إدارة بايدن تلقي باللوم على ترمب في «الانسحاب الفوضوي» من أفغانستان

غضب جمهوري واسع بالكونغرس واستدعاء جديد لمسؤولي الدفاع والخارجية

جانب من الانسحاب الأميركي الفوضوي من مطار حميد كرزاي في العاصمة كابل أغسطس 2021 (د.ب.أ)
جانب من الانسحاب الأميركي الفوضوي من مطار حميد كرزاي في العاصمة كابل أغسطس 2021 (د.ب.أ)
TT

إدارة بايدن تلقي باللوم على ترمب في «الانسحاب الفوضوي» من أفغانستان

جانب من الانسحاب الأميركي الفوضوي من مطار حميد كرزاي في العاصمة كابل أغسطس 2021 (د.ب.أ)
جانب من الانسحاب الأميركي الفوضوي من مطار حميد كرزاي في العاصمة كابل أغسطس 2021 (د.ب.أ)

ألقت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن باللوم في الانسحاب الأميركي الفوضوي من أفغانستان في أغسطس (آب) 2021 على سلفه دونالد ترمب، ونفت أي مسؤولية عن سوء تخطيط أو إخفاق في خطط الانسحاب من أفغانستان، ورفضت الاعتراف بارتكاب أي أخطاء؛ مما آثار الكثير من الانتقادات والجدل، وردود فعل غاضبة من المشرعين الجمهوريين الذين طالبوا بالوثائق للتحقيق في أسباب الانسحاب الذي أنهى أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة.
وأعلن الجمهوريون في مجلس النواب عقد جلسة استماع ثانية يوم 19 أبريل (نيسان) الحالي، واستدعاء مسؤولين من وزراتي الدفاع والخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية؛ لمناقشة تقرير إدارة بايدن الذي تم تسليمه للكونغرس.
وقد أصدر مجلس الأمن القومي الخميس ملخصاً من 12 صفحة لتقييم الانسحاب الأميركي الذي شهد أعمال عنف أثناء الإجلاء في المطار الدولي في العاصمة كابول، وعملية انتحارية نفذها تنظيم «داعش»؛ مما أسفر عن مقتل 13 جندياً أميركياً و170 مدنياً.
واعترفت إدارة بايدن في المراجعة والتقييم - الذي استغرق إعداده عامين - بأن الولايات المتحدة كان ينبغي أن تبدأ عمليات الإخلاء في وقت سابق، لكن مسؤولي البيت الأبيض دافعوا عن قرار الانسحاب، وجادلوا بأن إدارة بايدن كانت مقيدة بما اتفقت عليه إدارة ترمب مع حركة «طالبان» بالانسحاب في مايو (أيار) 2021 وتقليص حجم القوات في أفغانستان.
وقدمت إدارة بايدن تقريراً سرياً كاملاً إلى مجلسي الشيوخ والنواب، ألقت فيه باللوم على إدارة ترمب، وأكدت فيه أن إدارة بايدن قامت بكل ما في وسعها بعد تأكيد الحكومة الأفغانية بقدرتها على الدفاع عن البلاد.
وجاء التقرير بعد ضغوط من المشرعين الجمهوريين واستدعاء كلٍ من وزير الخارجية أنتوني بلينكن ووزير الدفاع لويد أوستن للشهادة الشهر الماضي حول الانسحاب الأميركي وفحص عملية اتخاذ القرار وكيفية تنفيذه. وقد أثار الجمهوريون تساؤلات حول قيادة إدارة بايدن ونوعية المعلومات الاستخباراتية الأميركية وأسباب إخفاقها، إضافة إلى التساؤلات حول التزام أميركا بحقوق الإنسان وآلاف الأفغان الذين اعتمدت عليهم وأنفقت مليارات الدولارات لتدريبهم.
- دفاع البيت الأبيض
وفي إفادة صحافية مساء الخميس، دافع جون كيربي، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، بقوة - لأكثر من ساعة - عن موقف إدارة بايدن، مشدداً على أن الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترمب بدءاً من الاتفاق مع حركة «طالبان» لسحب القوات الأميركية بحلول ربيع 2023 والخفض السريع للقوات الأميركية، والفشل في التواصل لمشاركة المعلومات الانتقالية بين فريق ترمب وفريق الرئيس بايدن أثناء الفترة الانتقالية، ترك الرئيس بايدن بخيارات محدودة للغاية.
وقال كيربي، إن قرار بايدن إنهاء الحرب كان القرار الصائب، وفي حين كان الرئيس يريد إنهاء تلك الحرب، فلا يمكن إنكار أن القرارات التي اتخذت وعدم التخطيط الذي قامت به الإدارة السابقة، قلص إلى حد كبير من الخيارات المتاحة لنا، وقد ورث بايدن صفقة أبرمت بين الإدارة السابقة و«طالبان» نصت على الانسحاب الكامل للقوات الأميركية في مايو 2021 وإلا ستعاود «طالبان» الحرب ضد الولايات المتحدة.
وأضاف كيربي، أن بايدن كان أمامه اختيار صعب، إما سحب كل القوات، أو استئناف قتال «طالبان»، واختار الأول، وقاد عملية مدروسة وصارمة لتمديد الانسحاب حتى أغسطس، وأمر بخطط لخفض القوات وخطط لتسليم القواعد والمعدلات إلى الحكومة الأفغانية والاستعداد لأسوأ السيناريوهات.
وأشار كيربي، إلى أن الوكالات الأميركية لم تتوقع استيلاء «طالبان» على السلطة بهذه السرعة، ولم تتوقع فرار الرئيس غني السريع، ولم تتوقع فشل أكثر من 300 ألف من قوات الدفاع الوطني الأفغاني في الدفاع عن بلادهم. وأوضح، أن الدروس المستفادة في أفغانستان ساعدت إدارة بايدن لتخطيط السيناريوهات في أوكرانيا.
وتوالت الانتقادات من كل صوب من الجمهوريين، حيث هاجم الرئيس السابق دونالد ترمب تقييم البيت الأبيض ووصفه بالمضلل، وقال في حسابه على «تروث سوشيال»: «إدارة الرئيس جو بايدن هي المسؤولة الوحيدة عن فشل الانسحاب الأميركي من أفغانستان».
وقال ترمب «هؤلاء المغفلون في البيت الأبيض الذي يدمرون بلدنا بشكل ممنهج بقيادة جو بايدن، لديهم لعبة مضللة جديدة يلعبونها ويلومون ترمب على خضوعهم الجبان في أفغانستان بشكل كارثي»، وشدد ترمب على أن بايدن هو المسؤول الوحيد ولا أحد آخر.
من جانبه، اتهم النائب الجمهوري مايكل ماكول، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، إدارة بايدن بمحاولات تبييض وجهها وإخفاء فشلها في أفغانستان، وكتب عبر «تويتر» قائلاً «هذا التقرير هو تبييض وقح من جانب هذه الإدارة بعد فشلها في أفغانستان، وهو أمر مخزٍ وظالم، وإهانة قاطعة». ووصف ماكول تصريحات كيربي بأنها «مشينة ومهينة»، وقال في بيان، إن الرئيس بايدن اتخذ قرار الانسحاب وحدد التاريخ، وهو المسؤول عن الإخفاقات الهائلة في التخطيط والتنفيذ.
وقد انخرط ماكول مع عدد من الجمهوريين والديمقراطيون في نقاشات حول من يتحمل المسؤولية عن الانسحاب الفوضوي من أفغانستان، وأرسل مذكرة استدعاء إلى وزيري الخارجية والدفاع في مارس (آذار) الماضي.
وقال النائب الجمهوري جيمس كومر في بيان «إن الشعب الأميركي يطالب بإجابات حول الانسحاب الكارثي لإدارة بايدن من أفغانستان، لكن كل ما يحصلون عليه هو أعذار من هذه الإدارة». وأضاف «الرئيس بايدن وإدارته ارتكبوا العديد من الأخطاء الفادحة أثناء الانسحاب؛ مما أدى إلى مقتل 13 جندياً أميركياً، وإدارة بايدن مسؤولة عن ترك الأميركيين عالقين، وعن السماح بوقوع المعدات العسكرية الأميركية في أيدي (طالبان)».
وقال السيناتور ريك سكوت الجمهوري عن ولاية فلوريدا في تغريدة «فقدت الأرواح، وتركت المعدات العسكرية، والمسار الوحيد للمحاسبة تم دفعه في تقرير صدر بعد أكثر من عام، إنه أمر سخيف، لماذا أناضل من أجل تشكيل لجنة للتحقيق». وكان السيناتور سكوت قد قدم مشروع قانون في وقت سابق لإنشاء لجنة مشتركة لإجراء تحقيق كامل من الانسحاب من أفغانستان.
وانتقد مايك بومبيو، وزير الخارجية السابق في إدارة الرئيس ترمب، محاولة إدارة بايدن التملص من المسؤولية، وإلقائها على إدارة ترمب وكتب في تغريدة عبر «تويتر»: «لقد حدث الانهيار في أفغانستان في ظل إشراف إدارة بايدن؛ لأنه رفض الالتزام لنهجنا القائم على الشروط، وبدلاً من تحمّل المسؤولية يحاول التملص من المسؤولية بتقرير غير نزيه». وقد جعل اتفاق الدوحة الموقّع في فبراير (شباط) 2020 انسحاب القوات الأميركية بحلول الأول من مايو مشروطاً بوفاء «طالبان» بالتزامات معينة، ونص الجدول الزمني للانسحاب على أنه مرتبط ومتزامن مع التزام «طالبان» بمنع استخدام أراضي أفغانستان من قِبل أي جماعة ضد أمن الولايات المتحدة، ودعت الاتفاقية إلى وقف إطلاق نار دائم وشامل يتم التفاوض بشأنه. ويقول المحللون، إنه ليس من الواضح الإجراء الذي سيتخذه الكونغرس رداً على هذا التقرير، ولا يوجد توقعات لتوبيخ أي مسؤول أو فصله من العمل بناء على هذا التقرير.


مقالات ذات صلة

غوتيريش: أفغانستان أكبر مأساة إنسانية في العالم

العالم غوتيريش: أفغانستان أكبر مأساة إنسانية في العالم

غوتيريش: أفغانستان أكبر مأساة إنسانية في العالم

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، أن الوضع في أفغانستان هو أكبر كارثة إنسانية في العالم اليوم، مؤكداً أن المنظمة الدولية ستبقى في أفغانستان لتقديم المساعدة لملايين الأفغان الذين في أمّس الحاجة إليها رغم القيود التي تفرضها «طالبان» على عمل النساء في المنظمة الدولية، محذراً في الوقت نفسه من أن التمويل ينضب. وكان غوتيريش بدأ أمس يوماً ثانياً من المحادثات مع مبعوثين دوليين حول كيفية التعامل مع سلطات «طالبان» التي حذّرت من استبعادها عن اجتماع قد يأتي بـ«نتائج عكسيّة». ودعا غوتيريش إلى المحادثات التي تستمرّ يومين، في وقت تجري الأمم المتحدة عملية مراجعة لأدائها في أفغانستان م

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
العالم «طالبان» ترفض الادعاء الروسي بأن أفغانستان تشكل تهديداً أمنياً

«طالبان» ترفض الادعاء الروسي بأن أفغانستان تشكل تهديداً أمنياً

رفضت حركة «طالبان»، الأحد، تصريحات وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الذي زعم أن جماعات مسلحة في أفغانستان تهدد الأمن الإقليمي. وقال شويغو خلال اجتماع وزراء دفاع منظمة شنغهاي للتعاون يوم الجمعة في نيودلهي: «تشكل الجماعات المسلحة من أفغانستان تهديداً كبيراً لأمن دول آسيا الوسطى». وذكر ذبيح الله مجاهد كبير المتحدثين باسم «طالبان» في بيان أن بعض الهجمات الأخيرة في أفغانستان نفذها مواطنون من دول أخرى في المنطقة». وجاء في البيان: «من المهم أن تفي الحكومات المعنية بمسؤولياتها». ومنذ عودة «طالبان» إلى السلطة، نفذت هجمات صاروخية عدة من الأراضي الأفغانية استهدفت طاجيكستان وأوزبكستان.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم جهود في الكونغرس لتمديد إقامة أفغانيات حاربن مع الجيش الأميركي

جهود في الكونغرس لتمديد إقامة أفغانيات حاربن مع الجيش الأميركي

قبل أن تتغير بلادها وحياتها بصورة مفاجئة في عام 2021، كانت مهناز أكبري قائدة بارزة في «الوحدة التكتيكية النسائية» بالجيش الوطني الأفغاني، وهي فرقة نسائية رافقت قوات العمليات الخاصة النخبوية الأميركية في أثناء تنفيذها مهام جبلية جريئة، ومطاردة مقاتلي «داعش»، وتحرير الأسرى من سجون «طالبان». نفذت أكبري (37 عاماً) وجنودها تلك المهام رغم مخاطر شخصية هائلة؛ فقد أصيبت امرأة برصاصة في عنقها، وعانت من كسر في الجمجمة. فيما قُتلت أخرى قبل وقت قصير من سقوط كابل.

العالم أفغانيات يتظاهرن ضد اعتراف دولي محتمل بـ«طالبان»

أفغانيات يتظاهرن ضد اعتراف دولي محتمل بـ«طالبان»

تظاهرت أكثر من عشرين امرأة لفترة وجيزة في كابل، أمس، احتجاجاً على اعتراف دولي محتمل بحكومة «طالبان»، وذلك قبل يومين من اجتماع للأمم المتحدة، وفق وكالة الصحافة الفرنسية. وسارت نحو 25 امرأة أفغانية في أحد شوارع كابل لمدة عشر دقائق، وردّدن «الاعتراف بـ(طالبان) انتهاك لحقوق المرأة!»، و«الأمم المتحدة تنتهك الحقوق الدولية!».

«الشرق الأوسط» (كابل)
العالم مظاهرة لأفغانيات احتجاجاً على اعتراف دولي محتمل بـ«طالبان»

مظاهرة لأفغانيات احتجاجاً على اعتراف دولي محتمل بـ«طالبان»

تظاهرت أكثر من 20 امرأة لفترة وجيزة في كابل، السبت، احتجاجاً على اعتراف دولي محتمل بحكومة «طالبان»، وذلك قبل يومين من اجتماع للأمم المتحدة. وسارت حوالي 25 امرأة أفغانية في أحد شوارع كابل لمدة عشر دقائق، ورددن «الاعتراف بطالبان انتهاك لحقوق المرأة!» و«الأمم المتحدة تنتهك الحقوق الدولية!». وتنظم الأمم المتحدة اجتماعاً دولياً حول أفغانستان يومَي 1 و2 مايو (أيار) في الدوحة من أجل «توضيح التوقّعات» في عدد من الملفات. وأشارت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد، خلال اجتماع في جامعة برينستون 17 أبريل (نيسان)، إلى احتمال إجراء مناقشات واتخاذ «خطوات صغيرة» نحو «اعتراف مبدئي» محتمل بـ«طالبان» عب

«الشرق الأوسط» (كابل)

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.


الرئيس الإسرائيلي يزور موقع إطلاق النار في بونداي بأستراليا

هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يزور موقع إطلاق النار في بونداي بأستراليا

هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)
هرتسوغ متحدثا بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي (رويترز)

قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الاثنين إن اليهود «سيتغلبون على هذا الشر» بينما كان يقدم تعازيه لضحايا عملية إطلاق النار التي أودت بحياة 15 شخصا كانوا يحتفلون بعيد يهودي على شاطئ بونداي في سيدني.

وصرّح هرتسوغ بعدما وضع إكليلا من الزهور خارج جناح بونداي «ستبقى الروابط بين الناس الجيّدين من كل الأديان وكل الأمم قوية في مواجهة الإرهاب والعنف والكراهية».

من جهة ثانية، يعتزم متظاهرون مؤيدون للفلسطينيين التجمع في سيدني للاحتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي، بعد أن وصفت السلطات زيارته بالحدث المهم ونشرت آلافا من رجال الشرطة للسيطرة على الحشود. وحثت الشرطة المتظاهرين على التجمع في حديقة بوسط سيدني لأسباب تتعلق بالسلامة العامة، لكن منظمي الاحتجاج قالوا إنهم يعتزمون التجمع عند مبنى البلدية التاريخي في المدينة بدلا من ذلك.

ومنحت السلطات الشرطة صلاحيات نادرا ما يتم اللجوء إليها خلال الزيارة، بما في ذلك القدرة على تفريق الحشود ونقلها وتقييد دخولها إلى مناطق معينة وتوجيه الناس للمغادرة وتفتيش المركبات.

وقال بيتر ماكينا مساعد مفوض شرطة نيو ساوث ويلز لقناة ناين نيوز «نأمل ألا نضطر إلى استخدام أي من هذه الصلاحيات، لأننا على تواصل وثيق مع منظمي الاحتجاج». وأضاف « نريد بوجه عام الحفاظ على سلامة جميع أفراد المجتمع... سنكون موجودين بأعداد كبيرة فقط لضمان سلامة المجتمع». وسيتم نشر حوالي 3000 شرطي في جميع أنحاء سيدني، أكبر مدينة في أستراليا.

يزور هرتسوغ أستراليا تلبية لدعوة من رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في أعقاب حادث إطلاق النار الدامي في شاطئ بونداي.

ولاقت زيارة هرتسوغ معارضة من الجماعات المؤيدة للفلسطينيين، حيث جرى التخطيط لتنظيم احتجاجات في المدن الكبرى في جميع أنحاء أستراليا، كما رفعت مجموعة العمل الفلسطينية دعوى قضائية في محكمة سيدني ضد القيود المفروضة على الاحتجاجات المتوقعة.

وقالت مجموعة العمل الفلسطينية في بيان «سيكون يوما للاحتجاج الوطني للمطالبة باعتقال إسحق هرتسوغ والتحقيق معه بعد أن خلصت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة إلى أنه حرض على الإبادة الجماعية في غزة».

وأصدر المجلس اليهودي الأسترالي، وهو من أشد منتقدي الحكومة الإسرائيلية، اليوم الاثنين رسالة مفتوحة وقعها أكثر من ألف من الأكاديميين والشخصيات المجتمعية البارزة من يهود أستراليا حثوا فيها ألبانيزي على إلغاء دعوة هرتسوغ.