تدشين أول مفاعل نووي لتوليد الكهرباء في جنوب تركيا

بوتين وإردوغان اعتبرا المحطة أهم مشروع تعاون بين البلدين

صورة جوية التُقطت أمس تظهر بناء محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء في ولاية مرسين جنوبي تركيا (أ.ف.ب)
صورة جوية التُقطت أمس تظهر بناء محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء في ولاية مرسين جنوبي تركيا (أ.ف.ب)
TT

تدشين أول مفاعل نووي لتوليد الكهرباء في جنوب تركيا

صورة جوية التُقطت أمس تظهر بناء محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء في ولاية مرسين جنوبي تركيا (أ.ف.ب)
صورة جوية التُقطت أمس تظهر بناء محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء في ولاية مرسين جنوبي تركيا (أ.ف.ب)

أكّدت تركيا وروسيا عزمهما على تعزيز التعاون بعد نجاح إطلاق أكبر مشروع في تاريخ العلاقات بين البلدين اليوم (الخميس)، وهو محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء التي أنشأتها شركة «روسآتوم» الروسية للطاقة النووية في ولاية مرسين جنوبي تركيا.
وأعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، خلال مشاركته إلى جانب نظيره الروسي فلاديمير بوتين، عبر تقنية الفيديو الخميس، في حفل تزويد أول مفاعل للمحطة التركية بالوقود النووي، أن تركيا ستصبح من خلال هذا المشروع واحدة من القوى النووية في العالم. وقال، في أول ظهور له بعد وعكة صحية ألمت به الثلاثاء ومنعته على مدى يومين من مواصلة برنامجه الانتخابي: «نحن هنا لافتتاح المشروع الذي سيضع تركيا بين القوى النووية في العالم. مع هذا الاحتفال، نفي بوعد آخر قطعناه لأمتنا، ونشهد إدخال الوقود النووي إلى موقع محطة الطاقة. هكذا، اكتسبت الآن هوية منشأة نووية».
وأضاف إردوغان، الذي يأمل الفوز في الانتخابات الرئاسية المرتقبة في 14 مايو (أيار): «يوجد اليوم 422 مفاعلا نوويا في العالم قيد التشغيل، و52 منها قيد الإنشاء. قبلت المفوضية الأوروبية الطاقة النووية كطاقة خضراء، وأزالت علامات الاستفهام حول استخدامها للأغراض السلمية». واعتبر هذا المشروع أكبر استثمار تركي - روسي بتكلفة بلغت 20 مليار دولار، معلنا أنه سيتم تشغيل جميع وحدات المحطة تدريجياً حتى عام 2029.
وسيساهم المشروع في خفض واردات تركيا من الغاز الطبيعي بـ1.5 مليار دولار سنوياً، وفق إردوغان الذي أكّد أن محطة الطاقة النووية «تلبي أيضاً متطلبات وكالة المهام الدولية والاتحاد الأوروبي، إلى جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، متوقعا إقامة محطات أخرى.
من جانبه، اعتبر بوتين أن تحول تركيا إلى دولة نووية سيعود بالفائدة على سوق الطاقة فيها، مشيرا إلى أن مشروع «أككويو» هو أهم مشروع بين روسيا وتركيا ويسمح بتنمية العلاقات الاقتصادية وعلاقات الجوار بين البلدين، التي لم تصل لهذا المستوى من قبل، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري 62 مليار دولار العام الماضي. وأكد بوتين أن روسيا ستعمل كل ما بوسعها لتلبية الحاجات التركية فيما يتعلق بالغاز الطبيعي، وكذلك احتياجاتها بعد كارثة زلزالي 6 فبراير (شباط) التي ضربت 11 ولاية في جنوب البلاد. وقبل الحفل، أجرى إردوغان اتصالا هاتفيا مع بوتين شكره خلاله على دور روسيا في بناء محطة «أككويو»، كما بحثا العلاقات التركية - الروسية والقضايا الإقليمية.
وذكر بيان للرئاسة التركية أن الرئيسين بحثا في مستجدات الحرب الروسية - الأوكرانية والخطوات المتعلقة باتفاقية شحن الحبوب عبر البحر الأسود الموقعة في إسطنبول في 22 يوليو (تموز) 2022. وأكد إردوغان لبوتين إمكان العمل على مبادرات جديدة لإنهاء الحرب، كما تطرقا إلى التطورات في سوريا. وأضاف البيان أن بوتين تمنى السلامة لإردوغان على خلفية الوعكة الصحية التي ألمت به الثلاثاء أثناء إجرائه لقاء تلفزيونيا مباشرا.
وفي وقت سابق، الخميس، قال وزير الصحة التركي فخر الدين كوجا، إن الحالة الصحية للرئيس إردوغان «جيدة جدا»، وإن التهاب المعدة والأمعاء الذي أصابه «في تراجع».
وخلال الاحتفال، أعلن وزير الطاقة التركي فاتح دونماز، أن المحطة ستوفر 10 في المائة من احتياجات تركيا من الطاقة بعد تشغيلها بالكامل، وأنها بالنسبة لتركيا ليست مجرد محطة طاقة نووية، بل هي بداية للعصر النووي في تركيا.
وبدوره، قال رئيس شركة «روسآتوم» أليكسي ليخاتشيف، «إن اليوم هو يوم تاريخي للعلاقات الروسية التركية. اليوم أصبحت تركيا دولة نووية، تستخدم الطاقة النووية لأغراض سلمية».
وأضاف أنه يجري العمل على تجهيز الوحدة الأولى من المحطة هذا الخريف، على أن يتم الإطلاق الفعلي لمحطة الطاقة النووية العام المقبل... «نخطط لبدء التشغيل الفعلي في العام المقبل ونقل المفاعل الأول إلى حالة الحد الأدنى من مستوى الطاقة الذي يمكن التحكم بها من أجل إنتاج الكهرباء بشكل مطرد في العام 2025».
ويعمل بمشروع المحطة حاليا نحو 25 ألف شخص 80 في المائة منهم تقريبا من الأتراك. وأسهم في إنعاش المنطقة عبر تشييد الطرق والمنازل والمقاهي والفنادق. وبتسليم الوقود النووي للمفاعل الأول، اكتسبت المحطة صفة «منشأة نووية». وحرص الجانب التركي على اتخاذ خطوة تزويد المفاعل الأول بالوقود النووي بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية، وقبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في 14 مايو المقبل.
ويعود تاريخ عقد إنشاء المحطة، التي تتولى إنشاءها وإدارتها شركة «روسآتوم» إلى 12 مايو 2010. وتتضمن 4 مفاعلات بطاقة إجمالية تبلغ 4800 ميغاوات. وتلبي الشروط والمتطلبات الحديثة المعتمدة لدى المجتمع النووي العالمي، المنصوص عليها في معايير الأمان لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمجموعة الاستشارية الدولية للسلامة النووية، ومتطلبات نادي المنظمات التشغيلية الأوروبية (إي يو آر).
* رئيس «روسآتوم»
على هامش إطلاق المشروع، أكد رئيس شركة «روسآتوم» أليكسي ليخاتشوف، أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا لم تترك آثارا سلبية على سير العمل في مشروع محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء في تركيا.
وفي رده على سؤال لـ«الشرق الأوسط» في مرسين، أقرّ بأن المشروع مر بصعوبات عديدة، مثل وباء كورونا، والضغوط السياسية على روسيا، ثم كارثة زلزالي 6 فبراير في تركيا التي خلفت عشرات الآلاف من القتلى. إلا أنه أكّد إحراز «تقدم بالجدول الزمني بالتعاون مع الجانب التركي، حتى أن الجدول الزمني تم اختصاره».
وأوضح: «بالطبع، أثرت هذه الأمور على المشروع بشكل ما. لكن بفضل جهود الفريقين التركي والروسي، ودعم قيادتي البلدين، وبفضل الاهتمام الخاص من الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان بشكل شخصي بدفع المشروع، نتقدم للأمام بكل ثقة». وأضاف أن دور إدارتي البلدين لا يتوقف عند تلقي التقارير عن سير العمل، لكنهما «عملتا باستمرار على اتخاذ القرارات التي جعلت المشروع يستمر بنجاح ويصل إلى هذه النقطة».
يُذكر أن تاريخ عقد إنشاء المحطة، التي تتولى إنشاءها وإدارتها شركة «روسآتوم» الحكومية الروسية، يعود إلى 12 مايو 2010. وتتضمن المُنشأة 4 مفاعلات بطاقة إجمالية تبلغ 4800 ميغاوات، وسيبدأ الإنتاج في الوحدة الأولى عام 2024 بحسب مسؤولين تنفيذيين في «روسآتوم».


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

شؤون إقليمية أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية. وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين إن بلاده تتوقع موقفاً واضحاً من دمشق حيال «تنظيم حزب العمال الكردستاني الإرهابي» والتنظيمات التابعة له، في إشارة إلى وحدات حماية الشعب الكردية، أكبر مكونات قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تنظر إليها أنقرة على أنها امتداد لـ«العمال الكردستاني» في سوريا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية خصوم إردوغان يتهمونه بـ«مفاوضة» أوجلان في سجنه طلباً لأصوات كردية

خصوم إردوغان يتهمونه بـ«مفاوضة» أوجلان في سجنه طلباً لأصوات كردية

واجه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ادعاءً جديداً من خصومه في المعارضة، بشأن إرساله مبعوثين للتفاوض مع زعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين مدى الحياة، عبد الله أوجلان، من أجل توجيه رسالة للأكراد للتصويت لصالحه في الانتخابات الرئاسية المقررة في 14 مايو (أيار) الحالي. وقالت رئيسة حزب «الجيد» المعارض، ميرال أكشنار، إن إردوغان أرسل «شخصية قضائية» إلى أوجلان في محبسه، وإنها تعرف من الذي ذهب وكيف ذهب، مشيرة إلى أنها لن تكشف عن اسمه لأنه ليس شخصية سياسية. والأسبوع الماضي، نفى المتحدث باسم الرئاسة التركية، إعلان الرئيس السابق لحزب «الشعوب الديمقراطية» السجين، صلاح الدين دميرطاش، أن يكون إردوغان أرسل وف

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية دخول تركيا «النادي النووي» مهم... وزوال مخاوف «تشيرنوبل» مسألة وقت

دخول تركيا «النادي النووي» مهم... وزوال مخاوف «تشيرنوبل» مسألة وقت

<div>دفع إقدام تركيا على دخول مجال الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء عبر محطة «أككويو» التي تنشئها شركة «روساتوم» الروسية في ولاية مرسين جنوب البلاد، والتي اكتسبت صفة «المنشأة النووية» بعد أن جرى تسليم الوقود النووي للمفاعل الأول من مفاعلاتها الأربعة الخميس الماضي، إلى تجديد المخاوف والتساؤلات بشأن مخاطر الطاقة النووية خصوصاً في ظل بقاء كارثة تشيرنوبل ماثلة في أذهان الأتراك على الرغم من مرور ما يقرب من 40 عاما على وقوعها. فنظراً للتقارب الجغرافي بين تركيا وأوكرانيا، التي شهدت تلك الكارثة المروعة عام 1986، ووقوعهما على البحر الأسود، قوبلت مشروعات إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية باعتراضات شديدة في البد</div>

شؤون إقليمية أنقرة: وزراء خارجية تركيا وسوريا وروسيا قد يجتمعون في 10 مايو

أنقرة: وزراء خارجية تركيا وسوريا وروسيا قد يجتمعون في 10 مايو

قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، اليوم الأربعاء، إن اجتماع وزراء خارجية تركيا وسوريا وروسيا قد يُعقَد بموسكو، في العاشر من مايو (أيار)، إذ تعمل أنقرة ودمشق على إصلاح العلاقات المشحونة. كان جاويش أوغلو يتحدث، في مقابلة، مع محطة «إن.تي.في.»

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية «أككويو» تنقل تركيا إلى النادي النووي

«أككويو» تنقل تركيا إلى النادي النووي

أصبحت تركيا رسمياً عضواً في نادي الدول النووية بالعالم بعدما خطت أولى خطواتها لتوليد الكهرباء عبر محطة «أككويو» النووية التي تنفذها شركة «روسآتوم» الروسية في ولاية مرسين جنوب البلاد. ووصف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خطوة تزويد أول مفاعل من بين 4 مفاعلات بالمحطة، بـ«التاريخية»، معلناً أنها دشنت انضمام بلاده إلى القوى النووية في العالم، مشيراً إلى أن «أككويو» هي البداية، وأن بلاده ستبني محطات أخرى مماثلة. على ساحل البحر المتوسط، وفي حضن الجبال، تقع محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء، التي تعد أكبر مشروع في تاريخ العلاقات التركية - الروسية.


ترمب أمام قرار إيران... هزيمة انتخابية تضيّق الخيارات

قارب صغير يمر بجوار سفن شحن راسية بمضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران 24 أكتوبر (أ.ب)
قارب صغير يمر بجوار سفن شحن راسية بمضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران 24 أكتوبر (أ.ب)
TT

ترمب أمام قرار إيران... هزيمة انتخابية تضيّق الخيارات

قارب صغير يمر بجوار سفن شحن راسية بمضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران 24 أكتوبر (أ.ب)
قارب صغير يمر بجوار سفن شحن راسية بمضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران 24 أكتوبر (أ.ب)

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب وضع المواجهة مع إيران أمام احتمال التصعيد، بإعلانه، عقب اجتماع مع فريقه للأمن القومي الخميس، أنه سيتخذ قراراً «قريباً» بشأن استئناف الحرب الواسعة. وقال إنه يفضّل عدم تدمير ما تبقى من البلاد، لكنه قد يضطر إلى ذلك، رابطاً الضربات المحتملة بضمان عدم استعادة البرنامج النووي الإيراني قدراته.

وجاءت تصريحاته بعد خسارة الجمهوريين الانتخابات النصفية، التي غيّرت البيئة السياسية لقراره، من دون أن تسحب منه أدوات القوة.

وبينما تسعى طهران إلى تقديم النتيجة باعتبارها انتصاراً لها، فإن معاقبة الناخب الأميركي حزب الرئيس لا تعني هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً. لكنها تضع ترمب أمام معضلة أشد؛ كيف ينهي مواجهة أضعفته داخلياً، من دون أن يبدو متراجعاً أمام خصمه؟

ويرى خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن نتائج الانتخابات قد تدفع المواجهة في اتجاهين متعاكسين؛ فتح نافذة لتسوية بين طرفين أنهكهما النزاع، أو تحفيز ترمب على التصعيد لمنع إيران من إعلان الانتصار.

3 خيارات

ترمب وبجانبه وزير الحرب بيت هيغسيث (رويترز)

بحسب موقع «أكسيوس»، يبحث ترمب 3 مسارات؛ شن ضربات جديدة، أو مواصلة خنق النظام الإيراني اقتصادياً، أو التوصل إلى اتفاق يتضمن تنازلات أميركية مهمة. وتجتمع هذه الخيارات عند مشكلة واحدة؛ امتلاك القدرة على إيلام إيران لا يضمن انتزاع النهاية السياسية التي يريدها البيت الأبيض.

فالضربات قد تدمر مزيداً من القدرات، لكنها لا تحسم وحدها مصير مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، أو تضمن تعاون طهران مع المفتشين. واستمرار الحصار يبقي الضغط قائماً، لكنه يمدد أيضاً مخاطر الردّ الإيراني واضطراب الملاحة. أما الاتفاق، فيتطلب خطوات يستطيع الطرفان تسويقها داخلياً، بعدما رفع كل منهما سقف شروطه وخطابه.

ويفيد «أكسيوس» بأن القيادة المركزية الأميركية (سينتكوم) تستكمل استعدادات محتملة لاستئناف عمليات كبرى، لكنها لم تتلقَّ توجيهاً جديداً. وقد يشكل وصول مجموعة حاملة طائرات ثالثة مؤشراً إضافياً. غير أن الحاملة «ثيودور روزفلت»، التي تزور سنغافورة، لن تبلغ المنطقة قبل منتصف نوفمبر (تشرين الثاني). وهذا مؤشر استعداد، وليس موعداً مؤكداً للهجوم أو شرطاً لازماً لوقوعه.

ويرجّح مايكل روبين، الباحث في منتدى الشرق الأوسط، استمرار العمل العسكري. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن الاعتقاد بأن ترمب سيلتزم بأي قرار يتخذه هو «حماقة»، لكنه يرى أن إرثه سيكون بالغ السوء إذا بدت إيران منتصرة، ولذلك «سيضاعف اندفاعه».

ويضيف أنه لا يواجه انتخابات أخرى، متسائلاً عما يستطيع الكونغرس فعله عملياً، حتى إذا اعتبر تحركاته غير قانونية.

وتلتقط قراءة روبين حافزاً مهماً؛ الهزيمة قد تدفع الرئيس إلى البحث عن إنجاز خارجي يعوض خسارته، بدلاً من الانكفاء. لكنها تبقى توقعاً لسلوكه، وليست دليلاً على حسم القرار.

قيود بلا شلل

سفن تجارية في مياه مضيق هرمز الممر الحيوي لتجارة الطاقة (رويترز)

لا تحوّل الانتخابات الرئيس تلقائياً إلى قائد عاجز. كما أن الكونغرس المنتخب لا يتسلم صلاحياته فور إعلان النتائج، إذ تبدأ ولايته الجديدة في 3 يناير (كانون الثاني) المقبل. لذلك، يبقى هناك فاصل بين الأثر السياسي المباشر للهزيمة وترجمته إلى أدوات رقابية وتشريعية بيد الأكثرية الجديدة.

ومع ذلك، لا يصح اختزال دور الكونغرس في الاعتراض الكلامي. فهو يمتلك سلطة الاعتمادات المالية، وأدوات الرقابة والمساءلة والتشريع المتعلق باستخدام القوة. لكن تحويلها إلى قيود نافذة يتطلب توافقات وإجراءات، وقد يصطدم بفيتو رئاسي. وعليه، لا تمنع النتائج وحدها توجيه ضربة جديدة، لكنها قد تجعل تمويل مواجهة ممتدة وتوفير الغطاء السياسي لها أكثر صعوبة.

والقيد الأقرب على ترمب سياسي أيضاً، بعدما قدّم نائبه جي دي فانس تفسيراً للخسارة يركز على تجاهل مدى افتقار الحرب إلى الشعبية. وإذا أعاد التصعيد رفع تكاليف الطاقة أو وسّع الخسائر، فقد يعمّق الانقسام داخل الحزب، ويضعف قدرة الإدارة على تمرير أولوياتها الأخرى.

من هنا، يحتاج ترمب إلى تحديد ما يستطيع تقديمه بوصفه نتيجة قابلة للدفاع عنها؛ تقييد نووي قابل للتحقق، أو استعادة الملاحة، أو إنهاء الحرب بشروط أفضل. أما الاكتفاء بمزيد من التدمير، فقد يعيد طرح السؤال الذي سبق الانتخابات؛ كيف تتحول المكاسب العسكرية إلى تسوية مستقرة؟

نافذة تفاوض

صورة نشرها المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني من لقاء سابق لمحسن رضائي وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران

يرى أليكس فاتنكا، الباحث في معهد الشرق الأوسط، أن «هذا المشهد تكرر من قبل»، وأن ترمب أخفق مراراً في إنهاء النزاع، ولم يحدد بعد شكل الانتصار. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن الرئيس يستطيع إعلان النصر وإنهاء الحرب الأميركية غداً، «لكن لإيران أيضاً كلمتها»، وهذا مصدر عدم اليقين. ومع ذلك، يعتبر فاتنكا أن النتائج قد تفتح باب الدبلوماسية؛ ترمب أضعف سياسياً، والديمقراطيون سيواجهونه بشأن إدارته للحرب، وإيران تعاني بشدة. ولذلك، «بات لدى الطرفين أسباب وجيهة للتوصل إلى اتفاق سياسي».

وتوجد حركة تفاوضية تدعم هذا الاحتمال، بعدما أرسلت طهران مقترحاً نووياً إلى واشنطن عبر قطر، مع تمسكها بتنفيذ مطالبها قبل التفاوض، بحسب «رويترز». ووفقاً لـ«أكسيوس»، يناقش الوسطاء ترتيباً من يومين: رفع الحصار والإفراج عن أموال مجمدة مقابل دعوة المفتشين إلى المواقع التي تعرضت للقصف، ثم إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف المحادثات النووية. وهي صيغة مقترحة، وليست اتفاقاً منجزاً.

وهنا يظهر الفارق بين انتكاسة ترمب وانتصار إيران. فالنتيجة الانتخابية تمنح طهران مادة دعائية، لكنها لا ترفع الحصار ولا تعيد بناء قدراتها. والمبالغة في استثمار ضعف الرئيس قد تدفعه إلى التصعيد الذي يتوقعه روبين، بينما استثماره تفاوضياً قد يفتح المخرج الذي يراه فاتنكا. لقد غيّرت الانتخابات تكلفة الخيارات، لكنها لم تحسم أيّها سيختاره ترمب، ولا قدرة الطرفين على تحويل إنهاكهما إلى نهاية للحرب.


واشنطن وطهران... صراع الشروط وحسابات القوة

صورة وزعتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لإحدى قطعها البحرية في المنطقة يوم 30 أكتوبر 2026
صورة وزعتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لإحدى قطعها البحرية في المنطقة يوم 30 أكتوبر 2026
TT

واشنطن وطهران... صراع الشروط وحسابات القوة

صورة وزعتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لإحدى قطعها البحرية في المنطقة يوم 30 أكتوبر 2026
صورة وزعتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لإحدى قطعها البحرية في المنطقة يوم 30 أكتوبر 2026

تكثفت التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية لاحتواء التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ومنع تجدد المواجهة العسكرية التي تهدد بتوسيع دائرة الحرب في الشرق الأوسط، بينما تتبادل كل من واشنطن وطهران التصريحات وسط صرع لفرض الشروط وحسابات القوة.

في وقت تتزامن فيه المساعي السياسية مع تطورات ميدانية في مضيق هرمز، حيث تحدثت تقارير عن اندلاع حرائق في ناقلتي نفط، ووقوع انفجار قرب سفينة تجارية، وإعلان «الحرس الثوري» الإيراني إسقاط طائرة مسيرة أميركية.

وتتحدث واشنطن عن تقدم محتمل في المفاوضات، بينما تتحدث طهران استعداداً للنظر في الحل الدبلوماسي؛ إذ قال محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن رسالة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس تعبر عن «تغيير في اللهجة»، ووصفها بأنها «مؤشر جيد»، لكن طهران تتمسك في الوقت نفسه بضرورة استجابة الولايات المتحدة لمطالبها قبل العودة إلى طاولة الحوار؛ ما يعكس استمرار الهوة بين الطرفين رغم تكثيف جهود الوساطة.

وفي هذا السياق، شدد علي باقري كني، نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، على أن بلاده لن تكتفي بما وصفه بـ«الالتزامات النظرية»، مؤكداً ضرورة أن تقدم الولايات المتحدة خطوات عملية قبل الشروع في أي جهود دبلوماسية جديدة.

ويعكس هذا الموقف تمسك إيران بالحصول على ضمانات وإجراءات ملموسة، بدلاً من الاكتفاء بتعهدات سياسية قد لا تترجم إلى خطوات تنفيذية على الأرض.

اتصال بين تميم وترمب

الشيخ تميم بن حمد أمير قطر والرئيس الأميركي دونالد ترمب (الديوان الأميري)

وفي أحدث التحركات الدبلوماسية، بحث أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، خلال اتصال هاتفي تلقاه، يوم الجمعة، من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مستجدات الجهود الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة.

وأفاد الديوان الأميري القطري بأن الاتصال تناول الجهود الدولية، لا سيما المساعي التي تبذلها الدوحة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، ودعم المسار التفاوضي، بما يمهد للتوصل إلى اتفاق شامل ينهي الأزمة، ويحقق الأمن والاستقرار في المنطقة.

وأكد أمير قطر أهمية مواصلة الحوار، واعتماد الوسائل الدبلوماسية لتسوية الخلافات، وتجنيب المنطقة مزيداً من التصعيد، مشدداً كذلك على ضرورة ضمان حرية الملاحة البحرية وأمن إمدادات الطاقة، في إشارة إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز وما يشهده من اضطرابات متزايدة.

وتبرز قطر في هذه المرحلة بوصفها الوسيط الرئيسي في الاتصالات بين واشنطن وطهران؛ إذ زار وفد من الوسطاء القطريين العاصمة الإيرانية طهران، مساء الاثنين الماضي، لاستئناف المحادثات مع المسؤولين الإيرانيين بشأن إمكان التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع المستمر منذ أشهر.

وتكتسب هذه الوساطة أهمية خاصة في ظل صعوبة استئناف الاتصالات المباشرة بين الطرفين، واشتراط كل منهما تقديم تنازلات ملموسة قبل الدخول في مفاوضات جديدة.

طهران تطلب ضمانات عملية

وفي موازاة التحرك القطري، كثفت إيران اتصالاتها مع دول المنطقة في محاولة لتفادي عودة العمليات العسكرية. وأجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يوم الجمعة، اتصالاً هاتفياً بنظيره الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، تناول آخر التطورات الإقليمية والجهود الدبلوماسية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار.

وجاء الاتصال بعد سلسلة مباحثات أجراها عراقجي، يوم الخميس، مع وزراء خارجية السعودية وقطر وعُمان والكويت وتركيا والأردن، في مؤشر على اتساع نطاق التحرك الإيراني باتجاه العواصم الإقليمية المعنية بالأزمة.

وتعكس هذه الاتصالات إدراك طهران حساسية المرحلة الحالية، خصوصاً مع تصاعد التهديدات الأميركية باستئناف الضربات العسكرية، واحتمال أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.

وفي سياق التحركات الدولية المحيطة بالأزمة، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين محسن رضائي، حيث بحث الجانبان التطورات في الخليج والشرق الأوسط. وأفاد الكرملين بأن اللقاء تناول حالة التعاون الثنائي وآفاق تطويره، في إطار معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين روسيا وإيران، إلى جانب مناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

مقترح نووي إيراني عبر الدوحة

وفي تطور قد يفتح نافذة جديدة أمام المسار التفاوضي، أفاد مسؤول إيراني كبير لوكالة «رويترز» بأن طهران أرسلت إلى الولايات المتحدة مقترحاً يتعلق ببرنامجها النووي عبر قطر، مشيراً إلى أن واشنطن تدرس المقترح حالياً.

لكن المسؤول أوضح أن مناقشة المقترح لن تبدأ قبل استجابة الولايات المتحدة لسبعة مطالب إيرانية؛ ما يعكس تمسك طهران بربط استئناف المفاوضات النووية بتسوية مجموعة من الملفات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وكان محسن رضائي قد أعلن خلال زيارته إلى روسيا أن بلاده أبلغت الولايات المتحدة بسبعة شروط تتعلق بالمسار الدبلوماسي، محذراً من أن عدم تنفيذها سيحول دون الدخول في مفاوضات، ومؤكداً أن إيران لن تسمح بفتح مضيق هرمز في ظل عدم الاستجابة لمطالبها.

وتشمل المطالب الإيرانية، وفق المعلومات المتاحة، رفع العقوبات الأميركية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، ورفع القيود المفروضة على الموانئ، ووقف الحرب على مختلف الجبهات، إلى جانب الحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بإيران، وسحب التعزيزات العسكرية الأميركية من محيطها.

وفي المقابل، تتمسك إدارة ترمب بإدراج الملف النووي ضمن أي تسوية أولية، مع مطالبة طهران بتقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي، وضمان فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.

إذابة اليورانيوم عالي التخصيب

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)

وكانت تقارير إعلامية قد تحدثت مؤخراً عن تلقي إيران مقترحاً من الوسطاء بشأن الملف النووي وقيامها بدراسته، وتشير التطورات اللاحقة إلى أن طهران قدمت بدورها مقترحاً خاصاً إلى واشنطن عبر الدوحة، وإن كانت تفاصيل المقترحين وشروطهما لم تتضح بعد.

لكن بعض التقارير تحدثت عن أن المقترح الأميركي تضمن طلباً بإذابة كميات اليورانيوم عالي التخصيب التي توجد في الداخل الإيراني، والتي رفض مسؤولون إيرانيون سابقاً نقلها إلى دولة ثالثة.

وكشف مسؤولون مطلعون أن إيران تدرس مقترحات قدمها الوسطاء بشأن برنامجها النووي، ورأوا أن استعداد طهران للنظر في هذه المقترحات يشير إلى إحراز تقدم في الوساطة التي تقودها قطر، وإن لم يصدر حتى الآن قرار إيراني نهائي بشأنها، حسبما أفادت صحيفة «نيويورك تايمز».

كما أفادت معلومات متداولة بأن المقترح الأميركي يتضمن طلباً بالتخلص من كميات اليورانيوم عالي التخصيب الموجودة داخل إيران، وهو مطلب سبق أن رفض مسؤولون إيرانيون الاستجابة له، خصوصاً فيما يتعلق بنقل هذه الكميات إلى دولة ثالثة.

من جهته، قال ترمب، الخميس، إن إيران لا تستطيع اتخاذ أي خطوات تتعلق ببرنامجها النووي من دون موافقة الولايات المتحدة، مضيفاً، رداً على سؤال بشأن المقترحات المطروحة: «إنهم لا يفعلون شيئاً دون موافقتنا». ويعكس هذا التصريح تشدداً أميركياً في التعامل مع الملف النووي، وعدم استعداد واشنطن لمنح طهران حرية التصرف في برنامجها بمعزل عن أي اتفاق سياسي.

ترمب يلوح بالقوة وسط تقدم المفاوضات

وعلى الرغم من الإشارات الأميركية إلى إحراز تقدم في الاتصالات، فلا تزال واشنطن تلوح بالخيار العسكري في حال تعثر المفاوضات. وأكد ترمب أن خسائر حزبه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس لن تؤثر في خططه المتعلقة بإيران، مشدداً على أن القوات الأميركية في حالة استعداد كامل.

وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي إن الولايات المتحدة تنتج حالياً أسلحة للقوات المسلحة بمعدلات غير مسبوقة، مضيفاً: «إذا اضطُررنا إلى متابعة التعامل مع إيران، فنحن مستعدون تماماً».

وكان الرئيس الأميركي قد هدد خلال الأسابيع الماضية بالعودة إلى تنفيذ ضربات واسعة النطاق ضد إيران بعد انتهاء الانتخابات، إذا لم تتوصل طهران إلى تسوية بالشروط التي تقبلها واشنطن.

وتشير هذه التصريحات إلى أن الإدارة الأميركية تحاول الجمع بين الضغط العسكري والتحرك الدبلوماسي، بما يتيح لها دفع إيران نحو تقديم تنازلات من دون استبعاد خيار القوة، كما أن استمرار التهديدات العسكرية يضع جهود الوساطة أمام اختبار صعب، خصوصاً في ظل غياب اتفاق واضح بشأن ترتيب الأولويات وشروط بدء المفاوضات.

مضيق هرمز... جبهة مفتوحة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

وعلى الأرض، لا تبدو المؤشرات الميدانية متوافقة مع فرص التهدئة السياسية؛ إذ شهد مضيق هرمز سلسلة حوادث بحرية متلاحقة، وسط تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عنها.

وأعلنت وكالة الأمن البحري البريطانية «يو كي إم تي أو» أنها تلقت بلاغاً عن وقوع انفجار قرب سفينة على بعد نحو 16 ميلاً بحرياً شرق خصب، قبالة السواحل العُمانية، في أثناء خروج السفينة من مضيق هرمز. وأوضحت أن طاقم السفينة بخير، وأن الناقلة واصلت رحلتها.

وفي تطور آخر، أعلن «الحرس الثوري» الإيراني اندلاع حريق في ناقلتي نفط داخل المضيق وشرقه، زاعماً أن الناقلتين حاولتا العبور من مسار غير مسموح به، وأنهما اصطدمتا بلغم بحري أدى إلى اندلاع النيران وتوقفهما في المياه.

وقال «الحرس الثوري» إن الناقلتين عطّلتا أنظمة الملاحة والتعريف الخاصة بهما، قبل محاولتهما الخروج عن المسار المحدد، الأمر الذي أدى، وفق روايته، إلى اصطدامهما بالألغام.

كما أعلن «الحرس الثوري» إسقاط طائرة مسيرة أميركية من طراز «إم كيو-1» فوق جزيرة قشم في مضيق هرمز، من دون صدور تأكيد أميركي بشأن هذه الواقعة حتى الآن.

وكانت طهران قد أعلنت، يوم الخميس، اندلاع حرائق في 5 ناقلات نفط وقاطرة بحرية خلال عبورها المضيق ليلاً، متهمة السفن بمحاولة المرور من دون الحصول على إذن منها، عبر مسارات بمحاذاة السواحل العُمانية.

وأكدت شركة «فيلوس تانكرز» اليونانية المشغلة لإحدى ناقلات المنتجات النفطية مقتل أحد البحارة في انفجار وقع، الخميس، مرجحة أن تكون الناقلة قد تعرضت لصاروخ مجهول المصدر.

وتكمن خطورة هذه التطورات في أن مضيق هرمز يمثل أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم؛ إذ كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية. ومنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، أدت التهديدات الإيرانية للسفن التجارية، وما رافقها من قيود وتحذيرات أمنية، إلى تعطيل حركة الملاحة بصورة كبيرة.

وتحاول بعض السفن مواصلة العبور بمحاذاة السواحل العُمانية من دون الحصول على إذن من طهران، بينما تعد إيران ذلك مخالفة للقواعد التي أعلنتها، وتهدد باتخاذ إجراءات بحق السفن المخالفة، الأمر الذي يرفع مخاطر الاحتكاك البحري، ويزيد الضغوط على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

بين فرص التسوية ومخاطر الانفجار

وتكشف التطورات المتزامنة عن مشهد إقليمي يتسم بتناقض واضح بين مسارين؛ أولهما دبلوماسي تقوده قطر بدعم من اتصالات إقليمية ودولية، في محاولة للتوصل إلى تفاهم بشأن البرنامج النووي وإنهاء الحرب، وثانيهما ميداني يتسم باستمرار التهديدات العسكرية والحوادث البحرية والتصعيد حول مضيق هرمز.

ورغم أن تبادل المقترحات عبر الوساطة القطرية قد يشكل مدخلاً لاستئناف المفاوضات، فإن اشتراط طهران تنفيذ مطالبها السبعة، مقابل إصرار واشنطن على تقديم تنازلات نووية وضمان حرية الملاحة، يضع الطرفين أمام مفاوضات معقدة.

وفي ظل استمرار التهديد الأميركي بالعودة إلى الضربات العسكرية، وتمسُّك إيران بأوراق الضغط التي تمتلكها، وفي مقدمتها مضيق هرمز، تبقى فرص التوصل إلى اتفاق مرتبطة بمدى استعداد الطرفين للانتقال من تبادل الشروط والتهديدات إلى تقديم تنازلات متبادلة.

وبينما تتحرك الدوحة وموسكو والعواصم الإقليمية لاحتواء الأزمة، تظل التطورات في المضيق الاختبار الأكثر حساسية لجهود التهدئة؛ إذ إن أي حادث بحري كبير أو مواجهة عسكرية جديدة قد يبدد فرص التفاوض، ويدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة.


خوف في إسرائيل من خطة نتنياهو لبث الفوضى والعنف

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يقول إنه يريد تشكيل حكومة مستقرة وجيدة لشعب إسرائيل (د.ب.أ)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يقول إنه يريد تشكيل حكومة مستقرة وجيدة لشعب إسرائيل (د.ب.أ)
TT

خوف في إسرائيل من خطة نتنياهو لبث الفوضى والعنف

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يقول إنه يريد تشكيل حكومة مستقرة وجيدة لشعب إسرائيل (د.ب.أ)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يقول إنه يريد تشكيل حكومة مستقرة وجيدة لشعب إسرائيل (د.ب.أ)

في أعقاب موجة الانتقادات الشديدة التي تعرض لها الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، لتأجيله الإعلان عن المكلف بتشكيل الحكومة إلى يوم الأحد المقبل، وتبريره بأنه يريد العمل على أن تكون الحكومة مستقرة قادرة على مواجهة التحديات الخارجية والشرخ الداخلي، كشفت مصادر في محيطه عن أنه خائف من ردود فعل اليمين الحاكم، الذي يرفض الاعتراف بنتائج الانتخابات، ولذا يتابع (هرتسوغ) التهديدات خشية نشر حالة فوضى وعنف، ما يدفعه لمحاولة تشكيل «حكومة وحدة» تضم كلاً من بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت.

ويعترض معسكر التغيير، بقيادة آيزنكوت، على هذا التوجه. وفي نظرهم، فقد كان واضحاً أنه في ختام مشاورات هرتسوغ مع الأحزاب، أن آيزنكوت حصل على توصيات أكثرية 67 عضو كنيست، مقابل 46 لرئيس الحكومة نتنياهو. ومع فارق كهذا، واضح مَن المرشح المفضل للحصول على مهمة تكليف حكومة.

بيد أن هرتسوغ رأى، كما صرح، أن «نتائج المشاورات تبدو واضحة، لكن الصلاحية المخولة لي بموجب القانون تتمثل في التحقق من القدرة على تشكيل حكومة، وهذه القدرة ليست واضحة تماماً، في ظل الرفض المتبادل بين المعسكرين وبداخلهما. سأحاول التحقق من هذه القدرة مباشرة وبسرعة، من خلال محادثات شخصية مع بعض قادة الأحزاب».

وقال هرتسوغ: «أعتزم تكليف أحد المرشحين بتشكيل الحكومة، يوم الأحد المقبل، وخلال هذه المحادثات أعتزم قلب كل حجر في محاولة للتوصل إلى مد يد التعاون من أجل تشكيل حكومة مستقرة وجيدة لشعب إسرائيل».

غادي آيزنكوت زعيم حزب «يشار» الإسرائيلي خلال لقاء مع أنصاره عقب إعلان نتائج أولية للانتخابات في 28 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

هذه الصيغة تثير شبهات آيزنكوت. وقد يراها البعض مجرد استعراض عضلات، يقوم به رؤساء الدولة مرة في كل أربع سنوات. فالمعروف أن الرئيس في إسرائيل هو منصب فخري من دون أي صلاحيات حكم. القوة الوحيدة التي يتمتع بها في منصبه هي أن القانون يخوله بعد كل انتخابات عامة بتكليف أحد النواب لمهمة تشكيل حكومة. والقانون يمنحه صلاحية مطلقة في هذا الاختيار، فهو ليس ملزماً بتكليف رئيس أكبر حزب ولا بتكليف النائب الذي يحظى بأكبر عدد من التوصيات. ولا يمنح أحداً حق الاعتراض على ذلك. لهذا، يستغل الرئيس هذه الفرصة.

وهناك من يراها تعبيراً عن قلق وخوف عند هرتسوغ من التهديدات، التي جاءت من «الليكود» باقتحام الكنيست يوم الثلاثاء المقبل، ومنع الإطاحة برئيسه أمير أوحانا وانتخاب رئيس آخر مكانه. فقد كشفت وسائل الإعلام عن أن مئات من نشطاء اليمين يستعدون للمشاركة في الهجوم، وبعضهم مسلح، وبعضهم باشر التخطيط للتسلل إلى قاعة الكنيست لتفجير الجلسة من الداخل.

إلا أن هناك من يرى أن هرتسوغ قد يريد الذهاب بعيداً في هذه الخطوة، كأن يرمي للتدخل في تركيبة الحكومة. فالمعروف أن حواراً دار بين هرتسوغ والبيت الأبيض في واشنطن حول مقترح تشكيل حكومة وحدة. صاحب المشروع هو الرئيس دونالد ترمب، ويقضي بأن تقام حكومة وحدة يتقاسم فيها نتنياهو وآيزنكوت رئاسة الحكومة؛ في الحقبة الأولى نتنياهو وبعد 18 شهراً يستقيل وينتخب رئيساً للدولة، مكان هرتسوغ الذي ينهي مدته في 7 يوليو (تموز) 2028. ويتولى عندها آيزنكوت رئاسة الحكومة لبقية الدورة (سنتين وثلاثة شهور). وعندما يصبح نتنياهو رئيس دولة تتوقف محاكمته؛ لأن القانون لا يسمح بمحاكمة رئيس دولة. فهذه المحاكمة هي الهم الأساسي عند اليمين الحاكم.

عربية إسرائيلية تُدلي بصوتها في الانتخابات العامة الإسرائيلية بمركز اقتراع بمدينة أم الفحم (أرشيفية - أ.ب)

وقد فسر الأميركيون هذا الموقف على أنه مبني على فكرة إحداث تغيير تاريخي في الشرق الأوسط، بناء على خطة النقاط العشرين للرئيس ترمب حول السلام في الشرق الأوسط. فهذه الخطة تنطوي على خطوات تحتاج من إسرائيل قرارات صعبة جداً. ولكي تتخذ هذه القرارات تحتاج إلى حكومة واسعة وقوية يكون فيها تمثيل كبير لليمين وشخصية قوية في رئاستها.

وتحمس هرتسوغ للمشروع؛ أولاً لأنه أراد أن يحسن علاقاته مع ترمب، الذي وصفه بالعاجز والكذاب والتافه؛ لأنه لم يمنح نتنياهو عفواً يلغي محاكمته بتهم الفساد؛ وثانياً لأنه يريد سد دين لنتنياهو الذي دعمه لمنصب رئيس الدولة. وقد تم إشراك آيزنكوت في مرحلة ما في هذا الحوار، فكان أول رد فعل له هو: «من يضمن أن يصدق نتنياهو ويفي بالوعد. فقد وعد بيني غانتس مرتين بالتبادل ونكث وعده، وجعل منه أضحوكة وحطم شخصيته في الساحة السياسية». وقد دق ترمب على صدره وقال: «أنا أضمن». لكن آيزنكوت لم يقتنع، وعندما أشرك حلفاءه بنيت ولبيد وليبرمان بالفكرة، أجمعوا على رفضها. وعندما بدأت ضغوط عليه من واشنطن ومن هرتسوغ ومن عدة أوساط في إسرائيل نفسها، أعلن آيزنكوت أن الشعب الإسرائيلي هو صاحب القرار في تحديد هوية الحكم وليست جهات خارجية (وكانت هذه لسعة للرئيس ترمب)، وأن الشعب في إسرائيل قرر بوضوح أنه لا يريد أن يرى نتنياهو رئيس حكومة. ويجب احترام إرادته.

امرأة تمر بجوار لافتة تحمل صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب غداة الانتخابات بالقدس يوم 28 أكتوبر 2026 (رويترز)

لكن هرتسوغ يرى أن نتائج الانتخابات تشير إلى أن الشعب قرر أن تقوم حكومة وحدة، وليست حكومة أقلية، خصوصاً أن آيزنكوت لا يعرف حتى الآن كيف يشرح ماهية هذه الحكومة، . ومعه أفيغدور ليبرمان الذي لا يوافق عليها بعد، ومعه نفتالي بنيت الذي لا يوافق على حكومة تستند إلى الأحزاب العربية، ومثله يقول ليبرمان. فإذا خصمنا 19 نائباً عربياً من 67 يبقى لآيزنكوت 48 نائباً. صحيح أن حكومة كهذه تبقى شرعية بحسب القانون. وما دامت المعارضة لها لا تستطيع تجنيد 61 نائباً ضدها فتظل قائمة.

وقد اهتم هرتسوغ، خلال مشاوراته مع الأحزاب العربية، أن يعرف إلى أي مدى ستقف مع آيزنكوت. فسأل: «لنفترض أن الجيش الإسرائيلي قرر عملية حربية في غزة أو على لبنان فهل ستبقون شبكة أمان للحكومة أو ستنزعون الثقة عنها؟». فأجاب يوسف جبارين، رئيس القائمة المشتركة: «نحن أعلنا أننا سنكون شبكة أمان كقرار استراتيجي لإسقاط حكومة نتنياهو. هذا ما يريده منا الجمهور الذي خرج بكميات هائلة إلى التصويت. فإذا قررنا أن نسقط هذه الحكومة، فهذا يعني أننا نعيد نتنياهو إلى الحكم. وهذا يناقض خطنا الاستراتيجي».

وقد أصدر حزب «يَشار» بياناً عقب كلمة هرتسوغ واختتام مشاورات التوصية لديه، جاء فيه أن رئيسه آيزنكوت «حصل على أغلبية مطلقة من التوصيات لتكليفه بتشكيل الحكومة، وهذا هو العدد الأكبر من الموصين بمرشح لتشكيل الحكومة منذ عام 2015». وأضاف أن «خيار الشعب والأغلبية البرلمانية الواضحة لا يتركان مجالاً للشك: مواطنو إسرائيل اختاروا التغيير، وأعربوا عن عدم ثقة مطلقة برئيس الحكومة المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو وحكومته»، وتابع: «نتنياهو هو رئيس حكومة انتقالية، ويحظى بتأييد 46 عضو كنيست فقط. فهو لا يملك تفويضاً ولا أغلبية ولا ثقة الشعب».

نشطاء يمينيون إسرائيليون مؤيدون لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتظاهرون للمطالبة بانتخابات جديدة في مدينة حيفا بإسرائيل مساء 1 نوفمبر 2026 (إ.ب.أ)

ويعبر هذا البيان عن موقف حاد وحازم ضد أي فكرة للتوجه نحو حكومة وحدة. ويقول مقربون من الحزب إن هناك محادثات متقدمة مع الحزب الحريدي «يهدوت هتوراه» لينضم إلى الائتلاف فيرتفع إلى 55 مقعداً. فإذا أضفنا القائمة العربية الموحدة، التي ستدعم الحكومة من الخارج ضمن اتفاق مشابه لاتفاق سنة 2021، يصبح للحكومة 63 مقعداً. وهذه تعدُّ حكومة مستقرة. ولا مجال لرفض هرتسوغ لها.

أما «الليكود» فيواصل القتال في جبهات متعددة؛ فهو لم يفقد الأمل في حربٍ على إيران تنسف جهود آيزنكوت وتضطره إلى الانضمام لحكومة طوارئ حربية؛ ويخوض معركة شرسة مع رئيس الشباك، ديفيد زيني، لنزع الشرعية عن الأحزاب العربية وحتى عن نتائج الانتخابات برمتها. ويستعد لحرب شوارع ضد الحكومة بنزول ميليشياته لاحتلال الكنيست، وعرقلة جلساته، وللتصعيد في الضفة الغربية، وربما لتنفيذ اعتداءات عنيفة على العرب في الداخل، كما حصل في سنة 2021 وفي مباريات كرة القدم وغيرها.