ما الدور المرتقب للقبائل الليبية في الانتخابات المُنتظرة؟

سياسيون يعتبرونها ظهيراً لأبنائها حال ترشحهم

المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة (المكتب الإعلامي للقبيلة)
المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة (المكتب الإعلامي للقبيلة)
TT

ما الدور المرتقب للقبائل الليبية في الانتخابات المُنتظرة؟

المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة (المكتب الإعلامي للقبيلة)
المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة (المكتب الإعلامي للقبيلة)

أعادت التحركات الجارية في ليبيا حالياً باتجاه السعي لإجراء الانتخابات العام الجاري، القبائل إلى دائرة الضوء، وسط توقع سياسيين بأنه سيكون لها دور في السباق المنتظر، إذا توفر التوافق المطلوب بين الأفرقاء، والذي تعمل عليه البعثة الأممية.
ويرى سياسيون أن الاستحقاق المنتظر يعد بوابة للقبائل في عموم ليبيا، لاستعادة جزء من نفوذها الذي فقدته خلال السنوات الماضية على خلفية انخراطها في حسابات الصراع السياسي والعسكري.
وتوقعت عضو مجلس النواب الليبي، أسماء الخوجة، تزايد الاهتمام الأيام المقبلة بدور القبيلة وتحديدا من قبل المرشحين البرلمانيين، وقالت إنه «حال استمرار القوى السياسية كافة بالدفع نحو إجراء الانتخابات، فسوف نرصد جولات وزيارات متعددة من جميع المرشحين لمناطق تمركز قبائلهم».
ورأت أن القبيلة هي «الخزان البشري الذي يتعين على أي مرشح اللجوء إليه لطلب الدعم وخاصة بالمناطق الريفية، نظرا لضعف أثر العامل القبلي بالمدن الكبرى».
وتقضي المبادرة التي طرحها باتيلي، أمام مجلس الأمن بتشكيل لجنة رفيعة المستوى تجمع كل أصحاب المصلحة، والمؤسسات، والشخصيات، وزعماء القبائل، والنساء والشباب، مهمتها الوصول للانتخابات الرئاسية والبرلمانية نهاية العام الجاري إذا تم إقرار القوانين الانتخابية قبل نهاية يونيو (حزيران) المقبل.
أما فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، فترى الخوجة، أن المنافسة «ستعتمد بدرجة أكبر على شعبية المرشح مقارنة بالاعتماد على ورقة الولاء القبلي»، مستدركة: «هذا صعب الحدوث، ولكن إذا ما فاز أي مرشح بكامل أصوات قبيلة واحدة كبيرة، كقبيلة ورفلة مثلاً فهذا كفيل بتعزيز فرصه لحسم المعركة لصالحه».
ونوهت إلى أن عدد المنتمين إلى قبيلة ورفلة، يقترب من مليون ليبي - أي سدس عدد سكان البلاد، وهناك قبائل أخرى وازنة، وإن كانت أقل عدداً منها وتقع بذات المنطقة الغربية كترهونة وورشفانة، بالإضافة إلى العبيدات بالمنطقة الشرقية والبراعصة والعواقير والمنفة».
ويرجح مراقبون أن يحظى قائد «الجيش الوطني»، خليفة حفتر، بدعم واسع من قبائل المنطقة الشرقية إذا لم تترشح أسماء أخرى كبيرة تنتمي لها، بالإضافة لدعم قبيلته الفرجان برغم تمركزها بالمنطقة الغربية، فيما ستشكل قبائل ومدن الجنوب الليبي ساحة معركة «استقطاب» بينه وبين سيف الإسلام، نجل الرئيس الراحل معمر القذافي، الذي يحظى بدعم قبيلته القذاذفة. كما سيحظى عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، بدعم بعض قبائل المنطقة الغربية وتحديدا التي تتمركز بمدينته مصراتة.
في السياق ذاته، توقعت آمال بوقعيقيص، عضو «ملتقى الحوار السياسي»، «نشاطا لافتا للقبائل في تقديم الدعم لأبنائها إذا ما اقترب موعد الاستحقاق الانتخابي رغم تراجع ثقلها بالمشهد السياسي خلال العقد الماضي».
وقالت بوقعيقيص لـ«الشرق الأوسط» إن «البعض يصنف المجتمع الليبي بأنه قبائلي، والحقيقة أن القبيلة تحولت منذ سنوات طويلة إلى مجرد إطار عائلي واسع، يتم اللجوء للشيوخ الوجهاء لحل بعض القضايا الاجتماعية كالطلاق والإرث ودفع الدية عن حوادث القتل الخطأ»، متابعة: «أما الخيارات السياسية لأبنائها وتحديدا فيما يتعلق بالانتخابات فلا يوجد حتى من يستطيع أن يدعي أنه قادر على التحكم بها».
ورأت بوقعيقيص أن «هذا لا يتعارض مع حرص كثير من أبناء أي قبيلة على دعم بعضهم بعضا وخاصة إذا ترشح أحدهم للانتخابات بدافع رابطة الدم خاصة أنهم قد يلجأون حال فوزه لطلب المساعدة منه في حل أزماتهم ومشاكلهم الخاصة أو لتحسين الخدمات للبلديات التي يقطنونها».
ولفتت بوقعيقيص، إلى أن أغلب الشخصيات التي سبق وقدمت أوراق ترشحها للانتخابات التي كان من المقرر عقدها نهاية عام 2021 أجرت زيارات تقليدية لشيوخ ووجهاء قبائلهم حينذاك وركزت بالمقابل على استقطاب شريحة الشباب، موضحة: «الجميع بات يدرك أن الجيل الجديد سواء من النشطاء السياسيين والمدونين هو القادر عبر استخدامه لمواقع التواصل الاجتماعي وتنسيقه مع القنوات الإعلامية على جذب الأصوات للمرشحين، خاصة أن بعض المرشحين قد يكونون نازحين منذ سنوات عن مناطق التمركز الرئيسية لقبيلتهم».
وانتهت عضو «ملتقى الحوار السياسي» إلى أن عوامل أخرى باتت تتفوق بمراحل على العامل القبلي «كالمال السياسي وتقديم الوعود بالوظائف الحكومية».
واعتبر رئيس ديوان المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان ليبيا، محمد المصباحي، أن المكون الاجتماعي المتمثل في القبيلة «لا يزال من أبرز الأدوات الفعالة بالعملية الانتخابية إلى جانب الكاريزما الشخصية للمرشح وقدرته على إقناع الناخبين به وبطبيعة الحال القدرات المالية المطلوبة للإنفاق على أي حملة انتخابية».
وقال المصباحي لـ«الشرق الأوسط «بالطبع سيكون هناك تركيز مجددا على دور القبيلة في دعم المرشحين، خاصة أن المجتمع الليبي لا تزال خياراته مرتبطة بالأقرب لا الأفضل».
ولفت في هذا الإطار إلى أن «بعض الشخصيات التي ترشحت للانتخابات التي لم تكتمل نهاية عام 2021، لم تنقطع زياراتها وجولاتها حتى الآن إلى المناطق والمدن التي يتواجد بها العدد الأكبر من أبناء قبيلتهم والقبائل المتحالفة معها».
وأعرب المصباحي - الذي يترأس مركز التمكين للبحوث والدراسات الاستراتيجية - عن تطلعه لتزايد الاعتماد على القبائل في مسار عملية المصالحة الوطنية المطلوب المضي قدما بها قبيل الانتخابات تمهيدا لتقبل الجميع نتائج العملية الانتخابية وضمان عدم العودة للصراع المسلح بين أبناء الوطن على السلطة، مشيداً بـ«الاجتماعات الأخيرة التي عقدت بين قيادات عسكرية وأمنية شرق وغرب البلاد».


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

«الناتو» يعيد رسم شراكته الأطلسية... وتركيا في قلب المعادلة

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
TT

«الناتو» يعيد رسم شراكته الأطلسية... وتركيا في قلب المعادلة

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي

منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، تصاعد الكلام عن أفول الشراكة عبر الأطلسي؛ بل ذهب بعض المحللين إلى حد الجزم بأن حلف شمال الأطلسي دخل مرحلة التراجع التاريخي. إلا أن الوقائع تشير إلى مسار مختلف؛ فالحلف لا ينهار بقدر ما يعيد تعريف قواعد العلاقة بين ضفتي الأطلسي، في ظل انتقال تدريجي من نموذج اعتمد لعقود على القيادة الأميركية، إلى نموذج يقوم على توزيع أكبر للأعباء والمسؤوليات بين الولايات المتحدة وأوروبا.

وطوال أكثر من 70 عاماً، شكّلت المظلة الأمنية الأميركية حجر الأساس في الدفاع الأوروبي عبر حلف شمال الأطلسي (ناتو). لكن التحولات الدولية، وتبدل أولويات واشنطن، وتصاعد المنافسة مع الصين، دفعت الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى مطالبة الأوروبيين بتحمل نصيب أكبر من مسؤولية أمنهم. صحيح أن ترمب عبّر عن هذه المطالب بصوت مرتفع، إلا أن جذور الموقف الأميركي تعود إلى سنوات سابقة، عندما بدأت الولايات المتحدة توجيه اهتمامها نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، معتبرة أن التحدي الصيني يمثل أولويتها الاستراتيجية الأولى.

جنديان نرويجيان خلال تدريب مشترك مع قوات بحرية أميركية قبالة ساحل ولاية نورث كارولاينا الأميركية (رويترز)

في المقابل، تختلف نظرة الأوروبيين إلى مصادر التهديد؛ فبالنسبة لمعظم العواصم الأوروبية، لا تزال روسيا الخطر المباشر على الأمن القاري، وهو ما كرسته الحرب في أوكرانيا التي أعادت الدفاع الجماعي إلى الصدارة. أما واشنطن، فترى أن المنافسة مع الصين ستحدد شكل النظام الدولي خلال العقود المقبلة، حتى إن بقيت ملتزمة بالدفاع عن أوروبا.

* «الناتو» وقدرة الدول الأعضاء على التكيّف

إلا أن هذا التباين في ترتيب الأولويات لا يعني انهيار التحالف؛ بل يفرض إعادة صَوغ العلاقة على أسس أكثر واقعية، فـ«الناتو» لم يقم يوماً على تطابق كامل في الرؤى السياسية، وإنما على وجود مصالح أمنية مشتركة وشعور بوجود تهديدات تستدعي العمل الجماعي. لذلك، فإن استمرار الحلف يعتمد اليوم على قدرة أعضائه على التكيف مع بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً، وليس على العودة إلى نموذج ما بعد الحرب الباردة.

وقد دفعت هذه البيئة الجديدة، الدول الأوروبية، إلى خطوات غير مسبوقة في مجال الإنفاق العسكري؛ فبعد سنوات من الانتقادات الأميركية بشأن غياب الإنصاف في تقاسم الأعباء، رفعت غالبية الدول الأعضاء موازناتها الدفاعية بصورة كبيرة، بينما شرعت دول مثل ألمانيا في مراجعة سياساتها التقليدية تجاه الإنفاق العسكري، في حين تواصل بولندا ودول الجناح الشرقي التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي، الاستثمار بكثافة في تعزيز قدراتها الدفاعية خوفاً من روسيا.

ويعكس هذا التحول إدراكاً أوروبياً متزايداً لواقع أن أمن القارة لم يعد من الممكن أن يبقى معتمداً كلياً على الضمانات الأميركية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته في البيت الأبيض يوم 26 يونيو (حزيران) الماضي (رويترز)

ولا تقتصر عملية إعادة التفاوض على الجانب العسكري؛ بل تمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة الدفاعية، فالاستثمارات المتبادلة بين الولايات المتحدة وأوروبا لا تزال من الأكبر عالمياً، كما أن الصناعات الدفاعية الأميركية ترى في خطط التسلح الأوروبية فرصاً اقتصادية هائلة؛ ففرنسا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متكاملة نسبياً، بينما يعتمد معظم الدول الأوروبية الأخرى بدرجات متفاوتة على استيراد الأسلحة والتقنيات العسكرية.

وفي الوقت نفسه، يسعى الأوروبيون إلى تعزيز استقلالهم الصناعي والتكنولوجي من دون التخلي عن التحالف مع واشنطن، في معادلة دقيقة تجمع بين الاستقلال الاستراتيجي واستمرار الشراكة.

*قمة «الناتو» في أنقرة

من هنا، تبدو قمة «الناتو» المرتقبة في أنقرة أكثر من مجرد اجتماع دوري لقادة الحلف؛ إذ تمثل محطة لاختبار قدرة الطرفين على بلورة صيغة جديدة للعلاقة الأطلسية، فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل الضامن الوحيد لأمن أوروبا؛ بل كيف يمكن للطرفين بناء شراكة أكثر توازناً؟

وفي هذا السياق، تبرز تركيا بوصفها إحدى أكثر الدول تأثيراً وإثارة للجدل داخل الحلف؛ فمن الناحية العسكرية، تمتلك ثاني أكبر جيش في «الناتو»، ويمنحها موقعها الجغرافي قدرة استثنائية على الربط بين البحر الأسود وشرق المتوسط والشرق الأوسط والقوقاز. ومع تصاعد التوتر مع روسيا واستمرار الاضطرابات في جوار أوروبا الجنوبي، تزداد أهمية هذه المزايا بالنسبة إلى الحلف.

لكن هذه القيمة الاستراتيجية تقابلها تحديات سياسية معقدة؛ فقد شهدت السنوات الماضية خلافات متكررة بين تركيا وعدد من حلفائها بشأن منظومة الصواريخ الروسية «إس-400»، والدور التركي في سوريا، والعلاقات مع اليونان وقبرص، إضافة إلى استخدام أنقرة آليات الإجماع داخل الحلف للدفاع عن أولوياتها الأمنية. لذلك، ينظر كثير من الحلفاء إلى تركيا باعتبارها شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه، لكنه ليس شريكاً سهلاً.

دورية للشرطة في أنقرة التي تستعد لاستضافة قمة أطلسية (رويترز)

ورغم ذلك، تشير التجربة التاريخية إلى أن أهمية تركيا ترتفع كلما ازدادت الأخطار الأمنية التي تواجه أوروبا؛ ففي أوقات الأزمات، تعود الجغرافيا والقدرات العسكرية لتتقدم على الخلافات السياسية، بينما تتصدر هذه الخلافات المشهد عندما تتراجع مستويات التهديد. ومن المرجح أن يستمر هذا النمط خلال السنوات المقبلة، خصوصاً إذا استمرت الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتراجعت قدرة الولايات المتحدة أو رغبتها في تحمل العبء الأمني الأوروبي بمفردها.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام «الناتو» لا يتمثل في الحفاظ على شكله التقليدي؛ بل في «كتابة» صيغة جديدة لآليات عمله بما ينسجم مع موازين القوى الجديدة، فنجاح الحلف سيقاس بقدرته على تحقيق توازن بين دور أوروبي أكثر استقلالية، واستمرار الالتزام الأميركي، والاستفادة من القدرات الاستراتيجية لدول محورية مثل تركيا، رغم استمرار الخلافات السياسية معها.

وعليه، فإن الحديث عن نهاية الشراكة الأطلسية يبدو سابقاً لأوانه، فما يجري اليوم ليس انهياراً للنظام الذي حكم العلاقات عبر الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ بل عملية إعادة توزيع للأدوار داخل الحلف، تفرضها التحولات الدولية وتغير أولويات القوى الكبرى. وقد تكون قمة أنقرة واحدة من أبرز المحطات التي ستكشف ما إذا كان «الناتو» قادراً على تحويل هذه المرحلة الانتقالية إلى نموذج أكثر توازناً وفاعلية في مواجهة تحديات العقد المقبل.


وزير ألماني سابق: أميركا في طريقها للخروج من «الناتو»

أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
TT

وزير ألماني سابق: أميركا في طريقها للخروج من «الناتو»

أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)

أعرب وزير الخارجية الألماني الأسبق يوشكا فيشر عن شكوكه في استمرار الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس دونالد ترمب ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال فيشر (78 عاماً) في تصريحات لصحف مجموعة «فونكه» الألمانية الإعلامية: «في الواقع، الأميركيون في طريقهم إلى الخروج»، داعياً إلى أن يواصل الحلفاء المتبقون عمل التحالف من دون أميركا في حال حدوث ذلك، وأن يقيموا مظلة ردع نووي بالاعتماد على الأسلحة النووية لكل من فرنسا وبريطانيا.

ومن المقرر أن يعقد قادة «الناتو» قمة في العاصمة التركية أنقرة اعتباراً من يوم الثلاثاء المقبل.

وقبل القمة، جدَّد ترمب انتقاداته لألمانيا وحلفاء آخرين بسبب مساهماتهم في «الناتو»، رغم أنهم زادوا في الفترة الأخيرة إنفاقهم الدفاعي بشكل ملحوظ.

وقال فيشر: «قادة الدول والحكومات الأوروبية والأمين العام للناتو يتقربون إلى دونالد ترمب بقدر كبير من التملق للإبقاء عليه داخل الحلف»، مضيفاً أنه لا ينتقد هذا السلوك، وقال: «يتعين عليهم فعل ذلك، ولا أرى بديلاً. لكنني لا أعتقد أن الناتو سيستمر على المدى الطويل بهذه الطريقة».

وأكد فيشر أنه يعول على تعزيز الطابع الأوروبي داخل الحلف، قائلاً: «يجب أن يبقى الجزء الأوروبي من الناتو متماسكاً، ويفضل أن يكون ذلك بمشاركة كندا»، وأضاف: «لدينا إجراءات وآليات مجربة، ويجب الحفاظ عليها ونقلها إلى هيكل جديد».

وفي معرض رده على سؤال بشأن استمرار المظلة النووية الأميركية، قال فيشر: «لم أعد أعول عليها»، مضيفاً أنه من الصواب «إغداق كثير من المديح على ترمب»، لكنه أشار إلى شكوكه في أن يكون ذلك كافياً «إذا وصلت الأمور إلى لحظة الحسم».

وأفاد وزير الخارجية الأسبق أنه إذا انسحبت الولايات المتحدة فإنها ستسحب معها مظلتها النووية، وأضاف: «عندها سيتعين علينا أن نحاول بناء مظلة حماية خاصة بنا انطلاقاً من القدرات الموجودة في بريطانيا وفرنسا، ومن القدرات غير النووية للجزء الأوروبي من الناتو»، موضحاً أن ذلك سيعني أن تكون الكلمة الأخيرة في اتخاذ القرار للرئيس الفرنسي أو رئيس الوزراء البريطاني، كما هو الحال حالياً بالنسبة للرئيس الأميركي.

وأضاف: «سيتعين التفاوض بشأن مسائل التمويل».

وشغل فيشر منصب وزير الخارجية ونائب المستشار الألماني خلال الفترة من 1998 إلى 2005 في حكومة الائتلاف بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر بقيادة المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر.


50 برلمانياً أوروبياً يحثون «فيفا» على التحقيق في منح جائزة السلام لترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس فيفا جاني إنفانتينو في أثناء حصوله على جائزة السلام (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس فيفا جاني إنفانتينو في أثناء حصوله على جائزة السلام (رويترز)
TT

50 برلمانياً أوروبياً يحثون «فيفا» على التحقيق في منح جائزة السلام لترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس فيفا جاني إنفانتينو في أثناء حصوله على جائزة السلام (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس فيفا جاني إنفانتينو في أثناء حصوله على جائزة السلام (رويترز)

حث خمسون نائباً في البرلمان الأوروبي الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على التحقيق في منح رئيسه جاني إنفانتينو «جائزة السلام» للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وذلك في دعم لطلب تقدمت به في ديسمبر (كانون الأول) منظمة «FairSquare» المدافعة عن حقوق الإنسان، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكتبت المنظمة، الجمعة: «تشكل هذه الرسالة التدخل الأهم لمسؤولين سياسيين أوروبيين ضد سوء الحوكمة وانتهاكات القواعد على رأس كرة القدم العالمية منذ أن دعا البرلمان الأوروبي في 2015 سلف إنفانتينو، سيب بلاتر، إلى الاستقالة».

وفي رسالة مؤرخة، الاثنين، دعا 50 نائباً من 13 دولة أوروبية، معظمهم من الاشتراكيين الديمقراطيين والليبراليين والخضر، إلى «حث لجنة الأخلاقيات في فيفا على إجراء التحقيق بأقصى سرعة وجدية»، وهو التحقيق الذي تطالب به المنظمة البريطانية منذ نحو سبعة أشهر.

وكتب الموقّعون، بقيادة الآيرلندي باري أندروز والهولندية لارا فولترز والدنماركي نيلس فوغلسانغ، أنه «في وقت تتجه فيه أنظار العالم إلى فيفا هذا الصيف» بالتزامن مع مونديال 2026، فإن هذه الخطوة «تمثل فرصة لفيفا كي يثبت التزامه بالحياد السياسي والشفافية والمساءلة».

وكانت المنظمة التي حظيت في مطلع الشهر الماضي بدعم الاتحاد النرويجي لكرة القدم وحده حتى الآن من بين 211 دولة عضواً في فيفا، اتهمت إنفانتينو بانتهاك «واجب الحياد» المنصوص عليه في المادة 15 من مدونة أخلاقيات الاتحاد، من خلال تفضيل دونالد ترمب.

وتطالب المنظمة بشكل خاص لجنة الأخلاقيات بـ«دراسة الظروف» التي أحاطت بمنح الرئيس الأميركي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي «جائزة فيفا للسلام»، وهي جائزة غير مسبوقة لم تُوضَّح معاييرها وآلياتها من قبل الهيئة الكروية.

وبشكل أوسع، انتقدت «FairSquare» أيضاً دعوة إنفانتينو في أكتوبر (تشرين الأول) إلى منح ترمب جائزة نوبل للسلام، وكذلك تعليقاته المؤيدة لسياساته الداخلية.

واعتبرت المنظمة أن «دعمه الواضح للأجندة السياسية للرئيس ترمب على الصعيدين الوطني والدولي» يهدد «نزاهة وسمعة كرة القدم وفيفا نفسه».

ولم يعلّق فيفا، الجمعة، على استفسار «وكالة الصحافة الفرنسية» التي طلبت معرفة رأيه برسالة النواب الأوروبيين. كما لم يسبق له أن رد على طلب «FairSquare» ولا على الانتقادات المتعلقة بـ«جائزة السلام».