نجيب محفوظ... من الفن الروائي إلى العمود الصحافي

ترجمة إنجليزية لكتاباته غير القصصية عبر 5 سنوات

نجيب محفوظ... من الفن الروائي إلى العمود الصحافي
TT

نجيب محفوظ... من الفن الروائي إلى العمود الصحافي

نجيب محفوظ... من الفن الروائي إلى العمود الصحافي

الراصد لمسيرة نجيب محفوظ (1911 - 2006) في عالم الكتابة، يجد أنه في المرحلة الأخيرة من حياته الأدبية قد عزف عن كتابة الرواية الطويلة، وغدا أكثر ميلاً إلى التعبير المكثف والجملة القصيرة والومضة السريعة الخاطفة. تمثَّل هذا في «أصداء السيرة الذاتية»، و«أحلام فترة النقاهة»، وفي مئات الأعمدة الصحافية التي كان يكتبها أسبوعياً في جريدة «الأهرام»، وهي أعمدة قصيرة لا تتجاوز عادة ثلاثمائة كلمة يتناول فيها قضايا الساعة على الأصعدة المحلية والعربية والإقليمية والدولية، في ميادين الثقافة والسياسة والاقتصاد. وقد جمع شملها في عدة أجزاء صدرت عن «الدار المصرية اللبنانية للنشر» في عام 2015.
واليوم يتاح لقارئ اللغة الإنجليزية، في أي مكان، أن يقرأ هذه الأعمدة الصحافية مترجمة في كتاب عنوانه «بعد جائزة نوبل 1989 - 1994: كتابات نجيب محفوظ غير القصصية»، صادر عن دار نشر «جينكو Ginko» في لندن عام 2020، في 436 صفحة. نقل المقالات إلى الإنجليزية ر. نيل هويسون R. Neil Hewison أحد مديري التحرير في الجامعة الأميركية بالقاهرة، وقدم لها الدكتور رشيد العناني، أستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة إكستر البريطانية. هكذا اجتمع للكتاب أهم روائي عرفته اللغة العربية، ومترجم قدير تمتاز ترجمته بالدقة والأمانة (عكف هويسون على إنجاز الترجمة في أربعة أشهر قضاها في نيوزيلندا هرباً من حر القاهرة)، وناقد أدبي وأكاديمي متميز عكف سنوات طويلة على دراسة مختلف أعمال محفوظ دراسة معمقة.
يمكن تقسيم هذه الأعمدة الصحافية إلى ثلاث فئات: الفئة الأولى مقالات تتناول موضوعات عامة مثل الحرب والسلام، والشهرة، وهموم الشباب، والديمقراطية، والثقافة، والانتخابات، وصراع الخير والشر في حياة الأفراد والجماعات، وظاهرة العنف، وموقفنا من الحضارة الغربية، والإصلاح الاقتصادي، والسياحة والدين والسياسة، ومواجهة الإرهاب، والأدب العربي والعالمية، والعلاقة بين الكاتب والقارئ، والتجربة الحزبية، والنظام العالمي الجديد، والتغير المناخي.
والفئة الثانية أعمدة من وحي مناسبات بعينها؛ مثل ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 في مصر، وحرب السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وذكرى وفاة زعيميْ حزب الوفد سعد زغلول ومصطفى النحاس (تصادف أن تُوفيا في يوم واحد هو 23 أغسطس «آب»)، زغلول في 1927، والنحاس في 1965.
والفئة الثالثة مقالات عن شخصيات من عالم الأدب والفن والسياسة؛ مثل جورج بوش، ومحمد عبد الوهاب، وغوربا تشيف (من الشائق أن تقارن ما يقوله محفوظ عن هذا الأخير بما قاله أستاذ الفلسفة الراحل الدكتور فؤاد زكريا في كتابه المسمى «مقامرة التاريخ الكبرى: على ماذا يراهن جوربا تشيف؟»).
يضم الكتاب مقالات محفوظ عبر خمس سنوات؛ من يناير (كانون الثاني) 1989 إلى أكتوبر 1994؛ وهو الشهر الذي تعرّض فيه محفوظ لمحاولة اغتيال آثمة نجا منها بحياته بما يشبه المعجزة. وتنطق هذه المقالات - كما يقول هويسون - بخصال محفوظ الإنسانية واتساع رقعة اهتماماته وتعاطفه مع معاناة البشر وتواضعه وتفاؤله (رغم حسه المأسوي في رواياته)، وقدرته على توجيه الأنظار إلى ما كان خافياً عن الأعين. إن محفوظ يصدر عن ضمير اجتماعي حي ونظرة فلسفية عميقة، ويملك تلك الصفة النادرة بين كُتاب عصرنا: صفة الحكمة، كما وصفته روائية جنوب أفريقيا نادين غورديمر الحاصلة على جائزة «نوبل» للأدب في 1991 بعد ثلاث سنوات من حصول محفوظ على الجائزة في 1988.
وفي بعض الأحيان يبدو محفوظ - كما يقول رشيد العناني - أشبه بصوت صارخ في البرية، أو صاحب رؤيا يحذّر من الأخطار المحدقة بالأمة العربية.
وفضيلة الإيجاز من أكبر الفضائل التي تمتاز بها كتابة محفوظ هنا، فهو يضع الكلمة في موضعها، ويبرأ من الإطناب الإنشائي الفارغ، ومن ذلك الإسهال اللفظي الذي يعيب الكتابات السياسية والاجتماعية لأقرانه من مشاهير الكتاب: يوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس، وعبد الرحمن الشرقاوي، ويوسف إدريس، وغيرهم.
ومن الطبيعي في مقالات يكتبها أديب مثل محفوظ، أن تزخر كتاباته بإشارات إلى أعمال أدبية وفكرية سابقة، وأن تحمل أصداء من قراءاته. نجد هذا حتى في عناوين مقالاته؛ فمقالته المُعَنونة بـ«اعرف نفسك» تشير - في المأثورات الإغريقية القديمة - إلى العبارة التي وجدها الفيلسوف سقراط منقوشة في معبد دلفي، وكانت تمثل نصيحة أرباب الإغريق لبني البشر. ومقالتا «الحرب والسلام» تحملان عنوان رواية تولستوي الملحمية الكبرى «الحرب والسلام» (1863 - 1869). ومقالة «وصف مصر» تُذكرنا بالكتاب الذي وضعه علماء الحملة الفرنسية ممن صحبوا نابليون بونابرت في غزوته لمصر عام 1798. ومقالة «بحثاً عن الزمن المفقود» تحمل عنوان رواية الروائي الفرنسي مارسيل بروست، الصادرة في 1913 - 1927. ومقالة «سعد زغلول وعودة الروح» تردّنا إلى رواية توفيق الحكيم «عودة الروح» (1933). ومقالة «الخوف من الحرية» ترجّع صدى عنوان كتاب لعالم النفس الألماني المولد، الأميركي الجنسية إريك فروم، صدر عام 1941. ومقالة «رئيس لكل العصور» صدى لعنوان مسرحية الكاتب المسرحي الإنجليزي روبرت بولت «رجل لكل العصور»، وموضوعها المفكر الهيوماني الإنجليزي السير توماس مور؛ من القرن السادس عشر الذي مات شهيداً.
وأتوقف هنا وقفة قصيرة عند ثلاثة من هذه الأعمدة الصحافية يرثي فيها محفوظ أدباء راحلين. إنه يكتب في 1/9/1990 رثاء للناقد الأدبي الدكتور لويس عوض، تحت عنوان «رحيل الأستاذ»، فيصفه بأنه كرّس حياته كلها للعلم والثقافة، وأنه كان جاداً لا يعرف المزاح، وكان يلم أحياناً باجتماعات ما عُرف باسم شلة الحرافيش التي كانت تضم - إلى جانب محفوظ - الكاتب الساخر محمد عفيفي، والممثل السينمائي أحمد مظهر، والشاعر ورسام الكاريكاتير صلاح جاهين، والمخرج السينمائي توفيق صالح، وغيرهم. ولكن عوض قلّما كان يشارك أعضاء الشلة فكاهتهم ومرحهم، وظل طابع الأستاذ الجامعي والمحاضر الجاد غالباً عليه، وظل ثابتاً على مبادئه الجامعة بين الاشتراكية والليبرالية، ومتميزاً بالتزامه الأخلاقي الصارم في وجه ما عاناه من سجن وفصل من الجامعة وهجمات من أقصى اليمين.
وتحت عنوان «وداعاً يوسف إدريس» يكتب محفوظ في 8/8/1991 يرثي الرجل الذي دُعي «أمير القصة العربية القصيرة»، فيصفه بأنه كان ثورة في الفن وفي المجتمع، كان جسوراً يثير عواصف من الجدل والنقاش أينما حلّ، ويمضي في طريقه مندفعاً لا يأبه لأحد، وكان فناناً أصيلاً دمغ بميسمه المتميز كل الأجناس الأدبية التي عالجها، ما بين أقاصيص وروايات ومسرحيات ومقالات صحافية أثّرت في كُتاب جيله وفي الجيل الذي تلاه.
ولا أَدلّ من هذه الكلمات على سماحة محفوظ وخُلقه النبيل ورحابة صدره، فقد غفر لإدريس موقفه الصبياني حين فاز محفوظ بجائزة نوبل، فثار إدريس يقيم الدنيا ويُقعدها، وجأر بالشكوى قائلاً إنه كان أحقَّ بالجائزة من محفوظ، لكن محفوظ تعالى على هذا كله، وأبى أن يرد على إدريس، وإنما عامله كما يعامل الأب الحكيم ابناً موهوباً ولكنه طائش. وقد فاء إدريس فعلاً إلى رشده، وأقرّ فيما بعد بأن الجائزة قد ذهبت إلى من يستحقها.
ورثى محفوظ، الرائد القصصي الذي تُوفي في 9 ديسمبر 1992: يحيى حقي صاحب «قنديل أم هاشم»، وسجل محفوظ إعجابه بتلك الرواية القصيرة، وقال إنه حرص، منذ ذلك الحين، على قراءة كل ما يجري به قلم حقي، واصفاً إياه بأنه كان مدرسة قائمة برأسها في فن القصة القصيرة، ثم أتيح لنجيب محفوظ، وللكاتب المسرحي علي أحمد باكثير أن يعملا تحت رئاسة حقي حين كان هذا الأخير مديراً لمصلحة الفنون، ومن ثم أتيح له أن يتعرف على حقي الإنسان، كما تعرّف على حقي الفنان. لم تكن آراء الرجلين متفقة في بعض القضايا، ولكن محفوظ يشهد بأن حقي كان دائماً موضوعياً وعادلاً في أحكامه.
ومن هؤلاء الأدباء المصريين ينتقل محفوظ إلى أديب إسباني فاز بجائزة «نوبل» للأدب في 1989 هو الروائي كاميلو خوسيه سيلا. ويذكر محفوظ أن سيلا، المولود عام 1916 لأب إسباني، وأم إنجليزية، عاش حياة غنية بالتجارب خاض فيها غمار الجندية ومصارعة الثيران والتمثيل السينمائي. لقد درس الطب والفلسفة والقانون، ثم انقطع عن مواصلة الدراسة حين شبّت الحرب الأهلية الإسبانية، واتجه إلى كتابة الرواية والشعر والمسرح، ولمع نجمه بروايته المسماة «عائلة باسكال ديوراثي» التي تُرجمت إلى عشرين لغة (منها اللغة العربية بترجمة الدكتور حامد أبو أحمد في سلسلة «روايات الهلال»)، ويدعو محفوظ نقادنا وباحثينا إلى الكتابة عن هذا الأديب وتعريف الجمهور القارئ به ونقل أعماله إلى العربية.
وفي الختام أقول إن نقل هذه الأعمدة الصحافية إلى اللغة الإنجليزية على هذا النحو الدقيق المشرّف، إنجاز مهم؛ ذلك أنها - كما كتبت صحيفة «فينانشيال تايمز» البريطانية - تمكّننا من تتبع رحلة محفوظ الفكرية، وتطور اهتماماته، والوقوف على آرائه في الشأن العام، لكن هذا لا يمنعني - إحقاقاً للحق - من أن أقول إن محفوظ لم يكن كاتب مقالات مطبوعاً، ولم يكن نثره خارج نطاق الرواية والأقصوصة بمستوى نثره في ذلك النطاق. إن نثره غير القصصي يلوح أحياناً متخشباً مفتقراً إلى المرونة، ولا يخلو من جفاف، على النقيض من نثره القصصي البارع الذي يتلوّن بما يلائم رسم الشخصية والموقف والمقام. لقد كان محفوظ قاصاً من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وكل ما جرى به قلمه خارج نطاق القص إنما يأتي في المرتبة الثانية من الأهمية. هذه كتابات جديرة قطعاً بالترجمة والقراءة والدراسة، ولكنها ليست ما يكفل لمحفوظ الخلود.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


مقتل وإصابة أكثر من 70 مدنياً بهجوم مسيّرة في جنوب دارفور

سودانيون يعاينون حفرة سببتها مُسيَّرة استهدفت في وقت سابق مخيماً للنازحين بوسط دارفور (الأمم المتحدة)
سودانيون يعاينون حفرة سببتها مُسيَّرة استهدفت في وقت سابق مخيماً للنازحين بوسط دارفور (الأمم المتحدة)
TT

مقتل وإصابة أكثر من 70 مدنياً بهجوم مسيّرة في جنوب دارفور

سودانيون يعاينون حفرة سببتها مُسيَّرة استهدفت في وقت سابق مخيماً للنازحين بوسط دارفور (الأمم المتحدة)
سودانيون يعاينون حفرة سببتها مُسيَّرة استهدفت في وقت سابق مخيماً للنازحين بوسط دارفور (الأمم المتحدة)

قُتل 30 مدنياً وأُصيب 43 آخرون، الجمعة، في قصف بطائرة مسيّرة استهدف سوق المواشي في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، وفقاً لتحالف السودان التأسيسي (تأسيس)، الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، الذي اتهم الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم.

وقال الناطق باسم التحالف، أحمد تقد لسان، في بيان، إن القصف وقع أثناء ازدحام السوق بالمواطنين، وأسفر عن سقوط ضحايا بينهم نساء وأطفال، فضلاً عن تدمير محال تجارية وممتلكات، مشيراً إلى استمرار حصر الخسائر. وزعم البيان أن المسيّرة انطلقت من قاعدة شرق العوينات، وحمّل الجيش السوداني وداعميه مسؤولية الهجوم، الذي وصفه بأنه «جريمة حرب». وطالب بإجراء تحقيق مستقل وشفاف، ودعا إلى تحرك دولي لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين.

ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من حصيلة الضحايا أو ملابسات استهداف السوق أو موقع انطلاق المسيّرة. كما لم يتضمن البيان أدلة قابلة للتحقق تدعم اتهامه بشأن مصدر الهجوم والجهة المشغّلة للطائرة، ولم يصدر تعليق عن الجيش السوداني على هذه الاتهامات.

ويأتي الهجوم وسط تصاعد الخسائر المدنية جراء استخدام طرفَي الحرب المسيّرات. وقالت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، في إحاطة يوم 24 أغسطس (آب) الماضي، إن «مفوضية حقوق الإنسان» وثّقت مقتل نحو 1400 مدني خلال النصف الأول من العام الحالي، بينهم 1100 قُتلوا بضربات مسيّرات.

وكان المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، قد أعلن، في مايو (أيار)، توثيق مقتل ما لا يقل عن 880 مدنياً بضربات مسيّرات بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان). وسجّل مكتبه 28 هجوماً على الأقل استهدف أسواقاً، وأوقع ضحايا مدنيين، إضافة إلى استهداف منشآت صحية 12 مرة على الأقل.

ومن أبرز تلك الوقائع الهجوم على مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور، في 20 مارس (آذار)، الذي قالت الأمم المتحدة إنه أودى بحياة 60 شخصاً على الأقل، بينهم أطفال وعاملون صحيون. وأوردت بعثة تقصي الحقائق الأممية لاحقاً حصيلة لا تقل عن 70 قتيلاً، في ضربات نسبتها إلى الجيش.

وفي يوليو (تموز)، نقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن «شبكة أطباء السودان» مقتل 10 مدنيين، بينهم 5 نساء من أسرة واحدة، في هجوم بمسيّرة نُسب إلى «الدعم السريع»، واستهدف سيارة غرب أم درمان أثناء توجه ركابها إلى حفل زفاف.

وفي واقعة أحدث، نقلت الوكالة، في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول)، عن مجموعة «محامو الطوارئ» مقتل 41 شخصاً، بينهم 8 أطفال، في قصف بمسيّرة استهدف تجمعاً للنازحين في منطقة أبو شندي بالنيل الأزرق، قرب الحدود الإثيوبية. واتهمت المجموعة «الدعم السريع» بتنفيذه، فيما استنكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الهجوم المبلّغ عنه.

وحذّرت بعثة تقصي الحقائق الأممية، في سبتمبر (أيلول)، من أن الدعم الخارجي والتطور التقني للمسيّرات وسّعا قدرة طرفَي الحرب على استهداف مناطق بعيدة عن خطوط القتال. ووثّقت هجمات طالت مستشفيات ومدارس وأسواقاً ومواقع نزوح، معتبرة أن بعض الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب.


النساء والذكاء الاصطناعي يقودان التشكيل الحكومي الجديد بالمغرب

صورة العاهل المغربي الملك محمد السادس بمعية الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري (وكالة المغرب العربي للأنباء)
صورة العاهل المغربي الملك محمد السادس بمعية الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري (وكالة المغرب العربي للأنباء)
TT

النساء والذكاء الاصطناعي يقودان التشكيل الحكومي الجديد بالمغرب

صورة العاهل المغربي الملك محمد السادس بمعية الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري (وكالة المغرب العربي للأنباء)
صورة العاهل المغربي الملك محمد السادس بمعية الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري (وكالة المغرب العربي للأنباء)

شهد القصر الملكي بالرباط، اليوم (الجمعة)، حدثاً سياسياً بارزاً يعيد رسم ملامح المشهد التنفيذي في المملكة المغربية؛ إذ ترأس الملك محمد السادس مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة.

ويأتي هذا التشكيل الحكومي الذي يضم 4 أحزاب سياسية، والذي يتزامن مع مستهل ولاية تشريعية جديدة، ليعكس التوجهات الرسمية الرامية إلى تسريع وتيرة العمل الميداني على المستوى الترابي، ومواجهة الملفات الاقتصادية والاجتماعية الملحّة بروح ترتكز على الكفاءة والنجاعة العمومية.

وقد تميزت هذه المحطة السياسية بإسناد رئاسة الفريق الحكومي إلى فاطمة الزهراء المنصوري، في خطوة تؤسس لمرحلة جديدة من التدبير السياسي داخل المرفق العمومي المغربي.

الاستقبال الملكي وتأدية القسم بالقصر الملكي

أدى الوزراء الجدد القسم بين يدي العاهل المغربي، معلنين بذلك التدشين الرسمي والفعلي لممارسة مهامهم التنفيذية، وإعطاء إشارة الانطلاق لمرحلة متجددة من الانتقال المؤسساتي، وهو المسار التنموي الذي يترقبه الشارع المغربي بكثير من الاهتمام، متطلعاً إلى التماس انعكاساته الإيجابية على معيشته اليومية، ورؤية الأثر الميداني المباشر لهذه الدينامية الحكومية الجديدة في تطوير الخدمات العامة، ودعم مسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها المملكة.

القيادة النسائية والحضور الاستراتيجي للمرأة في التشكيل الجديد

يمثل الهيكل الحكومي الجديد إشارة قوية نحو تعزيز مكانة الكفاءات النسائية في مراكز صنع القرار الاستراتيجي بالمملكة؛ إذ سجل التشكيل حضوراً لافتاً للمرأة بوجود 6 وزيرات يتولين قطاعات حيوية ومفصلية. وفي مقدمة هذا الحضور، تأتي فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة والمشرفة على تنسيق السياسات العامة، تليها شرفات أفيلال التي أُسندت إليها حقيبة وزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة المعنية بملفات السيادة الطاقية، ونجوى كوكوس وزيرة للأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة.

ويمتد التمثيل النسائي ليشمل المناصب الانتدابية المهمة، متمثلاً في قلوب فيطح المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، وماديحة خيير في قطاع التكوين المهني، وفاطمة السعدي المكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، إلى جانب عائشة كلاع التي تولت مهمة إصلاح الإدارة وعصرنة المرفق العام.

موازنة الحقائب السيادية وإدماج التكنولوجيا الحديثة

حافظ التشكيل الوزاري الجديد على استقرار المحاور السيادية والأمنية للمملكة المغربية لضمان استمرارية التوجهات الاستراتيجية للدولة، إذ جدّد العاهل المغربي ثقته في عبد الوافي لفتيت وزيراً للداخلية، وناصر بوريطة وزيراً للشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وإلى جانبهما استمر أحمد التوفيق في منصبه وزيراً للأوقاف والشؤون الإسلامية.

كما تجسد هذا الاستقرار في تجديد الثقة في عدد من الوزراء الذين حافظوا على حضورهم في الحقائب الحيوية؛ إذ بقي عبد اللطيف وهبي وزيراً للعدل، ومحمد المهدي بن سعيد وزيراً للشباب والثقافة والرياضة، بالإضافة إلى تعيين فوزي لقجع وزيراً للاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية.

ويعكس هذا التعيين رغبة واضحة في الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية الكبرى للمملكة، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية في مجالات التمويل، وإدارة الميزانية، ورفع كفاءة الإنفاق العام.

ويأتي وضع لقجع على رأس الهرم المالي كخطوة تهدف إلى ضمان الاستقرار المالي والاستثماري، لا سيما في ظل الالتزامات الدولية الكبرى المقبلة للمغرب ومشاريع التنمية المستدامة الجاري تنفيذها على المستوى الترابي. وفي إطار الاستجابة لمتطلبات العصر وتحديث البنية الاقتصادية والإدارية، استحدثت الحكومة قطاعات مواكبة للمستجدات الدولية، تجسدت في تعيين أحمد رحو وزيراً للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، مما يوضح رغبة الرباط في دمج التكنولوجيا المتقدمة كركيزة أساسية لتطوير الاقتصاد الصاعد، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.


مناوشات دبلوماسية جديدة بين إريتريا وإثيوبيا بعد أزمة «الطرد»

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (أ.ف.ب)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (أ.ف.ب)
TT

مناوشات دبلوماسية جديدة بين إريتريا وإثيوبيا بعد أزمة «الطرد»

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (أ.ف.ب)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (أ.ف.ب)

توتر دبلوماسي جديد كشفت عنه أسمرة بعد رسالة وجهتها لمفوضية الاتحاد الأفريقي، بشأن طلب استعادة تمثيلها في مقر الاتحاد بأديس أبابا بعد طرد ممثلها من جانب إثيوبيا، مع التصعيد الذي بدأ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) بقطع علاقات البلدين.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، دافع برلماني إثيوبي عن «حق بلاده في ذلك مع تدخل إريتريا في شؤون بلاده»، مقابل تقديرات خبير في الشؤون الأفريقية، تذهب إلى «تعمد أديس أبابا لتلك الخطوة المخالفة للوائح الأفريقية للحفاظ على سرديتها فقط وتغييب وجهة نظر أسمرة».

ونشرت وزارة الخارجية الإريترية عبر موقعها الإلكتروني، الخميس، رسالة قالت إنها أرسلتها لمفوضية الاتحاد الأفريقي للمطالبة بـ«استعادة تمثيل إريتريا في مقره بأديس أبابا»، مؤكدة أنها «حرمت من حقوق عضويتها بما في ذلك التمثيل والمشاركة بالاتحاد».

وأوضحت أنه في الأول من أكتوبر الماضي، أعلنت حكومة إثيوبيا اعتبار 10 دبلوماسيين إريتريين مقيمين في سفارة إريتريا بأديس أبابا وبعثتها الدائمة لدى الاتحاد الأفريقي أشخاصاً غير مرغوب فيهم.

وأضافت: «بطرد الممثل الدائم وكامل الطاقم الدبلوماسي المكلف بالمشاركة في الاتحاد الأفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، تكون الحكومة الإثيوبية قد حرمت دولة إريتريا فعلياً من حقوقها الأساسية كدولة عضو في أن تمثَّل في الاتحاد الأفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا والمشاركة في أنشطتهما».

وشددت على أن «الاتحاد الأفريقي منظمة حكومية دولية تأسست على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء بموجب القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي». وبناءً على ذلك، «لا يمكن تقليص حقوق العضوية القانونية لإريتريا في الاتحاد الأفريقي أو المساس بها وفق أهواء دولة عضو أخرى».

وسبق هذا الإجراء من جانب الحكومة الإثيوبية، قيامها بإغلاق سفارتها في أسمرة في أغسطس (آب) 2026، وهو إغلاق غير معلن عنه حتى ذلك الحين، حسب الرسالة.

وحسب البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد، فإن «تمثيل إريتريا يعد مطلباً طبيعياً وعادياً، إلا أن التدخلات في دول الجوار وتجاوز الحدود الإثيوبية بمسافات تتراوح ما بين 50 و60 كيلومتراً يُعدّان أمرين مرفوضين وفقاً للأعراف الدولية ولوائح الاتحاد الأفريقي والقانون الدولي».

وشدد على أن «الأزمة تعود جذورها إلى منبعها الأساسي ومن بدأ بالحرب وتجاوز سيادة دول الجوار وتخطى القانون الدولي، وثبوت تجاوز إريتريا للحدود الإثيوبية على مرأى ومسمع من العالم أجمع».

منظر عام لمقر الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا في 15 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

وعن موقف أديس أبابا من طلب أسمرة، أضاف أحمد أن «إثيوبيا تتبنى دائماً وأبداً خيار الطرق السلمية، والحوار، والجلوس إلى الطاولة لحل الخلافات عبر الدبلوماسية، مع إعطاء الأولوية للاتحاد الأفريقي باعتباره الجهة المعنية الأولى بحل مشكلات القارة الأفريقية داخل البيت الأفريقي دون تدخلات خارجية مثل الأمم المتحدة». كما شدد على أنه «إذا كانت أسمرة جادة في مساعي السلام، فعليها مراجعة مواقفها، والاعتراف بالخطأ».

ونفت أسمرة التدخل في الصراع الداخلي بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية و«جبهة تحرير تيغراي» منذ اندلاعه في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، وتراجعه الأيام الأخيرة مع دخول قوات حكومية لإقليم تيغراي، والإعلان، الجمعة، عن إدارة تابعة للحكومة لإدارته.

في المقابل، يقول الخبير في الشؤون الأفريقية رمضان قرني إن «هناك تعمداً إثيوبياً واضحاً في معاقبة إريتريا أو منعها من حقها في التمثيل الدبلوماسي لدعم سرديتها الإثيوبية وخطابها»، ويؤكد أن «هناك مخالفة واضحة بدرجة كبيرة لمجموعة من الاتفاقيات الدولية والاتفاقيات الخاصة بمنظمة الاتحاد الأفريقي واتفاقية مقر المنظمة الخاصة بالاتحاد الأفريقي».

ويضيف: «يمكن قراءة المطالبة الإريترية بتمكينها من التمثيل في أروقة مفوضية الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا في إطار سياق أعم وأشمل، وهو الخلاف الإثيوبي - الإريتري»، ويشير إلى أنه «ربما القضية هنا لم تصبح خلافاً سياسياً ولا مناوشة دبلوماسية أو تبادل طرد الدبلوماسيين، إنما أصبحت أقرب إلى الصراع».

ويلفت قرني إلى أن هذا يأتي «بالنظر إلى مجموعة من المعطيات على أرض الواقع تتعلق باتهام إثيوبيا لإريتريا رسمياً بالضلوع في حرب تيغراي، وشروع إثيوبيا في التحرك عسكرياً باتجاه منطقة حدودية فاصلة بينها وبين إريتريا من جانب إقليم تيغراي تحددها بعض التقارير بنحو 30 كم على أقصى تقدير».

كما يضيف أن «هذا الخلاف أو هذه المناوشات، أو بالأحرى هذا الصراع القائم بطبيعة الحال، من الواضح أنه لا يوجد أفق سياسي في اللحظة الراهنة أو دبلوماسي لإنهائه، ولا توجد حتى هذه اللحظة مبادرات دبلوماسية سواء من قبل الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة... وحتى القوى الدولية الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اكتفت بتوجيه رسائل للطرفين الإريتري والإثيوبي بالالتزام بضبط النفس وعدم التصعيد».

ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000، وشهدت العلاقات بين البلدين تحسناً لفترة وجيزة بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة في 2018، لكنها تدهورت مجدداً، وصولاً إلى قطع العلاقات بالكامل هذا الشهر بسبب النزاع في تيغراي.