موريتانيا: المعارضة تخرج للشارع ضد «الغلاء والتضييق»

رفعت شعارات مناهضة للحكومة ودعا أحد قادتها لإسقاط النظام


جانب من مظاهرة المعارضة مساء الأحد في نواكشوط (مواقع  المعارضة)
جانب من مظاهرة المعارضة مساء الأحد في نواكشوط (مواقع المعارضة)
TT

موريتانيا: المعارضة تخرج للشارع ضد «الغلاء والتضييق»


جانب من مظاهرة المعارضة مساء الأحد في نواكشوط (مواقع  المعارضة)
جانب من مظاهرة المعارضة مساء الأحد في نواكشوط (مواقع المعارضة)

خرجَ الآلاف من أنصار المعارضة الموريتانية، مساء الأحد، في العاصمة نواكشوط، للتنديد بما سموه تدهور الأوضاع المعيشية، وارتفاع الأسعار، وتراجع الحريات في البلاد، يرددون هتافات مناهضة لسياسات الحكومة ويتهمونها بالفشل.

وتجمهر أنصار المعارضة في ساحة عمومية، بقلب نواكشوط، وسط إجراءات أمنية مشددة، رغم أن السلطات رخصت للمظاهرة المعارضة التي تأتي في سياق سياسي واقتصادي متوتر، حيث توقفت الجلسات التمهيدية للحوار بين السلطة والمعارضة، وقرارات حكومية برفع أسعار المحروقات، وتبني سياسات ضريبية صارمة.

إثبات الوجود

وكثيراً ما تُتهم المعارضة الموريتانية بالخمول وعدم القدرة على تحريك الشارع، بل وأحياناً تتهم بالابتعاد عن انشغالات وهموم المواطنين، وهي تهم حاولت المعارضة أن ترد عليها في خطابات قادتها مساء الأحد، خاصة أنها المرة الأولى التي تخرج فيها مظاهرات يشارك فيها جميع الطيف السياسي المعارض.

جانب من مظاهرة المعارضة مساء الأحد في نواكشوط (مواقع المعارضة)

وأعلن زعيم المعارضة الديمقراطية حمادي ولد سيدي المختار، وهو أيضاً رئيس حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أن الهدف من الخروج للشارع هو «التنديد بتدهور الأوضاع المعيشية، وارتفاع الأسعار، وتراجع الحريات».

وقال زعيم المعارضة: «نحن في الشارع والميدان لنقف مع المواطن المظلوم والمطحون بالغلاء المعيشي والأوضاع الصعبة، نحن نمثل المعارضة التي تقف مع المواطنين في وجه تغول السلطة، وسياساتها الفاسدة».

وأضاف ولد سيدي المختار، الذي يقود أكبر أحزاب المعارضة وأكثرها تمثيلاً في البرلمان، أن «حشود المعارضة» كانت أفضل رد على من وصفهم بـ«المشككين»، الذين «يروجون لمقولة إن المعارضة لم تعد موجودة في الشارع».

وأوضح زعيم المعارضة أن المظاهرة تأتي في سياق «أزمة اقتصادية حادة، جعلت المواطن ينشغلُ بالبحث عن لقمة العيش يومياً، بسبب ارتفاع الأسعار»، وشدد على أن سياسات الحكومة هي السبب في الأزمة، وقال: «نحن في المعارضة نرفض مسار الحكومة، خاصة تضييق الحريات وتكميم الأفواه»، مشيراً إلى اعتقال صحافيين وسياسيين ومدونين.

وخلص إلى تأكيد أن الحكومة كانت تراهنُ على «تفكيك المعارضة»، مشيراً إلى أن خروج المعارضة في مظاهرة موحدة «هي رسالتنا للحكومة، نحن هنا في الشارع، كمعارضة جادة تبحث عن التغيير»، وفق تعبيره.

عدالة ظالمة

وانتقد النائب البرلماني المعارض والمرشح السابق لثلاث انتخابات رئاسية بيرام الداه اعبيد ما قال إنه «تضييق على الحريات»، مشيراً في خطاب خلال مظاهرة المعارضة إلى أن «المواطنين يعانون أوضاعاً معيشية صعبة ومن قلة الدواء والماء والكهرباء، ومن غياب العدالة».

جانب من مظاهرة المعارضة مساء الأحد في نواكشوط (مواقع المعارضة)

أضاف ولد اعبيد: «العدالة في موريتانيا ظالمة، يُسجن فيها الضعفاء وحدهم»، وذلك في إشارة إلى إحالة ناشطتين حقوقيتين من أنصاره الأسبوع الماضي إلى السجن، بتهمة الإساءة للرموز الوطنية وسب شخص رئيس الجمهورية.

وتابع: «كان من الأولى أن يطول السجن من قالت محكمة الحسابات إنهم سرقوا 450 مليار أوقية من ميزانية سنة واحدة»، في إشارة إلى تقارير صدرت مؤخراً عن المحكمة تشير إلى اختفاء مبالغ في عمليات فساد، رغم أن الحكومة شككت في دقة هذه الأرقام.

وخلص ولد اعبيد في خطابه إلى التأكيد على أن «مشكلة موريتانيا تتمثل في نظام الفساد والرشوة والتفرقة والقبلية والعنصرية»، وختم خطابه بترديد عبارة «يسقط نظام ولد الغزواني»، وذلك في إشارة إلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الذي يحكم موريتانيا منذ 2019، وأُعيد انتخابه 2024 لولاية رئاسية ثانية.

ولم ترفع المعارضة شعار إسقاط النظام خلال المظاهرة، ولم يرد على لسان أي من قادتها باستثناء ولد اعبيد.

ردود فعل

أثارت مظاهرة المعارضة نقاشاً بين الموريتانيين، خاصة حول عدد المشاركين، حيث قدرتها مصادر في المعارضة بأكثر من 10 آلاف متظاهر، في حين ذهبت جهات في الأغلبية إلى القول إنها لم تتجاوز 3 آلاف فقط، وكل طرف استدل على تقديراته بصور حللها الذكاء الاصطناعي.

كما استخدم خصوم المعارضة صوراً جوية التقطت للمظاهرة، للترويج للشوارع والبنية التحتية التي أنجزتها الحكومة خلال الفترة الأخيرة ضمن برنامج حكومي لتنمية العاصمة نواكشوط، وحل مشاكل زحمة السير في عدد من مناطق العاصمة.

وقال الناشط السياسي في صفوف الأغلبية الحاكمة أحمد عيسى اليدالي إن «مهرجان المعارضة برهان جديد على الاستقرار الذي تعيشه موريتانيا، لأن خروج مظاهرة معارضة في ظروف طبيعية وسلسة، من دون تسجيل أي خرق أمني ودون مضايقة، يعطي صورة واضحة عن واقع ديمقراطيتنا».

وأضاف ولد اليدالي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن خروج المعارضة للشارع «تجسيد لمناخ الانفتاح السياسي الذي أرسى دعائمه رئيس الجمهورية. فنحن اليوم أمام دولة قانون تستوعب الجميع، حيث حرية التعبير ممارسة يومية مكفولة بالنظم المعمول بها».

ولكن ولد اليدالي قال إن المظاهرة «كشفت عن تحديات بنيوية تواجهها أطراف في المعارضة؛ إذ يبرز بوضوح غياب (الخيط الناظم) والرؤية البرامجية الموحدة... نلاحظ بأسف تذبذب الخطاب بين النخبوية المسؤولة وبين الانزلاق نحو الشعبوية السياسية التي تفتقر إلى البدائل الواقعية والمقنعة للرأي العام».

وخلص إلى التأكيد على أن المواطن الموريتاني أصبح «يمتلك الوعي الكافي للتمييز بين المعارضة التي تنتقد لبناء الدولة، وبين الأصوات التي تكتفي بالتصعيد الإعلامي دون أفق سياسي واضح».


مقالات ذات صلة

المغرب: سجن 6 قاصرين 6 أشهر على خلفية احتجاجات «جيل زد 212»

شمال افريقيا جانب من احتجاجات «جيل زد 212» المطالبة بإدخال إصلاحات في قطاع الصحة والتعليم (أ.ف.ب)

المغرب: سجن 6 قاصرين 6 أشهر على خلفية احتجاجات «جيل زد 212»

قضت محكمة مغربية مساء الجمعة، بسجن ستة قاصرين لمدة ستة أشهر بتهمة «عرقلة حركة المرور» على طريق سريع خلال احتجاجات «جيل زد 212».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
المشرق العربي  قيادة الأمن الداخلي في حلب عقدت اجتماعاً مفتوحاً مع فعاليات مجتمعية وشعبية الثلاثاء (الإخبارية السورية)

دمشق تحتوي الاحتجاجات الشعبية ضد أعوان النظام السابق

كشفت وزارة الداخلية إحصائية بأعداد الموقوفين لديها من فلول النظام البائد ومن أصحاب الرتب العسكرية الذين وصل عددهم إلى نحو 3700 عسكري.

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
أوروبا رجل الأعمال والملياردير الأميركي إيلون ماسك (أ.ف.ب)

تلفزيون ألماني يحذف مقطعاً يتهم إيلون ماسك بتأجيج الاحتجاجات في بلفاست

أقام إيلون ماسك دعوى على قناة ألمانية بسبب تقرير عنه، ما دفعها لحذف فقرة مثيرة للجدل بعد اعتراضه القانوني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
شؤون إقليمية قوات من الشرطة التركية تتدخّل خلال اعتصام المعلمين (اتحاد نقابات المعلمين - «إكس»)

تركيا: إصابة واعتقال عشرات المعلمين في صدام مع الشرطة

وقعت صدامات عنيفة بين الشرطة التركية ومعلمين حاولوا عقد مؤتمر صحافي أمام مقر البرلمان في أنقرة، ما أسفر عن إصابة عدد منهم، واعتقال عشرات آخرين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا رجال أمن ليبيون خلال تدريب في تاجوراء بالعاصمة طرابلس الأربعاء الماضي (مديرية أمن تاجوراء)

عودة التوتر إلى العاصمة الليبية بعد تغييرات في جهاز الاستخبارات

أعادت قرارات منسوبة إلى قيادة جهاز الاستخبارات الليبي أجواء التوتر والاحتقان إلى العاصمة طرابلس، بعدما شهدت مناطق شرق المدينة، خصوصاً تاجوراء، تحركات مسلحة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«حملة مكبَّرة» للجيش المصري ضد «بؤر إجرامية» جنوب البلاد

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يترأس اجتماعاً للمجلس الأعلى للقوات المسلحة (أرشيفية - «الرئاسة»)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يترأس اجتماعاً للمجلس الأعلى للقوات المسلحة (أرشيفية - «الرئاسة»)
TT

«حملة مكبَّرة» للجيش المصري ضد «بؤر إجرامية» جنوب البلاد

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يترأس اجتماعاً للمجلس الأعلى للقوات المسلحة (أرشيفية - «الرئاسة»)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يترأس اجتماعاً للمجلس الأعلى للقوات المسلحة (أرشيفية - «الرئاسة»)

أعلن الجيش المصري تنفيذ «حملة مُكبَّرة»، بالاشتراك مع قوات الشرطة، على حدود البلاد الجنوبية ضد «بؤر إجرامية» اتهمها بممارسة أنشطة غير مشروعة، منها الاتجار بالمخدرات، والسلاح، والتنقيب غير المشروع عن الذهب، والهجرة غير الشرعية.

وأسفرت الحملة عن ضبط أكثر من 200 عنصر، بينهم 136 أجنبياً.

وعلى مدى الأيام الماضية، تداول ناشطون مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر تسلل أفراد داخل حدود مصر الجنوبية مع السودان، وسط معلومات عن تنقيب غير مشروع عن الذهب في مصر، ومناشدات للسلطات المصرية اتخاذ اللازم حيال ذلك.

وقال المتحدث العسكري للجيش المصري، في بيان، الاثنين، إنه «في إطار المهام التي تقوم بها القوات المسلحة لحماية الأمن القومي والحفاظ على المقدرات والمكتسبات الاقتصادية للوطن، قامت القوات المسلحة بالتعاون مع عناصر وزارة الداخلية بتنفيذ حملة مُكبَّرة بقطاع المنطقة الجنوبية العسكرية ضد عدد من البؤر الإجرامية التي تستغلها التنظيمات والشبكات الإجرامية لممارسة أنشطة غير مشروعة منها (الاتجار بالمواد المخدرة والسلاح - التنقيب غير المشروع عن الذهب - الهجرة غير الشرعية)، بما يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي، فضلاً عن تأثيراتها السلبية على الاستقرار الاقتصادي ومناخ الاستثمار وجهود التنمية المستدامة».

الجيش المصري يؤكد احتفاظه بجميع الخيارات لحماية الأمن القومي للبلاد (أرشيفية - المتحدث العسكري)

وأسفرت المداهمات، وفق بيان المتحدث، عن «ضبط عدد من الأفراد المتورطين في تلك الأنشطة غير المشروعة، من بينهم 87 مصرياً و136 أجنبياً، و14 عربة من طرازات متنوعة، وأجهزة اتصال لاسلكية، ومبالغ مالية بالجنيه المصري والعملات الأجنبية، بالإضافة إلى كميات من الأسلحة والذخائر غير المرخصة، ومصادرة أعداد كبيرة من المعدات والأجهزة المستخدمة في عمليات التنقيب العشوائي عن الثروات التعدينية، بالإضافة إلى ضبط عدد من العناصر المتسللة التي لا تحمل مستندات إقامة رسمية بالدولة».

وأوضح أنه تمت إحالة المقبوض عليهم والمضبوطات إلى الجهات القضائية المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية «وفق المواثيق الدولية ومعايير القانون الدولي الإنساني».

وبالتزامن مع بدء الحملة، أعلن المتحدث قيام عدد من المتسللين بطرق غير شرعية إلى الأراضي المصرية بـ«تسليم أنفسهم للنقاط والتمركزات الأمنية، وتم ترحيلهم إلى بلادهم مع مراعاة احتياجاتهم الإنسانية كافّة».

وشدد البيان المصري على مواصلة قوات إنفاذ القانون «مهامها الميدانية المكثفة لتطهير البؤر الإجرامية وملاحقة العناصر الخارجة عن القانون في إطار جهودها المستمرة لتأمين حدود الدولة وترسيخ دعائم الأمن والاستقرار».

كما أكد «احتفاظ الدولة المصرية بجميع الخيارات المتاحة للتعامل مع التهديدات كافّة»، و«امتلاكها القدرة على حماية أراضيها ومقدرات شعبها في ظل جميع الظروف».

وقبل يومين، وجّه رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، عبر حسابه على منصة «إكس»، تحية وشكر وتقدير إلى القوات المسلحة لما قال إنه «استجابة لنداء الشركات والعاملين في قطاع التعدين في مصر في مواجهة إجرام عصابات التعدين العشوائي وفرض سلطة الدولة وترحيل المعدنين الأجانب إلى خارج أرض الوطن».

وقال مدير الشؤون المعنوية الأسبق للجيش المصري، اللواء سمير فرج، لـ«الشرق الأوسط»، إن مثل «هذه الحملات تؤكد سيطرة مصر الكاملة على أراضيها وحدودها، وتمنع أي خرق أو تهديد للأمن القومي»، مشدداً على أن القوات المصرية «لن تسمح لأي شخص بأن يدخل أراضيها بهدف الاتجار أو التهريب، ومجرد التفكير في مثل هذه الأمور سيُجابَه بقوة وحزم».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الجيش السوداني يضم قادة منشقين عن «قوات الدعم السريع»

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يضم قادة منشقين عن «قوات الدعم السريع»

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

منحت السلطات في الخرطوم الشهر الماضي علي رزق الله، وهو قائد سابق في «قوات الدعم السريع»، رتبة في الجيش الذي خاض ضده قتالاً استمر نحو ثلاث سنوات.

ورحبت الحكومة المرتبطة بالجيش بانشقاقه، وهو أحدث التحولات الكبيرة التي أعادت تشكيل التحالفات في السودان، وعززت موقف الجيش في واحد من أكثر الصراعات دموية هذا القرن.

لكن كثيرين لم ترُق لهم رؤية رزق الله ومسؤولين سابقين آخرين في «قوات الدعم السريع» وهم يعيشون بحرية، ويعقدون مؤتمرات صحافية، خشية أن يفلت المنشقون من المحاسبة على جرائم مزعومة ارتكبت تحت قيادتهم.

وقالت حليمة إسماعيل، وهي امرأة من غرب دارفور لوكالة «رويترز»: «هم من (قوات الدعم السريع)، حتى لو طلبوا الله يسامحهم، ما نقدر نسامحهم على شيء شفناه بعيوننا وشاهدناه شاهد عيان. هل بعد شوية يبقى أخوك ويقف مع الجيش في الصفوف الأمامية؟».

ووصفت كيف أطلقت قوات رزق الله النار في الهواء خلال هجوم على قرية نزحت إليها عام 2024.

ويُعتقد أن الحرب الأهلية في السودان أودت بحياة مئات الآلاف، وتسببت في نزوح الملايين، وأدت إلى انتشار المجاعة، والأمراض منذ الخلاف بين «قوات الدعم السريع» والجيش، وبدء القتال في 15 أبريل (نيسان) 2023.

فظائع دارفور

نازحون من دارفور بمخيم للاجئين السودانيين شرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

وشهد إقليم دارفور بعضاً من أسوأ أعمال العنف، إذ يعد معقلاً لـ«قوات الدعم السريع»، حيث كان رزق الله، المعروف على نطاق واسع بلقب (السافانا)، قائداً. ووجهت إلى «قوات الدعم السريع» اتهامات بارتكاب فظائع خلال هجومها على مدينة الفاشر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وهو ما تناوله فيلم وثائقي أعدته «رويترز».

وكان قائد كبير آخر في شمال دارفور، وهو النور قبة، انشق أيضاً وانضم إلى صفوف الجيش في أبريل. ونفى قبة في مقابلة مع «رويترز» أن يكون انشقاقه بهدف الإفلات من العدالة، وقال إن أي قادة سابقين في «قوات الدعم السريع» ارتكبوا جرائم يجب أن يخضعوا للمساءلة. وأضاف: «لو أي شخص من الشعب السوداني عنده علينا إحنا حاجة ولا عنده علينا حق، والله جاهزين للمحاسبة».

أما (السافانا)، الذي لم يرد على طلبات من «رويترز» للتعليق، فقال علناً إنه سيسلم نفسه إذا وجهت إليه اتهامات بارتكاب مخالفات.

دعوات للمحاسبة

وقالت حليمة، التي تقيم حالياً في بلدة طويلة بدارفور، إنها اضطرت للفرار مرات عدة من غارات «قوات الدعم السريع» على القرى المحيطة بمدينة الفاشر. وأضافت أنها شاهدت اغتصاب نساء أمام عينيها، وتعرضت للجلد على أيدي عناصر من «قوات الدعم السريع». وأضافت وهي تروي عن آثار الجلد الظاهرة على جسدها «أنا ذراعي كله ندوب لحد رجلي هنا» وهي تشير لساقها.

وأكدت أن عناصر من وحدة بقيادة رزق الله أطلقوا النار في الهواء خلال إحدى الهجمات، مما أجبرها هي وأطفالها على الانبطاح أرضاً. وقالت إنها وغيرها يخشون من أن يفلت هؤلاء من العقاب لمجرد أنهم انشقوا عن «قوات الدعم السريع».

ويسود الاستياء أيضاً في منطقة كردفان المجاورة، حيث قال تاجر في بلدة النهود إنه يعتزم رفع دعوى قضائية خاصة على رزق الله بسبب نهب مستودعات ومخازن كانت تحتوي على أغذية.

وأضاف بعد أن طلب عدم ذكر اسمه لتجنب الاستهداف: «ما حدث هو مسؤولية السافانا، و(قوات الدعم السريع)، والجيش الذي لم يحمنا». وقال محمد صلاح الدين، عضو المجلس التنفيذي في مجموعة «محامو الطوارئ» إن مثل هذه الدعاوى القضائية من غير المرجح أن تحظى بتأييد واسع النطاق في ظل الاضطرابات التي تسود السودان في زمن الحرب.

وتابع قائلاً: «لا يمكن معالجة هذه القضية على نحو جزئي، فهي تحتاج إلى عدالة انتقالية». لكن هذا يتناقض مع 243 قضية أحصاها «محامو الطوارئ»، وأحيلت للقضاء ضد متعاونين مفترضين، وبتهم تتراوح بين تقديم معلومات للمخابرات، والطهي لمقاتلي «قوات الدعم السريع».

الجيش يستغل الانقسامات

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً اللواء النور القبة المنشق عن «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

وقال عماد الدين بادي، وهو باحث كبير في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، إن الجيش يسعى من خلال تشجيع الانشقاقات إلى استغلال الانقسامات العرقية داخل «قوات الدعم السريع».

وينتمي عدد من كبار قادة «قوات الدعم السريع» إلى قبيلة الرزيقات العربية التي شهدت توتراً بين عشائرها المختلفة، لا سيما بعد غارة شنتها «قوات الدعم السريع» على مسقط رأس موسى هلال الموالي للجيش في وقت سابق من هذا العام.

وينتمي هلال إلى عشيرة المحاميد، وكذلك السافانا. وأشار قبة في مقابلته مع «رويترز» إلى هذه التفاعلات، قائلاً إن «قوات الدعم السريع» تستند إلى نظام وصفه بأنه عنصري وقبلي يفيد على وجه التحديد عائلة قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي.

حكر لأسرة واحدة

وقال: «(الدعم السريع) يعني هو حكر لجهة معينة وضيق لأسرة معينة وقايم بطريقة عنصرية وطريقة قبلية وطريقة محددة لبيت أو داخل بيت، فنحنا ما بنتكلم في أنه فلان وعلان، إحنا بنتكلم في مشروع اللي بيبني الدولة ما بنفس مشروع (الدعم السريع)، المشروع اللي بيبني الدولة مشروع سوداني... مشروع قومي».

وقال بادي إن الجيش يأمل في أن يؤدي هذا التوتر إلى تكرار النجاح الذي حققه في ولاية الجزيرة، حيث ساعد انشقاق قائد الميليشيا المتحالفة مع «قوات الدعم السريع» أبو عاقلة كيكل في تغيير الأمور لصالحه في عام 2024. وأضاف: «هناك مبرر عسكري، لكن من المحتمل أن القوات المسلحة لا تقدر التداعيات الاجتماعية حق قدرها».


مصر تتحضّر لـ«سيناريوهات أزمات»... وإثيوبيا ترفض «ادعاءات احتكارية»

جانب من اجتماع وزير الري المصري هاني سويلم الاثنين لاستعراض سيناريوهات الأزمات (وزارة الري المصرية)
جانب من اجتماع وزير الري المصري هاني سويلم الاثنين لاستعراض سيناريوهات الأزمات (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تتحضّر لـ«سيناريوهات أزمات»... وإثيوبيا ترفض «ادعاءات احتكارية»

جانب من اجتماع وزير الري المصري هاني سويلم الاثنين لاستعراض سيناريوهات الأزمات (وزارة الري المصرية)
جانب من اجتماع وزير الري المصري هاني سويلم الاثنين لاستعراض سيناريوهات الأزمات (وزارة الري المصرية)

وسط وعود أميركية بالتوصل إلى اتفاق بشأن «سد النهضة» الإثيوبي، تتحضّر مصر لـ«سيناريوهات أزمات» للتعامل مع أي تداعيات، وتجنب فيضانات كتلك التي تسببت في غرق بعض الأراضي الزراعية العام الماضي، في حين جددت إثيوبيا رفضها لما تصفها بـ«ادعاءات احتكارية»، في إشارة إلى تمسك القاهرة بحقوقها المائية في نهر النيل.

وأجرت وزارة الموارد المائية والري المصرية «محاكاة» لـ«سيناريوهات مختلفة» للتعامل مع الأزمات والطوارئ المتعلقة بالموارد المائية خلال الموسم الحالي.

وبحسب بيان الوزارة، الاثنين، يهدف الإجراء إلى «تعزيز الجاهزية المؤسسية ورفع كفاءة التعامل مع المواقف الطارئة، بالتنسيق مع الهيئة القومية لإدارة الأزمات والكوارث».

وأكد وزير الري هاني سويلم أن «الاستعداد المسبق والتخطيط العلمي لمواجهة الطوارئ يمثلان إحدى الركائز الأساسية لضمان استدامة وكفاءة إدارة المنظومة المائية»، مشدداً على أهمية «الجاهزية الدائمة لكافة أجهزة الوزارة وقدرتها على التعامل السريع والفعال مع مختلف السيناريوهات المحتملة».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة. فبعد أيام من تدشين السد رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة – خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية – ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

«تأكيد على الجاهزية»

وقال عضو «لجنة الزراعة والري والأمن الغذائي» بمجلس النواب إبراهيم الديب، إن مصر نفذت محاكاة لجميع

السيناريوهات المحتملة لتأثيرات «سد النهضة» خلال الموسم الحالي «تجنباً لما حدث العام الماضي، حيث تسببت الإدارة الإثيوبية المنفردة للسد في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية على ضفاف النيل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «مصر مستعدة تماماً للسيناريوهات والطوارئ، ولديها منظومة مائية قادرة على مواجهة أي تأثيرات لـ(سد النهضة) خلال الموسم الحالي». واستطرد: «الاستعدادات المصرية ليست مجرد رسالة استعراضية، بل تأكيد على جاهزية البلاد لمختلف السيناريوهات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توتراً متصاعداً بسبب «سد النهضة» الذي شيدته أديس أبابا في عام 2011، وتطالب دولتا المصبّ، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وجدد وزير الخارجية الإثيوبي، غيديون تيموثيوس، التأكيد على التزام بلاده بالتعايش السلمي، والانخراط البنّاء مع جميع جيرانها، بما في ذلك إريتريا. وأكد بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الإثيوبية، الأحد، رفض بلاده لما وصفها بـ«المقاربات التي تصور التنمية على أنها تهديد»، في إشارة إلى أزمة السد.

ودعا الوزير إلى إنهاء ما أطلق عليها «الادعاءات الاحتكارية والمتجاوزة للواقع التاريخي»، وعدَّ أن «سد النهضة» هو «تجسيد أساسي لحق إثيوبيا في التنمية والاعتماد على الذات».

وشهدت الآونة الأخيرة حراكاً أميركياً بشأن «سد النهضة». وخلال لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع نظيره الأميركي دونالد ترمب على هامش قمة «مجموعة السبع» في فرنسا، الأسبوع الماضي، أكد ترمب أنه سوف يولي ملف «سد النهضة» أولوية قصوى من أجل التوصل لتسوية عادلة. وجدد السيسي تأكيده على «الأهمية القصوى لقضية نهر النيل باعتبارها قضية أمن قومي لمصر».

الوساطة الأميركية

وعدّ مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، أيمن عبد الوهاب، حديث وزير الخارجية الإثيوبي «استمراراً للتعنت»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الخطاب الإثيوبي لم يتغير طوال سنوات؛ إذ يقوم على التعنت واستمرار الإجراءات الأحادية».

وفي رأي عبد الوهاب، فإن «الوساطة الأميركية غير كافية؛ إذ وصلت أزمة (السد) إلى طريق مسدود، ولا يلوح في الأفق أي أمل في محادثات أو مفاوضات خلال المرحلة المقبلة»، مضيفاً: «لا بد لمصر أن تكثف الضغوط السياسية على إثيوبيا».

لقاء السيسي وترمب على هامش اجتماعات «مجموعة السبع» في فرنسا الأسبوع الماضي (الرئاسة المصرية)

وخلال استعراضه «سيناريوهات الأزمات»، وجّه وزير الري المصري بمواصلة «تحديث خطط الطوارئ، ورفع جاهزية العناصر البشرية والفنية، والتأكد من توافر قواعد البيانات والمعلومات اللازمة لدعم متخذي القرار أثناء الأزمات، مع الاستفادة من نتائج تدريبات المحاكاة في تطوير منظومة إدارة الأزمات بالوزارة، وتحسين إجراءات الاستجابة والتعامل مع الحالات الطارئة».

ولخّص أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي، خطة الطوارئ المصرية بأنها من أجل «الاستعداد لكل الاحتمالات»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «موسم الأمطار بالهضبة الإثيوبية بدأ في مايو (أيار) الماضي، وهي أمطار خفيفة سوف تبدأ في التزايد إلى أن تصل إلى ذروتها في أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، ثم ينخفض منحى قوتها في أكتوبر (تشرين الأول)».

وبحسب شراقي، فإنه «ترتكز الاستعدادات المصرية على محورين رئيسيين: الأول أن تزيد كمية الوارد من المياه فيتم تصريفها حتى لا يتكرر سيناريو العام الماضي، والثاني أن يقل الوارد من المياه بما يستوجب حساب الاستهلاك واللجوء إلى مزيد من الترشيد».