آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

تقع في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية

«سيّد الوحوش» على كسر من آنية محفوظ  في المتحف الوطني بالرياض مصدره جزيرة تاروت
«سيّد الوحوش» على كسر من آنية محفوظ في المتحف الوطني بالرياض مصدره جزيرة تاروت
TT

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

«سيّد الوحوش» على كسر من آنية محفوظ  في المتحف الوطني بالرياض مصدره جزيرة تاروت
«سيّد الوحوش» على كسر من آنية محفوظ في المتحف الوطني بالرياض مصدره جزيرة تاروت

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن. تنقسم هذه المجوعة أنواعاً عدة، أهمّها فنياً تلك التي تميّزت بنقوش تصويرية تتبنّى أبجدية خاصة، تتمثّل في سلسلة من العناصر التشكيلية تعبّر عن عالم رؤيوي غامض احتار أهل الاختصاص في تفسير معانيه.

ثعبانان متشابكان على كسر من آنية محفوظ  في المتحف الوطني بالرياض مصدره جزيرة تاروت

تقع جزيرة تاروت على الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية، وهي اليوم من مكوّنات القطيف في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، وكانت في الماضي حاضرة من حواضر إقليم البحرين التاريخي، كما تشهد آثارها التي يرجع بعضها إلى فترة فجر السلالات الأُول لبلاد ما بين النهرين، وبعضها الآخر إلى الحضارة العيلامية. في مطلع ستينات القرن الماضي، شرعت السلطة السعودية في شق طريق تصل هذه الجزيرة، وخلال قيامها بهذا العمل، تمّ اكتشاف مقابر حوت آنية مزخرفة مصنوعة من الحجر الصابوني. بعد فترة وجيزة، ظهرت أعداد أخرى من هذه الأواني حين قام بعض سكان الجزيرة بتوسيع الأراضي الزراعية. سارعت شركة «مصفاة أرامكو» إلى جمع هذه اللقى، وقدّمتها إلى المتحف الوطني في الرياض، وشكّلت هذه القطع نواة لمجموعة أثرية اتّسعت سريعاً في السنوات التالية.

بدأ التنقيب الفعلي في نهاية الستينات، وتبعه مسح شامل في منتصف السبعينات، وكشفت هذه الأعمال عن مجموعة كبيرة من هذه الأواني في مقابر أثرية ظهرت في موقع «تل الرفيعة»، في الناحية الشرقية من الجزيرة. بعدها، تمّ إعداد تقرير علمي شامل خاص بهذه الاكتشافات نُشر في فهرس توثيقي دقيق في 1978. حوى هذا الفهرس نحو ستمائة قطعة محفوظة في متحف الرياض الوطني، أغلبها كسور جزئية. وتبيّن أن القسم الأكبر من هذه الأواني يخلو من النقوش التصويرية، ومنه ما جاء بشكل مجرّد صرف، ومنه ما حمل حللاً زخرفية. في المقابل، برز قسم آخر من هذه اللقى تميّز بنقوشه التصويرية، واتّضح سريعاً أن هذه النقوش تتبع نمطاً خاصاً يعتمد سلسلة من المفردات التشكيلية الآدمية والحيوانية والنباتية، إضافة إلى مفردات أخرى تحاكي العناصر العمرانية.

يتمثّل الحضور الآدمي في الدرجة الأولى برجل يظهر وسط هذا العالم المتخيّل بشكل ثابت، مرتدياً مئزراً يلتفّ حول الحوض والقسم الأعلى من الساقين. وجهه جانبي، وملامحه ثابتة، تتكوّن من أنف ضخم وعين لوزية فارغة وشفتين مطبقتين، مع شعر كثيف وطويل يتدلّى من خلف الرأس. على العكس، يبدو صدر هذا الرجل في وضعية المواجهة، وتحدّه ذراعان مرفوعتان نحو الأعلى. تتغيّر وضعيّة الساقين بين نقش وآخر، حيث يظهر الرجل تارة منتصباً، وتارة جاثياً، ممسكاً بكلّ من يديه المرفوعتين حيواناً متوحّشاً تتبدّل هويّته بين صورة وأخرى، فهو طوراً أفعى، وطوراً ثور، وطوراً نمر أو أسد أو وحش من الوحوش السنّورية. يحضر «سيّد الوحوش» في هذه الصور التي يغلب عليها الطابع العجائبي، ويتجلى حضوره في هذه السيادة.
يحضر «سيّد الوحوش» حيناً، ويغيب حيناً، وتبقى هذه الحيوانات حاضرة في تآليف تتكرّر في تنويعات مختلفة. تحتل الأفعى المرتبة الأولى في هذه التآليف كما يبدو، وتبرز بأشكال لولبية متعددة، حيث تتوالد مراراً وتتشابك، وتبدو كأنها تتواجه فيما بينها وهي تفتح فكّي فمها. مظهر هذه الأفاعي واحد، ويتمثّل بجلد تعلوه شبكة من الثقوب اللوزية، شابه ثقوب عيونها، ويبدو أن هذه الثقوب كانت في الأصل مرصّعة بأحجار أو بمواد أخرى مضافة. كذلك، تتميّز هذه الأفعى بأذنين ثابتين على شكل فاصلتين مقلوبتين، وبأنف ضخم؛ مما يوحي بأنها ثعبان له رأس تنين. إلى جانب هذه الأفاعي، يحضر الثور الوحشي بقرنيه الكبيرين، وتحضر الوحوش السنّورية المتحرّكة باستمرار، كما تحضر الطيور الجارحة المحلّقة في الفضاء.
تمتزج هذه الكواسر في بعض الأحيان، ويحلّ النسر برأس أسد، في صورة تماثل صورة الصقر الأسطوري في بلاد ما بين النهرين، وهو الصقر الذي عُرف باسم آنزو، كما باسم إمدوغود. تحتل هذه الكائنات الحية موقعها وسط مساحة تشكيلية تتكوّن من مجموعة عناصر ثابتة. تحضر سعف النخيل المتناسقة والورديات المرصّعة، وتحضر الأسيجة التي تحاكي السلال المنزلية، كما تحضر النقوش المتوازية التي ترمز كما يبدو إلى المياه. كذلك، تتكرر العناصر المعمارية بشكل ثابت في هذه الصور، ويبرز في هذا الميدان باب مغلق يحتل في بعض الأحيان وسط التأليف.
تعود هذه الآنية المصنوعة من الحجر الصابوني والمزيّنة بالصور إلى النصف الثاني من الألفية الثالثة قبل الميلاد، وتمثّل عينة من نتاج واسع تظهر شواهده في مناطق عدة تقع في دائرة جغرافية مترامية الأطراف، تمتدّ من الهضبة الإيرانية إلى آسيا الوسطى. تماثل آنية جزيرة تاروت السعودية بنقوشها، الآنية التي عُثر عليها في جزيرة فيلكا الكويتية الواقعة في الركن الشمالي الغربي من الخليج العربي. كما تماثل الآنية التي عُثر عليها في مواقع عدة في جنوب شرقي إيران من مقاطعتي بلوشستان وكرمان، في مقدمها موقع «تبه يحيى» وموقع «جيروفت».
في هذه المواقع تحديداً، تمّ اكتشاف أكبر مجموعات من هذه الآنية في العقدين الأخيرين؛ مما يوحي بأن هذه المنطقة شكّلت أكبر مراكز إنتاج هذه الأواني. عُرفت هذه المنطقة في المصادر السومرية باسم مارحاشي، وعُرفت في المصادر الأكادية باسم بارحاشوم، وكانت في الألفية الثالثة قبل الميلاد دولة تقع شرق عيلام، وعيلام كما هو معروف تمثّل حضارة ما قبل إيرانية قديمة، توسعت إلى أقصى الغرب والجنوب الغربي من إيران، وضمّت الأراضي المنخفضة المتاخمة.
بعيداً من هذه البقاع، عُثر على آنية مشابهة في وادي فرغانة، في آسيا الوسطى، كما في مواقع عدة من بلاد ما بين النهرين؛ مما يوحي بأن هذه الآنية شكّلت أسلوباً «متعدّد الثقافات» اعتمد في مناطق متباعدة، منها جزيرة تاروت. خرجت هذه الآنية من المدافن، وكانت تحوي زيوتاً وطيوباً رافقت الراقدين في انتقالهم إلى العالم الآخر، ويبدو أن هذه الزيوت العطرة كانت تستخرج قنة تنبت في أقاصي الهضاب الواقعة بين إيران وأفغانستان، وكانت أشبه بصمغ طبي امتاز بطابع «سحري» وقائي.
في الخلاصة، زُيّنت هذه الأواني بصور حملت طابعاً جنائزياً، وعكست هذه الصور رؤيا ماورائية يصعب تفكيك رموزها في غياب أي نصوص كتابية مرافقة لها.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي
يوميات الشرق «تقنيات الكتابة الروائية»

«تقنيات الكتابة الروائية»

صدر حديثاً عن «دار كنعان» كتاب «تقنيات الكتابة الروائية»، من إعداد الناقد الأميركي أبراهام شاول بوراك. نقلته إلى العربية إيفا شاهين، وصمم غلافه باسم صباغ. يقدم الكتاب، وفقاً للناشر: «نهوجاً مختلفة في كتابة الرواية لدى أربعين روائياً ناجحاً، جمعيهم يبرهنون أنه لا يوجد نهج واحد لكتابة الرواية. ففي الحقيقة، كل روائي من هؤلاء يستخدم تقنية مختلفة. بعضهم يبدأ روايته بشخصية أو مكان، فيما يميل بعض آخر إلى بدئها بحبكة، أو موضوع، بينما يقدّم آخرون موجزاً عاماً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».


مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
TT

مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)

فشلت عزة حمدي، وهي موظفة في الأربعين من عمرها تعيش في محافظة بني سويف (120 كم جنوب القاهرة)، في شراء سبيكة ذهبية صغيرة، بعدما سحبت جزءاً من مدخراتها المالية لشراء سبيكتين يزن كل منهما غراماً واحداً، مستفيدة من التراجع الجزئي في سعر الذهب. واضطرت في النهاية إلى دفع أموالها والانتظار نحو أسبوعين لتتسلم السبائك الخاصة بها.

طافت عزة محلات الصاغة في مدينتها، لكنها بعد جولة شملت أكثر من 10 محلات لم تجد ما تريد، وعادت إلى منزلها بعدما أخبرها عاملون بعدم وجود سبائك أو جنيهات ذهبية، وأن المتاح يقتصر على أوزان كبيرة من السبائك الذهبية فقط، يتراوح وزنها بين 20 غراماً و100 غرام، وهو ما يفوق قدرتها المالية.

تقول عزة لـ«الشرق الأوسط» إن بعض زميلاتها اشترين الذهب الشهر الماضي بعد انتهاء شهادات بنكية ذات عائد مرتفع، وحققن أرباحاً عند إعادة البيع عقب الارتفاع الكبير في الأسعار. وتشير إلى أنها قررت شراء سبائك صغيرة بجزء من مدخراتها، لكنها لم تتمكن من العثور عليها، ما اضطرها إلى الموافقة على دفع المبلغ والانتظار مدة تصل إلى أسبوعين، وفق ما أبلغها الصائغ، لتتسلم ما طلبته، بغضّ النظر عن ارتفاع سعر الذهب أو انخفاضه.

اختفت السبائك الذهبية ذات الأوزان الصغيرة من الأسواق (شركة بي تي سي)

بلغت مشتريات المصريين من الذهب 45.1 طن في عام 2025، متراجعة بنحو 10 في المائة مقارنة بعام 2024، مع تسجيل زيادة في الربع الأخير من 2025 بنسبة 4 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وهي الفترة التي شهدت قفزة قوية في مشتريات السبائك والعملات الذهبية بنسبة 27 في المائة، وفق تقرير صادر عن مؤسسة «جولد بيليون» الشهر الماضي.

وعلى عكس المشغولات الذهبية التي انخفضت مشترياتها بنسبة 18 في المائة في 2025 مقارنة بعام 2024، سجلت مشتريات السبائك والعملات الذهبية خلال الفترة نفسها تراجعاً بنحو 2 في المائة فقط.

يقول مجدي موريس، أحد العاملين في محلات الذهب، لـ«الشرق الأوسط» إن «السبائك اختفت بسبب زيادة الطلب عليها بشكل كبير في الأسابيع الماضية، مع دخول الشهر الثالث على التوالي من تركيز المواطنين على شرائها؛ نظراً لإمكانية إعادة بيعها دون خصم أي نسبة، على عكس المشغولات التي تتراوح نسبة الخصم عند إعادة بيعها بين 1 و3 في المائة، حسب المحل وحالة المشغولات نفسها».

وأضاف أن «السبائك الصغيرة هي الأكثر إقبالاً عليها، وأصبح من الصعب الحصول عليها مع تأخر الشركات في التوريد، مما دفع بعض التجار إلى الاتفاق على تنفيذ عمليات بيع بأسعار اليوم، على أن يجري التسليم في وقت لاحق»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر قد يؤدي إلى مشكلات عند تغيّر السعر في ظل حالة الاضطراب صعوداً وهبوطاً بشكل يومي، وقد حدثت بسببه خلافات بين بعض التجار والزبائن».

ولفت موريس إلى أنهم، على مدى 3 أيام تقريباً، لم يستقبلوا شخصاً واحداً يرغب في إعادة بيع سبيكة يملكها، مقابل مئات الاستفسارات اليومية عن الشراء، في حين لم تسلِّمهم الشركة التي يتعاملون معها أي سبائك جديدة منذ 5 أيام تقريباً. وأشار إلى وجود فارق سعري بين البيع والشراء للسبائك يصل إلى 300 جنيه (الدولار يعادل 46.9 جنيه في البنوك)، في إطار سعي التجار إلى تجنب الخسارة بسبب تذبذب الأسعار.

وسجلت أسعار الذهب تذبذباً عالمياً في الأسابيع الماضية، مع تسجيل أرقام قياسية لسعر «أونصة الذهب» التي اقتربت من حاجز 5600 دولار، قبل أن تتراجع بأكثر من ألف دولار. كما تشهد الأسواق العالمية تبايناً في السعر اليومي يصل أحياناً إلى 300 دولار، ما يجعل التسعير في محلات الذهب المصرية يتغير مرات عدّة خلال اليوم الواحد.

تعاني السوق المصرية من نقص في توافر السبائك (شركة بي تي سي)

أرجع رئيس «شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية» هاني ميلاد، نقص المعروض من السبائك في الأسواق إلى الزيادة الكبيرة في الطلب على الشراء، بما يتجاوز القدرات الإنتاجية والطاقة التشغيلية للمصانع. وأوضح أن هذا النقص ظهر بوضوح خلال الأيام الأخيرة، لا سيما في السبائك صغيرة الحجم والجنيهات الذهبية؛ نظراً لكونها الأكثر جذباً للمشترين.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب يُعد في الأساس أداة استثمارية طويلة الأجل، لكن موجة الصعود الأخيرة في الأسعار دفعت بعض المتعاملين إلى الشراء بغرض المضاربة قصيرة الأجل، مع تركيز واضح على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها الأقل من حيث تكلفة «المصنعية»، مع إمكانية استرداد جزء منها عند إعادة البيع.

ونفى ميلاد وجود توجّه لإيقاف أو تعليق التعاملات في محلات الذهب بسبب التذبذب في الأسعار العالمية، مؤكداً أن عمليات البيع والشراء تسير بصورة اعتيادية في معظم الأوقات، رغم التقلبات السعرية.