الخزينة السودانية مهددة بفقدان ملياري دولار من عائدات الذهب

استمرار الظروف الراهنة سيفقد البلاد 15 ملياراً من الحركة التجارية

المعارك تشكل الحركة التجارية في الخرطوم (رويترز)
المعارك تشكل الحركة التجارية في الخرطوم (رويترز)
TT

الخزينة السودانية مهددة بفقدان ملياري دولار من عائدات الذهب

المعارك تشكل الحركة التجارية في الخرطوم (رويترز)
المعارك تشكل الحركة التجارية في الخرطوم (رويترز)

في وقت ما زالت فيه الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» تدور رحاها في الخرطوم، حذر خبراء اقتصاديون سودانيون بأن تمادي الحرب واتساع رقعتها سيكبدان الاقتصاد السوداني وخزينة الدولة خسائر كبيرة، تجهز على سعر الصرف، وتزيد من متوسط معدلات التضخم، التي بلغت نسبتها 600 في المائة، ويفقدانه أكثر من 50 في المائة من صادرات البلاد.
- مطار الخرطوم
ووفق تقديرات الخبير الاقتصادي السوداني الدكتور محمد الناير، فإن خروج مطار الخرطوم من الخدمة، والذي عطل نسبة 5 في المائة من إجمالي الصادرات والواردات السودانية البالغة في مجملها 15 مليار دولار، أفقد الخزينة السودانية صادرات الذهب التي تعادل 50 في المائة من الصادرات بقيمة ملياري دولار.
وقال الناير من العاصمة السودانية الخرطوم، لـ«الشرق الأوسط»: «حدث لسعر صرف العملة السودانية تدهور كبير جداً خلال 4 أعوام من عمر الفترة الانتقالية، حيث انخفض سعر الجنيه السوداني أمام الدولار من 45 و55 جنيهاً إلى 600 جنيه حالياً سعراً متوسطاً جرى الاستقرار عليه لسعر الصرف للعملة السودانية خلال الشهور الماضية».
- تعطيل البنوك
وأضاف الناير: «منذ اندلاع الحرب بين قوات الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع)، التي تسببت في إجازة إجبارية مع نهاية شهر رمضان وحتى الآن، فقد سعر الصرف القدرة على السيطرة حالياً، في ظل تعطل البنوك السودانية عن العمل خلال هذه المدة منذ اندلاع المناوشات وحتى الآن».
وبناءً على ذلك، وفق الناير، فإن «الرؤية ضبابية، ولن تتضح إلا بعد انتهاء فترة إجازة العيد ومباشرة العاملين في البنوك السودانية والقطاعات الأخرى الدوامات في القطاعين العام والخاص»، مبدياً ملاحظته حول تقييم معدل تضخم الاقتصاد السوداني، مؤكداً أنه رغم أن المؤشرات تتحدث عن انخفاضه بنسبة 61 في المائة، فإن لديهم بصفتهم خبراء اقتصاديين اختلافاً حول طريقة حساب معدل التضخم التي قُدر بها.
- معدلات التضخم
ووفق الناير؛ فإن «الخلاف حول تقييم معدلات التضخم ليس بالمعادلة الحسابية التي يحسب بها في الوقت الحالي؛ إذ إن ذلك يتطلب أن تقوم الدولة بعمل مسح لميزانية الأسرة لمعرفة متوسط معدل الاستهلاك للأسرة لمعرفة أوزان الاستهلاك بالنسبة إلى الخدمات، والتي من المفترض أن يجري تحديثها كل 5 أعوام، غير أنه للأسف لم تحدث بيانات الميزانية لمعدل استهلاك الأسرة وأسعار الخدمات منذ 17 عاماً».
وبالتالي، والحديث للناير، فإن النتائج التي يصدرها «الجهاز المركزي للإحصاء» في السودان، وقد ذكرت آخر التقارير أن متوسط معدل التضخم بلغ 61 في المائة، لا يعتقد برأيه أن تحقق الدقة المطلوبة لقياس معدل التضخم، متوقعاً أن يتجاوز معدل التضخم الأرقام التي ذُكرت بكثير.
وبالنسبة إلى المؤشرات الأخرى، وفق الناير، فإن السودان «يعاني كثيراً من ارتفاع معدل الفقر الذي يتجاوز نسبة 60 في المائة، وارتفاع معدل البطالة الذي يتجاوز نسبة 40 في المائة، فضلاً على مؤشرات أخرى ذات صلة، مستدركاً أنه بالنسبة إلى بدء الحرب، فإن الاقتصاد السوداني يعاني أزمات وإشكالات كثيرة».
وعلى صعيد حجم خسائر الحركة التجارية، فقد قدّر الناير، مقارنة بالعام الماضي 2022، أنه «سيبلغ 15 مليار دولار؛ على أساس 11 مليار دولار للواردات، وما يزيد على 4 مليارات دولار حجم الصادرات».
- استطالة الحرب
وقال الناير: «إذا تمددت الحرب، وانتشرت واتسعت دائرتها، فمن المؤكد أن الاحتياطي المحلي الإجمالي سيتأثر، كما سيتفاقم التضخم، وسينهار سعر العملة السودانية... حتى الآن هناك 16 ولاية في السودان لم تتأثر مباشرة بهذه الحرب بشكل مباشر، مثل ولايات شرق السودان بما فيها القضارف وكسلا وبورتسودان وولاية نهر النيل؛ لأنها تؤمّن الطرق من موقع الموانئ إلى العاصمة الخرطوم، إذ إن الموانئ البحرية لم تتأثر بعد... مما يعني أنه لن تكون هناك إشكالات فيما يتعلق بحجم الصادر والوارد، إلا إذا تعطلت الطرق المؤدية إلى العاصمة السودانية الخرطوم»، مشيراً إلى أن 85 في المائة من حجم الصادرات والواردات الذي تبلغ قيمته الكلية 15 مليار دولار سنوياً تجري عبر الموانئ البحرية، في بورتسودان والبحر الأحمر، و10 في المائة منها عبر طريق (شريان الحياة) إلى الجارة مصر عبر (أرقين) أو (شكيب)».
ووفق الناير، «تبقى فقط 5 في المائة تتم عبر مطار الخرطوم، والتي هي بالتالي النسبة المفقودة حتى الآن من مجمل قيمة حجم الصادرات والواردات، يضاف لها ما نسبته 10 في المائة، لتوقف الحركة التجارية مع مصر التي يتطلع أن تستأنف خلال الأيام المقبلة إذا تحسن الوضع» على حدّ تعبيره.
- صادرات الذهب
حول ما يتعلق بصادرات الذهب، التي تشكل 50 في المائة من مجمل الصادرات السودانية، يرى الناير، أنها ستتأثر؛ «لأن صادراته تحدث عبر الطيران الذي بدا متوقفاً، غير أن الصادرات الأخرى التي تجري عبر ميناء بورتسودان ربما لا تواجه إشكالات حتى الآن، بحكم أن الحرب تدور حالياً في رقعة جغرافية ضيقة، وهي منطقة الخرطوم؛ وسط وجنوب العاصمة في مواقع القصر الرئاسي والقيادة العامة للجيش، ومطار الخرطوم الدولي».
ولا يتوقع الناير حدوث أثر كبير على الصادر والوارد بشكل عام، «إلا إذا اتسعت دائرة الحرب، وشملت مواقع أخرى مؤثرة، وامتد أجلها، إذ حينها سيتأثر الاقتصاد السوداني بصورة كبيرة»، مشيراً إلى أن أثر الحرب الأكبر يقع على المواطن السوداني «من حيث انقطاع سلاسل الإمداد الداخلية، مثل خدمات الكهرباء والطاقة والغذاء والصحة داخل العاصمة السودانية الخرطوم، فضلاً على عدم تمكن الموظف والعامل السوداني من مباشرة دوامه وعمله منذ اندلاع الحرب».
- خزينة الدولة
أما فيما يتعلق بإيرادات خزينة الدولة لدى الحكومة المركزية في الخرطوم، فقد أكد الناير أنها «تأثرت منذ اندلاع المناوشات الجارية، بل توقفت تماماً، بخلاف ما هي عليه في خزائن الولايات الأخرى التي لم تتأثر حتى الآن بالحرب، وربما يجري تعويض الخزينة المركزية بعد استقرار الأوضاع، من خلال بذل جهود مضاعفة من قبل ديوان الضرائب والجمارك والجهات الإيرادية الأخرى، لتعويض ما لم يجرِ تحصيله في الفترة الماضية خلال الحرب».
أما ما يخص التوقعات بشأن معدلات التضخم والنمو والاحتياطي الإجمالي المحلي، فإن الحروب؛ وفق الناير، «لطالما كانت سبباً في تدمير البنى التحية»، متفائلاً بأن قوات الجيش السوداني ستمسك بزمام المبادرة، وبالتالي تعود الحياة إلى طبيعتها واستقرارها.
- انهيار اقتصادي
من جهتها، أكدت الاقتصادية سمية سيّد أن الاقتصاد السوداني يشهد تدهوراً ملحوظاً منذ سنوات، وهو برأيها «أحد أسباب سقوط النظام السابق؛ جراء تدهور المعيشة وزيادة معدلات التضخم وارتفاع نسبة الفقر والبطالة» على حدّ تعبيرها، مشيرة إلى أن هذا التدهور استمر حتى بعد «ثورة ديسمبر (كانون الأول)» لفشل الحكومة الانتقالية في تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي وعدم إقرار سياسات مشجعة للمنتجين.
وشددت سمية سيّد في حديث لـ«الشرق الأوسط»، على أن «إهمال موارد البلاد والبحث عن الدعم الخارجي، أديا إلى مزيد من التدهور الاقتصادي»، متوقعة «في ظل اندلاع الحرب الحالية انهياراً تاماً ربما تكون له نتائج كارثية على مجمل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، مما يزيد من معاناة الناس».
- توقف الصادرات
وأضافت سمية سيّد: «كان من المتوقع أن يكون الذهب أحد أهم الموارد البديلة بعد خروج 75 في المائة من موارد النفط بعد انفصال جنوب السودان عن السودان الأم، لكن الدولة فشلت في الاستفادة من تصدير الذهب؛ وذلك لأن أكثر من 89 في المائة يجري تصديره خارج القنوات الرسمية»، على حد تعبيرها.
وتعتقد أن «موضوع تعاملات شركات التعدين المملوكة لـ(الدعم السريع) مع شركة (فاغنر) الروسية في مجال ذهب السودان محل جدال مستمر»، مشيرة إلى أن الصادرات التقليدية كالحلوى واللحوم والماشية والقطن، «شهدت تدنياً كبيراً خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث لم تزد قيمتها على 3 مليارات دولار في العام، مع زيادة نوعاً ما في صادرات الذهب».
واستدركت أنه من المتوقع أن يقود الوضع الحالي الشديد التعقيد إلى توقف الصادرات تماماً، فيما تتوقع مزيداً من التهريب للسلع والمعادن الثمينة، في حين ترجح مزيداً من الانهيار الاقتصادي وهروب المستثمرين وارتفاع حدة المعاناة؛ على حدّ تعبيرها.


مقالات ذات صلة

حرب السودان تهدد إمدادات الصمغ العربي وصناعة المشروبات الغازية

شمال افريقيا حرب السودان تهدد إمدادات الصمغ العربي وصناعة المشروبات الغازية

حرب السودان تهدد إمدادات الصمغ العربي وصناعة المشروبات الغازية

دفع الصراع في السودان الشركات الدولية المصنعة للسلع الاستهلاكية إلى الدخول في سباق لتعزيز إمدادات الصمغ العربي، أحد أكثر المنتجات المرغوبة في البلاد، ويعد مكوناً رئيسياً لكل شيء بدءاً من المشروبات الغازية إلى الحلوى ومستحضرات التجميل. ويأتي نحو 70 في المائة من إمدادات العالم من الصمغ العربي الذي لا توجد له بدائل كثيرة، من أشجار الأكاسيا في منطقة الساحل التي تضم السودان الذي يمزقه القتال الدائر بين الجيش وقوات الدعم السريع. وكشف مصدرون ومصادر من الصناعة لـ«رويترز»، أن الشركات التي تخشى من استمرار انعدام الأمن في السودان وتعتمد على المنتج، مثل «كوكاكولا» و«بيبسيكو»، عملت على تخزين إمدادات، وبعضه

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا سوداني يقرأ جريدة محلية في مدينة أم درمان (رويترز)

العجز التجاري للسودان يفتح باب زيادة الضرائب

سجل الميزان التجاري في السودان العام الماضي، عجزاً بقيمة 3.5 مليار دولار، ما سيدفع الحكومة إلى تغيير في السياسات المالية النقدية بفرض زيادات جديدة في الضرائب، في ظل تآكل الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
شمال افريقيا سوداني يقرأ جريدة محلية في مدينة أم درمان (رويترز)

العجز التجاري للسودان يفتح باب زيادة الضرائب

سجل الميزان التجاري في السودان العام الماضي، عجزاً بقيمة 3.5 مليار دولار، ما سيدفع الحكومة إلى تغيير في السياسات المالية النقدية بفرض زيادات جديدة في الضرائب، في ظل تآكل الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
شمال افريقيا مقر الجمارك السودانية (موقع هيئة الجمارك السودانية)

السودان يرفع قيمة الرسوم الجمركية على 130 سلعة مستوردة

رفعت السلطات السودانية رسوم الجمارك على 130 سلعة، من بينها البنزين والغازولين والقمح، وذلك لسد العجز المتوقع في موازنة العام الحالي، والتي تعتمد بشكل أساسي على الموارد الذاتية للبلاد، وتخلو من أي دعم ومنح خارجية. ويتوقع أن تؤدي هذه الزيادات التي دخلت حيز التنفيذ الفوري إلى ارتفاع في أسعار كثير من السلع المستوردة من الخارج والمنتجة محلياً، في ظل الركود التضخمي الذي تعانيه البلاد.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
شمال افريقيا منتدى في الخرطوم يؤكد عمق العلاقات العربية ـ الصينية

منتدى في الخرطوم يؤكد عمق العلاقات العربية ـ الصينية

دعا سفراء دول عربية في الخرطوم إلى تعميق العلاقات العربية – الصينية باعتبارها قوى مهمة في الاقتصاد العالمي، ومشددين على المصالح الاستراتيجية المتبادلة بين الدول العربية والصين، وأهمية دفعها إلى أعلى مستوى من التعاون الشامل واسع النطاق. واستضافت الخرطوم أمس منتدى تحت عنوان «القمة العربية الصينية التحديات الراهنة وآفاق المستقبل» وذلك قبيل يوم انطلاق 3 قمم في الرياض وهي سعودية - صينية - وخليجية - صينية وعربية صينية بمشاركة 30 من قادة الدول والمنظمات الدولية. وقال السفير المغربي لدى السودان، محمد ماء العينين، إن الدول العربية تنظر إلى الصين كقطب اقتصادي جاذب وفاعل، متوقعاً حدوث نقلة نوعية في العلا

محمد أمين ياسين (الخرطوم)

مصر: معركة على الذاكرة لإعادة صياغة أحداث «فض رابعة»

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

مصر: معركة على الذاكرة لإعادة صياغة أحداث «فض رابعة»

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

«فض رابعة»... صراع يتجدد سنوياً على صياغة رواية أحداث شهدتها القاهرة قبل نحو 13 عاماً، وتسرد أحداثاً من وجهتي نظر مختلفتين في الرؤى والتوجه.

ومع ذكرى فضّ التجمع الموالي للرئيس الأسبق الراحل محمد مرسي في «ميدان رابعة» بشرق القاهرة، دخل محسوبون على «تنظيم الإخوان»، الذي تصنّفه مصر «إرهابياً»، ومؤيدون للدولة، في تلاسن لم يتوقف خلال الأيام الماضية على منصات التواصل الاجتماعي وعبر وسائل إعلام مختلفة، في محاولة من كل طرف لإثبات روايته.

وقع الفضّ يوم 14 أغسطس (آب) 2013 بعدما طالبت السلطات مراراً المشاركين في التجمع بإنهائه، مؤكدة أنهم كانوا مسلحين.

«مظلومية»

مناصرو «الفض» عدُّوه تعزيزاً لسلطة الدولة في حفظ الاستقرار والسلم الأهلي، فيما زعم معارضون ومحسوبون على «تنظيم الإخوان» أنه كان «سلمياً» ونشروا صوراً لقتلى قالوا إنهم من المعتصمين.

ويرى خبير في شؤون الإسلام السياسي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن الحديث عن «فض رابعة» يعدّ بمثابة صراع يتجدد سنوياً مع ذكراه، على صياغة الرواية واللعب على ذاكرة المصريين، حيث يصرّ «تنظيم الإخوان» على رفع راية «المظلومية» لكسب أي تعاطف، مشدداً على أهمية تركيز الدولة على دحض هذه الرواية التي يركز عليها التنظيم من أجل البقاء.

صراع روايات

وبين عشرات التغريدات المؤيدة لرواية الدولة في فضّ اعتصام مسلح، قال الكاتب والباحث ماهر فرغلي، الذي أعدّ وثائقياً عن الفضّ، عبر منصة «إكس»، إن معارضي الفض «خططوا جيداً في صناعة مظلومية تاريخية، تساهم في بقاء التنظيم لأطول فترة ممكنة، وتعيد فتح بؤر للصراع مع الدولة بالكامل».

منظر عام لميدان رابعة شرق القاهرة (رويترز)

وكتب الإعلامي المصري أحمد موسى: «لن ننسي جرائمهم وغدرهم وخيانتهم، ولن نتركهم يزوِّرون التاريخ ونحن كنا جميعاً شهوداً على جرمهم وخيانتهم»، مؤكداً «أنهم استهدفوا الدولة وكانوا يريدون تقسيم مصر، والإصرار على تحويل اعتصام رابعة مركز عمليات مسلحاً، ونقل شحنات أسلحة داخله واستخدام عناصرهم قنابل مفخخة».

بالمقابل، حرص أنصار «اعتصام رابعة» الذي يعدّونه «سلمياً» أن ينشروا صوراً لقتلى، ويذكروا أن ما حدث «ضد القانون».

رفض شعبي

أما الخبير في شؤون الجماعات المسلحة والإسلام السياسي، أحمد بان، فيرى أن الهدف الأساسي من اعتصام رابعة كان يرمي في جوهره إلى «إعادة تعويم التنظيم في الضمير الجمعي للمصريين».

وأضاف أن التنظيم «راهن في ذلك على الحسّ العاطفي للشعب المصري، ومحاولة دفع الناس لنسيان جرائم الجماعة، سواء تلك التي ارتكبتها إبان فترة حكمها أو ما قبل ذلك». ورأى أنه كان هناك سعي متعمد من الجماعة لخلق جدار تختبئ خلفه، في محاولة للهروب من فكرة المساءلة التاريخية والسياسية.

وبحسب بان، فإن «السؤال الكبير الذي كان يطرح نفسه في أحداث رابعة هو: أين كنا؟ وكيف أصبحنا؟ حيث كانت الجماعة في سدة الحكم لأكبر دولة عربية، ثم انتهى بها الأمر إلى الرفض الشعبي الواسع عبر حراك جماهيري كبير، وتعاون واضح بين مؤسسات الدولة والشارع المصري، وهو ما أدى في النهاية إلى لفظ هذا التنظيم ومشروعه التخريبي».

وشدّد بان على «حاجة الدولة المصرية الماسّة إلى توثيق كافة التفاصيل المحيطة بهذه المحاولة التي استهدفت إقامة بؤرة بديلة للدولة داخل رابعة»، مؤكداً أن «ما تم طرحه ونشره حتى الآن أقل مما ينبغي أن يعرفه الشارع المصري عن حقيقة هذه المحاولة التي قادها التنظيم».


لقاء بين الحية وكوشنر لدفع خطة غزة

لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومستشار ترمب في العلمين الأحد (الرئاسة المصرية)
لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومستشار ترمب في العلمين الأحد (الرئاسة المصرية)
TT

لقاء بين الحية وكوشنر لدفع خطة غزة

لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومستشار ترمب في العلمين الأحد (الرئاسة المصرية)
لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومستشار ترمب في العلمين الأحد (الرئاسة المصرية)

كشفت مصادر مصرية مطلعة وكذلك مصادر من حركة «حماس»، لـ«الشرق الأوسط»، أن وفد الحركة برئاسة خليل الحية التقى، أمس، في مدينة العلمين المصرية، مع جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومبعوث «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، بحضور ممثلي الوسطاء من مصر وقطر وتركيا.

وبحسب المصادر، فقد شمل اللقاء مجموعة مطالب من «حماس»؛ مفادها أن تمارس الإدارة الأميركية ضغوطاً على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليقبل بتنفيذ المرحلة الثانية من خريطة الطريق، والبدء بإدخال 600 شاحنة مساعدات لغزة، والوقف الفوري لعمليات الاغتيال التي تقوم بها إسرائيل لقيادات «حماس» ولأبناء القطاع.

وأضافت المصادر أن كوشنر أكد التزام الإدارة الأميركية «خطة السلام»، بشرط أن تلتزم «حماس» جدولاً زمنياً محدداً لنزع السلاح وحل الجناح العسكري للحركة، وأنه سيعمل للحصول على التزام إسرائيلي بالسير في تنفيذ الخطة بالتوازي مع تسليم «حماس» سلاحها للجنة إدارة قطاع غزة وقوة الاستقرار الدولية المتفق عليها ضمن بنود خطة السلام، وأنه سيعمل على التفاهم مع نتنياهو خلال زيارته لإسرائيل، اليوم.

في الأثناء، أدانت السعودية ومصر والأردن وباكستان وإندونيسيا وتركيا وقطر والإمارات، أمس، الرفض الإسرائيلي المعلن لخريطة الطريق التي أيدها قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803.


«أخرجوا المرتزقة»... ليبيون يطالبون ساستهم بإنهاء الوجود الأجنبي

«مرتزقة سوريون» يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية نهاية الأسبوع الماضي (صفحة حراك ضد التوطين)
«مرتزقة سوريون» يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية نهاية الأسبوع الماضي (صفحة حراك ضد التوطين)
TT

«أخرجوا المرتزقة»... ليبيون يطالبون ساستهم بإنهاء الوجود الأجنبي

«مرتزقة سوريون» يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية نهاية الأسبوع الماضي (صفحة حراك ضد التوطين)
«مرتزقة سوريون» يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية نهاية الأسبوع الماضي (صفحة حراك ضد التوطين)

دفعت احتجاجات مفاجئة لعناصر من «المرتزقة» في شوارع العاصمة طرابلس، ليبيين إلى مطالبة ساستهم بضرورة إنهاء الوجود الأجنبي، وإخراج هذه المجموعات من البلاد، وسط تحذيرات من أن هذه المجموعات «ستصبح أهدافاً مشروعة للشعب».

ولا تزال سلطات طرابلس تحتفظ بأعداد من «المرتزقة» السوريين الموالين لتركيا، في ظل وجود قوات روسية في مناطق تابعة للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، تحت مسمى «الفيلق الأفريقي».

واحتشد عدد من «المرتزقة» السوريين، مساء الثلاثاء، قبالة كلية ضباط الشرطة في طرابلس، لمطالبة حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة بتسوية أوضاعهم المالية، الأمر الذي أثار حفيظة ليبيين، وأعاد ملف «المرتزقة» إلى الواجهة بعد تجاهل.

وبات خطاب الليبيين، خاصة في غرب البلاد، يتمثل في مطالبة ساسة البلاد بإخراج «هذه العناصر من البلاد».

ويرى خالد الغويل، مستشار «اتحاد القبائل للشؤون الخارجية»، أن ليبيا «تعج بالمرتزقة، وخروج أعداد منهم إلى الشارع للمطالبة بحقوقهم المالية فضح الساسة الذين ينكرون وجودهم»، متهماً من جلبهم إلى البلاد بـ«التآمر عليها».

ويحذر الغويل من أن المرتزقة في ليبيا «سيصبحون أهدافاً مشروعة للشعب»، مضيفاً: «الأمر أصبح في غاية الخطورة؛ الشارع سينفجر حتماً، وغضبه المرة المقبلة لن يقف أمامه أحد».

وذهب الغويل إلى أن «خروج المرتزقة إلى الشارع يحرج المجتمع الدولي بالنظر إلى عدم إيفائه بالتزاماته في مؤتمري (برلين1) و(برلين2)... لقد تعهدوا بإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية، لكنه يؤشر على أنه لا يزال يمارس سياسة الكيل بمكيالين».

وسبق أن صعَّد ليبيون، من بينهم قبائل موالية لنظام الزعيم الراحل معمر القذافي، ضد وجود «المرتزقة» والقوات الأجنبية في البلاد، وطالبوا بإخراج هذه العناصر.

وتحدثت الدكتورة رانيا الصيد، العضو المؤسس لـ«التجمع السياسي الوطني فزان»، عن معضلة «المرتزقة» في ليبيا، وأسباب جلبهم، ولماذا يتم الإبقاء عليهم حتى الآن، على الرغم من إبرام طرفي الحرب في جنيف اتفاق وقف إطلاق النار في جميع أنحاء ليبيا في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2020.

وقالت: «تم جلب أعداد من المرتزقة تحت لافتة الحماية، وقد دخلوا ليبيا من جنوب الصحراء وغرب المتوسط، وذلك لأن سياسة بلادنا بعد الانهيار عجزت عن إنتاج جيش وطني واحد». وأضافت: «كل طرف بحث عن قوة جاهزة. وأُعطي المال والسلاح مقابل الولاء الفوري. وهكذا، صار الخارج شريكاً في المعادلة، لا وسيطاً فيها».

واستعرضت رانيا الصيد، في حديثها إلى «الشرق الأوسط»، انقسام الخطاب الشعبي الليبي حيال «المرتزقة»، الذين قالت إنهم «حملوا بنادقهم بأجرة شهرية»، إلى 3 تيارات لا تلتقي إلا في نقطة واحدة، وهي أن «الوجود الأجنبي المسلح يمسّ السيادة».

واستعانت سلطات غرب ليبيا وشرقها بعناصر من سوريا وروسيا، بالإضافة إلى بعض الدول الأفريقية، في أعقاب الحرب التي شنّها «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، على طرابلس في أبريل (نيسان) 2019. وظلّت هذه العناصر على حالها منذ توقف الحرب في منتصف يونيو (حزيران) 2020.

وتشير الصيد إلى أن التيار الأول يرى أن «استدعاء المرتزقة خيانة، قدّم مفتاح الباب لغير الليبيين، وأن بقاءهم إهانة يومية للدولة». أما التيار الثاني «فيتعامل مع الملف ببراغماتية باردة. يقرّ بأن جلبهم كان خطأ تكتيكياً في لحظة ضعف، لكنه يعتقد أن إخراجهم الآن أصعب من إدخالهم».

أما التيار الثالث، بحسب الصيد، فهو «صامت في العلن، وضاجّ في الداخل. وتمثله الأجهزة الأمنية والميليشيات التي استفادت عملياً من وجود المرتزقة، سواء من خبرتهم القتالية، أو من كونهم لا يملكون قاعدة اجتماعية في ليبيا فيسهل التضحية بهم».

وظلّ ملف «المرتزقة» محل نقاش دائم أمام الوفود الأجنبية التي تزور ليبيا، وأيضاً لدى البعثات الدبلوماسية، ولا سيما الأميركية والأوروبية، فيما يخص ضرورة العمل على إخراجهم من البلاد.

وترى رانيا الصيد أن ليبيا «دخلت في حلقة مفرغة. فجلب المرتزقة كان لتعويض غياب الدولة، وصار بقاؤهم سبباً إضافياً في غيابها. كل مبادرة دولية تطالب بالخروج تتصادم مع حقيقة ميدانية: لا أحد يريد أن يكون أول من ينزع سلاحه».

وانتهت إلى أن «الخروج من هذه الحلقة يبدأ باعتراف داخلي بأن السيادة لا تستعاد بتغيير الوجوه، بل ببناء قوة وطنية واحدة لا تحتاج إلى أجير، وتبدأ بإرادة إقليمية تتفق على أن ليبيا ليست ساحة مناورة. وحتى يحدث ذلك، سيبقى المرتزق شاهداً على أن الحرب في البلاد لم تعد حرب الليبيين وحدهم».

وهذه ليست المرة الأولى التي يحتج فيها مرتزقة سوريون من الموالين لتركيا في العاصمة، في وقت تنضوي قوات روسية في مناطق تقع تحت سيطرة «الجيش الوطني» في شرق وجنوب ليبيا.

وفي ظل انقسام سياسي في ليبيا، لا توجد أرقام رسمية معلنة بشأن أعداد المرتزقة أو المقاتلين الأجانب في البلاد، ولا ما يتعلق برواتبهم.

ويتصاعد في ليبيا تيار يتمسك بضرورة إخراج «المرتزقة» من البلاد، من بينهم السياسي محمد المزوغي، الذي يرى أن «وجود المرتزقة والقوات الأجنبية في البلاد مرفوض، والسيادة الليبية لا تقبل المساومة».