أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

تكلفتها في الولايات المتحدة من بين الأعلى عالمياً

حقل للطاقة الشمسية في ولاية يوتاه الأميركية (أ.ب)
حقل للطاقة الشمسية في ولاية يوتاه الأميركية (أ.ب)
TT

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

حقل للطاقة الشمسية في ولاية يوتاه الأميركية (أ.ب)
حقل للطاقة الشمسية في ولاية يوتاه الأميركية (أ.ب)

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي.
وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.
ويقول غونغلوف مدير التحرير السابق لمجلة فورتشن الأميركية إن الإدارة الأميركية تبدو مستسلمة للدعوة لتثاقل خطواتها عندما يتعلق الأمر بالتحول نحو الطاقة الأقل تلويثا للبيئة. وفي أحدث خطوة في هذا السياق، وافق مجلس النواب الأميركي بأغلبية ضئيلة على قانون يعيد فرض رسوم جمركية على أنواع من ألواح الطاقة الشمسية تفضلها شركات الكهرباء.
وحتى إذا مرر مجلس الشيوخ القانون، وهو أمر غير مؤكد، فإن الرئيس الأميركي جو بايدن يهدد باستخدام حق النقض (الفيتو) لإلغائه. وهذا نبأ جيد هنا. ولكن بغض النظر عما يفعله الرئيس، فجاذبية الإجراءات الحمائية في قطاع الطاقة الشمسية لدى الولايات المتحدة ما زالت قوية.
ويفرض مشروع القانون الذي أقره مجلس النواب رسوما تتراوح بين 35 و254 في المائة على حوالي 80 في المائة من ألواح الطاقة الشمسية التي تباع في الولايات المتحدة، وهو ما يفرض أعباء على قطاع إنتاج الطاقة الشمسية بأكثر من مليار دولار. كما يمكن أن تؤدي هذه الرسوم إلى شطب حوالي 34 ألف وظيفة نتيجة تأجيل أو إلغاء مشروعات لتركيب ألواح الطاقة الشمسية بحسب تقديرات اتحاد صناعات الطاقة الشمسية الأميركي.
في الوقت نفسه، فإن كل لوح طاقة شمسية لا يتم تركيبه يعني زيادة استهلاك الوقود الأحفوري، وإطلاق المزيد من العوادم الكربونية المسببة للاحتباس الحراري، ويعرقل جهود منع زيادة درجة حرارة كوكب الأرض بأكثر من 1.5 درجة مئوية. كما أن القانون الجديد سيبطئ وتيرة التحول إلى الطاقة النظيفة ويعرقل هدف قانون خفض التضخم الأميركي أحد أهم إنجازات إدارة الرئيس بايدن.
وبالطبع حتى إذا استخدم بايدن حق النقض على القانون، فالمقرر انتهاء الحظر على مثل هذه الرسوم في يونيو (حزيران) 2024. كما أنه ما زالت هناك رسوم أخرى موجودة، مما يجعل تكلفة الطاقة الشمسية في الولايات المتحدة من بين الأعلى على مستوى العالم.
وكل هذه الإجراءات تهدف بشكل أساسي إلى مواجهة ما يعتبره كثيرون دعما صينيا غير عادل لصناعتها الخاصة بمستلزمات الطاقة الشمسية الرائدة على مستوى العالم، بينما يتم فقط تنشئة الصناعة الأميركية في هذا المجال.
وتعتبر قضية الرسوم على معدات الطاقة الشمسية الصينية من المتفق عليها بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري. فالرئيس الأميركي الديمقراطي باراك أوباما فرض رسوما من هذا النوع في 2012، ثم جاء خليفته الجمهوري دونالد ترمب وفرض رسوما أخرى عام 2018، ومدد الرئيس الديمقراطي بايدن الرسوم لمدة 4 سنوات أخرى، مع بعض الاستثناءات المهمة، بما في ذلك إعفاء الألواح ذات الوجهين التي تسيطر على مشروعات الطاقة الشمسية في الولايات المتحدة والذي منحته في البداية إدارة ترمب. وهلل دعاة حماية البيئة وشركات الطاقة الشمسية الأميركية التي يمثلها اتحاد صناعات الطاقة الشمسية الأميركي لهذه الخطوة، حيث قالوا إن إلغاء هذه الرسوم سيفتح الباب أمام المزيد من مشروعات الطاقة الشمسية الكبرى.
في المقابل اعترض قطاع تصنيع معدات الطاقة الشمسية الأميركي على القرار. وبعد وقت قصير أقنعت شركة أوكسين سولار الصغيرة لتصنيع المعدات مدينة سان خوسيه، ووزارة التجارة الأميركية بالتحقيق فيما إذا كانت الإمدادات الصينية من الألواح ذات الوجهين مجرد واجهة للشركات الصينية لتجنب الرسوم؟ وأدى الغموض المحيط بنتيجة هذا التحقيق إلى تعليق العمل في عدد من مشروعات الطاقة الشمسية الكبيرة. ودخل بايدن في المعركة في يونيو الماضي عندما فرض حظرا على أي رسوم جديدة لمدة عامين. لكن وزارة التجارة انحازت إلى جانب شركة أوكسين سولار في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ثم جاء مشروع القانون المدعوم من الحزبين لإنهاء حظر بايدن على الرسوم.
ويختتم غونغلوف تحليله بالقول إنه على الولايات المتحدة دعم صناعة ألواح الطاقة الشمسية المحلية بكل إمكانياتها، لكن دون أن يؤدي ذلك إلى إهدار سنوات عديدة مهمة من تركيب الألواح الشمسية في البلاد والتي يتم استيراد أغلبها من الصين.
فالولايات المتحدة والعالم لا يمتلكان رفاهية التقدم البطيء في مشروعات الطاقة الشمسية الكبيرة التي تواجه عقبات كبيرة في الولايات المتحدة. لذلك لا يجب السماح للحرب التجارية بين واشنطن وبكين بشكل عام بأن تعرقل جهود حماية مناخ كوكب الأرض.


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد 2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022. وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي.

أحمد الغمراوي (القاهرة)
الاقتصاد «النقد الدولي»: استراتيجية حكومية قللت تأثر الاقتصاد السعودي

«النقد الدولي»: استراتيجية حكومية قللت تأثر الاقتصاد السعودي

في حين ارتفع مؤشر مديري المشتريات المعدل موسمياً في السعودية ليصل إلى 59.6 نقطة في أبريل (نيسان) الماضي، مقارنةً بمارس الفائت 58.7 نقطة، مع استمرار تحسن الأداء العام لشركات القطاع الخاص غير المنتجة للنفط، أكد صندوق النقد الدولي أن الإصلاحات التي تقودها الحكومة ونمو الاستثمار الخاص في قطاعات جديدة سيساعدان في دعم نمو الاقتصاد غير النفطي في المملكة وسط توقعات بتباطؤ حاد في النمو الإجمالي هذا العام، مبيناً في الوقت ذاته أن استراتيجية البلاد في الأعوام السابقة قللت من تأثير حركة أسعار النفط على الاقتصاد والميزانية العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

صندوق النقد الدولي يحذر البنوك المركزية من المبالغة في الرهان على الذهب

تُجهز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)
تُجهز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي يحذر البنوك المركزية من المبالغة في الرهان على الذهب

تُجهز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)
تُجهز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)

أعاد صندوق النقد الدولي فتح ملف الذهب في احتياطيات البنوك المركزية عبر تقرير موسع أصدره مؤخراً، مسلطاً الضوء على التحولات العميقة التي شهدتها الأسواق العالمية في السنوات الأخيرة. وحذّر الصندوق في ورقته التحليلية من إفراط البنوك المركزية في الاعتماد على الذهب كبديل للأصول الأجنبية السائلة، مؤكداً أن الصعود الحاد لحصته في الاحتياطي العام يرجع في المقام الأول إلى «مكاسب تقييم الأسعار» وليس إلى تراكم مادي حقيقي للمعدن النفيس.

وفقاً للبيانات الصادرة، قفزت حصة الذهب النقدي في ميزانيات البنوك المركزية من 10 في المائة في يناير (كانون الثاني) 2019 إلى أكثر من 22 في المائة بحلول أغسطس (آب) 2025. ورغم أن هذا الصعود عزز ظاهرياً مؤشرات كفاية الاحتياطي الدولي، غير أن الصندوق يرى أن جزءاً كبيراً من هذه المكاسب قد يكون مؤقتاً وعرضة للتبخر مع أي تقلبات حادة في الأسعار العالمية.

قفزة تاريخية بالتقييم لا بحجم الشحنات

كشفت الحسابات التحليلية الواردة في التقرير عن مفارقة نوعية؛ فبين عامي 2018 و2025، ارتفعت القيمة السوقية لإجمالي حيازات الذهب لدى البنوك المركزية بنحو 3.2 تريليون دولار، لتصل إلى 4.5 تريليون دولار، وهو ما يمثل قفزة بنسبة 268 في المائة. ومع ذلك، فإن الحجم الإجمالي الفعلي للذهب المادي المخزن لم يرتفع سوى بنسبة ضئيلة بلغت نحو 8.5 في المائة فقط.

وبيّن التقرير أن نحو ثلثي هذه الزيادة في القيمة الصافية تعود إلى بنوك مركزية لم تغير كميات الذهب المادي لديها على الإطلاق، بل استفادت بالكامل من رالي الأسعار التاريخي. وفي المقابل، فإن البنوك التي نشطت في الشراء الفعلي رفعت أحجام حيازاتها بنسبة 36 في المائة، وجاء الجزء الأكبر من هذه المشتريات مدفوعاً بقرارات استراتيجية لبنوك مركزية في دول غير منتجة للذهب تسعى لتنويع أصولها، وليس بدافع الاحتفاظ التلقائي بالإنتاج المحلي.

امرأة هندية تجرب حلياً ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (إ.ب.أ)

تفكك الارتباط التقليدي

أعاد خبراء الصندوق تقييم الخصائص الحمائية للذهب، مؤكدين أن قدرته على التحوط وتوفير الأمان تظل مشروطة ومرتبطة بطبيعة الصدمات الاقتصادية؛ حيث أثبت الذهب فاعلية مستقرة في التحوط ضد «مخاطر أسعار الفائدة» والانخفاض الجزئي لقيمة الدولار الأميركي.

غير أن المفاجأة الكبرى تكمن في تلاشي الخصائص الحمائية التقليدية للمعدن الأصفر منذ جائحة «كوفيد-19». ففي السابق، كانت تراجعات الأسواق تنجم عن مخاوف النمو، مما يخفض الفائدة الحقيقية ويدعم الذهب. أما منذ عام 2022، فقد أصبحت التراجعات مدفوعة بـ«التشديد النقدي وصدمات التضخم المرتبطة بجانب العرض»، وهي عوامل ترفع أسعار الفائدة الحقيقية وتضغط سلباً على الذهب.

وأظهرت التقديرات الإحصائية أن توزيع عوائد الذهب يظل متماثلاً حول الصفر تقريباً خلال صدمات السوق الحادة وتقلبات مؤشر الجيوسياسية ومؤشر الخوف (VIX)، مما ينفي امتلاكه لخصائص ملاذ آمن مطلق أو كوني في أوقات الأزمات المتطرفة.

معضلة السيولة ومخاطر العقوبات

رغم تمتع سوق الذهب العالمي بسيولة عميقة تصل في لندن وحدها إلى متوسط يومي يبلغ 134 مليار دولار، فإن الصندوق وضع خطاً فاصلاً بين القيمة السوقية الدفترية والقدرة الفعلية على تسييل الأصل عند الطوارئ:

* شريحة السيولة مقابل الاستثمار: يوصي التقرير بإبعاد الذهب تماماً عن شرائح السيولة المخصصة للدفاع الفوري عن العملة الوطنية، وحصره فقط في الشرائح الاستثمارية طويلة الأجل نظراً لتقلباته العالية.

* معضلة التخزين والمخاطر السيادية: يبرز الذهب كأداة للتحوط ضد مخاطر العقوبات وتجميد الأصول لكونه لا يمثل التزاماً على أي دولة أجنبية. لكن الصندوق يشير إلى معادلة عكسية معقدة؛ فإذا تم تخزين الذهب في الخزائن المحلية لضمان الحماية من التدخل الخارجي، فإنه يصبح «شبه عاجز عملياً عن التحول إلى سيولة فورية» للتدخل في أسواق الصرف أو السداد الدولي.

*حسم نسب الخصم: اقترح الصندوق تطبيق نسب خصم مخاطر تتراوح بين 6 في المائة إلى 12 في المائة على القيمة السوقية للذهب عند احتساب كفاية الاحتياطيات لمواجهة الصدمات المتطرفة، وهي نسبة تعادل ضعف الخصم المطبق على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات.

سبائك وعملات ذهبية موضوعة على طاولة في متجر برو أوروم لتجارة المعادن الثمينة في ميونيخ (د.ب.أ)

مخاطر هيكلية وشبه مالية

أفرد تقرير صندوق النقد الدولي مساحة واسعة للتحذير من مغبة إطلاق برامج الشراء المحلي للذهب (DGPs)، لا سيما تلك التي تركز على شراء الذهب غير النقدي (الخام أو غير المصفى) مباشرة من المناجم أو من قطاع التعدين التقليدي والمنقبين الصغار.

ووصف الصندوق هذه العمليات بأنها «أنشطة شبه مالية» تقع خارج نطاق المهام الأساسية للبنوك المركزية المتمثلة في الاستقرار النقدي والمالي. وتخلق هذه البرامج مخاطر متعددة تشمل:

* مخاطر الحوكمة والنزاهة المالية: تتطلب عمليات الشراء من المناجم التقليدية تطبيق ضوابط صارمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لضمان عدم تسلل أموال غير مشروعة أو مهربة إلى الاحتياطيات الرسمية للدولة، وهي مهمة ترهق الهياكل الرقابية للمصارف المركزية.

* استنزاف الميزانيات العمومية: يتحمل البنك المركزي تكاليف إضافية باهظة تشمل الفحص، والتصفية، والنقل الدولي للحصول على اعتماد لندن للمقاييس، والتأمين. وغالباً ما تشكل هذه الأنشطة دعماً مضمناً للمناجم المحلية يتحمله البنك المركزي على حساب استقلاليته المالية.

* التشويش على السياسة النقدية: يضخ شراء الذهب محلياً سيولة بالعملة الوطنية مباشرة في الاقتصاد، مما يؤدي إلى توسيع القاعدة النقدية. وفي حال ضعف القدرة على امتصاص هذه السيولة عبر عمليات السوق المفتوحة المكلفة، فإن ذلك يؤدي حتماً إلى صعوبة التحكم في معدلات التضخم أو يضطر البنوك إلى بيع النقد الأجنبي لامتصاص السيولة، مما يغير هيكل الاحتياطي بشكل غير مدروس.

يخلص صندوق النقد الدولي إلى ضرورة تجنب برامج شراء الذهب غير النقدي محلياً بشكل كامل، أو نقل هذه المهام بالكامل إلى جهات حكومية ومؤسسات عامة متخصصة تكون أكثر قدرة على إدارة المخاطر التجارية والمالية. وأكد الصندوق أن تنويع الاحتياطيات يجب أن يستند إلى أطر توزيع الأصول الاستراتيجية المدروسة بدقة، بعيداً عن برامج الدعم المحلي أو الانصياع للضغوط السياسية الرامية لتسييل المكاسب الدفترية المؤقتة.


رئيس «الفيدرالي» يواجه اختبار الكونغرس الأول وسط غموض السياسة النقدية

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمره الصحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في يونيو (أ.ف.ب)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمره الصحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في يونيو (أ.ف.ب)
TT

رئيس «الفيدرالي» يواجه اختبار الكونغرس الأول وسط غموض السياسة النقدية

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمره الصحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في يونيو (أ.ف.ب)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمره الصحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في يونيو (أ.ف.ب)

تتجه أنظار الأوساط المالية العالمية الأسبوع المقبل نحو مبنى الكابيتول هيل، حيث يستعد رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الجديد، كيفين وارش، لتقديم شهادته نصف السنوية الأولى أمام المشرّعين، في إطلالة تحمل أبعاداً رقابية وسياسية بالغة الحساسية.

وسيمثل وارش أمام لجنة الخدمات المالية بمجلس النواب يوم الثلاثاء، تليها شهادة أمام لجنة المصارف بمجلس الشيوخ يوم الأربعاء، بهدف مناقشة التقرير الأخير للسياسة النقدية وبحث آليات تحقيق التفويض المزدوج الموكل للبنك المركزي من قبل الكونغرس، والمتمثل في كبح جماح التضخم والحفاظ على مستويات توظيف مرتفعة في آن واحد.

وتأتي هذه الجلسات المرتقبة بعد أسابيع قليلة من نيل وارش ثقة مجلس الشيوخ وتثبيته رسمياً في منصبه خلفاً لجيروم باول؛ ومن المتوقع أن يواجه رئيس «الفيدرالي» الجديد استجواباً حاداً من المشرّعين، يعيد إلى الأذهان الانقسام الذي شهدته جلسات اعتماده؛ فحين لقي ترحيباً حاراً من الأعضاء الجمهوريين، واجه أسئلة قاسية من الديمقراطيين تركزت حول مدى استقلالية قراراته الاقتصادية عن التوجيهات السياسية للبيت الأبيض، نظراً لأن الرئيس دونالد ترمب هو من قام بترشيحه للمنصب، إلى جانب رغبة المشرعين في استيضاح خططه الراديكالية التي أعلن عنها مسبقاً لإعادة هيكلة البنك المركزي الأميركي من الداخل.

لغز السياسة النقدية

تحليلياً، يقف وارش أمام معضلة أرقام التضخم التي لا تزال تؤرق مضاجع صانعي السياسة النقدية؛ إذ كشف تقرير «الاحتياطي الفيدرالي» الصادر تمهيداً لجلسة الاستماع أن مقياس التضخم المفضل لدى البنك، وهو مؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي الشخصي الأساسي (Core PCE) الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة التقليدية، قد سجل ارتفاعاً بنسبة 3.4 في المائة على أساس سنوي. ورغم تأكيد مجلس المحافظين في تقريره الأخير التزامه الصارم بإعادة التضخم إلى مستهدفه التاريخي البالغ 2 في المائة، مشدداً بعبارات قاطعة على أن «اللجنة ستحقق استقرار الأسعار»، فإن الأسواق لا تتوقع الحصول على إجابات واضحة أو وعود محددة من رئيس «الفيدرالي» الجديد.

ويعود هذا الغموض إلى العقيدة الاقتصادية الجديدة التي يتبناها كيفين وارش؛ فمنذ إطلالاته العامة الأولى، تعمد تجنب الأسئلة المباشرة حول اتجاهات أسعار الفائدة، معلناً عن رغبته في تقليص، بل وإنهاء، سياسة «التوجيهات المستقبلية» التي اعتاد «الفيدرالي» عبرها إرسال إشارات مسبقة لطمأنة الأسواق. ويرى وارش أن البنك المركزي يجب أن يستعيد مرونته التشغيلية وأن يتحرك بناءً على القراءة الآنية للمؤشرات الاقتصادية دون تقييد نفسه بوعود مستقبلية، مما يجعل «وول ستريت» تتحرك في حالة من الترقب المستمر لخطواته المقبلة.

مدخل «وول ستريت» لبورصة نيويورك (رويترز)

ضغوط حرب «هرمز» وصدمة الطاقة

وفي سياق متصل، لم تعد الأرقام المحلية وحدها ما يحرك بوصلة «الفيدرالي»؛ إذ فرضت التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط نفسها كعامل ضغط أساسي على الاقتصاد الأميركي. وأدت الحرب المستمرة منذ أربعة أشهر وتداعيات إغلاق مضيق هرمز إلى إشعال المخاوف من حدوث أزمة معروض في أسواق الطاقة العالمية؛ وعلى الرغم من تراجع أسعار خام برنت لتستقر حول مستوى 76 دولاراً للبرميل - وهي مستويات تبتعد عن حاجز الـ100 دولار المقلق للأسواق والذي سُجل في وقت سابق من العام - فإن التهديد الإيراني لخطوط الملاحة وضع مخاطر التضخم المستورد في مقدمة أولويات المستثمرين.

وتشير تحليلات الأسواق إلى أن سلوك أسعار النفط سيكون المحرك الأساسي لتحديد مستوى «الاستعجال» لدى مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» لإقرار زيادات جديدة في أسعار الفائدة؛ ففي حين صوت المجلس بالإجماع على تثبيت الفائدة في اجتماع يونيو (حزيران) الماضي، وهو الاجتماع الأول الذي ترأسه وارش، كشفت محاضر الجلسة الصادرة مؤخراً عن قلق عارم لدى الأعضاء من إمكانية ارتداد التضخم صعوداً بسبب أزمة الوقود. وتتوقع أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» أن يضطر «الفيدرالي» لرفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية قبل نهاية العام الحالي، مع وجود احتمالية بنسبة 33 في المائة (واحد إلى ثلاثة) لإقرار هذه الزيادة في الاجتماع المرتقب نهاية يوليو (تموز) الحالي.

أسبوع الحسم في «وول ستريت»

بالتوازي مع الترقب السياسي في واشنطن، تستعد بورصة «وول ستريت» لأسبوع عاصف ومليء بالمتغيرات المتقاطعة التي ستختبر صمود مؤشراتها التي تقترب من مستوياتها القياسية؛ حيث يترقب المستثمرون صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) يوم الثلاثاء، يليه مؤشر أسعار المنتجين (PPI) يوم الأربعاء، إلى جانب أرقام مبيعات التجزئة لتقييم مدى قدرة الإنفاق الاستهلاكي الأميركي على الصمود ومدى تغلغل ارتفاع أسعار الطاقة في مفاصل القطاعات غير النفطية.

وفي التوقيت نفسه، تنطلق شرارة موسم نتائج أعمال الربع الثاني للشركات المدرجة في مؤشر «إس آند بي 500» والذي يفتتحه عمالقة القطاع المصرفي مثل «جي بي مورغان تشيس» و«غولدمان ساكس». وتتوقع تقديرات وكالات الرصد المالي طفرة استثنائية في الأرباح الإجمالية للشركات بنسبة نمو قد تصل إلى 23.7 في المائة على أساس سنوي؛ وسيكون أداء البنوك الكبرى بمثابة مرآة تعكس الملاءة المالية للمستهلكين الأميركيين وحجم الديون الائتمانية، مما يوفر لـ«وول ستريت» إجابات حاسمة حول ما إذا كانت هذه الشركات قادرة على تبرير التقييمات المرتفعة لأسهمها في ظل بيئة التمويل المتشددة وأسعار الفائدة المرتفعة التي تفرضها الحقبة الجديدة لكيفين وارش.


سائقو السيارات في أميركا يواصلون شراء البنزين رغم ارتفاع الأسعار

شخص يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة وقود بأوستن في تكساس - 10 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
شخص يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة وقود بأوستن في تكساس - 10 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

سائقو السيارات في أميركا يواصلون شراء البنزين رغم ارتفاع الأسعار

شخص يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة وقود بأوستن في تكساس - 10 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
شخص يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة وقود بأوستن في تكساس - 10 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

طغت الاضطرابات بين أميركا وإيران على حجم الطلب على البنزين في الولايات المتحدة، حيث تتزامن هذه الفترة مع موسم الإجازات ومشاهدة مباريات كأس العالم التي تقام في الولايات الأميركية.

وتجاوز متوسط ​​سعر غالون البنزين العادي 4.50 دولار في مايو (أيار)، مسجلاً ارتفاعاً بأكثر من 50 في المائة منذ بداية الحرب، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية. لكن ذلك لم يمنع السائقين من استخدام سياراتهم؛ بل على العكس، ارتفع استهلاك البنزين في الولايات المتحدة خلال الربع الثاني من العام.

ويقول ستيرنوف إن أحد الأسباب قد يكون انخفاض نسبة دخل الأسر الأميركية المخصصة للبنزين على مدى سنوات. وأضاف أن الكثيرين ينتقلون من العمل عن بُعد إلى العمل المكتبي. وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية.

ومع أن ارتفاع أسعار البنزين يُعدّ قضية سياسية تحظى باهتمام كبير، فإن أصحاب الدخل المرتفع في الولايات المتحدة قد يتذمرون منه، لكن هذا الارتفاع لا يعني بالضرورة تقليل استخدامهم للسيارات.

وقال جيم بوركهارد، نائب الرئيس ورئيس قسم أبحاث النفط الخام في شركة «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي في هذا الصدد»: «ربما يكون مستقبل مضيق هرمز اليوم أكثر غموضاً مما كان عليه في بداية الحرب». وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وأضاف بوركهارد أن إيران لا تزال تسعى للسيطرة على المضيق، بينما لم تتمكن الولايات المتحدة من استعادة العمليات الطبيعية بالكامل، مما يجعل العودة إلى ظروف ما قبل الحرب أمراً مستبعداً.

وبلغ متوسط ​​الطلب العالمي على النفط 97.9 مليون برميل يومياً في مايو، بانخفاض قدره 5.3 مليون برميل يومياً عن الفترة نفسها من العام السابق. وتركز معظم هذا الانخفاض في آسيا، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط.

كانت وكالة الطاقة الدولية قد توقعت مؤخراً أن ينخفض ​​الطلب العالمي على النفط هذا العام للمرة الأولى منذ ذروة جائحة كوفيد-19 في عام 2020. ويعزى هذا الانخفاض، الذي تتوقع الوكالة أن يصل إلى نحو مليون برميل يومياً في عام 2026، إلى ارتفاع أسعار النفط واضطرابات الإمدادات الفعلية التي أثرت بشكل كبير، وإن كان متفاوتاً، على مناطق مختلفة من العالم، حسب التقرير.

لكن الاستثناء الرئيسي لهذا التراجع العالمي في استهلاك النفط كان في الولايات المتحدة، حيث ارتفع استهلاك البنزين في الربع الثاني من عام 2026، على الرغم من أن أسعار البنزين في محطات الوقود كانت أعلى بنحو 50 في المائة من مستوياتها قبل الحرب في مايو، وفقاً للتقرير.