ظاهرة التنمّر على المظهر تنتشر... والمشاهير يتصدّون لها

شابة تروي ل"الشرق الأوسط" كيف واجهت السخرية من وزنها

المغنيتان الأميركيتان أريانا غراندي وسيلينا غوميز (إنستغرام)
المغنيتان الأميركيتان أريانا غراندي وسيلينا غوميز (إنستغرام)
TT

ظاهرة التنمّر على المظهر تنتشر... والمشاهير يتصدّون لها

المغنيتان الأميركيتان أريانا غراندي وسيلينا غوميز (إنستغرام)
المغنيتان الأميركيتان أريانا غراندي وسيلينا غوميز (إنستغرام)

«لماذا سمنت كثيراً؟»، «أنتِ نحيفة كقشّة»، «أنفك بحاجة إلى جراحة تجميل»، «كم هو قصير القامة»... كلها عباراتٌ تدخل في قاموس يوميات الناس، لكنها خارجة من قاموس «تعيير الآخر بجسده (body shaming)».
أصبحت هذه الظاهرة أكثر شيوعاً بفعل الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، وسطوة ثقافة الشكل الخارجي، كما لو أن الاختباء خلف شاشة الهاتف أو الكومبيوتر، يبيح لأي شخص انتقاد الآخرين وإهانتهم والتجريح بأشكالهم والسخرية من أوزانهم وملامحهم.
من أريانا غراندي إلى ميرفت أمين
المشاهير والفنانون هم الأكثر عرضة لهذا النوع من الهجوم. يعرّضهم حضورهم الدائم تحت الضوء لكمّ هائل من التنمّر، لكنّ وعي معظمهم ببشاعة تلك الظاهرة بات يدفع بهم لفضح المتنمرين. هذا ما فعلته مؤخراً المغنية العالمية أريانا غراندي، عندما نشرت فيديو رداً على التعليقات التي تلقّتها بسبب خسارة كبيرة في وزنها. دعت الناس إلى أن يكونوا لطفاء بعضهم مع بعض؛ «لأنكم لا تعلمون بأي محنة يمرّ الشخص الآخر»، وفق ما قالت.

لم تسلم زميلتها سيلينا غوميز من الهجوم على وزنها الزائد، وردّت بالقول إنها ليست عارضة أزياء. ومنذ ما تعرضت له من تعيير، واظبت الفنانة الأميركية على نشر صور لها من دون مساحيق تجميل، ولا تخفي كيلوغراماتها الزائدة. بالشجاعة نفسها؛ ردّت فنانات مثل ليدي غاغا، وجنيفر أنيستون، وأديل، وريهانا على حملات السخرية التي واجهنها بسبب أوزانهنّ.
تتعرّض النساء أكثر من الرجال للسخرية من مظهرهنّ، وما عدد الفنانات ضحايا التنمّر سوى دليل على ذلك. من العالم العربي كانت الممثلة المصرية ميرفت أمين أحدث الضحايا، فهي عُيّرت بسبب ملامح تقدّمها في السن، إضافةً إلى المطربة شيرين التي هوجمت بسبب اكتسابها وزناً إضافياً. لكن ما الذي يبيح لشخصٍ جَلْدَ شخصٍ آخر بسبب صورة لم تَرُق له مثلاً، كما حدث مؤخراً مع الفنانة اللبنانية هيفاء وهبي؟


واظبت سيلينا غوميز منذ فترة على نشر صور لها من دون مساحيق تجميل (إنستغرام)
حكاية نانسي…
لا تجد المعالجة النفسية يارا بصيبص دافعاً محدداً لهذا النوع من التصرّفات، سوى أن «الشخص الساخر يعاني من صعوبات في حب نفسه، وهو غالباً ما يكون عدائياً». بصيبص، التي تتابع حالات كهذه في جلساتها العياديّة، تشير لـ«الشرق الأوسط» إلى أنها تلاحظ «ازدياداً في عدد الأطفال والمراهقين الذين يسخرون من شكل الآخرين في المدرسة» ووفق تشخيصها، فإن «المتنمّر يعاني من انعدام الأمان، وعندما يسخر من الآخر يشعر بأنه أهم وأكبر قيمة منه».
في المدرسة، بدأت معاناة «نانسي» مع تعييرها بجسدها: «إنتِ ناصحة»، و«رح تتفتّق تيابك عليكِ»، و«ليه صايرة قد البقرة؟»، و«ما حدا رح يتزوّجك»... وغيرها من التعليقات التي كانت تسمعها يومياً من زملاء الصف والأقرباء. تخبر الشابة الثلاثينية «الشرق الأوسط» أن أخطر ما بين تلك العبارات كانت «خبّئوا الطعام عنها»، وهذا ما دفع بها إلى «الأكل العاطفي (emotional eating)» فيما يشبه النكاية. حتى عندما حاولت استثمار موهبتها في كرة السلّة، سمعت كلاماً مؤذياً على غرار: «ليك هيدي الناصحة بتركض وبتلعب (باسكت بول basket ball)».
وصل وزن نانسي إلى 108 كيلوغرامات، لكنها تؤكد أنها لم تكترث للتجريح. كان جوابها الدائم: «لا علاقة لكم بما آكل. هذه حياتي وأنا حرة بها». تعلّق بصيبص بالقول إنه «لا يكفي أن تتمتع ضحية التنمّر بالثقة بالنفس حتى تحمي نفسها، فثمة ما هو أقوى، كالضغوط الاجتماعية، ونظرة الأقرباء والمحيطين، وسطوة الصورة التي تروّجها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي».


عانت نانسي لسنوات طويلة من التنمّر بسبب وزنها الزائد (إنستغرام)
تحذّر الاختصاصية النفسية من المعايير الجماليّة الموحّدة التي تفرضها السوشال ميديا، والتي تمنع الفرد من تقبّل نفسه كما هي. تقول: «يحاولون التماهي مع الصور التي يرون، من دون أن يعوا أنّ لكل شخص جماله الذي يميّزه عن الآخر». وتضيف أن «الأطفال والمراهقين هم إجمالاً حساسون أكثر من البالغين تجاه تلك العوامل، خصوصاً أنهم غير مهيّئين للدفاع عن أنفسهم».
لم تفتح نانسي قلبها لأحد حول ما تعرّضت له؛ «شعرت بأن الجميع سيسخر مني»، تقول. مع مرور الوقت، جوبهت بمزيد من السخرية: «حتى عندما كانوا يتعاملون معي على أنني سيدة المهام الصعبة بسبب بنيتي الجسدية، وحتى عندما كانوا يقولون لي إن وزني الزائد يمنحني خفة ظل، اعتبرتُ هذا شكلاً من أشكال التنمّر». أما ارتداؤها ملابس واسعة وشبيهة بثياب الرجال لإخفاء وزنها، فجعلها تُرشَق بعبارة «حسَن صبي».
تشدّد بصيبص على ضرورة التمييز بين شكل الشخص الواقعي، والصورة أو الفكرة التي يكوّنها عن شكله. تشرح أن هذه «الصورة محكومة بانطباع الفرد عن جسده ليس في عينيه فحسب؛ بل في عيون الآخرين». وتحذّر بأن «السخرية من الوزن أو لون البشرة أو المظهر عموماً، يمكن أن تتسبب في اختلال في الصورة التي يكوّنها الفرد عن نفسه». وتوضح في هذا السياق كيف أن «أشخاصاً يتمتعون بجسد مرسوم جيداً وفق أعراف المجتمع، يمكن أن يكوّنوا صورة سيئة عن شكلهم إذا ما كانوا عرضة للتقليل من قيمتهم أو لتعنيفٍ لفظي من الأقرباء والمحيطين بهم».
أحد أسباب انتحار المراهقين
تؤكد نانسي أنها لا تحقد اليوم على أحد ممن تنمّروا على شكلها. تقول: «تصالحت مع الموضوع وبتُّ مقتنعة بأن الكل متنمِر ومتنمَر عليه في مكانٍ ما، مهما كان شكله. ثم إن بعض ما سمعت كان ربما من باب القلق على صحتي».
في المقابل، هي لا تخفي أن ما تعرضت له من تعيير منذ الطفولة، مروراً بالمراهقة، وصولاً إلى سن الثلاثين، كان أحد الدوافع وراء خضوعها لجراحة ربط المعدة (ring)، إلى جانب الأسباب الصحية كآلام الظهر والصعوبة في التنفّس.


خضعت نانسي لعملية ربط المعدة وخسرت حوالي خمسين كيلوغراماً (الشرق الأوسط)
وفق رأي المعالجة النفسية، فإن المتابعة العيادية لا تقتصر على ضحية التنمّر، بل يجب أن تمتدّ إلى المتنمّر «كي يتعرف على حدوده ويتعلم احترام الآخر، وإلا فإن صحته النفسية معرّضة للخطر». ترى بصيبص أن ما يصدر من كلام جارح وتعيير بالجسد غالباً ما يكون محكوماً من اللاوعي، «لذلك؛ فإن العلاج يركّز على توعية الطفل أو المراهق بالسبب الذي يدفع به إلى جرح الآخر. خلال هذه الجلسات، يتعلّم الشخص أن يتعرف على مشاعره ويسمّيها».
يتكامل ذلك مع الجوّ العائلي الصحي ووعي الأهل، الذين «يجب أن يعلّموا الولد أن يحب جسده كما هو»، وفق بصيبص. وإلا؛ فإن العواقب قد تأتي ثقيلة على ضحايا «التعيير بالجسد (body shaming)»، وهي تتراوح بين فقدان الثقة بالنفس والانتحار، مروراً بالقلق الاجتماعي، والاضطرابات في الطعام، والاكتئاب. وقد أظهرت الدراسات أن التعرّض للسخرية من الشكل، هو رابع سبب للانتحار في صفوف من تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عاماً.


مقالات ذات صلة

«الإعلام المصرية» تلوّح بالقضاء في مواجهة «استخدامات سلبية» لمواقع التواصل

شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان يستعرض مهام وزارته أمام رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في اجتماع سابق (مجلس الوزراء المصري)

«الإعلام المصرية» تلوّح بالقضاء في مواجهة «استخدامات سلبية» لمواقع التواصل

لوّحت وزارة الدولة للإعلام المصرية باللجوء إلى الجهات القضائية للتعامل مع المخالفات «التي تهدد أمن المجتمع جراء نشر معلومات مضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعي».

أحمد جمال (القاهرة)
يوميات الشرق بين النيّة والتلقّي تتشكَّل العاصفة (غيتي)

إعلان «تنظيف الرجال السامّين» يجرّ «ديتول» إلى الاعتذار في الصين

اعتذرت العلامة التجارية البريطانية للنظافة «ديتول» عن إعلان نشرته في الصين، قالت إنه كان يهدف إلى نقد التمييز الجنسي، غير أنه أفضى إلى نتائج عكسية تماماً...

«الشرق الأوسط» (لندن)
إعلام مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
إعلام شعار "ميتا" (رويترز)

أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

أعلنت شركة «ميتا» عن حزمة تحديثات جديدة لتعزيز إنتاج الفيديو على حساب الروابط، في خطوة ذكرت أن هدفها إتاحة تجربة متكاملة عبر تطبيقاتها الرقمية

إيمان مبروك (القاهرة)
يوميات الشرق أجهزة الأمن كثَّفت حملات إلقاء القبض على بلوغرز (وزارة الداخلية)

توقيف «بلوغرز الرقص»... هل تهدد «السوشيال ميديا» قيم المجتمع المصري؟

في الآونة الأخيرة تزايدت وقائع القبض على صانعات محتوى على «السوشيال ميديا» بمصر للقيام بنشر مقاطع فيديو تتضمن مشاهد وألفاظ «خادشة للحياء».

محمد الكفراوي (القاهرة )

الأغنيات الشعبية... ورقة دعائية لأفلام موسم الصيف في مصر

الملصق الدعائي لفيلم «محمود التاني» (الشركة المنتجة)
الملصق الدعائي لفيلم «محمود التاني» (الشركة المنتجة)
TT

الأغنيات الشعبية... ورقة دعائية لأفلام موسم الصيف في مصر

الملصق الدعائي لفيلم «محمود التاني» (الشركة المنتجة)
الملصق الدعائي لفيلم «محمود التاني» (الشركة المنتجة)

عززت الأغنية الشعبية المصرية حضورها في أفلام موسم الصيف السينمائي، إذ اعتمد صناع عدد من الأفلام على تقديمها في قوالب فنية مختلفة، بوصفها إحدى وسائل الترويج لأعمالهم، على غرار أفلام «صقر وكناريا»، و«الكلام على إيه»، و«ابن مين فيهم؟»، إلى جانب «محمود التاني» و«الست لما»، المقرر عرضهما خلال أيام.

وشهد فيلم «صقر وكناريا» طرح أغنية «عمك وعم عمك»، بصوت محمود العسيلي وعصام صاصا، في حين قدم مصطفى غريب وحودة ودنيا سامي أغنية فيلم «الكلام على إيه». وخاضت انتصار تجربتها الغنائية الأولى بأغنية «اسمع الخبر الآتي» ضمن فيلم «ابن مين فيهم؟»، كما أطلق صناع «الست لما» أغنية «سلملي» بصوت حنان أحمد، بينما قدم عصام صاصا وأحمد بحر أغنية «بيان هام» من فيلم «محمود التاني».

فيلم «صقر وكناريا» لمحمد إمام وشيكو (الشركة المنتجة)

وعن انتشار الأغنيات الشعبية في أفلام الموسم السينمائي الحالي، يقول الناقد الفني المصري سمير الجمل إن «الأغنية بشكل عام لا بد أن تكون جزءاً من دراما الفيلم، وأن تُقدَّم وفقاً لطبيعة القصة والسياق».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «سر نجاح بعض أغنيات أفلام (الزمن الجميل) يعود إلى كونها جزءاً من السياق الدرامي للأحداث، وتعبّر عن المضمون، على غرار أغنيات (الناجح يرفع إيده) لعبد الحليم حافظ، و(شحات الغرام) لمحمد فوزي، و(داري جمالك) لمحرم فؤاد».

ووصف سمير الجمل ما يجري أخيراً في الأفلام بأنه «تقليعة تجارية» اعتمدت منذ سنوات لإنعاش بعض الأفلام، لافتاً إلى أن «من حق الصناع الترويج لأفلامهم، ولكن ليس على حساب المضمون»، واصفاً ما يحدث بأنه «إفلاس فكري وترند سينتهي».

الملصق الترويجي لفيلم «الست لما» (الشركة المنتجة)

واعتمد صناع أفلام خلال السنوات الماضية على طرح أغنيات شعبية دعائية، على غرار «آه يا دنيا» لبوسي من فيلم «الألماني»، و«سيجارة بني» لمحمود الحسيني من فيلم «الفرح»، و«الحنطور» لأمينة من فيلم «قصة الحي الشعبي»، و«العنب» لسعد الصغير من فيلم «عليا الطرب بالـ3»، و«آه لو لعبت يا زهر» لأحمد شيبة من فيلم «أوشن 14»، و«الغزالة رايقة» من فيلم «من أجل زيكو»، و«سطلانة» التي قدمها عدد من نجوم الأغنية الشعبية في فيلم «بعد الشر».

ويرى الناقد الفني المصري محمد عبد الخالق أن «اعتماد الأفلام السينمائية على الأغنية ظاهرة قديمة، إذ كانت الأغنيات في البداية جزءاً من العمل، خصوصاً في الأفلام الغنائية، ويقدمها أبطال الفيلم أو مطرب آخر يشارك في العمل».

الملصق الترويجي لفيلم «ابن مين فيهم؟» (الشركة المنتجة)

ويضيف عبد الخالق لـ«الشرق الأوسط»: «تطور الأمر، وأصبحت الأغنيات تُستخدم في الترويج للأفلام، سواء بطرحها ضمن الإعلان الدعائي للفيلم أو بصورة منفصلة بالتزامن مع عرضه، إلى أن وصلنا اليوم إلى أغنيات دعائية لا تدخل ضمن السياق الدرامي، ويقدمها مطربون غير مشاركين في العمل، وتُطرح قبل عرض الفيلم بوصفها إحدى وسائل الترويج له».

ويعتقد أن «نجاح الأغنية الدعائية لا يعني بالضرورة نجاح الفيلم»، مضيفاً: «لدينا أغنيات صُنعت لأغراض ترويجية وحققت مشاهدات مرتفعة، لكنها غابت عن ذاكرة الجمهور بعد فترة، إلى درجة أن البعض لم يعد يعرف الأفلام التي صُنعت من أجلها، وباتت أغنيات مستقلة بنجاحها».


السعودية تؤطر الفن العام ضمن مشهد حضري يعزز جودة الحياة

ميدان ومجسمات القناديل في جدة (أمانة جدة)
ميدان ومجسمات القناديل في جدة (أمانة جدة)
TT

السعودية تؤطر الفن العام ضمن مشهد حضري يعزز جودة الحياة

ميدان ومجسمات القناديل في جدة (أمانة جدة)
ميدان ومجسمات القناديل في جدة (أمانة جدة)

من نيويورك ولندن إلى برشلونة ومدن أخرى حول العالم، لم تعد المنحوتات والأعمال الفنية في الساحات والشوارع مجرد عناصر لتجميل الفضاء العام؛ فبعضها تحول مع مرور الزمن إلى علامات مرتبطة بصورة المدينة وذاكرة سكانها؛ ما يجعل نقلها أو تغيير محيطها أو حتى صيانتها مسألة تتجاوز القرار الجمالي إلى أسئلة تتعلق بالهوية والتخطيط والحفاظ على الإرث الحضري.

وتزداد هذه المسألة أهمية في المدن التي تشهد تحولات عمرانية متسارعة؛ إذ يصبح التحدي في كيفية إعادة تصميم شارع أو ميدان من دون فقدان العمل الفني الذي ارتبط به، ومتى يتحول المجسم من قطعة جمالية إلى جزء من ذاكرة المكان. في السعودية، يضع مرجع جديد أصدرته هيئة الفنون البصرية حول الفن في الأماكن العامة هذه العلاقة ضمن إطار أكثر تنظيماً، يمتد من التخطيط والتكليف والتنفيذ إلى الإدارة والصيانة والحفاظ على الأعمال الفنية، بالتزامن مع مشاريع تطوير حضري واسعة تعيد تشكيل الفضاءات العامة في عدد من مدن المملكة.

مجسم فني يزين بحيرة الأربعين في جدة (واس)

وتقدم جدة نموذجاً لافتاً لهذه المعادلة، فالمدينة التي عُرفت منذ عقود بمجسماتها المنتشرة في الميادين وعلى امتداد واجهتها البحرية، تعمل اليوم على المحافظة على هذه الذاكرة بالتوازي مع إعادة تطوير طرقها وميادينها. وتكشف أمانة محافظة جدة لـ«الشرق الأوسط» أن استراتيجيتها ترتكز على المحافظة على المعالم الجمالية والتاريخية في مواقعها الأصلية، حرصاً على قيمتها الثقافية ورمزيتها بوصفها جزءاً من الذاكرة البصرية لأهالي المدينة.

ميدان مجسم القبلة (أمانة جدة)

ومن أبرز المعالم التي أعيد تأهيلها خلال الفترة الأخيرة «ميدان مجسم القبلة»، حيث طُورت أرضيات الميدان بما يتلاءم مع تصميم الفنان، مع المحافظة على المجسم نفسه، كما شملت أعمال التطوير «ميدان ومجسمات القناديل»، اذ لم يقتصر التدخل على المساحة المحيطة بالعمل الفني، بل امتد إلى معالجة الأرضيات والهيكل الإنشائي للمجسمات بهدف المحافظة على استدامتها.

معايير تتجاوز الشكل الجمالي

في حديث له مع لـ«الشرق الأوسط» قال مدير الاتصال والمتحدث الرسمي لأمانة محافظة جدة محمد البقمي: «لا تتعامل الأمانة، مع تطوير الميدان بوصفه عملية تجميلية منفصلة عن وظيفته داخل المدينة؛ إذ تخضع مشاريع التأهيل لمجموعة من المعايير تشمل موقع الميدان ودوره الحضري، والسلامة والحركة المرورية، وحركة المشاة وإمكانية الوصول، والهوية العمرانية لمدينة جدة». وبين البقمي أن عملية التطوير تدخل ضمن عناصر تنسيق الموقع والتشجير واختيار المواد المناسبة وفق طبيعة كل مجسم، بما يضمن استدامة العمل الفني والمحافظة على علاقته بالمشهد المحيط به.

ميدان التاريخ شمال جدة (أمانة جدة)

ويظهر هذا التوازن أيضاً في «ميدان التاريخ» شمال جدة، حيث بدأت الأمانة في أبريل (نيسان) الماضي تطوير التقاطع بين طريق الأمير سلطان وشارع حراء لمعالجة الاختناقات المرورية، مع الإبقاء على المجسم في موقعه بوصفه أحد عناصر «هوية المكان وذاكرته». لكن المعادلة تصبح أكثر تعقيداً عندما تفرض مشاريع التطوير تغييراً لا يمكن معه الاحتفاظ بالعمل في موقعه.

وهنا يؤكد البقمي أن النقل ليس الأصل، وإنما استثناء؛ فلا يتم نقل أي معلم إلا في حالات ترتبط بمشاريع تطويرية كبرى يتعذر معها معالجة وجود المجسم فنياً. وحتى في هذه الحالات، لا ينتهي التعامل مع العمل بمجرد إزالته من موقعه؛ لكن يتم نقله إلى موقع بديل يحاكي هويته الفنية، ويضمن سلامة الحركة المرورية، وفي الوقت نفسه يحافظ على قيمته الجمالية وإتاحته للزوار وسكان المدينة. ويكشف هذا النهج عن نظرة إلى المجسم تتجاوز مادته وتصميمه إلى علاقته بالمكان والناس؛ فالعمل الذي يبقى لعقود في أحد الميادين قد يتحول إلى علامة يُعرف بها الموقع، وجزء من الصورة التي يحتفظ بها السكان عن مدينتهم.

أحد المجسمات الجمالية في مدينة جدة (واس)

إرث فني في الهواء الطلق

ولجدة تاريخ يمتد لعقود مع هذا النوع من الفن؛ فقد احتضنت شوارعها وميادينها وكورنيشها أعمالاً لفنانين سعوديين وعرب وعالميين؛ ما جعل الفن جزءاً من المشهد اليومي خارج حدود قاعات العرض. وجزء من هذا الإرث استقر لاحقاً في «متحف جدة للمجسمات» المفتوح على الكورنيش، الذي يضم 26 عملاً فنياً، بينها أعمال لفنانين عالميين مثل هنري مور وخوان ميرو وألكسندر كالدر، بعدما خضعت مجموعة منها لأعمال ترميم وإعادة تأهيل.

فضاءات تتحول إلى «متاحف حية»

ولا تتوقف رؤية جدة عند حماية الإرث القائم؛ إذ يؤكد البقمي أن خطط تطوير الفن العام تستند إلى استراتيجية تستهدف «تحويل الفضاءات المفتوحة إلى متاحف عامة حية» تعزز الهوية البصرية والمشهد الحضري للمدينة، تماشياً مع مستهدفات برنامج جودة الحياة و«رؤية السعودية 2030». وتشمل الخطط إحياء الميادين التاريخية والحديثة، وتطوير ميادين جديدة بالاستعانة بالفنانين والمصممين، كما توضح الأمانة أن هذه المشاريع تُطرح عبر مسابقات ومعارض فنية تنظمها جهات مختلفة، من بينها أمانة جدة، بهدف استقطاب المبدعين لتقديم تصاميم مبتكرة للمجسمات.

ويلتقي هذا التوجه مع ما يطرحه المرجع السعودي الجديد للفن في الأماكن العامة؛ إذ لم يعد السؤال مقتصراً على اختيار المجسم الذي يوضع في الميدان، وإنما يمتد إلى علاقته بالموقع وهويته، وكيفية تنفيذه وإدارته وصيانته والحفاظ عليه مستقبلاً. وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة مع التحولات الحضرية التي تقودها «رؤية 2030»، وما توليه من اهتمام بجودة الحياة وتطوير فضاءات عامة أكثر حيوية وجاذبية، تجمع بين كفاءة المدينة الحديثة والمحافظة على هويتها الثقافية وذاكرتها البصرية. وفي هذا السياق، يعكس المرجع الجديد، وتجربة جدة في تأهيل ميادينها والمحافظة على مجسماتها، توجهاً نحو تطوير حضري لا يفصل بين الحداثة والهوية؛ يحفظ إرث المكان، وفي الوقت نفسه يفتح المجال أمام فن جديد يصنع معالم وذاكرة للأجيال المقبلة.


فنانات عالميات يتصدرن النسخة السادسة من «الأبد هو الآن»

«الأبد هو الآن» يربط الحضارة بالفنون المعاصرة (لوحة من النسخة الماضية فيسبوك)
«الأبد هو الآن» يربط الحضارة بالفنون المعاصرة (لوحة من النسخة الماضية فيسبوك)
TT

فنانات عالميات يتصدرن النسخة السادسة من «الأبد هو الآن»

«الأبد هو الآن» يربط الحضارة بالفنون المعاصرة (لوحة من النسخة الماضية فيسبوك)
«الأبد هو الآن» يربط الحضارة بالفنون المعاصرة (لوحة من النسخة الماضية فيسبوك)

في قلب واحدة من أشهر المناطق الأثرية في العالم، وتحت سفح أهرامات الجيزة، يعود معرض «الأبد هو الآن» في نسخته السادسة، بمشاركة عالمية تتصدرها الفنانات، إلى جانب عدد من الفنانين، من دول عدة، من بينها فرنسا، وأميركا، والصين، وبريطانيا، وجامايكا، ومصر.

وينطلق المعرض، الذي تنظمه مؤسسة «آرت دي إيجيبت»، في الفترة من 4 إلى 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 بمنطقة الأهرامات، مواصلاً مهمته في الجمع بين الفن المعاصر وأحد أعظم المعالم الحضارية التي عرفتها الإنسانية. وتضم النسخة الجديدة ممارسات فنية فرنسية، وأميركية، وصينية، وبريطانية – جامايكية، ومصرية.

ويدعو «الأبد هو الآن» الفنانات الفنانين المشاركين إلى التأمل في عظمة الحضارة المصرية القديمة، التي تعود آثارها إلى نحو 4500 عام، من منظور الممارسة الفنية المعاصرة، وفق بيان للمنظمين، رابطاً بذلك بين القيمة الحضارية للمكان والرؤى والأفكار المتنوعة التي يقدمها المشاركون.

وحسب البيان، أصبح «الأبد هو الآن» «أول وأكبر معرض للفن المعاصر من نوعه يُقام عند أهرامات الجيزة»، محولاً الموقع التاريخي إلى منصة للتبادل الثقافي العالمي والابتكار الفني.

جانب من أعمال «الأبد هو الآن» في نسخته الماضية (فيسبوك)

وتستكشف النسخة السادسة العلاقة الممتدة بين الإنسان والعمارة والعالم الطبيعي، مستلهمة الدقة الهندسية اللافتة للأهرامات ومحاذاتها الفلكية وأهميتها التاريخية. ومن خلال أعمال فنية مصممة خصيصاً للموقع وأخرى معاصرة ضخمة، يتأمل الفنانون المشاركون موضوعات الاستمرارية والنظام المكاني والذاكرة الثقافية والعلاقة بين الماضي والحاضر.

ويتعامل المعرض مع هضبة الجيزة بوصفها موقعاً أثرياً ومشهداً ثقافياً حياً يواصل إلهام البحث الفني والخيال المعاصر. ومن خلال دمج الخامات والتقنيات الحديثة مع إشارات إلى الهندسة المقدسة وعلم الكونيات والحرفية التقليدية، يسلط الضوء على استمرار تأثير أنظمة المعرفة التاريخية في الفكر والتعبير الإبداعي المعاصرين.

وأشارت نادين عبد الغفار، مؤسسة «آرت دي إيجيبت»، إلى أن المؤسسة تستعد هذا العام لإقامة 4 معارض في مواقع مختلفة بمصر، بعضها يحتضن آثاراً تعود إلى آلاف السنين، في حين يُنظَّم بعضها الآخر في وسط القاهرة الخديوية.

وأضافت، في مقطع فيديو نشرته صفحة المؤسسة، أن البرنامج يتضمن إقامة معارض داخل مبانٍ تحولت إلى مساحات فنية، بالتعاون مع شركة الإسماعيلية، إلى جانب معرض في بيت السحيمي بشارع المعز، يركز على الفنون التقليدية والحرف اليدوية، بمشاركة مصممين مصريين وأجانب.

من أعمال الفنان يوسف نبيل نشرتها صفحة المنظمين (آرت دي إيجيبت على فيسبوك)

كما تعمل المؤسسة على استضافة معرض في المتحف المصري بميدان التحرير، يقوم على حوار بين الفنانين والمصممين والقطع الأثرية التي يضمها المتحف، قبل أن تختتم نشاطها السنوي بمعرض «الأبد هو الآن» تحت سفح الأهرامات.

وكانت المؤسسة قد أعلنت العام الماضي تغيير موعد انطلاق النسخة الخامسة من «الأبد هو الآن»، لتقام في الفترة من 11 نوفمبر إلى 6 ديسمبر (كانون الأول) 2025، بالتزامن مع افتتاح المتحف المصري الكبير في الأول من نوفمبر. وشارك في تلك النسخة 10 فنانين من دول مختلفة، قدموا أعمالاً مجسمة وتركيبات فنية ملائمة للعرض في الأماكن المفتوحة.

ووفق «آرت دي إيجيبت»، استقطب «الأبد هو الآن»، منذ انطلاقه، فنانين معروفين عالمياً وجمهوراً من مختلف أنحاء العالم، مؤكداً البعد الإنساني الشامل للإرث الثقافي المصري.