منير الملائكة: كانت نازك سيمفونية موسيقية تصدح في أركان منزلنا

خال الشاعرة تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن طفولتها وذكرياته الشخصية معها

نازك الملائكة في صورة مع خالها منير الملائكة
نازك الملائكة في صورة مع خالها منير الملائكة
TT

منير الملائكة: كانت نازك سيمفونية موسيقية تصدح في أركان منزلنا

نازك الملائكة في صورة مع خالها منير الملائكة
نازك الملائكة في صورة مع خالها منير الملائكة

> أولاً، ما معنى لقب الملائكة الذي حملته عائلتكم؟
الصدفة وحدها قادت خطاي إلى شقة منير الملائكة في منطقة الغاردن في دبي، خال الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة التي تمر هذه الأيام الذكرى المئوية لمولدها. الصديق الصحافي اللبناني إبراهيم تونتجي هو الذي أخبرني بوجود خال نازك الملائكة الذي يحتفل هو الآخر بالذكرى المئوية لميلاده هذا العام. هكذا كانت زيارتي الأولى إليه ومن ثم تكررت، ومنها برفقة الشاعر الإماراتي عادل خزام، وإثرها اطلعت على مذكراته، إضافة لألبوم صوره العائلية التي تجمعه مع الشاعرة نازك الملائكة، فوجدتُه رجلاً بذاكرة خصبة ومتوقدة وهو يجتاز المائة عام حيث شغل مناصب رفيعة في الوظيفة والسلك الدبلوماسي المرموق، حاملاً ذاكرة السنوات الحلوة والمرة التي عاشها.
في هذا الحوار الحصري، يتحدث منير الملائكة عن ذكرياته عن ابنة أخته رائدة الشعر الحديث نازك الملائكة:


نازك تتوسط أطفال العائلة

ـــ كنا في السابق، نحمل لقب الجلبي. كان ذلك في عهد والي بغداد علي باشا سنة 1760 الذي حرص على التوفيق بين السنة والشيعة، مرة يصلي في جامع أبو حنيفة ومرة في الكاظمية ليعمل التوازن بين الطائفتين. وكان والي بغداد يعني حاكم منطقة تمتد من حدود تركيا إلى البحرين. كان ينزل في الدوخانة التابعة لنا، وهي مخصصة للضيوف تعود إلى جدي الخامس، حجي محمود وحجي محمد وهما أخوة، أولاد الحجي عبد الهادي درويش. كانت لجميع البيوت الكبيرة للأعيان دوخانة للضيوف، وهو تقليد في البيوت البغدادية. كان الوالي ينزل عندنا في «الدوخانة» عندما يأتي إلى الكاظمية عبر طريق صعب، من خلال عبور الجسر القديم، وامتطاء الخيول والعربات. فتولدت صداقة بين الوالي وبين والدي. وجاء لنا لقب الجلبي بفرمان صادر من الوالي منذ عام 1865، أي في أيام مدحت باشا، وكان جيراننا نائب الوالي عبد الباقي العمري الذي كان صديقاً لجدي، وهو شاعر قد كتب فينا بيتين من الشعر:
بيت تجاذبه التحدث بالوما فكأن مَنْ فيه ملائكة السما
وازدان بالأدب الرفيع وقد سما ولكاد فيه الصمتُ أن يتكلما
فبدأ الجيران يرددون: بيت الجلبي فيه ملائكة! وشيئاً فشيئاً أطلقوا علينا بيت الملائكة، بينما ظل لقب بيت عمي عبد الجبار هو الجلبي، وبعد ذلك أدخلنا لقب الملائكة في شجرة العائلة لعشرين جيلاً وتم تسجيله رسمياً.
> من المعروف أن الشاعرة نازك الملائكة ولدت في عائلة مثقفة، هل يمكن أن تشرح لها البيئة التي ترعرعت فيها؟
ـــــ تماماً. ولدت نازك في أسرة مثقفة، وكانت والدتها أي أختي سلمى عبد الرزاق تنشر الشعر في المجلات والصحف العراقية باسمها الأدبي «أم نزار الملائكة»، أما أبوها صادق الملائكة فترك مؤلفات أهمها موسوعة «دائرة معارف الناس» في عشرين مجلداً. وهكذا فتحت نازك عينيها على مكتبة عامرة في البيت.
> نازك اسم غريب في العراق، كيف تم اختياره إذا أسعفتك الذاكرة؟
ـــ اختار والدها اسم نازك تيمناً بالثائرة السورية نازك العابد التي قادت الثوار السوريين في مواجهة جيش الاحتلال الفرنسي عام ولادتها في 1923.
> لماذا غادرت نازك الملائكة العراق، هل هناك أسباب خاصة؟
ــــ من المعروف أنها كانت تدرّس في جامعة بغداد ثم جامعة البصرة ثم جامعة الكويت، كما عاشت في بيروت لعام، ثم سافرت على خلفية حرب الخليج الأولى في عام 1990 إلى القاهرة، وفضلت البقاء هناك إلى سنة وفاتها. وقد قامت مصر بتكريمها حيث أقامت دار الأوبرا المصرية احتفالاً خاصاً لها بمناسبة مرور نصف قرن على انطلاقة الشعر الحر في الوطن العربي، وذلك في عام 1999 لكنها لم تتمكن للأسف الشديد من الحضور بسبب المرض، إذ حضر زوجها الدكتور عبد الهادي محبوبة عوضاً عنها. ومن الجدير الذكر أن لها ابناً واحداً هو البراق عبد الهادي محبوبة.
> هل عشت في بيت واحد مع الشاعرة نازك الملائكة؟
ــ نعم في منزلنا لبعض الوقت حسب ما أملته الظروف، وكنا قد ولدنا في العام ذاته، 1923 بفارق ثلاثة أشهر تقريباً أكبر مني. عشنا نحن الثلاثة، نازك الملائكة وأخي الدكتور نزار الملائكة، وهو أكبر من نازك بسنة، وأنا. بقينا في منزل العائلة الكبير إلى عام 1929 حيث انتقلت نازك إلى بيتهم الجديد في الكرادة، أما نحن فغادرناه في عام 1938 بعد أن استولت عليه الدولة من أجل شق الطرقات والشوارع. ثم أخذنا نلتقي في بيتهم بالكرادة.

منير الملائكة

> هل بدأ اهتمام نازك الملائكة بالشعر مبكراً؟
ــــ نعم. أتذكر وهي طفلة كتبت قصيدة باللهجة الدارجة عن جارتنا التي أنجبت بنتاً، وكان عمرها آنذاك عشرة أعوام، تصلح للغناء: «اليوم نرجس جابت بنت في السلة، عيني يا نرجوزة حضّري الملا».
كانت نازك تتميز بحساسية بالغة، وتعتني بالحيوانات، وتحب القطط منذ صغرها.
> هل تتذكر ماذا كانت تقرأ وما هي مصادر معارفها؟
ـــ كان والدها صادق الملائكة أستاذاً في الثانوية، يمتلك مكتبة كبيرة، وكذلك نحن كنا نمتلك مكتبة كبيرة بمنزلنا في العاقولية، لكن أحد الأعمام أساء التصرف وأقدم على بيعها بمبلغ قدره 250 ليرة ذهب، وهو مبلغ يكفي لبناء ثلاثة بيوت آنذاك. ومن العجيب أنني رأيت بأم عيني بعض هذه الكتب في متحف الفاتيكان، مكتوب عليها اسم حجي جواد عبد الرزاق، أي عمي، ومن بينها مخطوطات ثمينة، وكتب قديمة، تحتوي على الشعر والأدب والتاريخ. وبذلك فقدنا ثروة لا تقدر بثمن. كانت مكتبة العائلة متاحة لنازك.
> كيف كان تعليمها ودراستها؟
ـــ درست نازك الابتدائية في الكرادة، ثم انتقلت إلى العاقولية في الثانوية المركزية للبنات وسكنت معنا في المنزل الكبير، لأن الكرادة لم تكن تتوفر على مدرسة متوسطة. كان والدها يدرّس في الثانوية المركزية، ويأتي إلى منزلنا آخر الأسبوع يوم الخميس ليأخذها معه، إذ يركبان «ماتور الماء» في دجلة، ثم يترجلان للسير على الأقدام إلى منزلهم. كان ذلك في عام 1934، وقد سجلت تلك الذكريات في مشروع كتابي «ذكريات بغدادي في مائة عام» الذي سيصدر قريباً. وبعد تخرجها من دار المعلمين العالية عام 1944، دخلت معهد الفنون الجميلة وتخرجت من قسم الموسيقى عام 1949، وفي عام 1959 حصلت على شهادة ماجستير في الأدب المقارن من جامعة ويسكونسن - ماديسون في أميركا، ثم عينت أستاذة في جامعة بغداد وجامعة البصرة ثم جامعة الكويت كما هو معروف.
> هل واجهت نازك الملائكة معارضة لشعرها آنذاك سواء من قبل الشعراء أو المؤسسات الثقافية؟
ــــ كان الشائع أن نازك الملائكة بدأت بكتابة الشعر الحر الذي لا وزن له، وفي الواقع، لم يكن كذلك، لأنه كان موزوناً لكنها كسرت البيت الشعري التقليدي، فقام الشعراء الكلاسيكيون آنذاك بشّن هجوم عنيف عليها، لكنها كانت ملتزمة بخطها ولم تتخل عن خيارها في التجديد. وكان الجميع ضدها حتى الحكومة لأنها اعتبرت شعرها تطرفاً ضد تراث شعري عمره ألف عام. أعتقد أنها دشّنت الشعر الحر بكتابة قصيدتها الشهيرة «كوليرا» في عام 1947 كما هو معروف.
> لكنها بدأت بكتابة الشعر الحر في فترة زمنية مقاربة جداً للشاعر بدر شاكر السياب وزميلين لهما هما الشاعران شاذل طاقة وعبد الوهاب البياتي، هل هي الرائدة في نظرك؟
ــــ بالنسبة لنا نازك الملائكة كانت الرائدة في هذا المجال رغم ما ذكرت لأن الصحافة والرأي العام والشعراء الكلاسيكيين شنوا عليها حملة، ولم نكن نتوقع ذلك، ولربما ما كان مثيراً آنذاك أن تقوم امرأة بخرق القواعد الشعرية السائدة في زماننا، إذ كان الشعر العمودي مقدساً، باعتباره جزءاً من التراث. لكن نازك كانت تقرأ الشعر الإنجليزي كثيراً وقد تأثرت به، ولعلاقتها الإنجليزية قصة مثيرة.
> كيف؟
ــــ لاحظ أستاذها في المدرسة أنها متقدمة في اللغة الإنجليزية، وكانت الأولى في صفها، لذلك اقترح إرسالها إلى أميركا ببعثة من قبل وكالة التنمية الأميركية لمدة عام كامل من أجل دراسة اللغة والاطلاع على الجامعات الأميركية. وبعد ذلك، عادت إلى بغداد في عام 1950، عند عودتها أرادت أن تتعين في الجامعة إلا أن وزير المعارف آنذاك خليل الكنة لم يوافق على تعيينها حتى تدخلت شخصياً إذ كنت أعمل مع وزير الزراعة عبد الرسول الخالصي، وطلبت منه أن يتوسط عند وزير المعارف، لكنه لم يفعل ذلك لأنه أخبرني بأن هذا الرجل صعب المراس. لكن التغيير الذي حصل أن منير القاضي أصبح وزيراً للمعارف بالوكالة، وهو أستاذ جامعة، فطلبت ثانية من وزير الزراعة أن يتوسط عند وزير المعارف الجديد بالوكالة، فوافق على تعيينها في مكتبة الجامعة، وكانت لديها موظفات مساعدات، فكانت فرصة كبيرة لها للقراءة، ولكنها لم ترض بذلك المنصب، فقررت العودة إلى أميركا حيث حصلت على بعثة حكومية لسنتين، وحصلت على الماجستير في الأدب المقارن، ثم عادت إلى بغداد، فعينوها في الجامعة على الفور.
> حدثنا عن علاقتك الحميمة بنازك الملائكة؟
ـــــ ترتبط نازك الملائكة بذاكرتي لأننا من العمر نفسه، ولا تزال مكانتها في وجداني ذات أهمية كبيرة، لأنني وجدت فيها امرأة ذات حساسية عالية، وتقدر الآخرين وتصغي لهم، وهي واسعة الاطلاع، تغني الجلسات بمعارفها وثقافتها. أذكر جيداً أننا كنا نتناقش إلى ساعات متأخرة من الليل، وكان وعيها يتقدم علينا جميعاً لأنها كثيرة القراءة. وكانت تهتم ببرامج الشعر في الإذاعة المصرية، وهي تحب مصر كثيراً، وتقتني مجلاتها وصحفها وكتبها. وتأتينا بآخر أخبارها رغم عدم اهتمامها بالسياسة كثيراً. وكانت أحاديثها تتميز باللباقة والفصاحة والوضوح. وكان وجهها صبوحاً فرحاً باسماً ومستبشراً، وتتوهج بحب الحياة والمعرفة. يمكنني القول إن نازك الملائكة كانت سيمفونية موسيقية تصدح في أركان منزلنا. وما زلت أسمع صدى تلك الموسيقى التي لا تفارقني: شعرها وصوتها وأنغامها. ولي معها ومع أخواتها ذكريات كثيرة من زمن الطفولة، وكان لها تأثير كبير علينا جميعاً، إذ هي من حببت في نفوسنا اللغة العربية من خلال ما كانت تتمتع به من ذخيرة لغوية كبيرة، تجعلنا نقترب من صميم اللغة وعمقها من خلال طرحها التساؤلات والمباراة في معرفة معاني الكلمات.
> ما هي الصدمة التي عانت منها نازك الملائكة في حياتها؟
ــــ يمكنني القول إنها وفاة والدتها حيث رافقتها إلى لندن، وطغى عليها الحزن، وكنتُ حينها هناك، فاستقبلناهما في المطار مع صديقي القنصل العراقي محسن الجزائري، حيث كانت سيارة الإسعاف في انتظارها، وذهبنا بهما إلى المستشفى مباشرة لأنها كانت تعاني من السرطان. وبعد العملية لم تستيقظ من التخدير، فكانت صدمة كبيرة لنازك لأن علاقتهما كانت حميمية للغاية، ومليئة بالعواطف والأحاسيس. ثم رتبنا مراسيم دفنها في لندن في عام 1935، ومن اعتزازها بذكرى والدتها، قامت بطباعة الديوان الذي كتبته، إذ كانت سليمة عبد الرزاق الملائكة شاعرة أيضاً.
> يعني أنكم عائلة شعراء، مَنْ من عائلتكم كانوا شعراء؟
ـــ أخي عبد الصاحب عنده ديوان، وأختي أم نزار عندها ديوان. وأمي شاعرة نظمت قصيدة من مائة بيت عن زيارتها لمكة انطلاقاً من بغداد. وأخي جميل الملائكة الذي كان أستاذاً في كلية الهندسة هو شاعر أيضاً، وسميت قاعة باسمه. ومن المفارقات التي تخطر على بالي أن سفيرة أستراليا في بغداد أطلقت اسم نازك الملائكة على قاعة في السفارة.
> كيف استقبلتَ خبر وفاتها وحيدة في مصر؟
ــــ كان أمراً محزناً للغاية. لقد مرضت، فتبرع الملك حسين بتحمّل نفقات علاجها في عمّان، وعندما سمع صدام حسين بذلك، أعلن عن تبرعه بتحمّل نفقات علاجها على حسابه لكن الملك رفض ذلك. إن رحيلها أثار في أعماقي مشاعر الحزن الكبير لأنني لم أتمكن من حضور مراسيم دفنها، وحتى أنها لم تكن تعلم بوفاة زوجها هادي محبوبة الذي كان رئيساً لجامعة البصرة، لأنها كانت متعبة، ولم يكن من المفضل إخبارها بهذا الخبر الحزين، خشية عدم تحملها الخبر وهي في حالة سيئة. وعندما توفيت اتصل نوري المالكي لجلب جثمانها من القاهرة، لكن الحكومة المصرية قامت بدفنها في مقبرة خاصة للعائلة غرب القاهرة في عام 2007 عن عمر يناهز 83 عاماً.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)

بعد نجاحها في تسجيل 11 عنصراً على قوائم التراث غير المادي بـ«اليونسكو»، أبرزت مصر تسجيل مدن القاهرة والجيزة وأسوان بوصفها مدناً تراثية ذات طابع ثقافي في المنظمة الدولية، حسبما أشارت الدكتورة هالة عبد الجواد، ممثلة اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو»، التي أكدت خلال مؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» الذي عُقد، الثلاثاء، بالمجلس الأعلى للثقافة في وزارة الثقافة المصرية «أن التراث يمثل الذاكرة الحية للشعوب، وأن مصر تمتلك تراثاً مادياً وغير مادي ووثائقياً ثرياً»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أهمية توثيق الممارسات التراثية وتسجيلها ونقلها إلى الأجيال الجديدة والعالم المحيط.

المؤتمر الذي يحتفي باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته «اليونسكو» ليوافق 17 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، ويستمر 3 أيام بمشاركة أكثر من 160 باحثاً، بدأت فعالياته بعرض التنورة، واستعراض نماذج من الفنون التراثية، وعُرض فيلم تسجيلي عن التراث الثقافي غير المادي المصري، واستعرض مستهدفات الخطة التنموية المتعلقة بالحرف التراثية، إلى جانب إبراز نماذج من الأعمال الحرفية في مدن مصرية عدة، منها الأقصر والمنوفية والواحات وشلاتين.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة ورئيس اللجنة العلمية المنظمة للمؤتمر، الدكتور أشرف العزازي، أن المؤتمر يقوم على شراكة بين مؤسسات ومنظمات معنية بالتراث، في مقدمتها اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو» وجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا وجمعية «خير بلدنا». وأوضح في بيان للمجلس، أن التراث الثقافي غير المادي هو ذاكرة حية للمجتمع، ويشمل هذا التراث الحكايات والأمثال والأغاني والموسيقى، والفنون الشعبية، والحرف التقليدية والمعارف المرتبطة بالطبيعة والبيئة، وغيرها من أشكال التعبير التي تمنح المجتمعات خصوصيتها الثقافية.

شارع المعز في القاهرة (وزارة السياحة والآثار)

وأشار إلى امتلاك مصر رصيدا تراثياً متنوعاً يمتد من الوادي والدلتا إلى سيناء والنوبة والصعيد والسواحل، بما تحمله هذه البيئات من فنون وموسيقى وحرف وعادات وتقاليد وأشكال متنوعة من التعبير الثقافي. وقال إن هذا التنوع ثروة وطنية تستحق أن نقدمها للعالم بوصفها جزءاً أصيلاً من الشخصية الثقافية المصرية.

وفي هذا السياق، تكتسب الجهود المصرية لتسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي على قوائم منظمة «اليونسكو» أهمية خاصة، سواء قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، أو القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بما يعزز حضور التراث المصري على الساحة الدولية.

وكانت مصر قد سجلت 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونسكو» للتراث العلمي غير المادي من بينها «السيرة الهلالية» و«الأراجوز» و«التحطيب» و«الخط العربي»، و«النخلة: المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«آلة السمسمية» بالاشتراك مع المملكة العربية السعودية، وكان «الكشري المصري» أحدث العناصر المسجلة.

من جانبها، أكدت الدكتورة نهلة إمام على أهمية الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته منظمة «اليونسكو»، وشددت في كلمتها خلال المؤتمر على أن تسجيل عناصر التراث في قوائم «اليونسكو» ليس الغاية الوحيدة؛ إذ يتطلّب صونه التعاون بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني وحاملي التراث الذين يمثلون الركيزة الأساسية لاستمراره. وأشارت إلى حصول مصر على دعم مادي لصون بعض الحرف التراثية، ومنها الأراجوز، مؤكدة دورها الفاعل في تنفيذ الاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي.

ودعت إلى تعزيز التعاون بين خبراء التراث والمؤسسات التعليمية، بما فيها المدارس المنتسبة لـ«اليونسكو» والجامعات، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية في ظل الانفتاح العالمي. وأوضحت أن اللجنة الوطنية تقوم بتنسيق العمل مع منظمات «اليونسكو» و«الإيسيسكو» و«الألكسو»، وتنفيذ المشروعات والفعاليات المشتركة، فضلاً عن دعم جهود توثيق التراث، ورفع التقارير إلى وزارة الخارجية. كما أشارت إلى تسجيل القاهرة وأسوان والجيزة مدناً تراثية لدى «اليونسكو»، مؤكدة أهمية التشبيك بين المؤسسات المعنية والتراث المصري.

ويؤكد الدكتور محمد شبانة، عضو اللجنة العلمية للمؤتمر، أن تسجيل المدن المصرية الثلاثة القاهرة والجيزة وأسوان مدناً ثقافية بمنظمة «اليونسكو» يعود لما تحتويه من صناعات ثقافية وتراثية كبيرة مثل صناعة السينما في الجيزة وصناعات ثقافية أخرى في القاهرة وأسوان.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤتمر يسعى لإبراز كثير من عناصر التراث المصري اللامادي الذي يشكل جزءا من وجدان المصريين عبر العصور»، مشيرا إلى أن الأبحاث المقدمة في المؤتمر ستفضي لتوصيات شتى مرتبطة بتسجيل عناصر جديدة في اليونسكو. مبينا أن هناك عنصرا جديدا يتم التوجه لتسجيله بـ«اليونسكو»، وهو آلة العود المصرية صناعتها وسماتها الخاصة «فالعود المصري مدرسة مستقلة في العزف الموسيقي وفي نغماته وصناعته، وهو ما نسعى للتأكيد عليه، وتسجيله ضمن التراث غير المادي»، على حد تعبيره.

جانب من مؤتمر التراث الثقافي غير المادي (وزارة الثقافة)

وفي كلمتها، أوضحت الدكتورة عبير عناني، ممثلة جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، أن التعاون بين الجامعة ووزارة الثقافة امتداد لشراكة بدأت، العام الماضي، ولفتت إلى ابتكار مجموعة من طلابها تطبيقاً لترجمة اللغة الهيروغليفية، حصلوا بسببه على جائزة من وزارة الثقافة، ومن المقرر أن يعرضوا مشروعهم خلال إحدى جلسات اليوم الثاني للمؤتمر بمقر الجامعة.

وترى الدكتورة دينا سليمان المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» والمشاركة في المؤتمر، أن إبراز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان ضمن المدن التراثية الثقافية بـ«اليونسكو» فرصة لإعادة النظر إلى التراث المصري بوصفه منظومة متكاملة، لا تقتصر على الآثار والمباني التاريخية، وإنما تشمل أيضاً العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية التي تناقلها المصريون عبر الأجيال.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تكتسب هذه الخطوة أهميتها من تأكيدها على التنوع الحضاري الذي تمثله المدن الثلاث؛ فالقاهرة تختزن طبقات متراكمة من التاريخ والعمران والحرف التقليدية، بينما ترتبط الجيزة بتراث أثري استثنائي يعكس مكانة مصر القديمة، وتتميز أسوان بخصوصية ثقافية وإنسانية تتجلى في التراث النوبي والفنون الشعبية والممارسات الاجتماعية المتوارثة».

وختمت أن «الحفاظ على التراث غير المادي ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية لتطوير هذه المدن، من خلال توثيق الروايات الشفهية، ودعم الحرفيين، ونقل المعارف التقليدية إلى الأجيال الجديدة، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد عناصر تراثها وصونها؛ فالتسجيل الدولي ليس غاية في حد ذاته، وإنما مسؤولية تستلزم وضع خطط مستدامة تضمن استمرار هذا التراث في حياة الناس».


أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)
حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)
TT

أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)
حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)

بعد 4 سنوات من الغياب، يعود الفنان المصري أحمد حلمي إلى السينما مجدداً عبر أحدث أفلامه «حدوتة»، الذي يُعَول عليه لاستعادة مساره الصحيح كنجم شُباك، تصدرت أغلب أفلامه أعلى الإيرادات، وحقق من خلالها نجاحاً جماهيريا لافتاً، غير أن مجموعة من أحدث أفلامه لم تحقق الإيرادات المعتادة أو النجاح المنشود، على غرار «خيال مآتة»، و«واحد تاني» اللذين عُرضا في عاميْ 2019 و2022.

وتحدَّد يوم 11 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لعرض فيلم «حدوتة» الذي تشارك في بطولته أمينة خليل وماجد المصري وخالد الصاوي، إلى جانب رحمة أحمد، وشيرين، ومحمد عبد العظيم، ويظهر به بعض نجوم التمثيل ضيوف شرف. والفيلم من إنتاج أحمد بدوي، بمشاركة صندوق «بيغ تايم» السعودي، وكتبه أحمد عبد الرحمن، وإخراج مازن أشرف.

وتدور أحداث العمل في إطار كوميدي اجتماعي، ويؤدي أحمد حلمي من خلاله شخصية رجل فقَدَ والديه منذ طفولته، وتولت تربيته أسرة بديلة، في حين يتعرض لسلسلة من المفارقات الكوميدية والإنسانية التي تؤثر في مسار حياته وتكشف عن جوانب مختلفة من شخصيته.

ويلتقي حلمي في أول تعاون له مع الفنانة أمينة خليل، كما يُعد هذا التعاون الأول بينه وبين المخرج مازن أشرف، الذي يُعد هذا العمل ثاني أفلامه بعد فيلمه الأول «5 جولات».

كان أحمد حلمي قد انتهى من تصوير فيلم آخر، هذا العام، بعنوان «أضعف خلقه»، الذي تُشاركه بطولته هند صبري، وهو من تأليف وإخراج عمر هلال، في ثاني أفلامه بعد «فوي فوي فوي»، وإنتاج محمد حفظي، ويدور في إطار الكوميديا السوداء، وتقرَّر تأجيل عرضه للصيف المقبل.

ويرى الناقد خالد محمود أن استعادة حلمي تألقه فنياً بعد فترة تراجع قد تفتح الباب ليس فحسب لعودته لما كان عليه، بل سوف تسهم كذلك في استعادة أغلب نجوم جيله مكانتهم.

ملصق الفيلم الذي يعيد أحمد حلمي للمنافسة من جديد (حساب أحمد حلمي على «إنستغرام»)

وأضاف محمود، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «حلمي نجم محبوب، حقق جماهيرية لافتة عبر اختيارات ذكية، لكن أفلامه الماضية لم تحقق النجاح الجماهيري نفسه، ولم تشهد توحده مع الشخصيات التي يقدمها كأفلامه السابقة التي لم يعتمد فيها على موهبته فحسب، ولكن على ذكاء الفكرة وتفردها، مما وضعه في مكانة مختلفة تَجاوب معها الجمهور بشكل كبير.

ولفت محمود إلى أن «آفة نجوم الكوميديا المصريين عدم العمل على تطوير المشروع الذي يقدمونه وتفضيلهم المنطقة الآمنة، خوفاً من تغيير قد يصيب أو يخطئ، لكن من المهم أن يتجاوز حلمي ذلك، ويستعيد مكانته عبر اختيارات تُحسَب له، وقد يكون فيلم (حدوتة) فرصة أخرى وليست أخيرة، مثل بعض نجوم جيله؛ لأن مكانة حلمي كممثل لم يشغلها أحد، وهناك حالة جيدة تربطه بالجمهور، لكن الغياب لـ4 سنوات لم يكن في صالحه ولا صالح السينما ولا الجمهور».

في السياق نفسه، تستقبل صالات السينما، خلال الفترة المقبلة، عدداً من الأفلام الجديدة، مِن بينها فيلم «ولا كان عالبال» من بطولة نور النبوي وياسمينا العبد في أولى بطولاتها السينمائية إلى جانب أشرف عبد الباقي ومروان المسلماني، وإخراج أحمد عماد، والمقرر عرضه 28 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وقد جرى تصوير أغلب مشاهد الفيلم بمدينة الأقصر (جنوب مصر)، حيث البطل مرشد سياحي يقود فوجاً سياحياً ويقع في حب فتاة وسط المعابد التاريخية.

كما يُعرَض في اليوم نفسه فيلم «نصيب»، من بطولة ياسمين صبري ومعتصم النهار، وقد تأجّل عرضه لنهاية الشهر ليبعد نسبياً عن توقيت طرح فيلمها «مطلوب عائلياً» مع كريم عبد العزيز الذي انطلق عرضه في السابع من الشهر الحالي، وتصدَّر إيرادات الأفلام منذ اليوم الأول لعرضه. أما فيلم «نصيب» فتدور أحداثه من خلال فتاة جميلة تجد نفسها أمام أكثر من عريس، وتخوض رحلة بحث عن الشخص المناسب الذي يمكن أن يشاركها حياتها. الفيلم من تأليف أحمد عبد الفتاح، وإخراج أحمد خالد أمين.

ملصق فيلم «ولا كان عالبال» (الشركة المنتجة)

وأشار الناقد خالد محمود إلى أن العروض السينمائية تتواصل بشكل جيد بعد موسم الصيف الذي شهد تنوعاً لافتاً وأفلاماً ذات إنتاجات كبيرة حققت إيرادات مماثلة، على غرار فيلم «DOGS 7».

لكن الناقد أحمد سعد الدين يرى أن اختيار توقيت عرض فيلم «حدوتة» غير موفَّق، حيث يُطرَح يوم افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي. وقال، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، إنه «كان يجب على صُناع الفيلم إدراك أن توجه الجمهور يكون للمهرجان الذي يعرض أفلاماً من مختلف دول العالم، مما يؤثر سلباً على الأفلام المصرية التي تُعرَض في التوقيت نفسه».

ولفت إلى أن «إيرادات الفيلم يتحدد مصيرها من الأسبوع الأول»، مشيراً إلى «أن أحمد حلمي من النجوم الذين يتوقع منهم الجمهور تقديم موضوعات شيقة، مثلما اعتادوا منه، عبر أفلام تحترم عقل المتفرج، لكن فيلميه الأخيرين لم يصادفهما الإقبال الجماهيري نفسه الذي لقيته أفلامه السابقة».

وتصدرت أفلام أحمد حلمي شُباك التذاكر بمصر مرات عدة على غرار «صايع بحر» 2004، و«زكي شان» 2005، و«مطب صناعي» 2006، و«كده رضا» 2007، و«آسف على الإزعاج» 2008، و«ألف مبروك» 2009، و«عسل أسود» 2010، و«إكس لارج» 2011، و«على جثتي» 2013.


باسم سعيد: أحاول تعريف الجيل الجديد على أصالة الغناء

باسم سعيد يتعاون مع جاد وهبي لإحياء أغنية «تمارا» بتوزيع جديد (فيسبوك)
باسم سعيد يتعاون مع جاد وهبي لإحياء أغنية «تمارا» بتوزيع جديد (فيسبوك)
TT

باسم سعيد: أحاول تعريف الجيل الجديد على أصالة الغناء

باسم سعيد يتعاون مع جاد وهبي لإحياء أغنية «تمارا» بتوزيع جديد (فيسبوك)
باسم سعيد يتعاون مع جاد وهبي لإحياء أغنية «تمارا» بتوزيع جديد (فيسبوك)

منذ صغره، تعلَّق باسم سعيد بالأغنية الأصيلة، إذ تربّى على أعمال أم كلثوم، وعبد الوهاب، وفريد الأطرش، ووديع الصافي، وفيروز، وغيرهم. وتراكمت لديه خبرات في الموسيقى التراثية على مدى 30 عاماً. تنقّل بين بلدان عدّة، محقّقاً فرصاً للتعاون مع فرق موسيقية أجنبية وعربية. وبعدما لاحظ نضج هوايته نتيجة دراسته الموسيقى بشكل مفصّل، قرّر إنشاء مشروع «مودزيكا» الذي يرتكز على إعادة توزيع أغنيات قديمة بأسلوب حديث، من دون المسّ بهويتها وقالبها الأصلي.

ومن خلال مشروعه، أصدر أغنية «بتونّس بيك» للراحلة وردة الجزائرية بصوت الفنانة الشابة أنجي شيا. كما اختار أغنية «تمارا» للإعلامي الراحل حكمت وهبي، لينشدها ابنه جاد، وذلك أيضاً بتوزيع موسيقي حديث. ويوضح سعيد لـ«الشرق الأوسط» أنه يحضّر حالياً لإصدار أغنيات أخرى، متمنّياً أن تشقّ طريقها إلى جيل الشباب. ويتابع: «لاحظتُ أنّ هذا الجيل يملك توجّهاً واضحاً نحو موسيقى تختلف عمّا تربّينا عليه. قد يكون سعيداً بها ويستمتع بسماعها، لكنني رغبتُ في وضعه من جديد على سكّة الأغنيات والموسيقى الأصيلة، ليكون لديه الخيار لإدراك الفرق بينهما. فربما بذلك أستطيع إرشاده إلى الطريق الذي يوقف تلوّث سمعه».

ويشير سعيد إلى أنّ اختيار أي عمل من مكتبة الأغنيات القديمة يتطلّب منه البحث عن معايير ومواصفات محدّدة، ليتمكّن من قولبته وتطعيمه بنمط موسيقي معيّن، مثل «فانكي» و«ديب هاوس» وغيرهما. وبذلك يمضي في مشروعه من باب تقريب الأعمال من ذائقة الشباب. ويتابع: «من الضروري أن تكون الأغنية معروفة كي تجذب أبناء جيلها أيضاً. وعندما أصدرها بصوت شبابي أكون قد وفّقت بين أجيال مختلفة. ولكن ذلك لن يمنع تعاوني مع أصوات غير شابة في المستقبل».

أنجي شيّا بصوتها تعيد إحياء «بتونّس بيك» لوردة الجزائرية (فيسبوك)

ويؤكّد أن مشروعه يستند إلى خبراته الفنية والعلمية. وعندما يختار أغنية معيّنة، يُعيد تركيبها من ألفها إلى يائها. ويقول: «اللوازم الموسيقية لا أغيّرها، بل أركن إلى تبديل في نغمة الإيقاع، وهو ما يولّد هذا التجديد في العمل من الناحية الموسيقية. وما أقدّمه يُعرف بـ(الفيوجن)، أي بخلطة موسيقية تجمع بين الشرقي والغربي. ومشروع (مودزيكا) لا يرتبط بفنان معيّن، بل يفتح أبوابه ويعطي الفرص لمجموعة من المغنّين أصحاب الموهبة».

ومن خلال مشروعه، يحاول سعيد محاربة بعض الفوضى السائدة في الساحة الفنّية، مُعلّقاً: «هناك أصوات كثيرة تخرج اليوم إلى العلن من خلال وسائل التواصل، بعضها يسيء إلى السمع وتنفر منه الأذن. وكأنّ كل شخص بات يملك قناة تلفزيونية يبثّ عبرها ما يشاء. فأعيد ترتيب الساحة بمشروع فني أصيل، يتمسّك بالحفاظ على الهوية الأساسية للأغنية التي نختارها».

ولا يكتفي بذلك، إذ ينوي في المستقبل القريب تجديد مقطع موسيقي كلاسيكي، مثل المقطع الخاص بفيلم «العرّاب» الشهير، وإعادة توزيعه بقالب موسيقي إلكتروني. وقد أَنجز خطوة مشابهة لأغنية من فيلم «بالب فيكشن» بصوت فنان يوناني، وينوي القيام بمشروع مماثل مع مغنٍّ إسباني.

ويرى باسم سعيد أن توجّه الناس إلى سماع الأغنيات القديمة لا يتوقّف. ويوضح: «ثمة حالة نوستالجيا تسكن أعماقنا كلّما استمعنا إلى عمل من الأعمال الأصيلة. ولعلّ المستوى الغنائي كان بهذا التألّق بسبب وجود مراقبة حثيثة من خبراء فنيين. فكانت الأغنية تمرّ بمراحل عدّة قبل أن يُوافق على بثّها في (إذاعة لبنان) الرسمية وترى النور. فهذه اللجان غابت، ومفهوما الأغنية والنجم بشكل عام تبدّلا».

لا ينكر سعيد، في المقابل، وجود أصوات شبابية رائعة تملك الإحساس والقوة. ويقول: «لا أخاف على الساحة الفنية في ظلّ ولادة أصوات جميلة. وأعدُّ معين شريف، وشيرين عبد الوهاب، وفضل شاكر، وناصيف زيتون، أفضل مثال على ذلك. الشامي أيضاً يملك موهبة مميّزة، ويمكننا دائماً الاستفادة من هوية صوت مختلفة عن غيرها». ويؤكّد أنه يفكّر في تجديد أغنية «ألف ليلة وليلة» لأم كلثوم. ويعتمد في تجديد أيّ عمل على المقاطع القصيرة، موضحاً: «لا أحبّ التطويل والإعادات، وإلا شَعَرَ المستمع بالملل». ويرى أنّ تجديد هذه الأغنيات «يُشبه تجديد شبابنا وإحياءه». ويختم: «أتوجّه بمشاريعي إلى جيل يجهل الأصالة، وكذلك إلى المستمع الذوّاق. فالفئتان ستستمتعان بالأغنية من خلال تحديثها وتقديمها بما يواكب العصر».