هل يحدث رحيل إردوغان المحتمل عن السلطة تحولات جيوسياسية في أوروبا؟

قراءة في تحديات الانتخابات التركية من منظور غربي

أنصار الرئيس رجب طيب إردوغان في تجمع انتخابي بإسطنبول في 12 مايو (رويترز)
أنصار الرئيس رجب طيب إردوغان في تجمع انتخابي بإسطنبول في 12 مايو (رويترز)
TT

هل يحدث رحيل إردوغان المحتمل عن السلطة تحولات جيوسياسية في أوروبا؟

أنصار الرئيس رجب طيب إردوغان في تجمع انتخابي بإسطنبول في 12 مايو (رويترز)
أنصار الرئيس رجب طيب إردوغان في تجمع انتخابي بإسطنبول في 12 مايو (رويترز)

نادراً ما حظيت انتخابات رئاسية تركية بهذا القدر من الاهتمام الإقليمي والدولي. ففي المرتين السابقتين، كانت نتيجة الانتخابات بعيدة عن أي مفاجآت نظراً لهيمنة الرئيس رجب طيب إردوغان على المشهد السياسي في بلاده منذ أكثر من عشرين عاماً، وبسبب تشظي المعارضة. والحال، أن الأخير الذي يسعى لولاية رئاسية ثالثة، يواجه هذه المرة معارضة موحدة، ومرشحاً يتسم بالجدية والاتزان، نجح في فرض نفسه كرجل دولة يحمل برنامجاً سياسياً واقتصادياً متيناً، ويعد بإيجاد حلول للمشكلات التي تعاني منها تركيا اليوم، وعلى رأسها المشكلات الاقتصادية والمالية، والتضخم، وانهيار الليرة.

شخصيات متناقضة

كمال كليتشدار أوغلو وأنصاره يحملون وروداً لدى زيارته ضريح أتاتورك بأنقرة في 13 مايو (إ.ب.أ)

رغم الاستدارات التي سلكها إردوغان في الخارج، وسعيه لاستغلال الحرب في أوكرانيا ليعود بقوة إلى واجهة المشهد الدولي، ويفرض نفسه محاوراً وحيداً للرئيس الروسي من قلب الحلف الأطلسي، فإن الواضح اليوم أن الغرب لن يذرف عليه الدموع في حال هزيمته الانتخابية وفوز منافسه كمال كليتشدار أوغلو.

يقول ديديه بيون، الخبير في الشؤون التركية وصاحب كتاب «تركيا: الشريك الإلزامي» الصادر مؤخراً عن دار «أيرول للنشر»، في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن تركيا «بحاجة لنوع من التجديد؛ لأن عامل التآكل أو الاهتراء موجود، ويلعب ضد الرئيس الحالي الذي استخدم دوماً عامل الاستقطاب الداخلي لإرساء سلطته».

ومن الأوراق التي تلعب ضده صورة أنه «ليس صديقاً للحريات العامة والخاصة، بما فيها حرية الصحافة»، الأمر الذي أبعد عنه الليبراليين.

وفي المقابل، فإن شخصية منافسه الرئيسي تتميز بالهدوء والرصانة والثبات، وكلها تتناقض مع شخصية إردوغان الاستقطابية، وفق الباحث الفرنسي. ويضيف أن تركيا بحاجة لـ«فترة من الهدوء»، علماً أن الأتراك أوجدوا صفتين لمرشح المعارضة البالغ من العمر 74 عاماً؛ الأولى، أنه «القوة الهادئة»، والثانية أنه «غاندي تركيا» تيمناً بالزعيم الهندي الذي رفض اللجوء إلى العنف لتمكين الهند من الحصول على استقلالها.

بايدن متوسطاً جونسون وإردوغان في قمة لـ«الناتو» بمدريد في 29 يونيو 2022 (أ.ب)

كثيرة هي الأصوات التي ترى أن خروج إردوغان اليوم من المشهد السياسي التركي سيعد على المستويين الأوروبي والغربي، بشكل عام، بمثابة «تحوّل إيجابي»؛ فقد قادت بعض التصريحات والمواقف في السنوات السابقة بعداوات لا تحصى مع الأوروبيين ومع الولايات المتحدة الأميركية. وآخر ما يؤخذ على إردوغان بشكل إجماعي على المستوى الغربي، هو رفضه حتى اليوم التصديق على انضمام السويد إلى الحلف الأطلسي. وتركيا هي العضو الأطلسي الوحيد الذي لم يقر برلمانه انضمام السويد، بعد أن قبل مؤخراً انضمام فنلندا رغم الضغوط الأوروبية والأميركية. كذلك يؤخذ عليه أن أنقرة، رغم تنديدها بالغزو الروسي لأوكرانيا، فإنها لا تطبق العقوبات الأوروبية والأميركية. ومن الواضح أن إردوغان يعي اليوم حاجة الغربيين له، وهو الذي تشكل بلاده الجناح الجنوبي للحلف الأطلسي؛ ولذا فإن الانتقادات الموجهة إليه تبقى في دوائر ضيقة ومحدودة.

والحرب في أوكرانيا لم تمنع إردوغان وبوتين من المشاركة عن بُعد في تدشين أولى المحطات النووي التركية الواقعة جنوب تركيا وقرب مياه المتوسط، التي شيدها الجانب الروسي ومول القسم الأكبر منها. ونقلت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الجمعة عن مارك بياريني، السفير الأسبق في أنقرة والباحث في معهد «كارنيغي أوروبا» قوله إن «انتصار إردوغان سيعني انتصاراً لبوتين»، وأن هزيمته ستكون «هدية» للغربيين. ويضيف بياريني أن التحدي الكبير بالنسبة للأوروبيين والغربيين، بشكل عام، هو نوعية علاقة تركيا المستقبلية مع الحلف الأطلسي، وذلك على ضوء علاقتها القائمة مع روسيا.

خلافات بين القادة

صورة أرشيفية لماكرون وإردوغان وميركل وبوتين في إسطنبول عام 2018 (أ.ب)

حتى اليوم، لم ينس الأوروبيون أسلوب إردوغان في التهجم على القادة الغربيين. ففي عام 2017، لم يتردد الرئيس التركي الذي كان يخوض الانتخابات الرئاسية السابقة، في اتهام المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل بـ«ممارسات نازية»؛ لأنها منعت مهرجانات انتخابية موالية له في عدد من المدن الألمانية. كذلك، وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2020 بأنه «مختل عقليا»، ونصحه باللجوء إلى الأطباء النفسيين للمعالجة بسبب ترويجه مشروع قانون لمحاربة ما سماه «الانفصالية الإسلامية» في بلاده. وسبق لماكرون أن انتقد بشدة تصرف البحرية التركية في مياه المتوسط ومقابل الشواطئ الليبية، عندما سعت باخرة عسكرية فرنسية تعمل تحت لواء الأطلسي لتفتيش سفينة تركية كان يظن أنها تنقل سلاحاً مهرباً لليبيا.

ووصف ماكرون وقتها الحلف بأنه في «حالة موت سريري». ثم إن إردوغان وجد نفسه وجهاً لوجه مع الغربيين في سوريا، حيث كان الغربيون يدعمون وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا وقوات سوريا الديمقراطية التي قاتلت ميليشيات «داعش»، فيما يعدها إردوغان وحدات إرهابية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ويسعى إلى اقتلاعها من شمال وشمال غربي سوريا.

أخيراً، تسبّب إردوغان بصداع للأوروبيين بسبب أنشطته في التنقيب عن الغاز والبترول في المياه الإقليمية العائدة لليونان وقبرص، الأمر الذي أوجد حالة من التوتر في المتوسط، بالتوازي مع استخدامه ورقة اللاجئين السوريين على أراضيه كلما أراد الضغط على الاتحاد الأوروبي. ثم ثمة مآخذ كثيرة على إردوغان المتهم بتجيير القضاء لصالحه، والتضييق على الحريات والفساد الذي ينخر المجتمع والاقتصاد التركيين.

ولاكتمال الصورة، تتعين الإشارة إلى خلافه مع الولايات المتحدة، الأمر الذي دفعه لإبرام اتفاق مع روسيا للحصول على منظومة صاروخية من طراز «إس 400»، ما حمل واشنطن على إخراجه من برنامج الطائرة المقاتلة «إف 35»، إلا أنه قبلت لاحقاً، ومع اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، جرى تزويده بطائرات «إف 16» حديثة.

تحديات قائمة

كمال كليتشدار أوغلو مخاطباً أنصاره في أنقرة 12 مايو (أ.ف.ب)

تشكل العناصر المذكورة سابقاً أسباباً وجيهة تدفع الغربيين لتفضيل هزيمة إردوغان وفوز منافسه. بيد أن هذا التمني يبقى خبيئاً؛ لأن إردوغان، في حال ظهر إلى العلن، سوف يستخدمه سلاحاً في حملته الانتخابية من أجل اتهام الغرب بالتدخل في الشؤون الداخلية التركية. وتقول أرنشا غونزاليس، عميدة «معهد الشؤون الدولية» التابع لمعهد العلوم السياسية في باريس إنه «إذا تمكن الأتراك من إزاحة إردوغان، فإن ذلك سيشكل تحولاً جيوسياسياً رئيسياً».

وبعكس الرئيس الحالي، فإن كمال كليتشدار أوغلو أكد أكثر من مرة، منذ ترشحه، أنه يسعى لـ«تطبيع» علاقاته مع الغربيين وغير الغربيين، ما يذكر بمقولة وزير الخارجية الأسبق أحمد داود أوغلو الذي كان يدعو لـ«تصفير المشكلات» مع الخارج. وتجدر الإشارة إلى أن الأخير عضو في التحالف السداسي الذي يدعم مرشح المعارضة، وفي حال فوزه سيكون الأقرب للعودة إلى وزارة الخارجية.

ثمة مسألة عالقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي عنوانها رغبة أنقرة في الانضمام إلى النادي الأوروبي؛ ولهذا الغرض، قامت منذ 15 عاماً مفاوضات بين الجانبين، وحتى اليوم ما زالت هناك فصول لم يبدأ البحث بها، فيما تغلب على الرأي العام الأوروبي نزعة رفض انضمام تركيا التي تملك تعداداً 85 مليون نسمة إلى الاتحاد.

وبموجب القوانين التأسيسية للاتحاد فإن الموافقة على انضمام عضو جديد يجب أن تمر في برلمانات الـ27 عضواً، ما يعني عملياً أن حظوظ تركيا في الانضمام معدومة. ومن هنا، يرى المحللون أن فوز كليتشدار أوغلو لن يحل المشكلات العالقة مع الاتحاد الأوروبي بسحر ساحر، بل إن علاقات أنقرة مع بروكسل يمكن أن تتحول إلى علاقات «طبيعية»، ما يعد تغيراً مهماً في الأجواء السائدة بين الطرفين.

هكذا تبرز التحديات الأوروبية والأميركية الكامنة في الانتخابات التركية، وتتضح خصوصاً انعكاساتها الجيوسياسية وتأثيراتها على مستقبل القارة القديمة.


مقالات ذات صلة

تركيا: أزمة المعارضة تتفاقم وأوزيل يتعهد بالمقاومة حتى الوصول إلى السلطة

شؤون إقليمية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل متحدثاً أمام حشد من أنصار الحزب عقب قرار المحكمة بعزله مؤقتاً من رئاسته (إ.ب.أ)

تركيا: أزمة المعارضة تتفاقم وأوزيل يتعهد بالمقاومة حتى الوصول إلى السلطة

تصاعدت أزمة حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة التركية، في أعقاب قرار قضائي يعزل قيادته الحالية، وإعادة رئيسه السابق كمال كليتشدار أوغلو.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية يحظى أوزيل بدعم كامل من رؤساء فروع حزب «الشعب الجمهوري» في الولايات التركية الـ81 (حساب الحزب على إكس)

«صراع الزعامة» يفجر انقساماً داخل المعارضة التركية

قضت محكمة في أنقرة بعزل زعيم المعارضة التركية، أوزغور أوزيل، عن رئاسة حزب «الشعب الجمهوري» وتعيين كمال كليتشدار أوغلو محلّه...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية تجمع آلاف المتظاهرين أمام بلدية إسطنبول في 18 مارس الماضي بمناسبة مرور عام على اعتقال رئيس البلدية المرشح الرئاسي لحزب «الشعب الجمهوري» أكرم إمام أوغلو (حساب الحزب في «إكس»)

تركيا: اعتقالات جديدة في بلديات تابعة للمعارضة

نفّذت تركيا حملتَي اعتقال جديدتين في بلديتَي إسطنبول وأوسكدار، أُلقي خلالهما القبض على 19 موظفاً، ضمن التحقيقات المستمرة في قضية الفساد والتلاعب بالمناقصات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد أهمية وضع دستور مدني شامل جديد (الرئاسة التركية)

تركيا: إردوغان يدفع الدستور الجديد إلى الواجهة وسط نقاشات حول مستقبله

جدد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تأكيده على وضع دستور جديد للبلاد من شأنه فتح الطريق أمامه للترشح للرئاسة من جديد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية متظاهرون يطالبون بالإفراج عن إمام أوغلو خلال تجمع لهم في محيط سجن سيليفري مع بدء محاكمته بتهمة الفساد في 9 مارس الماضي (أ.ف.ب)

انطلاقة متوترة لمحاكمة إمام أوغلو بتهمة التجسس في تركيا

انطلقت الاثنين، محاكمة رئيس بلدية إسطنبول المحتجز؛ أكرم إمام أوغلو، بتهمة «التجسس السياسي»، استناداً إلى ادعاء بتسريب بيانات ملايين الناخبين إلى جهات أجنبية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

«تقارير»: واشنطن تدرس شن ضربات جديدة على إيران

طائرات هجومية أميركية من طراز «إيه-10 ثاندربولت 2» تتحرك على مدرج قاعدة ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)
طائرات هجومية أميركية من طراز «إيه-10 ثاندربولت 2» تتحرك على مدرج قاعدة ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)
TT

«تقارير»: واشنطن تدرس شن ضربات جديدة على إيران

طائرات هجومية أميركية من طراز «إيه-10 ثاندربولت 2» تتحرك على مدرج قاعدة ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)
طائرات هجومية أميركية من طراز «إيه-10 ثاندربولت 2» تتحرك على مدرج قاعدة ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)

ذكر موقع إ«كسيوس» وشبكة «سي بي إس»، الجمعة، أن الحكومة الأميركية تدرس شن ضربات جديدة على إيران، فيما غيّر دونالد ترمب جدول أعماله للبقاء في واشنطن في نهاية هذا الأسبوع، ما عزز التكهنات حول احتمال استئناف الأعمال العدائية ضد طهران.

وذكرت «سي بي إس» أن الجيش الأميركي يستعد لشن ضربات جديدة محتملة على طهران خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وصباح الجمعة، جمع الرئيس الأميركي أقرب مستشاريه لبحث الحرب في إيران بحسب «أكسيوس»، فيما أشارت «سي بي إس» إلى أنه لم يتم اتخاذ أي قرار بعد.

وفي منتصف اليوم، أعلن ترمب أنه لن يتمكن من حضور زفاف ابنه دونالد ترمب جونيور في نيوجيرزي، وأنه سيضطر للبقاء في واشنطن «لأسباب تتعلق بشؤون الدولة».

ونُشرت هذه التقارير فيما تتواصل الجهود الرامية إلى إيجاد حل دبلوماسي. وسافر قائد الجيش الباكستاني الذي يتوسط في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، إلى طهران الجمعة.


تحركات باكستانية لوضع «اللمسات الأخيرة»

TT

تحركات باكستانية لوضع «اللمسات الأخيرة»

ساد شعور بأن الوساطة الباكستانية، التي زاد زخمها في الساعات الماضية، تقترب من وضع لمسات أخيرة على اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران.

ووصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، أمس، إلى طهران، بينما يبدأ اليوم رئيس الوزراء شهباز شريف زيارة رسمية إلى بكين، ضمن حراك متعدد الاتجاهات لتقليص فجوات تتركز حول مضيق هرمز واليورانيوم المخصب. وقال موقع «أكسيوس» إن القائد العسكري الباكستاني البارز «سيحاول تسريع الاتفاق مع الولايات المتحدة».في المقابل أظهرت واشنطن قدراً من التفاؤل. وصرح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن «هناك علامات جيدة»، لكنه «لا يريد أن يكون مفرطاً في التفاؤل».

وعلى هامش مشاركته في اجتماع لحلف (ناتو) بالسويد، أمس، قال روبيو إن «معالجة ملف التخصيب واليورانيوم العالي التخصيب، إلى جانب الوضع في هرمز، عنصران أساسيان لتحقيق الهدف من الاتفاق».

على الجانب الإيراني، حذر خطيب جمعة طهران؛ محمد جواد حاج علي أكبري، من ردود عسكرية واسعة في حال تعرضت إيران لهجوم، وتوعّد بإجراءات قد تشمل توسيع نطاق الصراع وإغلاق ممرات إضافية، منها باب المندب.


تشديد إغلاق مضيق هرمز يعمق معاناة البحارة العالقين

يعيش البحارة المحاصرون في الخليج ‌جراء إغلاق إيران مضيق هرمز حياة منعزلة (وانا - رويترز)
يعيش البحارة المحاصرون في الخليج ‌جراء إغلاق إيران مضيق هرمز حياة منعزلة (وانا - رويترز)
TT

تشديد إغلاق مضيق هرمز يعمق معاناة البحارة العالقين

يعيش البحارة المحاصرون في الخليج ‌جراء إغلاق إيران مضيق هرمز حياة منعزلة (وانا - رويترز)
يعيش البحارة المحاصرون في الخليج ‌جراء إغلاق إيران مضيق هرمز حياة منعزلة (وانا - رويترز)

ينذر نشر إيران خريطة جديدة تؤكد سيطرتها على مضيق هرمز بإطالة أمد المحنة القاسية التي يعيشها بالفعل آلاف البحارة العالقين على متن ​سفن في الخليج.

وهناك أكثر من 20 ألف بحار عالقين على متن نحو 2000 سفينة في الخليج، كثيرون منهم غير قادرين على مغادرة السفن، ويفتقرون إلى الإمدادات الكافية من الطعام والمياه العذبة، ويخشون مستقبلاً مجهولاً في البحر في منطقة حرب.

وصف البحارة، الذين قابلتهم وكالة «رويترز» في الأسابيع القليلة الماضية، المصاعب التي يواجهونها والقلق الذي يعيشونه، وحذّر اتحاد يمثلهم من أوضاع شديدة القسوة.

قال البحار الهندي سلمان صديقي، عبر الهاتف من سفينته العالقة، الشهر الماضي: «الشيء الوحيد الذي نفعله هنا هو التخطيط لكيفية قضاء الليل والتضرع لله ألا نتعرض لإصابة في أثناء هجوم».

حياة معزولة

وعندما أبحر مراسل وكالة «رويترز» على متن قارب إمداد إلى سفن راسية قبالة الساحل السعودي هذا الأسبوع، تجمع البحارة على متن ناقلة بجانب السياج ولوّحوا بأيديهم، في لحظة نادرة من التواصل مع العالم الخارجي.

وعلى مدى ما يقرب من 3 أشهر، عاش البحارة المحاصرون في الخليج ‌حياة منعزلة، كل منهم ‌مع مجموعة صغيرة من زملائه على متن السفينة، يتنقلون بين أماكن المعيشة الصغيرة ​ومناطق ‌تناول الطعام وأسطح السفن الحارقة ​بفعل حرارة الشمس.

هناك أكثر من 20 ألف بحار عالقين على متن نحو ألفي سفينة في الخليج جراء إغلاق إيران لمضيق هرمز (وانا - رويترز)

وأغلقت إيران المضيق، وهو طريق عالمي لإمدادات النفط، بعد الهجمات الأميركية الإسرائيلية عليها، التي بدأت في 28 فبراير (شباط). وحوصرت آلاف السفن في الخليج. ومع توقف مفاوضات السلام، تشدد إيران حصارها الفعلي.

ونشرت هيئة المضيق، التي أنشأتها إيران لإدارة طلبات المرور، خريطة، يوم الأربعاء، تؤكد مطالب طهران بالسيطرة على مساحة واسعة من المياه على جانبي الممر الضيق.

وأظهر تقرير لوكالة «رويترز» أن مالكي السفن الذين يسعون إلى إخراج سفنهم، وغالباً ما تكون حمولاتها ثمينة القيمة، يجب عليهم التعامل مع نظام معقد وضعته إيران يتضمن مدفوعات وتصاريح.

وقال محمد الراشدي، منسق شبكة العالم العربي وإيران في الاتحاد الدولي لعمال النقل: «البحارة باتوا أكثر عرضة للخطر بسبب الحرب».

وتحدث عن حالات تأخر في دفع الأجور ورفض المساعدة في إعادتهم إلى أوطانهم، ونقص في المؤن، والخوف من الصواريخ وضربات الطائرات المسيرة. وقال إن بعض البحارة اتصلوا به وكانوا ‌يبكون.

وأضاف أن الاتحاد الدولي لعمال النقل تلقى اتصالات من أكثر من ألفي بحار ‌في الخليج يطلبون المساعدة أو المشورة لحل نزاعات تتراوح بين التخلي عنهم وتأخير ​دفع رواتبهم ونقص الإمدادات منذ بدء الحرب.

عالقون في البحر

ومن ‌ميناء الدمام السعودي أمكن رؤية نحو 7 سفن كبيرة راسية في البحر، وهو عدد كبير على نحو غير معتاد في ‌الظروف العادية. وفي حين كانت سفينة إعادة إمداد تتقاذفها الأمواج بجانب الناقلة وسط ريح شديدة، كان البحارة على متنها يصيحون عبر المياه وينقلون أكياساً كبيرة من المواد الطبية إلى متن السفينة.

قال موهيت كوهلي، ربان سفينة شحن كبيرة علقت في الخليج عند اندلاع الحرب بعد إبحارها من سنغافورة، إنه عندما سمع لأول مرة أن المضيق قد يُغلق، «لم يستطع حتى تصور أن هذا ممكن بأي شكل».

تمكنت سفينته المملوكة لشركة ألمانية من الرسو بأمان قبالة الدمام، ‌لكن بعد مرور أسبوع واحد فقط على بدء الحرب، بدأ الطاقم في رؤية وسماع الصواريخ والطائرات المسيرة التي أطلقتها إيران نحو دول الخليج.

ووصف الأجواء على متن السفينة، في مقابلة مع وكالة «رويترز» هذا الشهر بعد عودته إلى الهند، قائلاً: «أصبح الطاقم الذي كان عادة صاخباً وسعيداً صامتاً الآن. وأصبحت وجبات الطعام أقل، ونتوخى مزيداً من الحذر خلال المحادثات».

وقال كوهلي إن أصحاب السفينة التي كان على متنها هو وزملاؤه ساعدوا في إحضار طاقم إغاثة.

وقال الراشدي إن العديد من البحارة يواجهون أوضاعاً أكثر سوءاً، موضحاً أنه في بعض الحالات التي يتعامل معها، لم يتلق البحارة رواتبهم الضئيلة التي تتراوح بين 100 و200 دولار شهرياً منذ العام الماضي، ويرفض مالكو السفن مساعدتهم على العودة إلى ديارهم أو لا يفعلون ذلك إلا إذا تنازلوا عن رواتبهم المتأخرة.

سفن تتحرك في مضيق هرمز (رويترز)

وذكر الراشدي أن بعض البحارة يقولون إنهم لا يتناولون سوى وجبة واحدة من الأرز أو العدس يومياً، وتتاح لهم لحظات قصيرة فقط من الاتصال بالإنترنت للتواصل مع أحبائهم أو طلب المساعدة الخارجية.

وأضاف: «هم بحاجة إلى تدخل جماعي لأنهم عنصر أساسي لاقتصاداتنا ولسلاسل التوريد، وكذلك لأنهم بحارة عاملون ومدنيون». وتبذل دول الخليج بعض الجهود لمساعدة البحارة من خلال تسهيل الإمدادات ونقل الطواقم.

وقال سليمان المزروع، رئيس الهيئة العامة للموانئ السعودية: «بالنسبة للبحارة العالقين على متن سفينة في مياه وسط ظروف ضبابية، فإن أهم شيء في العالم هو معرفة أن هناك شاطئاً مفتوحاً يمكن ​الوصول إليه».

وأضاف المزروع أن الهيئة ساعدت مئات السفن في إعادة تزويدها ​بالغذاء والمياه العذبة والوقود والأدوية، وقدّمت العون لأكثر من 500 بحار لنقلهم من سفنهم، واصفاً رسائل الشكر التي تلقاها من البحارة الذين ساعدهم على المغادرة بأنها أكثر ما يسعده في عمله.