُقام فيها جنازة أحد أقاربه، حسب برقان. وسرعان ما انتشرت بين المتجمعين أنباء عن سقوط قتلى.

وأضاف برقان أنه تمكّن، بعد توقف إطلاق النار أخيراً إثر دقائق عدة، من رؤية المهاجمين اللذين نفّذا ما وصفته السلطات الأردنية بأنه عمل إرهابي متطرف، وأسفر عن مقتل 8 أشخاص.

وقال برقان الذي يعمل محامياً: «بطلع من الشباك اللي خلفي هذا... أنا شفت اثنين... واحد متلثم وواحد ثاني لا... معه مسدس».

وأضاف أن أحد المهاجمين، وكان يقف على بُعد نحو مترين منه، صوّب المسدس نحوه وأطلق النار، وأن شظايا زجاج ⁠تركت دماً على وجهه، وأنه أبلغ أشخاصاً أرادوا ‌نقله لتلقي العلاج أنه بخير.

‌الابن أصيب في ساقه

بعد وقت قصير، ​اتصل به ابنه الذي كان ‌يحضر القدّاس أيضاً ليبلغه بأنه أصيب بطلق ناري في ساقه، ‌ويتلقى العلاج في المستشفى.

وأثار الهجوم على كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك على بُعد نحو 120 كيلومتراً من جنوب غربي العاصمة عمان صدمة بين السكان الذين يشكلون جزءاً من الأقلية ‌المسيحية في الأردن.

يندر مثل هذه الهجمات للغاية في الأردن، إلا أن السلطات في البلاد ⁠تقول إنها أحبطت مراراً في السنوات القليلة الماضية محاولات لشن هجمات من مسلحين.

وزار الملك عبد الله الثاني، وهو شريك للولايات المتحدة في هدف مكافحة الجماعات المسلحة، الكرك بعد ساعات من الهجوم، وقال: «سنضرب بيد من حديد من تطاول على هذا البلد».

ولا تزال السلطات تبحث عن المهاجمين، مضيفة أنه من السابق لأوانه تحديد ما إذا كانت لهم صلات بجماعات معروفة داخل الأردن أو خارجه.

ولم تُعلن أي جهة بعد مسؤوليتها عن الهجوم.

وأفادت السفارة الأميركية في عمان، اليوم، بتشديد ​الإجراءات الأمنية في مراكز التسوق ​والسفارات الأجنبية ومواقع أخرى في أنحاء الأردن، في حين تواصل السلطات البحث عن المسلحين الذين أصابوا أيضاً 40 شخصاً.