هل «الطرف الثالث» هو الذي يقود الحرب في السودان؟

اتهامات للإسلاميين وأنصار البشير بإذكاء نار الحرب وتصعيدها

سودانيون وأجانب هاربون من المعارك الدائرة في العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)
سودانيون وأجانب هاربون من المعارك الدائرة في العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

هل «الطرف الثالث» هو الذي يقود الحرب في السودان؟

سودانيون وأجانب هاربون من المعارك الدائرة في العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)
سودانيون وأجانب هاربون من المعارك الدائرة في العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)

اعتاد السودانيون في السنوات الأخيرة على سماع كلمة «طرف ثالث»، بعد كل جريمة ترتكب، أو عملية قتل لمتظاهر خلال المسيرات المليونية الأخيرة، أو أي حادث ما مثير للجدل، تريد السلطات إبعاد مسؤوليتها عنه، فجريمة فض الاعتصام ارتكبها «طرف ثالث»، وجريمة قتل شباب وإلقائهم في النيل ارتكبها «طرف ثالث»، حتى هذه الحرب الأخيرة، يقودها «طرف ثالث». فما قصة هذا «الطرف الثالث»؟
برز تعبير «الطرف الثالث» في الصراع السوداني أول مرة إبان الثورة الشعبية التي أطاحت حكم «الإسلاميين» بقيادة الرئيس السابق عمر البشير، في أبريل (نيسان) 2019، حين اتهم مدير جهاز الأمن السابق، صلاح عبد الله، الشهير بـ«قوش»، طرفاً ثالثاً بقتل المتظاهرين السلميين، ليبرئ «جهازه» من التهمة الشنيعة.
وواصل مصطلح «الطرف الثالث» بروزه في العمليات التي نسبها البعض إليه بقتل مئات من المحتجين السلميين، أثناء النزاع بين المدنيين والعسكريين على تقاسم السلطة، الذي بلغ ذروته بجريمة «فض الاعتصام»، التي اتهمت فيها القوات المسلحة وقوات «الدعم السريع» المدعومة من أنصار البشير، فجرى الحديث عن وجود طرف ثالث، لكن التعبير كان يشير في كل مرة إلى من يطلق عليهم «كتائب ظل»، التابعة لنظام البشير السابق.
وعقب انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وإطاحة الجيش و«الدعم السريع» بحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، لم يعد الطرف الثالث خفياً. فقد أعلن عن نفسه، وكوّن تشكيلات وكيانات حزبية وسياسية، ولم يعد دعمه للانقلاب المناوئ للثورة والثوار خفياً و«مدسوساً»، بل كثيراً ما هددت هذه التشكيلات بالانقضاض على المدنيين، ولم تكتفِ بالتهديدات، بل أخرجت المظاهرات والمواكب والاحتجاجات، وهذه المرة اتهم الانقلابيون «هذا الثالث» بقتل عشرات المتظاهرين السلميين، مبرئين أنفسهم من الجرم المشهود.

حرب الشوارع في الخرطوم طالت كثيراً من المدنيين وممتلكاتهم (أ.ب)

وقبيل اندلاع الحرب الجارية بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، عاد الإصبع ليشير هذه المرة بجرأة إلى «الطرف الثالث»، حين اشتعلت مواقع الدعاية التحريضية، بل التهديدية، ضد التقارب بين المدنيين والعسكريين وتوقيع الاتفاق الإطاري، وخرج رموزهم و«كبارهم» ليعلنوا للناس رفضهم الاتفاق والتهديد بإسقاطه، ودعوة الجيش إلى التراجع عنه و«إلّا»...
وقبل أيام من بدء الحرب، تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي «تغريدة» على موقع الإسلامي المتشدد «عمار السجاد»، يدعو فيها المواطنين لمغادرة الخرطوم متى استطاعوا، ثم خرج عدد آخر من قادة الإسلاميين وشنوا حملات تحريض واسعة للجيش ضد قوات «الدعم السريع»، دعوا فيها صراحة للقضاء على «الميليشيا» (الدعم السريع) التي أعلن زعيمها دعمه للعملية السلمية وخروج الجيش من السياسة، ما يعني فقدانهم الامتيازات التي حصلوا عليها بالانقلاب.
تكونت قوات «الدعم السريع» خلال حكم الإسلاميين، كقوة رديفة للجيش السوداني، وكانت تتبع جهاز الأمن والمخابرات في المرة الأولى، ثم القائد العام للجيش مباشرة. لكنها، نتيجة لتقديرات اتخذتها قيادتها إبان الثورة، «قررت» التوقف عن دعم النظام الإسلامي، ما أسهم في سقوطه، وتبوأ قائدها منصب نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، ثم نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي.
وطوال الفترة الانتقالية، ظلت القوتان تعملان بتناسق تام، بل أوكلت لقائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) مهام في غاية الخطورة، مثل التفاوض باسم القوات المسلحة مع تحالف قوى إعلان «الحرية والتغيير»، والتفاوض مع الحركات المسلحة باسم حكومة السودان، وتوقيع اتفاق سلام جوبا، بل رئاسة اللجنة الاقتصادية التي كانت تتولى إعادة تأهيل اقتصاد البلاد.
وأثناء ربيع العلاقة بين الجيش و«الدعم السريع»، سمح رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، لـ«الدعم السريع» بالتمدد، فازداد عدده من نحو 30 ألفاً ليتجاوز 100 ألف، حسب تقديرات غير رسمية، كما سمح له بالاستيلاء على نصيب الأسد من عقارات «حزب المؤتمر الوطني» المحلول، ليستخدمها مواقع لقواته، إلى جانب استثماراته في الذهب وغيره، ما جعل منه قوة حقيقية.
لكن «شهر العسل» بين القوتين كان قصيراً، بسبب تزايد طموح قائديهما في السيطرة على منصب الرجل الأول في البلاد، وإقصاء الآخر، أو في الحد الأدنى «تهميش دوره»، وذلك بعد أيام من انقلاب أكتوبر الذي اتهم فيه البرهان بالاستعانة بأنصار النظام السابق من الإسلاميين، كظهير سياسي له في الصراع من «حليفه القديم»، (وهو ما نفاه أكثر من مرة)، بعد أن فشل فريقه السياسي الذي قاد ما يعرف باعتصام القصر في توفير مرجعية سياسية ذات شعبية له، فتزايد العداء بين حميدتي والإسلاميين، الذين صاروا يعتبرونه خائناً، وأنه «عض الأصبع» التي دعمته في النشأة والتكوين.
وتفرقت الصفوف حين نشبت الحرب بين القوتين، فأعلن الإسلاميون وأنصار نظام البشير صراحة وقوفهم ضد «الدعم السريع»، تحت ذريعة «أن الجيش السوداني هو الذي يمثل سيادة البلاد»، وشنوا حملات ترهيب وتخوين ضد كل من يقف بجانب «الدعم السريع»، بل ضد كل من ينادي بمجرد «وقف الحرب»، ولم يعودوا «طرفاً ثالثاً» مجهولاً، بل انضموا علانية إلى جانب الجيش في الحرب.
وكشف قائد قوات «الدعم السريع» في تصريحاته، التي نقلتها فضائية «العربية» الأسبوع الماضي، أن من يقود الحرب هم الإسلاميون، وليس الجيش، وأنهم من يحركون القيادة الحالية للجيش، قائلاً: «لن نفاوض البرهان، بل من يحركونه»، مشيراً إلى الأمين العام للحركة الإسلامية الفارّ منذ الانقلاب، علي كرتي، وإلى القيادي الإسلامي أسامة عبد الله، باعتبارهما القادة الحقيقيين للجيش، ليس منذ اندلاع الحرب، بل منذ أن سيطر الإنقاذيون على الحكم.
ودأبت قوى إعلان «الحرية والتغيير» والقوى الموقعة على الاتفاق الإطاري التي تمثل القوى المدنية، على اتهام من تسميهم بالإسلاميين في الجيش بالوقوف وراء نشوب الحرب واستمرارها. وقال المتحدث باسمها، خالد عمر يوسف، إن «أنصار النظام السابق هم من يذكون الصراع الدائر حالياً»، لأنهم يرون في العملية السياسية تهديداً لهم.
ولم يستطع قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، نفي دعم الإسلاميين وأنصار نظام البشير له، في تصريحه للفضائية نفسها (العربية)، واكتفى بنفي التهمة عنه شخصياً، بالقول: «حميدتي يعرف أنني لست إسلامياً، ولا علاقة لي بهم، وهذه أكاذيب يروجها الرجل».
لكن الراجح، الذي تتداوله وسائط التواصل الاجتماعي السودانية والمنصات الإعلامية، أن «أنصار البشير» هم من يقودون الحرب النفسية لصالح الجيش على الأقل، بل يهددون بالانقلاب على القيادة العسكرية للجيش في حال رضخت لوقف الحرب وقررت التفاوض مع «الدعم السريع».
ويجري بشكل واسع تداول تهديدات صادرة عن قادة إسلاميين، لا يمكن التحقق من صحتها، لكنها تتسق مع الموقف الملموس للتنظيم الرافض لوقف الحرب، أو الهدنة مع «الدعم السريع»، وإعلانهم صراحة أنهم أعدوا كتائبهم وقواتهم للحرب إلى جانب الجيش حتى تصفية آخر جنود «الدعم السريع». وفي حال رضوخ الجيش للضغوط، فإنهم قد ينقلبون عليه، ليأتوا بقيادة جديدة تمثلهم وتحفظ مصالح «الطرف الثالث».


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الأمم المتحدة تدرّب «الهلال الأحمر» الليبي على مواجهة مخاطر الألغام

قاذفتان عثر عليهما جهاز المباحث الجنائية في طرابلس قبل انفجارهما (المكتب الإعلامي للجهاز)
قاذفتان عثر عليهما جهاز المباحث الجنائية في طرابلس قبل انفجارهما (المكتب الإعلامي للجهاز)
TT

الأمم المتحدة تدرّب «الهلال الأحمر» الليبي على مواجهة مخاطر الألغام

قاذفتان عثر عليهما جهاز المباحث الجنائية في طرابلس قبل انفجارهما (المكتب الإعلامي للجهاز)
قاذفتان عثر عليهما جهاز المباحث الجنائية في طرابلس قبل انفجارهما (المكتب الإعلامي للجهاز)

في خطوة تهدف إلى نزع فتيل «القنابل الموقوتة» التي تطارد المدنيين، اختتم متطوعون من جمعية الهلال الأحمر الليبي تدريباً متخصصاً نظمته الأمم المتحدة لرفع الجاهزية في مواجهة مخاطر مخلفات الحرب التي لا تزال تهدد المواطنين.

ويسعى البرنامج التدريبي الأممي إلى تسليح المتطوعين بالمهارات اللازمة لتحديد المتفجرات وتوعية المجتمعات المحلية بمخاطرها، سعياً لوضع حدّ للحوادث التي لا تزال تُزهق الأرواح في مختلف أنحاء ليبيا، وتستهدف على وجه الخصوص الأطفال.

متطوعو «الهلال الأحمر» الليبي بعد انتهاء ورشة عمل رعتها الأمم المتحدة عن مخلفات الحروب 19 يناير (البعثة الأممية)

وقالت البعثة الأممية، الاثنين، إن ورشة العمل التي نظمتها ضمت 21 متطوعاً بينهم 7 نساء، ونفذتها دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام، التابعة للبعثة، مشيرة إلى أن الورشة «تستند إلى استمرار تعاون البعثة مع الشركاء الليبيين لمعالجة مخاطر المتفجرات من خلال التوعية المجتمعية وتعزيز الممارسات الآمنة، بما يتماشى مع ولاية البعثة لحماية المدنيين، ودعم المؤسسات الليبية، وتعزيز بيئة أكثر أماناً واستقراراً في جميع أنحاء البلاد».

وأرجعت البعثة سبب عقد ورشة العمل، لوقوع حادث مأساوي قبل أيام قليلة، «تمثل في مقتل صبي وإصابة شقيقه بالعمى بعد لمسه قنبلة يدوية في منطقة سكنية بمدينة مصراتة».

وسجلت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام 484 ضحية لحوادث انفجارات في ليبيا، من بينهم 174 قتيلاً، 19 منهم أطفال منذ مايو (أيار) 2020، ما يسلط الضوء على المخاطر المستمرة التي تشكلها الأسلحة ومخلفات الحرب المتفجرة.

قذيفة عثر عليها جهاز المباحث الجنائية في طرابلس قبل انفجارها (المكتب الإعلامي للجهاز)

وقالت أولريكا ريتشاردسون، نائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والمنسقة المقيمة للشؤون الإنسانية، إن منظمات مثل الهلال الأحمر الليبي «تؤدي دوراً حيوياً في الوصول إلى العائلات في أماكن إقامتها»، ورأت أن تعزيز قدرتها «يساعد على تحديد المخاطر وإيصالها بوضوح لمنع المزيد من الخسائر في الأرواح».

وذهبت البعثة إلى أن أعضاء الهلال الأحمر المشاركين في ورشة العمل «عززوا قدرتهم على التمييز بين أنواع الأسلحة المختلفة، وفهم كيفية إفلات الألغام الحديثة من الكشف، وإيصال المخاطر إلى الجمهور بما يتماشى مع المعايير الدولية».


الأمم المتحدة: أكثر من 8 ملايين سوداني يحتاجون للغذاء في 2026

انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)
انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة: أكثر من 8 ملايين سوداني يحتاجون للغذاء في 2026

انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)
انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)

حذّرت الأمم المتحدة وشركاؤها من «فجوات حرجة» في خدمات التغذية بالسودان، ظلت تتسع باطرادٍ نتيجة استمرار الحرب والنزوح، وتراجع الخدمات الصحية والغذائية، مع مؤشرات ميدانية على تدهور حاد يُتوقع أن يحدث خلال عام 2026.

ووفقاً لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة «أوتشا»، فإن أكثر من 8.4 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدة غذائية في عام 2026، بما في ذلك نحو 5 ملايين طفل دون الخامسة، إضافة إلى معاناة أكثر من 3.4 مليون من النساء الحوامل والمرضعات من تدهور الخدمات الصحية والعلاجية ونقص التغذية.

وتوقّع التقرير الذي نشرته «أوتشا»، يوم الاثنين، أن يعاني 4.2 مليون طفل ونساء حوامل ومرضعات من سوء تغذية حاد في أنحاء السودان، من بينهم أكثر من 824 ألف حالة سوء تغذية «حاد وخيم» لدى الأطفال دون الخامسة.

وأظهرت المسوحات المعتمدة، وفق المنهجية المعيارية لمتابعة وتقييم الإغاثة والتحولات (SMART)، من خلال 31 مسحاً من أصل 61 مسحاً، تدهوراً حاداً في انتشار سوء التغذية الحاد خلال العام الحالي. وذكرت منظمة الصحة العالمية أن مسحاً واحداً منها سجّل تدهوراً بلغ «حافة المجاعة»، أي نحو 34.2 في المائة من جملة السكان.

معارك كردفان ودارفور

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)

ميدانياً، تتزايد الضغوط العسكرية في إقليمي كردفان ودارفور. وذكرت الأمم المتحدة، في وقتٍ سابق من هذا الشهر، أن ازدياد عمليات تقييد وقطع الطرق أثّر على الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية والأسواق في عدة مناطق، من بينها مدينة كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، ومدينة الدلنج في الولاية نفسها.

ومنذ عدة أشهر، تفرض «قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية لتحرير السودان» حصاراً قاسياً على مدينتي كادوقلي والدلنج، وتواصل قصفهما بالمدفعية والطائرات المسيّرة، ما أدى إلى نزوح أكثر من 800 ألف شخص، معظمهم إلى مناطق سيطرة قوات «الحركة الشعبية لتحرير السودان» جنوب غربي كادوقلي.

ودونت عمليات عسكرية استهدفت أسواقاً وتجمعات للقوات، من بينها هجوم أوقع أكثر من 12 قتيلاً وعشرات الجرحى، حسب تقارير محلية، إلى جانب عمليات عسكرية وتبادل سيطرة على بلدة هبيلا، واستهداف بلدة كرتالا.

وفيما تشتد وتيرة المعارك البرية بين قوات الطرفين - الديش و«الدعم السريع» - ظلت الطائرات المسيّرة القتالية التي تهاجم المدن والبلدات تلعب دوراً كبيراً في القتال، بعد أن توسّع استخدامها على نطاقٍ واسع، وألحقت بالمدنيين خسائر فادحة.

وخلال يناير (كانون الثاني) الحالي، رُصدت سلسلة هجمات بالطائرات المسيّرة نُسبت إلى «قوات الدعم السريع»، وأخرى للجيش وحلفائه، في مدينة الأُبيّض وما حولها من بلداتٍ أخرى. وأفادت تقارير بمقتل أكثر من 13 شخصاً، بينهم أطفال ونساء، جراء ضربات هذه المسيّرات في الأُبيض ومحيطها، وسط استهدافٍ واسعٍ للمنشآت الحيوية في المدينة.

ونقلت تقارير محلية حدوث اشتباكاتٍ عنيفة في محاور تربط شمال كردفان بمناطق استراتيجية، زادت من مخاطر انقطاع الإمدادات وحركة المدنيين، لا سيما الطريق البرية التي تربط غرب السودان بمدينة أم درمان، إحدى مدن العاصمة الثلاثية، وبعض المناطق في جنوب غربي الولاية وبلدة علوبة، حيث ظل طرفا القتال يتبادلان السيطرة عليها.

وتربط جهات المساعدات الإنسانية بين اتساع رقعة القتال والتدهور المتوقع في الأمن الغذائي خلال عام 2026، وتضرر خدمات الصحة والمياه، وازدياد موجات النزوح، وجعل سلاسل الإمداد أكثر هشاشة. وتحذّر جهات أممية من تجاوز التقديرات الحالية لأعداد الأشخاص المحتاجين، خصوصاً بين النازحين الجدد والعائدين، والمجتمعات التي تعاني صعوبةً وقيوداً في الحركة أو الحصار.

تحذير تورك

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من جانب طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانيةً عدةً هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


هل تنهي «إجراءات 11 يناير» أزمة الهجرة والمعارضة في الجزائر؟

مسافرون جزائريون في «مطار شارل ديغول» (متداولة)
مسافرون جزائريون في «مطار شارل ديغول» (متداولة)
TT

هل تنهي «إجراءات 11 يناير» أزمة الهجرة والمعارضة في الجزائر؟

مسافرون جزائريون في «مطار شارل ديغول» (متداولة)
مسافرون جزائريون في «مطار شارل ديغول» (متداولة)

بعد أسبوع من إعلان الجزائر عن «تدابير تهدئة» لفائدة المعارضين والمهاجرين غير النظاميين المقيمين في الخارج، تعالت الدعوات الموجهة إلى الحكومة من أجل رفع التضييق عن النشطاء في الداخل، وفتح الفضاء الإعلامي أمام الآراء المخالفة، في وقت طرح ناشطون تساؤلات جوهرية حول «مدى استعداد واقتناع المعارضين والمهاجرين بالعودة إلى البلاد».

في 11 يناير (كانون الثاني) 2025، أعلن مجلس الوزراء الجزائري، برئاسة الرئيس عبد المجيد تبون، عن إجراءات خاصة تجاه الجزائريين المقيمين في الخارج «في وضعية غير نظامية أو هشة»، وقد تضمنت هذه الإجراءات بالتحديد «تسوية أوضاع الشباب الجزائريين المقيمين بشكل غير قانوني في الخارج، خاصة الذين وجدوا أنفسهم في وضعيات صعبة أو مستغلين أو مضللين، دون أن يكونوا قد ارتكبوا جرائم خطيرة».

من جلسة لمجلس الوزراء (الرئاسة)

وتم الإعلان عن مرسوم استثنائي لتسوية وضعية هؤلاء المهاجرين، بهدف منحهم حماية اجتماعية وقانونية، والسماح لهم بالعودة إلى الوطن دون خوف من ملاحقات قاسية إذا لم يكونوا متورطين في أعمال عنف أو جرائم جسيمة.

كما يشمل الإجراء الذين ربما تعرضوا فقط لمخالفات بسيطة أو استدعاءات أمنية غير جسيمة، مثل استدعاء الشرطة أو الدرك في قضايا متعلقة بالنظام العام. وأوضح مجلس الوزراء أن تنفيذ إجراءات تسوية أوضاع المعنيين، يتم عبر القنصليات الجزائرية في بلدان الإقامة، حيث يمكن للمستفيدين البدء في إجراءات «التقنين» والحصول على جوازات سفر جديدة عند الحاجة.

وتضمنت التدابير الرئاسية استثناءات خصت كل من له علاقة بالجرائم الخطيرة مثل الجرائم العنيفة، والاتجار بالمخدرات أو الأسلحة، أو «التعاون مع أجهزة أمنية أجنبية بهدف الإضرار بالوطن».

ملفا الهجرة والمعارضين من أبرز محاور الخلافات الجزائرية - الفرنسية (أرشيفية -الرئاسة الجزائرية)

أما الهدف المعلن من هذه الإجراءات، فهو «إعادة ربط هؤلاء الشباب بوطنهم»، وتقديم فرصة للاندماج دون عقوبات مشددة، مع إبقاء الباب مفتوحاً لأولئك الذين لا يحملون سجلاً جنائياً خطيراً.

وبدا، من حيث المبدأ، أن فئتين من الجزائريين الموجودين بالخارج مستهدفتان بهذه المبادرة، هما: ناشطون معارضون، أغلبهم يملكون اللجوء السياسي في بلد الإقامة، يسببون «صداعاً» للسلطات الجزائرية بسبب حدة انتقاداتهم لها، وبالتالي فهي تحرص بقوة على «إسكاتهم» بإبطال الملاحقات الأمنية والقضائية ضدهم نظير أن يتوقفوا عن مهاجمتها.

أما الفئة الثانية، فتضم مئات المهاجرين الذين صدرت بحقهم أوامر بالطرد من التراب الفرنسي؛ إذ تمارس فرنسا ضغطاً شديداً على الجزائر لاستعادتهم. وفي بداية التوترات الدبلوماسية التي تعيشها علاقات البلدين، منذ أكثر من عام، رفضت الجزائر تسلّم العديد منهم، وأعادتهم في الطائرات التي جاءت بهم من المطارات الفرنسية.

واللافت أن الموضوع لم يثر رد فعل أي من الفئتين، لا بالترحيب ولا بإبداء رفض أو تحفّظ على التدابير، خصوصاً الشروط التي تتضمنها، بعكس الطبقة السياسية التي تفاعلت بقوة مع هذا الحدث البارز.

لويزة حنون (إعلام حزبي)

وعبّرت أحزاب «الغالبية الرئاسية» عن تأييدها خطوة الرئيس تبون، عادّة أنها «بادرة تعبّر عن (حسن نية)، ومن شأنها سحب البساط من تحت أقدام جهات أجنبية توظف ملفَّي المعارضين والهجرة السرية، لتشويه سمعة الجزائر».

وقالت الأمينة العامة لـ«حزب العمال»، ومرشحة انتخابات الرئاسة سابقاً لويزة حنون، بمناسبة اجتماع كوادر حزبها، السبت، إن «اليد الممدودة للشباب الجزائري المقيم في الخارج، والذين غادروا البلاد لأسباب اجتماعية وسياسية، خطوة إيجابية نحو التهدئة السياسية والمصالحة الوطنية»، مؤكدة على «أهمية إرفاق هذه الدعوة ببرنامج عملي وملموس للإدماج الاجتماعي والاقتصادي، عبر استحداث فرص عمل حقيقية وفتح آفاق مستقبلية واضحة، ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية بعيداً عن المقاربات الأمنية والقضائية القائمة على التجريم».

كما دعت حنون إلى «اتخاذ إجراءات استعجالية لتحقيق انفتاح سياسي داخلي، بما يضمن تهيئة مناخ سياسي وإعلامي يكفل الممارسة الكاملة لحقوق المواطنة، خاصة في ظل التحولات الدولية المتسارعة، التي تفرض تقوية الصف الداخلي وإزالة كل مظاهر الهشاشة التي قد تُستغل من قِبل أطراف أجنبية»، مشيرة إلى أنها تلقت «تعهداً رسمياً من رئيس الجمهورية بإحداث انفتاح في المجالين السياسي والإعلامي»، في إشارة إلى الحديث الذي جرى بينها وبين تبّون خلال استقبالها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)

وترى الباحثة كندة بن يحيى، المتخصصة في الشأن الجزائري، بـ«جامعة بوردو» جنوب غربي فرنسا، أن هذا «الخطاب التصالحي» من جانب الجزائر تجاه شبابها، يمثل مبادرة رمزية قوية، لكنها تستدرك بأن مصداقية هذه التصريحات «ستظل رهينة التوضيحات القانونية؛ إذ لم تتضح بعد تفاصيل المرسوم المنظم، ولا نطاق تطبيقه، أو آليات انسجامه مع التشريعات السارية»، وفق ما نقله عنها الموقع المتخصص «مهاجر نيوز».

«ضمانات» العودة

وفيما يخص التوقيت، تضع الباحثة تلك المبادرة في سياق «الرسالة السياسية» الهادفة، حسبها، إلى «إعادة تأكيد سلطة الدولة واستعادة زمام المبادرة في ملف الهجرة، فضلاً عن كونها محاولة للحفاظ على تماسك النسيج الوطني عبر إعادة ربط الصلة مع فئة شبابية تعيش حالة من القطيعة مع مؤسسات بلادها».

وتوضح كندة بن يحيى أن «هؤلاء الشباب غادروا الجزائر وهم يعرضون حياتهم للخطر، أملاً في تحسين ظروفهم المعيشية»، مضيفة أن مشروعهم للهجرة «يقوم أساساً على البحث عن مستقبل اقتصادي واجتماعي أكثر استقراراً».

وحول ما إذا كانوا سيتجاوبون مع هذه الدعوة، تقول الباحثة إن ذلك غير مؤكد، مشيرة إلى أنه «حتى وإن أكد الرئيس تبون تحسن الوضع الاقتصادي ودخول البلاد في مسار تنموي، فإن هذه الخطابات تبقى، بالنسبة للكثيرين، غير كافية دون إجراءات ملموسة».

وبالتالي، فمن غير المرجح، في تقديرها، أن تؤدي مبادرة الرئيس الجزائري إلى عودة جماعية واسعة؛ فـ«من دون ضمانات حقيقية، قانونية واجتماعية واقتصادية، سيبقى الشباب متحفظاً ومتردداً حيال فكرة العودة الدائمة إلى الجزائر».