السودان: الأيادي على الزناد تنذر بمواجهة عسكرية

تحركات إقليمية ودولية مكثفة لوقف التصعيد بين الجيش و«الدعم السريع»... وحمدوك على خط الوساطة بين البرهان و«حميدتي»

صورة لتعزيزات تابعة للدعم السريع متداولة في مواقع التواصل
صورة لتعزيزات تابعة للدعم السريع متداولة في مواقع التواصل
TT

السودان: الأيادي على الزناد تنذر بمواجهة عسكرية

صورة لتعزيزات تابعة للدعم السريع متداولة في مواقع التواصل
صورة لتعزيزات تابعة للدعم السريع متداولة في مواقع التواصل

عاش السودان ساعات عصيبة، منذ مساء الأربعاء، عندما بلغ التوتر ذروته بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، حيث لجأ الطرفان إلى التحشيد والتحشيد المضاد عسكرياً، وسط حالة ترقب وحبس أنفاس من تفجر الوضع في أي وقت خلال الأيام المقبلة، فيما سارعت وساطات دولية وإقليمية وداخلية من القوى المدنية والفصائل المسلحة للتحرك العاجل لوقف التصعيد المتبادل وتهدئة الأوضاع قبل تفاقمها.
وتسارعت وتيرة الأحداث أول من أمس (الأربعاء)، عقب إرسال «الدعم السريع» قوات وآليات عسكرية كبيرة إلى مدينة «مروي» شمال البلاد، إلا أن الجيش اعترض هذه القوات ومنع تقدمها من محيط مطار المدينة الدولي. وأبلغت مصادر محلية «الشرق الأوسط» أن الأوضاع في مدينة «مروي» متوترة حتى مساء أمس الخميس، وأن الطرفين في مواقعهما في حالة تأهب قصوى. وكانت تقارير صحافية نقلت عن مصادر عسكرية أن الجيش منح قوات «الدعم السريع» مهلة 24 ساعة، تنتهي بنهاية يوم أمس الخميس للانسحاب فوراً من المدينة.
وأفادت المصادر ذاتها بأن القوة العسكرية لـ«الدعم السريع» لا تزال متمركزة في مواقعها.
ورصد نشطاء في وسائل التواصل الاجتماعي وصول مدرعات وآليات عسكرية تابعة لقوات «الدعم السريع»، التي يقودها نائب رئيس مجلس السيادة، محمد حمدان دقلو الشهير بـ«حميدتي»، من دارفور في طريقها إلى المواقع العسكرية والمقار وسط العاصمة الخرطوم. وأثارت المظاهر العسكرية والحشود التي بدت لافتة للنظر، من جانب الجيش و«الدعم السريع»، حالة من التوجس والقلق الشديدين وسط المواطنين من دخول البلاد في حرب أهلية. وشوهدت قافلة من مركبات تابعة لقوات «الدعم السريع» من بينها شاحنات مدرعة وهي تدخل الخرطوم، وتجوب شوارعها.

ودفع ذلك السفارة الأميركية في الخرطوم إلى إصدار تحذير لرعاياها من السفر إلى الولاية الشمالية، والمناطق المجاورة، ووجهت الموظفين بالسفارة لعدم التنقل خارج العاصمة بمدنها الثلاثة: الخرطوم، الخرطوم بحري، وأم درمان، ومتابعة تحديثات أجهزة الإعلام المحلية بشأن الأوضاع. وقال مصدران عسكريان إن محور خلاف حميدتي مع الجيش هو تردده في تحديد موعد نهائي واضح لدمج قوات «الدعم السريع» في الجيش. وقال المصدران إن الجيش بسبب قلقه من نوايا حميدتي نشر المزيد من الجنود في الخرطوم في حالة تأهب. وقال حميدتي مراراً من قبل في خطابات إنه لا يريد مواجهة مع الجيش، وهي خطوة من شأنها أن تؤدي لانعدام الأمن في أنحاء البلاد لفترة طويلة، في وقت يعاني فيه السودان بالفعل من مشكلات اقتصادية محتدمة وموجات عنف قبلي.
وكان الجيش السوداني حذر، الأربعاء، في بيان حاد اللغة، مما أسماه تزايد المخاطر من قيام قيادة قوات «الدعم السريع» بتحشيد القوات والانتشار داخل العاصمة وبعض المدن. وأوضح البيان أن هذه التحركات تمت دون موافقة قيادة القوات المسلحة أو بالتنسيق معها، ما أثار الهلع والخوف في أوساط المواطنين وفاقم من المخاطر الأمنية، وزاد من التوتر بين القوات النظامية على حد تعبيره. واعتبر البيان إعادة تمركز قوات «الدعم السريع» تجاوزاً للقانون، ومخالفة لتوجيهات اللجان الأمنية المركزية والولائية، وأن استمرارها سيؤدي إلى المزيد من الانقسامات والتوترات التي تقود إلى انفراط عقد الأمن في البلاد. وكانت قوات «الدعم السريع» أشارت، في بيان، إلى أن وجودها في الولاية الشمالية، وفي مدينة «مروي» على وجهة التحديد، يندرج في إطار وجودها في بقية الولايات، وفي إطار تأدية مهامها وواجباتها التي تمتد حتى الصحراء.
وأكد البيان أن قوات «الدعم السريع» تعمل بتنسيق وتناغم تام في تحركاتها مع قيادة القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى.
وقال دبلوماسي رفيع المستوى لـ«الشرق الأوسط» إن الآلية الرباعية، التي تضم السعودية وأميركا والإمارات وبريطانيا، تواصل مساعيها للتهدئة وتقليل التوتر بين الأطراف السودانية.
وأضاف الدبلوماسي: «نعمل على إقناع كافة الأطراف العسكرية والمدنية بالالتزام بتنفيذ بنود الاتفاق الإطاري وإنجاز العملية السياسية الحالية بالتوقيع على الاتفاق السياسي النهائي للخروج من الأزمة في البلاد».
وأعلنت مصادر سياسية أن عدداً من السفراء الغربيين وسفراء دول عربية شرعوا في التحرك للوساطة بين الجيش و«الدعم السريع»، مشيرة إلى أن هذه التحركات تتم بالتنسيق والتعاون مع الآلية الثلاثية، المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة التنمية الحكومية «إيقاد».
وأفادت المصادر ذاتها بأن من المتوقع أن يجري ممثلو الآلية الثلاثية: الممثل الأممي فولكر بيرتس، ومبعوث الاتحاد الأفريقي محمد بلعيش، وممثل «إيقاد» إسماعيل وايس، اتصالات مباشرة برئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو «حميدتي»، لتهدئة الأوضاع قبل أن تتفاقم. وقالت المصادر إن حل الخلاف الحالي بين الجيش و«الدعم السريع» يجب أن يتم من خلال التفاوض والنقاش، ومن خلال حسم ملف الإصلاح الأمني والعسكري، مضيفة أن هناك مساعي من جهات عديدة لتجاوز هذه الأزمة.
وعلى صعيد التحركات الداخلية لحل الأزمة، ترأس رئيس «حزب الأمة القومي» المكلف، فضل الله برمة ناصر، اجتماعاً في منزله بالخرطوم، ضم عدداً من أحزاب قوى «الحرية والتغيير - مجموعة المجلس المركزي»، ومجموعة «الحرية التغيير - الكتلة الديمقراطية»، وبعض القوى السياسية المعارضة للاتفاق السياسي الإطاري.
واتفق المجتمعون على تكوين لجنة من قدامى المحاربين في الجيش، وممثلين آخرين عن القوى السياسية، برئاسة برمة ناصر، ومن المقرر أن تلتقي رئيس مجلس السيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو «حميدتي». وكان «حزب الأمة القومي» وصف الوضع الأمني بأنه قريب من «الانزلاق»، داعياً إلى تجميد كل فعل أو قول عسكري. وأشار إلى أن بيانات الجيش و«الدعم السريع» والاحتقان والتحشيد ولغة التحدي والتحركات العسكرية وصلت إلى مرحلة ما قبل إطلاق الطلقة الأولى. ودخل رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الله حمدوك، على خط الوساطة بين البرهان و«حميدتي»، حسب وسائل اعلام عربية بينها قناة «الشرق».
من ناحية ثانية، أجرى قادة الفصائل المسلحة الموقعة على اتفاقية «جوبا للسلام» اتصالات مكثفة بالقيادات العليا للقوات المسلحة وقوات «الدعم السريع».
وذكر بيان ممهور بأسماء القادة، وهم مالك عقار وجبريل إبراهيم ومني أركو مناوي، أن هذه التحركات تهدف لنزع فتيل الأزمة الأمنية التي تكاد تودي بالبلاد إلى الهلاك. وأشار البيان إلى وجود تجاوب من الجانبين، داعياً قيادة الجيش و«الدعم السريع» للتحلي بالروح الوطنية وتقديم تنازلات لحقن الدماء، وتحقيق الوفاق الوطني الشامل.
وأكد قادة الفصائل مواصلة جهودهم دون كلل، وأنهم سيطلعون الشعب السوداني على كل المستجدات في هذه القضية.
ومن جانبه، أطلق رئيس «حزب الأمة» - فصيل مبارك الفاضل المهدي - نداءً عاجلاً لتدارك المواجهة العسكرية بين القوات المسلحة و«الدعم السريع».
وذكر في بيان أن عدداً من القيادات السياسية عقدت سلسلة من الاجتماعات اتفق فيها الرأي على أن أساس المواجهة العسكرية هو الخلاف السياسي على إدارة الفترة الانتقالية، وعليه اتفق الرأي على تأسيس منصة وطنية لإدارة حوار بين الفرقاء السياسيين.
ودعا مبارك قيادة «حزب الأمة القومي» وحلفاءه من أحزاب قوى «الحرية والتغيير» في المجلس المركزي لنزع فتيل المواجهة العسكرية، وإقامة حوار سوداني - سوداني يتم من خلاله التوافق على إدارة البلاد.
وعلمت «الشرق الأوسط»، من مصادر متطابقة، أن «التوتر» الحالي بين الجيش والدعم السريع يعود إلى وجود مقاتلات من سلاح الجوي المصري في مطار مروي، وأن قادة «الدعم السريع» يرون فيها تهديداً.
ووفقاً للمصادر، فإن قادة «الدعم السريع» عبروا عن هذه مخاوفهم خلال اجتماع سابق، بشأن حل مشكلة القيادة والسيطرة للجيش الموحد. وأفلحت «قوى إعلان الحرية والتغيير» في جمع كل من البرهان و«حميدتي» وقادة أركان الطرفين، السبت الماضي، بعد قطيعة طويلة. وأكدت المصادر أن «حميدتي» أبلغ الاجتماع بمخاوفه، وبرغبته في تحريك قوات إلى مروي من أجل الحماية. ووفق المصادر، فإن البرهان تعهّد بسحب المقاتلات المصرية، على أن يجتمع الطرفان، اليوم التالي؛ الأحد، لكن البرهان والجيش لم يحضرا الاجتماع ما عدّه «حميدتي» عدم التزام من قيادة الجيش، ومن ثم أصدر الأوامر لقواته بالتحرك إلى مروي (شمال السودان) ودخول الخرطوم. وقالت المصادر إن الرباعية الدولية (أميركا، السعودية، بريطانيا، الإمارات) فشلت في جمع الرجلين، لأن البرهان لم يحضر الاجتماع المقرر. وينتظر أن تعقد الرباعية سلسلة اجتماعات مع البرهان و»حميدتي»، كل على حدة، لتليين المواقف ووقف التوتر.
وفي السياق، اتهم خالد عمر يوسف، المتحدث باسم العملية السياسية في السودان، الخميس، من أسماهم بـ«بقايا الجبهة الإسلامية القومية» بالسعي لتدمير العملية السياسية عبر «الوقيعة» بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، وبين المدنيين والعسكريين. واتهم يوسف في منشور على «فيسبوك» بقايا «الجبهة الإسلامية القومية» بالترويج لخيارات الحرب كبديل للحل السياسي والمزايدة على قضية الجيش الواحد. وأكد المتحدث أن مساعي الجبهة الإسلامية للعودة إلى السلطة «لن تنجح»، مشدداً على أن «البلاد حرة ولن تقبل الخضوع لاستبدادكم قط».
ويأتي التصعيد الحالي بين الجيش و«الدعم السريع» في إطار تداعيات الخلافات الحادة بينهما حول دمج القوات العسكرية في الإصلاح الأمني والعسكري الذي تسبب في تأجيل التوقيع على الاتفاق السياسي النهائي أكثر من مرة. ويتمسك الجيش بوضع قوات «الدعم السريع» تحت سلطة القائد الأعلى للجيش، وهو ما ترفضه قيادة «الدعم السريع»، وتتمسك بتبعيتها مباشرة لرئيس الدولة المدني، وفق ما تم الاتفاق عليه في التفاهمات الأولى بين العسكريين والمدنيين، والتي أسست عليها العملية السياسية الجارية حالياً في البلاد. وتؤخر الخلافات بين الجيش و«الدعم السريع» بشأن هيكلة القيادة التوقيع على الاتفاق النهائي، الذي من المقرر أن يتضمن توصيات الإصلاح الأمني والعسكري ومسودة الدستوري الانتقالي، الذي يعقبه تشكيل السلطة المدنية.
وكان من المقرر التوقيع على الاتفاق السياسي النهائي في الأول من أبريل (نيسان) الحالي، وتم تأجيله إلى 6 من الشهر ذاته، لكن الخلافات بين العسكريين حول الإصلاح الأمني حالت دون التوقيع عليه. وتسود حالة من التوجس والقلق الشارع في ظل تناقل ورصد وسائل التواصل الاجتماعي صوراً وفيديوهات تظهر آليات عسكرية ضخمة تنقل مدرعات، وسيارات دفع رباعي تحمل عشرات الجنود في شوارع الخرطوم.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

روسيا تزاحم المبادرات الأميركية والأممية للحل في ليبيا

بوتين مستقبلاً المنفي خلال زيارته العاصمة الروسية موسكو الثلاثاء (رويترز)
بوتين مستقبلاً المنفي خلال زيارته العاصمة الروسية موسكو الثلاثاء (رويترز)
TT

روسيا تزاحم المبادرات الأميركية والأممية للحل في ليبيا

بوتين مستقبلاً المنفي خلال زيارته العاصمة الروسية موسكو الثلاثاء (رويترز)
بوتين مستقبلاً المنفي خلال زيارته العاصمة الروسية موسكو الثلاثاء (رويترز)

سلطت مباحثات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، في وقت متأخر الثلاثاء، الضوء على فرص تنشيط الدور الروسي في تسوية الأزمة الليبية، بالتزامن مع تزاحم المبادرات الدولية الرامية إلى تحريك العملية السياسية، وإعادة ترتيب المشهد الليبي.

دور روسيا المحتمل

بوتين الذي أكد استعداد بلاده للإسهام في «دفع العملية السياسية الليبية»، أعاد الحديث عن دور بلاده باعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، وفق بيان للمجلس الرئاسي الليبي، الأربعاء، وهو ما يطرح تساؤلات حول حدود الدور الروسي المحتمل في ظل المبادرات الأميركية والأممية المتنافسة.

وبدا الرئيس الروسي خلال المباحثات، التي جرت بمقر الرئاسة الروسية «الكرملين»، حريصاً على تحديد أسس هذا الدور، وفي مقدمتها «الملكية الليبية الخالصة» للعملية السياسية، ومشاركة المؤسسات الدستورية، والتوصل إلى تسوية توافقية ومستدامة، وفق بيان المجلس الرئاسي الصادر الأربعاء.

بوتين والمنفي خلال لقاء في العاصمة الروسية موسكو الثلاثاء (الرئاسي الليبي)

ويستبعد كيريل سيمينوف، الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية، أن تكون لدى موسكو «مبادرة جديدة محددة المعالم وحاسمة» لتسوية الأزمة، غير أنه قال إنها «تفضل التحرك بمرونة وبراغماتية»، والتكيف مع المتغيرات الميدانية، بدلاً من طرح خطة تفصيلية بخطوات متتابعة.

وذهب سيمينوف في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن روسيا تسعى إلى ترسيخ حضورها السياسي والعسكري، والحفاظ على توازن علاقاتها مع الأطراف الرئيسية، بما يسمح لها بالتأثير في مسار التسوية، من دون الارتباط بمبادرة واحدة أو صيغة تفاوضية محددة.

وبحسب سيمينوف، فإن «موسكو تجمع بين دعم المسار الذي تقوده الأمم المتحدة، وممارسة نفوذها المباشر في مجريات التسوية، انطلاقاً من أهمية الشرعية الدولية بالنسبة إليها». لكنه رجح أن تعمل روسيا على التأثير في جهود المنظمة الدولية، بما يحفظ مصالحها الاستراتيجية.

أما من المنظور الليبي، فيرى المحلل السياسي السنوسي إسماعيل أن روسيا تضع في حساباتها المبادرة الأميركية التي يقودها بولس، مرجحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تركز تحركاتها الدبلوماسية على دعم جهود الأمم المتحدة وتوسيع نطاقها، لتشمل المسارات السياسية والعسكرية والاقتصادية، بما يتيح معالجة أوسع لجذور الأزمة.

مصافحة بين بوتين والمنفي في العاصمة الروسية موسكو (الرئاسي الليبي)

وربط إسماعيل هذا التوجه باحتمال رغبة موسكو في الحيلولة دون انفراد الولايات المتحدة بإدارة الملف العسكري، وضمان حضور أوسع للقوى الليبية في ترتيبات المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل استمرار الانقسام المؤسسي، وتباين مواقف الأطراف بشأن مستقبل السلطة والانتخابات.

وتتقاطع هذه الرؤية مع مواقف روسية سابقة داخل مجلس الأمن؛ إذ سبق أن دعا مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، في وقت سابق من هذا الشهر، إلى استمرار التنسيق تحت قيادة المنظمة الدولية، وإدماج مبادرات الوساطة الخارجية في إطار واحد، يمنع تشتت المسارات السياسية.

كما حذرت موسكو من أن استبعاد مؤسسات أو قوى ليبية مؤثرة من العملية السياسية قد ينعكس سلباً على الاستقرار طويل الأمد، وشددت على ضرورة أن تنبع القرارات الأساسية المتعلقة بمستقبل البلاد من حوار بين الليبيين أنفسهم.

شبكة مصالح

لا ينفصل التحرك الدبلوماسي الروسي عن شبكة المصالح التي راكمتها موسكو في ليبيا خلال السنوات الماضية؛ فالعلاقات مع قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر تمنحها نفوذاً ميدانياً، بينما تتيح قنوات الاتصال بطرابلس مجالاً للتحرك السياسي.

وبحسب سيمينوف، يعكس لقاء بوتين والمنفي «احتفاظ روسيا بقنوات اتصال رسمية مع طرابلس، بما يتيح لها موقع الشريك الدبلوماسي القادر على التواصل مع المعسكرين. ويمنحها هذا التوازن مساحة للمناورة، في ظل التنافس الدولي على التأثير في مستقبل ليبيا».

وفي السياق نفسه، رأى أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية بالأكاديمية الليبية، عارف التير، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن روسيا «ستتجه إلى الطرف الذي يحقق مصالحها»، مرجحاً أن يكون لدى حفتر في الشرق، ورئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة في الغرب، قدرة أكبر على تلبية تلك المصالح.

الرئيس بوتين خلال مباحثاته مع المنفي والوفد المرافق له (أ.ب)

وقال التير إن القوى التي تمتلك أدوات القوة المالية والسياسية والعسكرية تظل الأكثر قدرة على جذب اهتمام الأطراف الدولية، في إشارة إلى أن الحسابات الروسية لن تتحدد بالاعتبارات الدبلوماسية وحدها، بل أيضاً بموازين القوى ومصالح موسكو المباشرة.

وتتحدث تقارير دولية منذ سنوات عن امتداد الوجود العسكري الروسي إلى مواقع جوية ليبية عدة، تشمل الخادم قرب المرج والجفرة والقرضابية، وتمنهنت وبراك الشاطئ، ومعطن السرة في الجنوب الشرقي، بما يوسع نطاق الحضور الروسي داخل البلاد.

وعلى الصعيد الداخلي، يرى إسماعيل أن الليبيين قد يتعاملون بإيجابية مع أي تحرك روسي، إذا أسهم في تحقيق مصالحهم السياسية ودفع التسوية إلى الأمام، مشيراً إلى أن المنفي يسعى بدوره للحصول على دعم موسكو لدور في المرحلة الانتقالية.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والوزير المكلف بالخارجية في غرب ليبيا الطاهر الباعور عقب مباحثات سابقة في موسكو (السفارة الروسية في ليبيا)

لكن التير يطرح قراءة أخرى للقاء؛ إذ يرى أن المنفي ربما يستهدف الحصول على دعم روسي في مواجهة المسار السياسي، الذي تمثله مباحثات «4+4».


ملف صحافي مسجون يُجدّد التوتر بين الجزائر وباريس

الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير 2026 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير 2026 (الرئاسة الجزائرية)
TT

ملف صحافي مسجون يُجدّد التوتر بين الجزائر وباريس

الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير 2026 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير 2026 (الرئاسة الجزائرية)

عاد الصحافي الرياضي الفرنسي المسجون في الجزائر، كريستوف غليز، إلى دائرة الضوء خلال اليومين الأخيرين، بمناسبة إعلان مرشحة انتخابات الرئاسة الفرنسية سابقاً، سيغولين رويال، عن زيارتها إياه في السجن، وطرح قضيته والمطالبة بالإفراج عنه في حفل الـ«بالون دور» العالمي، الذي نُظّم مساء الاثنين الماضي بلندن.

كشفت رويال عن زيارتها الصحافي في سجنه بالضاحية الغربية للعاصمة الجزائر، خلال مشاركتها في مؤتمر عن فنون النقوش الصخرية، الذي نظم بمدينة جانت بجنوب البلاد، بين 20 و24 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وقالت رويال، التي تترأس «جمعية فرنسا - الجزائر»، خلال استضافتها الثلاثاء في «القناة الإخبارية الفرنسية الخاصة»، إنها تزوره «في كل مرة أذهب فيها إلى الجزائر... إنه بخير لأنه يتناول الطعام، لكن مدة سجنه طالت».

ويقضي غليز عقوبة بالسجن 7 سنوات في الجزائر منذ يونيو (حزيران) 2025.

سيغولين رويال مع الصحافي السجين كريستوف غليز (حسابها على إكس)

وعندما سُئلت عمّا إذا كان الإفراج عن الصحافي بات قريباً، أجابت سيغولين رويال: «لا يمكننا قول ذلك، لكن يجب أن نأمل هذا».

* انتقاد جمود العلاقات الثنائية

أوضحت رويال أن الصحافي الثلاثيني «لا يعارض النظام الجزائري»، في إشارة إلى جدل أثاره قطاع من الإعلام في بداية سجنه بشأن احتمال أن تكون مواقفه السياسية المفترضة من الحكومة الجزائرية هي سبب سجنه.

وتناولت رويال أزمة العلاقات الفرنسية - الجزائرية، التي لا تزال تراوح في مكانها، رغم محاولات عدة لإزالة التوتر جرت في فبراير (شباط) الماضي، بمناسبة زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز الجزائر العاصمة. وقالت بهذا الخصوص: «هناك الكثير مما يمكن قوله بشأن الدول التي تربطها بفرنسا مبادلات تجارية». وتابعت حديثها مستشهدة بألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، التي توجهت إلى الجزائر للحصول على النفط والغاز في بداية الحرب الروسية على أوكرانيا، كما أبرمت عقوداً في قطاع الصناعة مع الجزائر.

الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

وأضافت رويال منتقدة: «الجميع يتفاهم مع الجزائر باستثناء فرنسا!»، واستشهدت في هذا السياق بمصنع «رينو» للسيارات في غرب الجزائر، الذي لا يزال مغلقاً، في حين أعلنت شركة «أوبل» الألمانية، التابعة لمجموعة «ستيلانتيس»، عن مشروع لإنشاء مصنع في الجزائر. وتساءلت: «هل هذا تصرف ذكي؟!».

يذكر أن رويال وصلت إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2007، حيث ترشحت عن الحزب «الاشتراكي». وسعت إلى الترشح باسم حزبها للانتخابات المقررة العام المقبل، لكنها خسرت المنافسة في الاقتراع التمهيدي الذي نظمه الحزب.

وتسعى رويال منذ أشهر لانتزاع موافقة السلطات العليا في الجزائر على الإفراج عن غليز، وسبق أن التمست من الرئيس عبد المجيد تبون عفواً رئاسياً. كما يعود لها الفضل في نقله من سجن «تيزي ووزو»، الذي يبعد نحو 110 كيلومترات عن العاصمة، إلى سجن «القليعة» بالضاحية الغربية للعاصمة، في يناير (كانون الثاني) الماضي، في خطوة أوحت بقرب الإفراج عنه.

* خلفيات احتجاز غليز

تجدّد حضور كريستوف غليز في النقاش بمناسبة حفل «الكرة الذهبية»، الذي أُقيم في لندن مساء الاثنين الماضي، في لفتة خاصة تكريماً له.

فقبل الإعلان عن «أسماء (أفضل لاعب لكرة القدم خلال العام)»، وأمام ملايين المشاهدين عبر شاشات التلفزيون حول العالم، عبّرت مقدمة الحفل، كيت سكوت، والنجم الفرنسي السابق تييري هنري، عن دعمهما الصحافي الرياضي.

ووفقاً للموقع الرسمي لمنظمة «مراسلون بلا حدود»، فقد سعت هذه اللحظة الرمزية إلى تحويل أحد أكثر الأحداث مشاهدة في عالم كرة القدم إلى مناسبة للمطالبة بالإفراج عن كريستوف غليز، والدفاع عن حرية الصحافة.

حضور الصحافي غليز رمزياً في حفل «الكرة الذهبية» (مراسلون بلا حدود)

وغليز صحافي رياضي مستقل، تعاون مع مجلة «سو فوت» ومجموعة «سو برس» الإعلامية، التي تضم أيضاً مجلة «سوسيتي». ويركز عمله على الصحافة الرياضية، لا سيما تغطية الأندية وكرة القدم في فرنسا والخارج.

وفي مايو (أيار) 2024، سافر إلى الجزائر لإعداد تقرير صحافي عن نادي «شبيبة القبائل» العريق، بمدينة تيزي ووزو. وخلال إقامته بالمنطقة، أُلقي القبض عليه في 28 مايو (أيار)، قبل أن يخضع للرقابة القضائية لنحو عام.

وتجاوزت القضية إطار التغطية الصحافية الرياضية، بعدما وُجهت إلى غليز اتهامات تتعلق بـ«الإشادة بالإرهاب»، و«حيازة منشورات لأغراض دعائية من شأنها المساس بالمصلحة الوطنية»، وفق صحافيين حضروا جلسة محاكمته التي جرت في 29 يونيو (حزيران) 2025، وحُكم عليه بالسجن 7 سنوات، وهو الحكم الذي أُيّد في مرحلة الاستئناف بنهاية العام نفسه.

ووفق التقارير المنشورة، فإن القضية ترتبط بمقابلات أجراها غليز مع شخصيات لها صلات بـ«حركة تقرير مصير منطقة القبائل»، وهي حركة تصنفها السلطات الجزائرية منظمة إرهابية منذ عام 2021، ورئيسها فرحات مهني يقيم في فرنسا بصفته لاجئاً سياسياً.

وزير الداخلية الفرنسي مع نظيره الجزائري خلال زيارته الجزائر في فبراير 2026 (الداخلية الجزائرية)

وتذهب تقديرات في الأوساط السياسية الفرنسية إلى أن كريستوف غليز بات ورقة ضغط في مسار العلاقات بين الحكومتين الجزائرية والفرنسية، في قضية يُربط تطورها بملف موظف قنصلي جزائري موقوف لدى القضاء الفرنسي منذ نحو عام ونصف، للاشتباه في تورطه في اختطاف يوتيوبر جزائري؛ يقيم في فرنسا، تطالب الجزائر بتسليمه. ويرى أصحاب هذا الطرح أن رفض القضاء الفرنسي الإفراج عن الموظف القنصلي أسهم في تشدد الموقف الجزائري بشأن قضية غليز، واستمرار احتجازه.


تركيا تعرض مجدداً توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع مصر

من لقاء بين إردوغان والسيسي في أنقرة (أرشيفية - الرئاسة التركية)
من لقاء بين إردوغان والسيسي في أنقرة (أرشيفية - الرئاسة التركية)
TT

تركيا تعرض مجدداً توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع مصر

من لقاء بين إردوغان والسيسي في أنقرة (أرشيفية - الرئاسة التركية)
من لقاء بين إردوغان والسيسي في أنقرة (أرشيفية - الرئاسة التركية)

أكدت تركيا، مجدداً، استعدادها لتوقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر «يحقق المصالح المشتركة للبلدين»، بعدما أبدت القاهرة موقفاً حازماً بتجديدها رفض الاعتراف بمذكرة التفاهم التركية - الليبية لتحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة أواخر عام 2019، والتي صدق عليها مجلس النواب الليبي، الأسبوع الماضي.

وقال مسؤول في وزارة الدفاع التركية: «إن إقرار مذكرة التفاهم بشأن ترسيم المناطق البحرية، الموقعة بين بلادنا وليبيا من قبل مجلس النواب الليبي في 20 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، يُعد تطوراً مهماً يدعم نهجنا القائم على القانون الدولي ومبادئ الإنصاف، واحترام الحقوق والمصالح المشروعة للدول الساحلية المعنية».

وأضاف المسؤول التركي، رداً على سؤال خلال المؤتمر الصحافي الأسبوعي للمتحدث الإعلامي باسم وزارة الدفاع، بشأن الاعتراضات على «مذكرة التفاهم» مع ليبيا، قائلاً: «نؤكد مجدداً استعدادنا لتوقيع اتفاقية ترسيم المناطق البحرية مع مصر بما يتماشى مع المصالح المشتركة... وتشير التقديرات إلى أنه في حال توقيع مصر على هذه الاتفاقية مع بلدنا، ستتمتع بمنطقة بحرية تزيد مساحتها عن 15 ألف كيلومتر مربع، مقارنةً باتفاقية محتملة مع اليونان».

وأكد أن «تركيا ستواصل حماية حقوقها ومصالحها المشروعة في شرق البحر المتوسط ​​في إطار القانون الدولي، والمساهمة في تعزيز السلام والأمن والاستقرار الإقليميين».

حرص تركي على تطوير العلاقات

وجاءت تصريحات المسؤول التركي لتؤكد ما سبق أن صرح به وزير الدفاع يشار غولر، بشأن الاستعداد لتوقيع اتفاقية مع مصر ستضمن لها مساحة إضافية لمنطقتها البحرية في شرق المتوسط تبلغ 15 ألف كيلومتر مربع.

فيدان ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية التركية)

وجدد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، على هامش اجتماع أوروبي شرق أوسطي عقد في إسطنبول، الجمعة الماضي، وضم وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا، إلى جانب وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، رفض مصر القاطع لتصديق مجلس النواب الليبي على «مذكرة التفاهم» الموقعة مع تركيا، وقال: «لن تكون للمصادقة أي آثار قانونية بالنسبة لمصر».

ولم تبد تركيا أي تعليق سلبي تجاه الموقف المصري، سواء على المستوى الرسمي أو من خلال وسائل الإعلام، بما فيها المعارضة للحكومة، بخلاف ما حدث مع الأطراف الأخرى التي تبنت موقفاً مشابهاً لموقف مصر، وهي اليونان وقبرص وإسرائيل، فضلاً عن الاتحاد الأوروبي.

وعكس ذلك، حرص تركيا على الاستمرار في تطوير العلاقات مع مصر وتجنيبها أي أزمة جديدة، وهو ما انعكس في تصريحات للرئيس رجب طيب إردوغان، عقب اجتماع الحكومة التركية، الاثنين الماضي، أكد فيها أن بلاده لا تسعى إلى إلحاق الضرر بأي طرف في شرق المتوسط، وأنها تدعو إلى الحوار مع جميع دول المنطقة، وستحافظ على علاقاتها مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا.

محاولات مع اليونان

وبعثت اليونان برسالةً إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عقب التصديق على «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية، أعادت فيها تأكيد اعتراضاتها على المذكرة، وأشارت إلى أن التصديق عليها «لا يُغيّر الوضع القانوني لها، ولا يُمكن أن يُنشئ التزامات قانونية جديدة على دول ثالثة، فضلاً عن تعارضها مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (لم توقع عليها تركيا)، وانعدامها من الأساس، بسبب الموقع الجغرافي للسواحل بين تركيا وليبيا».

لقاء بين إردوغان وميتسوتاكيس على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2024 (الرئاسة التركية)

وكشف وزير الخارجية، هاكان فيدان، في تصريحات أدلى بها في بروكسل، الأسبوع الماضي، عن عرض قدمه الرئيس إردوغان لرئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي، لشراء الكهرباء من تركيا بدلاً من إنفاق أكثر من ملياري يورو من الأموال الأوروبية لجلب الكهرباء من مسافة ألفي كيلومتر إلى قبرص، في إشارة إلى «مشروع الربط البحري العظيم» الذي يقوم على مد كابل كهربائي تحت مياه البحر المتوسط للربط بين اليونان وقبرص، ثم إسرائيل، والذي تشترط تركيا الحصول على إذنها لتنفيذه.

وقال فيدان: «إن إردوغان أكد لميتسوتاكيس أنه من الأفضل أن تشتروا الكهرباء من تركيا التي تبعد عنكم 70 ميلاً فقط، كما يمكننا تزويدكم بالماء والكهرباء والغاز الطبيعي».

معادلة جديدة

أما بالنسبة لإيطاليا فقد وضعت المصادقة على «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية، حكومتها أمام تداعيات سياسية واقتصادية وسط مخاوف من اتساع نفوذ تركيا في ليبيا، وتأثير ذلك على مصالحها في شرق المتوسط، ما دفع بعض الدوائر السياسية في روما إلى التساؤل «عما إذا كانت إيطاليا تسرعت في دعم المساعي الأميركية لتوحيد ليبيا على أساس تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي»، لافتة إلى أن هذا المسار «قد يعزز تقارب معسكر الشرق الليبي مع تركيا» التي تعد منافساً مباشراً لإيطاليا في البلاد، بعد أن عزز دعمها لخليفة حفتر، من نفوذ روسيا.

من لقاء فيدان مع نظيره الإيطالي أنطونيو تانياني على هامش اجتماع إسطنبول الأسبوع الماضي (الخارجية التركية)

وطرحت تركيا إمكانية التفاوض مع مصر وإيطاليا وليبيا، في ظل حديث عن سعيها لإيجاد معادلة جديدة في شرق المتوسط، قد تقضي، حال نجاحها، على النموذج الذي سعت اليونان وإسرائيل وقبرص لترسيخه.

الكاتب والمحلل السياسي التركي، أحمد أردي أوزتورك، لفت إلى أنه «رغم اعتراضات القاهرة المُستمرة، فإن اتصالاتها المُباشرة المُتواصلة مع تركيا وليبيا، تُشير إلى أن الخيارات الدبلوماسية لم تُستنفد بعد».

ولفت إلى أن المباحثات الهاتفية بين رئيس المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد، ورئيس «حكومة الوحدة» الليبية، عبد الحميد الدبيبة، السبت الماضي، والتي أكد فيها الأخير استعداده للتفاوض «بشأن مخاوف القاهرة المتعلقة بالولاية البحرية، ذات دلالة بالغة، كما ينبغي النظر في اقتراح وزير الخارجية فيدان إجراء محادثات بين تركيا ومصر وإيطاليا وليبيا، في هذا السياق».

وذهب أوزتورك إلى «أنه ليس هناك شيء مستبعد في سياق التطورات في شرق المتوسط، ولن يكون من المستغرب أن تغير اليونان وإسرائيل من توجهاتهما في مرحلة ما».