معارك في الخرطوم عشية العيد مع تجاهل الدعوات للهدنة

تركز المعارك حول مقر الجيش والقصر الرئاسي

جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة أمس (أ.ب)
جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة أمس (أ.ب)
TT

معارك في الخرطوم عشية العيد مع تجاهل الدعوات للهدنة

جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة أمس (أ.ب)
جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة أمس (أ.ب)

استمر إطلاق النار ودوي الانفجارات في السودان، أمس، عشية عيد الفطر في الخرطوم بينما يحاول المجتمع الدولي انتزاع وقف لإطلاق النار من قائدي الجيش وقوات «الدعم السريع» في نزاعهما المسلح داخل العاصمة الخرطوم ومدن أخرى في أنحاء البلاد. وتواصل تركز القتال حول مواقع استراتيجية في العاصمة، أهمها مقر قيادة الجيش والقصر الرئاسي ومطار الخرطوم الرئيسي ومقر التلفزيون القومي. منذ تحول النزاع على السلطة الكامن منذ أسابيع بين الفريقين إلى معركة ضارية السبت، يبدو الوضع ملتبساً للسودانيين البالغ عددهم 45 مليون نسمة. ولا يكف الطرفان عن إطلاق وعود بهدنات لم تتحقق. ودوت الانفجارات مجدداً أمس الخميس في الخرطوم وفي الأبيض على بعد 350 كيلومتراً جنوب العاصمة.
وأكد شهود تحليقاً كثيفاً للطيران الحربي في سماء الخرطوم بحري، أمس، فيما استخدمت قوات من الدعم السريع مضادات أرضية ضد طائرات الجيش في الخرطوم. كما اندلعت اشتباكات عنيفة بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، بمدينة الأبيض مركز ولاية شمال كردفان (وسط). وأبلغ شهود عيان «الأناضول» أن اشتباكات عنيفة اندلعت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في السوق الكبيرة بالمدينة، ومحيط الفرقة الخامسة مشاة التابعة للجيش. وأوضح أن «قوة كبيرة من الدعم السريع دخلت مدينة الأبيض واشتبكت مع الجيش».
ودوت الانفجارات وسمعت في مناطق مختلفة من العاصمة الخرطوم، وتحديداً حول مقر القيادة العامة للقوات المسلحة. وتصاعدت ألسنة الدخان واللهب في محيط القيادة العامة بالخرطوم بعد سماع دوي انفجارات، فيما تم سماع دوي قذائف وتبادل لإطلاق النار في محيط المنطقة. هذا وبعد مضي ساعات قليلة على بدء سريان هدنة هشة في السودان، تعالت أصوات دوي الرصاص، واشتعلت نيران المواجهة بيت الطرفين أمس الخميس.

وفي المدينة التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 7 ملايين نسمة، تسرع العائلات بالخروج إلى الطرق والفرار هرباً من الغارات الجوية والرشقات النارية والمعارك في الشوارع التي أودت بحياة أكثر من مئات المدنيين منذ السبت وتتركز في الخرطوم ودارفور في الغرب. ويقول أحد النازحين الذين فروا من العاصمة بحثاً عن مكان أكثر أماناً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «رائحة الموت والجثامين تخيم على بعض أحياء وسط العاصمة». وروى فار آخر من الخرطوم، نازك عبد الله (38 سنة) قائلاً: «في الرابعة والنصف صباحاً أيقظنا دوي القصف الجوي. أغلقنا كل الأبواب والنوافذ خشية من الأعيرة الطائشة».
على بعد عشرات الكيلومترات من العاصمة، تستمر الحياة بشكل طبيعي وتفتح المنازل لاستقبال النازحين الذين يصلون في حالة صدمة، بسياراتهم أو مشياً لساعات على الأقدام مع ارتفاع سعر البنزين إلى عشرة دولارات لليتر الواحد في أحد أفقر بلدان العالم. وللوصول إلى مكان آمن، خضع هؤلاء لأسئلة وتفتيش رجال متمركزين على نقاط مراقبة لقوات الدعم السريع التابعة للفريق أول محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي» والجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش. وكان عليهم خصوصاً التقدم في مسيرتهم وسط جثث على أطراف الطريق ومدرعات وآليات صغيرة متفحمة بعد احتراقها في المعارك بالأسلحة الثقيلة، وتجنب أخطر المناطق التي تتصاعد منها أعمدة الدخان الأسود الكثيفة.
في الشوارع المليئة بالركام، من المستحيل معرفة من الذي يسيطر فعلياً على مؤسسات البلاد. ويطلق كل من الجانبين إعلانات عن انتصارات واتهامات للطرف الآخر. لكن لا أحد يستطيع التحقق مما يتم تداوله على الشبكات الاجتماعية. وذكر أطباء شهود أن سلاح الجو يستهدف قواعد ومواقع قوات الدعم السريع المنتشرة في المناطق المأهولة بالخرطوم. وقالت نقابة أطباء السودان المستقلة إنه خلال خمسة أيام «توقف عن الخدمة سبعون في المائة من 74 مستشفى في الخرطوم والمناطق المتضررة من القتال»، لأنها تعاني من نقص الإمدادات الطبية والكوادر أو بسبب سيطرة مقاتلين عليها وطردهم المسعفين والجرحى. واضطرت معظم المنظمات الإنسانية إلى تعليق مساعداتها وهي أساسية في بلد يعاني فيه أكثر من واحد من كل ثلاثة أشخاص من الجوع في الأوقات العادية.
ومنذ السبت في الخرطوم، استنفد عدد كبير من العائلات مؤنها الأخيرة، وتتساءل متى ستتمكن شاحنات الإمداد من دخول المدينة؟
وقتل ثلاثة من موظفي برنامج الأغذية العالمي في دارفور في بداية القتال، ولم تعد الأمم المتحدة تحصي عمليات «النهب والهجمات» على مخزونها وموظفيها، وتدين «العنف ضد العاملين في المجال الإنساني». وبات على سكان الخرطوم اختيار أحد شرين: إما البقاء في مدينة اختفت منها الكهرباء والمياه الجارية ويمكن في أي لحظة أن تخترق رصاصة طائشة جداراً أو نافذة، أو الرحيل وسط إطلاق النار وتوقع أن يتم الاستيلاء على منازلهم وينهب كل ما لم يتمكنوا من حمله. ويأتي ذلك بينما لم ينس السودانيون المعارك والفظائع التي كلفت الرئيس المعزول عمر البشير الذي أطيح به في 2019، مذكرتي توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب «جرائم حرب» و«جرائم ضد الإنسانية» و«إبادة جماعية» في دارفور.
وأفادت أنباء باندلاع حريق بمتجر أسلحة امتد بدوره إلى مبانٍ سكنية في منطقة «الخرطوم 2»، فيما سُمعت نداءات استغاثة من سكان المنطقة بعد اندلاع الحريق بسبب الاشتباكات. وقبلها، أفاد مسؤول في قوى الحرية والتغيير، بأن الهدنة فاشلة حتى الآن، ولن تصمد. وأضاف في مداخلة مع «العربية» و«الحدث»، أن الاتفاق الإطاري هو السبب فيما يحدث، مشدداً على عدم اعتقاده بأن العودة لحوار سياسي حالياً باتت ممكنة.
جاء ذلك بعدما بدأ الطرفان تبادل الاتهامات بخرق الهدنة ليقذف كل منهما كرة الاتهام في ملعب الآخر، رغم الجهود الأممية والدولية المكثفة والدعوات للالتزام بها. فقد اتهمت قيادة قوات الشرطة السودانية الدعم السريع بخرق الهدنة بعيد بدئها، موضحة أن الأخيرة أدخلت مسلحين إلى وزارة الداخلية وإدارة شرطة المرور. كما نفى الجيش السوداني مسؤوليته عن خرق الهدنة الهشة، مؤكداً في بيان أن قوات الدعم السريع لم تلتزم بها. كذلك اتهمها بشن هجمات على مواقع استراتيجية من محيط المطار ومبنى القيادة العامة. بالمقابل، وجّهت قوات الدعم السريع اتهامات مماثلة لقوات الجيش، مؤكدة أن الأخيرة خالفت القانون الدولي الإنساني، وقواعد الاشتباك، وخرقت الهدنة المتفق عليها بوساطة دولية.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
TT

البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

صعَّد رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، من لهجته تجاه «قوات الدعم السريع»، مؤكداً أنَّ الجيش السوداني يمضي بخطوات متسارعة وحاسمة للقضاء على ما وصفه بـ«التمرد»، وإنهائه بصورة نهائية، واستعادة دارفور.

وخلال مخاطبته كبار قادة القوات المسلحة بمقر القيادة العامة في العاصمة الخرطوم، مساء الخميس، شدَّد البرهان على أنَّ السودان يتجه بثبات نحو حسم المعركة عسكرياً، قائلاً إنَّ القوات المسلحة لن تسمح لـ«قوات الدعم السريع» أو لأي جهة تساندها أو ترفع راية التمرد بالعودة مجدداً إلى المشهد السوداني.

ونفى البرهان بشكل قاطع صحة ما تداولته بعض الوسائل الإعلامية بشأن وجود تفاهمات أو مصالحات جرت في البحرين أو رواندا بين طرفَي النزاع، مؤكداً أنَّ تلك الأنباء لا تستند إلى أي أساس من الصحة. وقال إن ما يتم تداوله حول وجود مفاوضات في المنامة أو كيغالي «مجرد شائعات»، مشيراً إلى أن «أي خطوات من هذا النوع سيتم الإعلان عنها رسمياً عبر مؤسسات الدولة المختصة».

لقاء البرهان كبار قادة الجيش في مقر القيادة بالخرطوم (إعلام مجلس السيادة)

وجاءت تصريحات البرهان بعد يومين من إعلانه ترتيبات لإطلاق حوار سياسي شامل داخل السودان؛ بهدف استكمال مسار الانتقال المدني الديمقراطي، مؤكداً أنَّ الحكومة ستوفِّر كل ما يلزم لإنجاح هذا الحوار بمشاركة مَن وصفهم بـ«أصحاب الوجعة»، في إشارة إلى القوى الوطنية المعنية بمستقبل البلاد.

وفيما يتعلق بالعناصر المنشقة أو الراغبة في الانسحاب من صفوف «قوات الدعم السريع»، جدَّد البرهان تأكيده أنَّ أبواب القوات المسلحة والدولة السودانية مفتوحة أمام مَن يرغب في العودة، لكنه أوضح أنَّ المؤسسة العسكرية تميِّز بين مَن تورطوا في ارتكاب جرائم، ومَّن تمَّ التغرير بهم.

وأكد أنَّ الحديث عن فتح الباب للجميع دون تمييز لا يعكس حقيقة الموقف، موضحاً أنَّ القوات المسلحة تدرك مَن المجرم ومَن الذي يمكن الاستفادة منه مستقبلاً، ومَن ينبغي تحييده أو محاسبته.

كما نفى البرهان ما يشاع حول أنَّ البلاد باتت تستقبل الجنجويد، في إشارة إلى قوات من «الدعم السريع»، مؤكداً أن ذلك «لم يحدث، ولن يحدث أبداً». كما أشار إلى أن الانفتاح الحالي يقتصر على القوى السياسية التي لم تتخذ مواقف عدائية تجاه القوات المسلحة أو الدولة السودانية، مشيراً إلى أن مَن ناصبوا الجيش العداء لا مكان لهم ضمن أي ترتيبات مستقبلية ما لم يغيروا مواقفهم ويعلنوا دعمهم للمؤسسة العسكرية.

وأكد أن الجيش سيواصل العمل مع القوى السياسية والمدنية الموجودة داخل البلاد من أجل تحقيق تطلعات الشعب السوداني.

البرهان يسلم على مساعده في شؤون التخطيط شمس الدين كباشي (إعلام مجلس السيادة)

وكان البرهان قد أعلن، في وقت سابق، أنَّ أبواب المصالحة الوطنية مفتوحة أمام كل مَن يرغب في الانضمام إلى الدولة، والوقوف في مواجهة «قوات الدعم السريع»، مؤكداً استمرار القوات المسلحة في القتال حتى استعادة السيطرة على كامل الأراضي السودانية.

وقال إنَّ العمليات العسكرية التي بدأت في الخامس عشر من أبريل (نيسان) 2023 - وهو التاريخ الذي وصفه بأنه يوم «العدوان على الشعب السوداني» - ستتواصل حتى استعادة جميع المناطق التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع»، وإنهاء وجود ما وصفهم بالمرتزقة والمتمردين. كما أشار إلى وجود مجموعات تقاتل إلى جانب الجيش داخل إقليم دارفور، مؤكداً أن الوقت سيأتي لتوسيع نطاق المواجهة هناك، واستعادة إقليم دارفور.

وشدَّد البرهان على أنَّ القوات المسلحة تمضي بخطوات مدروسة للخروج من الحرب عبر بناء جيش حديث يتمتع بكفاءة أعلى، وتنظيم أكثر تطوراً، وتسليح متقدم مقارنة بالماضي.

وأوضح أنَّ القدرات العسكرية للقوات المسلحة تشهد تطوراً متسارعاً، وأنَّ الروح المعنوية للمقاتلين تزداد قوة وثباتاً مع استمرار العمليات العسكرية الرامية إلى حسم ما أطلق عليها «معركة الكرامة».

وشهد اللقاء حضور أعضاء القيادة العسكرية العليا، بينهم مساعدا القائد العام الفريق أول شمس الدين كباشي، والفريق أول ياسر العطا، وعدد من كبار الضباط.

البرهان ورئيس هيئة أركان الجيش ياسر العطا (إعلام مجلس السيادة - «فيسبوك»)

وفي تطور ميداني متزامن، قُتل ما لا يقل عن 28 مدنياً، وأُصيب العشرات جراء هجمات نُسبت إلى «قوات الدعم السريع» استهدفت بلدات بولاية شمال كردفان.

وأعلنت «شبكة أطباء السودان»، في بيان نشرته عبر موقع «فيسبوك»، أن قوة تابعة لـ«قوات الدعم السريع» نفَّذت هجوماً في ثاني أيام عيد الأضحى على منطقتَي أم سعدون والمَرّة؛ ما أدى إلى مقتل 28 مدنياً وإصابة عشرات آخرين.

وأكدت الشبكة أنَّ المنطقتين المستهدفتين لا تضمان أي وجود عسكري، عادّةً أن استهداف القرى والمناطق المدنية وقتل المدنيين العزّل يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي.

من جانبه، أدان «حزب الأمة القومي»، أحد أبرز الأحزاب المنضوية تحت مظلة «تحالف صمود»، الهجمات المتكرِّرة التي تنفِّذها «قوات الدعم السريع» في المناطق الواقعة على أطراف محلية بارا في شمال إقليم كردفان.

وقال الحزب، في بيان رسمي، إنَّ تصاعد الهجمات ضد المدنيين في إقليم كردفان خلال الحرب المستمرة في السودان يحمّل قيادة «قوات الدعم السريع» المسؤولية المباشرة عن هذه الانتهاكات.

وأضاف أنَّ استمرار تمركز «قوات الدعم السريع» داخل المدن والقرى المأهولة بالسكان لا مبرِّر له، ويعرِّض حياة المدنيين لمخاطر جسيمة، كما يفتح المجال أمام مزيد من الانتهاكات والخسائر الأمنية والإنسانية.


فئات النقد المصري تلهث لملاحقة التضخم والغلاء

القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
TT

فئات النقد المصري تلهث لملاحقة التضخم والغلاء

القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)

فوجئت المصرية الثلاثينية، آلاء حواش، باستنزاف نزهة واحدة مع أولادها «لم تتضمَّن سوى تناول الطعام خارج المنزل» أكثر من 1500 جنيه (الدولار يعادل نحو 52.2 جنيه)، بعدما جمع الأبناء هذا المبلغ عيديةً من أقاربهم في عيد الأضحى. وتقول آلاء لـ«الشرق الأوسط»: «أي مبالغ نقدية لم تعد لها قيمة» في إشارة إلى الغلاء المتصاعد بالبلاد.

وتنوَّعت الفئات النقدية لدى أبناء آلاء الثلاثة بين 10 جنيهات و50 و100 و200 جنيه، والأخيرة هي الفئة النقدية الأكبر في مصر حالياً، والتي «لم تكفِ كل طفل لتناول وجبة طعام في أحد المطاعم بالمهندسين في محافظة الجيزة»، بحسب الأم المصرية، مشيرة إلى أن «أي فئة من العملة لم تعد تكفي؛ بل إن قيمتها قلت، فمثلاً عملة الـ100 جنيه فعلياً على أرض الواقع قلت كثيراً بسبب الغلاء».

وأمام موجات الغلاء التي يشهدها الشارع المصري، انتشرت شائعات عن توجه رسمي لإصدار فئات نقدية جديدة بمبالغ أعلى؛ بسبب انخفاض قيمة العملات المتداولة حالياً؛ نتيجة ارتفاع أسعار السلع، ومن بين هذه الفئات إصدار ورقة نقدية بقيمة 10 آلاف جنيه. وقد تداول متابعون على «السوشيال ميديا» صورة لعملة شبيهة بالـ200 جنيه كُتب عليها 10 آلاف جنيه، وهو ما نفته الحكومة.

وقال المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، أخيراً، إن البنك المركزي المصري أفاد بأنَّه «لم يتم إصدار أي قرارات بهذا الشأن، ولا توجد حالياً أي خطط أو دراسات تتعلق بطرح هذه الفئة النقدية أو أي عملات ورقية أو بلاستيكية من فئات جديدة، بخلاف الفئات المتداولة بالفعل داخل السوق».

مسؤولون يراقبون الأسواق بهدف مواجهة أي ارتفاع للسلع (جهاز حماية المستهلك)

ورغم النفي الرسمي، فإنَّ خبراء لم يستبعدوا أن «تضطر الحكومة لإصدار فئات نقدية جديدة في حالة تفاقم التضخم والغلاء».

وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية، عاطف وليم لـ«الشرق الأوسط»: «إن إصدار فئات نقدية جديدة لن يكون سوى انعكاس لتفاقم الأزمة الاقتصادية في مصر، وتآكل قيمة العملة، بحيث تضطر الحكومة إلى إصدار فئات أعلى، بعدما انخفضت قيمة الفئات الموجودة بالفعل». لكنه في الوقت نفسه يرى أنَّ ذلك لن يحدث سوى لو وصلنا لمرحلة «التضخم الجامح».

وسجَّل معدل التضخم الشهري في أبريل (نيسان) الماضي 1.1 في المائة مقابل 3.2 في المائة في مارس (آذار) الماضي. كما سجَّل معدل التضخم السنوي في الشهر نفسه 13.8 في المائة.

ويعتقد وليم أن «معدلات التضخم التي يشعر بها المواطن في الشارع أكبر من المعدلات الرسمية»، قائلاً: «إن المواطنين يلهثون خلف الغلاء»، كما يرى أيضاً أن «الاقتصاد المصري بعيد نسبياً عن مرحلة (التضخم الجامح)»، عادّاً في الوقت نفسه أن «إصدار فئات نقدية جديدة بمبالغ أعلى لن يكون مؤشراً جيداً، وسيؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار».

عملات مصرية من فئة الـ200 جنيه (البنك الأهلي المصري)

في حين يرجح الخبير الاقتصادي الباحث في سوق المال، محمد مهدي عبد النبي، أنَّ «طباعة فئات نقدية جديدة أعلى من عملة الـ200 جنيه أمر وارد قريباً في ظلِّ تراجع القوة الشرائية للجنيه منذ عام 2022».

وكان مجلس الوزراء نفى في مايو (أيار) الحالي، التوقف عن إصدار العملة البلاستيكية من فئتَي 10 و20 جنيهاً.

وأضاف عبد النبي لـ«الشرق الأوسط»: «قد نشهد إصدار فئة نقدية أكبر، بمقدار 500 أو 1000 جنيه، حيث لم تعد الـ200 جنيه لها القوة الشرائية السابقة نفسها في ظلِّ الغلاء»، موضحاً أن «فئات العملات تلهث لملاحقة التضخم والغلاء».

مواطنون مصريون داخل سيارة أجرة في منطقة الجيزة (الشرق الأوسط)

عودة إلى عاطف وليم، الذي أشار إلى أنَّ «البرنامج الاقتصادي للحكومة على مدار سنوات لم يجنِ سوى تراجع قيمة الجنيه، فضلاً عن مزيد من الغلاء، والتضخم الذي يدفع ثمنه المواطن»، مطالباً بـ«تغيير البوصلة الاقتصادية نحو المشروعات الإنتاجية».

وتشهد مصر موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، متأثرة بالأوضاع الإقليمية، خصوصاً الحرب الإيرانية، فضلاً عن الزيادات المتكررة في أسعار السلع والخدمات، والتي تضع الأسر تحت ضغوط إضافية، مع ثبات ما لديها من عملات نسبياً، بينما تنخفض القوة الشرائية لهذه العملات.


سيول جنوب ليبيا تستحضر سؤال «السدود الغائبة»

سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
TT

سيول جنوب ليبيا تستحضر سؤال «السدود الغائبة»

سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)

عادت السيول الجارفة لتضع مدينتي تهالة وغات في جنوب غربي ليبيا تحت ضغط كارثة موسمية متكررة، بعدما شهدت المنطقتان القريبتان من الحدود الجزائرية أمطاراً غزيرة منذ أول يوم في عيد الأضحى (الأربعاء)، أدت إلى جريان واسع للأودية ونزوح العائلات من المناطق المنخفضة، وسط استنفار حكومي، ودعوات متجددة إلى إنشاء سدود وشبكات حماية مائية لوقف الخسائر المتكررة.

وفيما أعلنت السلطات المحلية، الجمعة، عدم تسجيل خسائر بشرية حتى الآن، فإن المخاوف تصاعدت من تكرار سيناريوهات سابقة شهدتها المنطقة، التي تتاخم الحدود مع الجزائر خلال الأعوام الماضية، حين تحولت الأمطار الموسمية إلى كوارث خلفت وفيات، وأضراراً واسعة في البنية التحتية والمزارع والمساكن.

وجدد محمد علي مختار، مدير مكتب الإعلام ببلدية تهالة، مطالبة الحكومتين في غرب ليبيا وشرقها «بالحاجة العاجلة إلى مشاريع حماية مستدامة، تشمل إنشاء سدود أو تحويل مسارات الأودية، بعيداً عن التجمعات السكنية، بل وحتى دراسة إنشاء تجمع سكاني بديل إذا استمرت الأخطار الطبيعية على حالها».

أحد عناصر الطوارئ في الهلال الأحمر خلال جولة رصد بمدينة غات بالجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)

وسلط المسؤول المحلي الضوء على معاناة المدينة التي تتكرر نتيجة السيول، وقال إنها دفعت جميع العائلات القاطنة في المدينة إلى النزوح نحو أماكن أكثر أماناً في إجراء احترازي، موضحاً أن الأضرار اقتصرت حتى اللحظة على خسائر مادية متفاوتة.

ولم تكن السيول الحالية الأولى التي تضرب المنطقة. ففي أغسطس (آب) قبل عامين، شهدت تهالة سيولاً قوية أودت بحياة ثلاثة أطفال، كما غمرت المياه الشوارع والمزارع، وألحقت أضراراً واسعة بالمنازل والبنية التحتية، بينما تعهدت السلطات حينها بإيجاد حلول جذرية، من بينها إقامة سدود لحجز المياه وتنظيم تدفق الأودية.

ويقول مختار إن المدينة تعاني منذ سنوات من هشاشة حادة في البنية التحتية، مشيراً إلى تكرار انقطاع الكهرباء وتعطل شبكات الاتصالات، وتوقف عدد من آبار المياه عن العمل مع كل موجة أمطار، مؤكداً أن الأزمة تتكرر منذ أعوام 2011 و2019 و2024 دون تنفيذ حلول جذرية تحد من أخطار السيول.

وتجددت مع الأمطار الأخيرة المطالب الشعبية والحقوقية بضرورة بناء منظومة سدود في الجنوب الغربي الليبي، خصوصاً في المناطق الواقعة على مسارات الأودية الآتية من المرتفعات الجزائرية.

وطالب الناشط السياسي والمدون فرج أبو سنينة بإنشاء سدود وحواجز مائية على الأودية المشتركة بين ليبيا والجزائر، إلى جانب إبعاد التجمعات السكنية عن مجاري السيول، وإنشاء بحيرات صناعية يمكن الاستفادة منها في الزراعة ومشروعات التشجير.

ويذهب سياسيون، من بينهم حسين الأنصاري، العضو السابق في «ملتقى الحوار الوطني» بجنيف السويسرية، إلى القول بأن بناء السدود في غات وتهالة بالجنوب الليبي أصبح «ضرورة وطنية حتمية» لحماية الأرواح والموارد، محذراً من أن استمرار تجاهل الحلول الهندسية الدائمة سيؤدي إلى مزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية.

أحد عناصر اللجنة العليا للطوارئ التابعة لحكومة الاستقرار يتفقد المركز الصحي بمدينة تهالة بالجنوب الليبي (بلدية تهالة)

وقال الأنصاري، إن «الدولة الليبية تنفق سنوياً ملايين الدنانير على عمليات الإغاثة الطارئة، والتعويضات وصيانة الطرق المتضررة بشكل مؤقت، بينما تبقى الحلول الترقيعية عاجزة عن منع تكرار الكوارث مع كل موسم أمطار»، وفق منشور عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

وحسب تقدير العضو السابق في «ملتقى الحوار الوطني»، فإن إنشاء شبكة سدود ركامية وتخزينية في نقاط التحول الرئيسية داخل الأراضي الليبية، إلى جانب شق قنوات لتصريف المياه بعيداً عن المدن، سيكون أقل تكلفة على المدى البعيد مقارنة باستمرار سياسة «إدارة الأزمات». مشيراً إلى أن «الطبيعة الجغرافية لحوض غات وتهالة تجعل المنطقة في مواجهة مباشرة مع سيول ضخمة تنحدر من جبال التاسيلي داخل الجزائر، ما يتطلب تنسيقاً فنياً ومبكراً بين البلدين لدراسة حركة الأحواض المائية المشتركة وآليات الإنذار المبكر».

ومع تجدد الأزمة، أعلنت السلطات في شرق ليبيا على مدى يومين حالة الاستنفار لدعم المناطق المتضررة، حيث أصدر نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، الفريق أول صدام خليفة حفتر، الخميس، تعليمات بتقديم الدعم والإغاثة العاجلة لسكان تهالة، فيما وصلت قوافل طبية تابعة لوزارة الصحة التابعة للحكومة المكلفة من البرلمان إلى غات وتهالة لمتابعة التطورات الميدانية.

وكان نائب رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، في غرب ليبيا سالم الزادمة قد كشف قبل عامين عن خطة حكومية لإنشاء سدود على الأودية، التي تصب في مناطق الجنوب الغربي، وذلك عندما كان يشغل المنصب ذاته في الحكومة المكلفة من البرلمان، لكن هذه الوعود لم تر النور في ظل الانقسام السياسي والحكومي الذي تشهده البلاد.

وبينما يترقب السكان انحسار السيول، يعود ملف السدود الغائبة مجدداً إلى واجهة النقاش في ليبيا، بوصفه أحد أكثر الملفات ارتباطاً بأمن الجنوب وحماية مدنه من كوارث تتكرر كل عام تقريباً، في ظل غياب مشاريع بنية تحتية، قادرة على مواجهة التحولات المناخية والتقلبات الجوية الكثيرة.