موسكو ومينسك لتعزيز التحالف في مواجهة «العدوان الغربي»

عقيدة أمنية موحدة ونظام دفاعي مشترك... وتحكم روسي بالأسلحة النووية

اتفق بوتين ولوكاشينكو على إطلاق مرحلة جديدة من التعاون (إ.ب.أ)
اتفق بوتين ولوكاشينكو على إطلاق مرحلة جديدة من التعاون (إ.ب.أ)
TT

موسكو ومينسك لتعزيز التحالف في مواجهة «العدوان الغربي»

اتفق بوتين ولوكاشينكو على إطلاق مرحلة جديدة من التعاون (إ.ب.أ)
اتفق بوتين ولوكاشينكو على إطلاق مرحلة جديدة من التعاون (إ.ب.أ)

سارت موسكو ومينسك خطوات لتعزيز التحالف في إطار «دولة الاتحاد» بين البلدين الجارين، واتفق الرئيسان فلاديمير بوتين وألكسندر لوكاشينكو خلال قمة هدفت إلى إطلاق مرحلة جديدة من التعاون الوثيق على وضع خريطة طريق كاملة لتوحيد مفاهيم الأمن الاستراتيجي وإرساء أسس نظام دفاعي موحد على طول خطوط المواجهة مع حلف شمال الأطلسي.
وعقد الرئيسان جلسة مباحثات مطولة في الكرملين الخميس، شارك في الشق الموسع منها وفدا البلدين، في إطار «المجلس الأعلى لدولة الاتحاد» وهو الهيكلية التي تنظم آليات دمج المؤسسات في البلدين في إطار استراتيجية موحدة.
وأعلن بوتين أن روسيا وبيلاروسيا سوف تزيدان من التعاون في مجال الدفاع والأمن. وزاد «روسيا وبيلاروسيا تبنيان وتواصلان، كما نلاحظ اليوم، تفاعلهما في مجال الدفاع والأمن، وتوسيع التعاون في المجال العسكري التقني، وهذا بالتأكيد يلبي المصالح الأساسية لبلدينا وشعبينا». ولاحظ أن «هذا المسار مهم حقا؛ نظرا للوضع الدولي الصعب اليوم».
بدوره أشار الرئيس البيلاروسي إلى أن الجانبين «أنجزا بالفعل إنشاء نظام دفاعي فعال لدولة الاتحاد، تعمل فيه بنجاح مجموعة إقليمية من القوات ونظام دفاع جوي موحد». ولفت إلى أن بلاده «أدركت أن الغرب ليسوا أصدقاء، لهذا سوف تعزز تعاونها الأمن والعسكري والتقني مع روسيا كما كان الأمر أثناء حقبة الاتحاد السوفياتي».
وزاد لوكاشينكو أن «المؤشرات تؤكد على تفوق دولة الاتحاد بين روسيا وبيلاروسيا على كثير من الدول المتحالفة»، وشدد على أن سهولة انتقال المواطنين ورؤوس الأموال وأوساط الأعمال تساهم في تعزيز دولة الاتحاد.
كذلك تطرق لوكاشينكو إلى الإنجازات الصناعية لدولة الاتحاد، وقال إن لدى الجانبين 8 آلاف مصنع مشترك تضم مئات الآلاف من العمال، وتوفر فرص عمل هائلة، وأشار إلى تعزيز حدود الدولتين، ما يسمح بمكافحة الإرهاب ووقف تهريب المخدرات والبضائع عبر حدود دولة الاتحاد.
وأعلن بوتين خلال الاجتماع أن موسكو ومينسك تعملان على إعداد «عقيدة أمنية مشتركة» لدولة الاتحاد لمواجهة التوتر المتزايد في العالم. وزاد أن «مسألة البدء في إعداد عقيدة أمن دولة الاتحاد أمر بالغ الأهمية. وتهدف هذه الوثيقة إلى صياغة المهام الأساسية للتفاعل في ضوء التوتر المتزايد على الحدود الخارجية لدولنا والعقوبات والحرب الإعلامية». وكشف سكرتير مجلس الأمن في بيلاروسيا ألكسندر فولفوفيتش أنه من المقرر إقرار المفهوم الجديد بصيغته النهائية العام المقبل.
وفي ملف نشر الأسلحة النووية، أعلن الرئيس البيلاروسي أنه قد يوافق على مقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي طرحه خلال زيارته للصين بشأن «عدم السماح لأي دولة بنشر أسلحة نووية خارج أراضيها»، لكنه اشترط لذلك قيام واشنطن بسحب أسلحتها النووية من البلدان التي تنشرها فيها. كما ذكر لوكاشينكو أن الغرب، بعد أن فشل في حربه الاقتصادية ضد روسيا وبيلاروسيا، فشل أيضا في حصار دولة الاتحاد لأنها تتمتع بالاكتفاء الذاتي: «لهذا يصعد ضدها بالوسائل العسكرية من خلال حشد القوات والمرافق التابعة لحلف (الناتو)».
وطرح لوكاشينكو مبادرة لإنشاء شركات إعلامية قابضة خاصة بدولة الاتحاد لـ«كسب عقول وقلوب المواطنين، ومواجهة الحرب التي يشنها الغرب ضد مواطني روسيا وبيلاروسيا». كذلك أعلن لوكاشينكو عن تحول أوساط الأعمال في البلدين إلى تسوية الحسابات بين الدولتين بالعملة الروسية الروبل.
وكانت موسكو ومينسك سارتا خطوات لتعزيز التكامل العسكري والأمني، وأعلن الطرفان أخيرا الشروع بنشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا. وأوضح بوتين أن هذه الخطوة «لا تنتهك الالتزامات الدولية، لأن روسيا لا تنقل ترسانتها إلى دولة مجاورة». بالإضافة إلى ذلك، فقد تم تزويد القوات المسلحة لبيلاروسيا بمجمعات صواريخ من طراز «إسكندر - إم» التكتيكية القادرة على حمل رؤوس نووية. كما تم تحويل جزء من الطائرات الهجومية البيلاروسية إلى أنظمة قادرة على استخدام أسلحة نووية.
وواجهت الخطوات المشتركة انتقادات قوية من جانب الغرب، لكن الكرملين تجاهل الموقف الغربي، وأشار إلى أن الولايات المتحدة «تحتفظ بمائة رأس نووي تكتيكي في أوروبا». ولفت إلى أنه يتم تخزين الشحنات النووية الأميركية في قواعد تنتشر في خمس من دول الناتو - بلجيكا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وتركيا.
وكان الرئيسان عقدا جلسة عمل مغلقة سبقت اجتماع مجلس الدولة الأعلى لدولة الاتحاد، وكشف الناطق الرئاسي الروسي دميتري بيسكوف الخميس أن محادثات الرئيسين تطرقت إلى «كل القضايا التي تم تحديدها بشكل مسبق على جدول الأعمال». وأعرب بوتين خلال الاجتماع عن ارتياح لـ«نجاح خطوات التكامل في مختلف المجالات، بما في ذلك في مجالي الأمن والاقتصاد». وقال لوكاشينكو بدوره إنه تم تنفيذ 28 برنامجاً للتكامل بنسبة 80 في المائة تقريباً. وفي وقت سابق، أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في اجتماع مع قيادة القوات المسلحة البيلاروسية أن بعض طائرات سلاح الجو البيلاروسي تم تحويلها لتصبح قادرة على استخدام أسلحة نووية. وزاد «حصلت بعض الطائرات الهجومية البرية البيلاروسية على القدرة على ضرب أهداف معادية بأسلحة نووية».
وأكد أن تلك الخطوة تأتي ضمن حزمة من التدابير التي تسمح للبلدين في الاستجابة لزيادة الاستعداد القتالي للقوات المشتركة لحلف شمال الأطلسي، وتكثيف الأنشطة الاستخباراتية للتحالف بالقرب من حدود روسيا وبيلاروسيا.
اللافت أن الكرملين أعاد التذكير بأن الأسلحة النووية التي سوف تنشرها روسيا في البلد الجار ستكون تحت إشراف وقيادة القوات الروسية المنتشرة في هذا البلد، ما يعني أن التحكم بها سوف يبقى بيد الرئيس الروسي وحده.
وقال الناطق الرئاسي الروسي ردا على سؤال الصحافيين في هذا الشأن إن الرئيس بوتين حدد هذه النقطة في وقت سابق بشكل واضح. وكان السفير الروسي لدى مينسك بوريس غريزلوف قال إن الأسلحة النووية في بيلاروسيا سوف تنقل إلى الحدود الغربية لدولة الاتحاد، وأثارت هذه العبارة تساؤلات حول الجهة التي قد تتحكم بها، لكن بيسكوف شدد على ضرورة الالتفات إلى «تفسيرات فلاديمير بوتين، التي أدلى بها في مقابلة صحافية عندما سئل عن الموضوع». في وقت سابق، قال بوتين إن «موسكو ومينسك اتفقتا على أنهما، من دون انتهاك الالتزامات الدولية، سوف تنشران أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا». وزاد أن «روسيا لا تنقل أسلحتها النووية إلى بيلاروسيا، لكنها تفعل ما تفعله الولايات المتحدة منذ عقود، منذ أن قام الأميركيون بتدريب طواقم الحلفاء، وطياريها على استخدام هذا النوع من السلاح إذا لزم الأمر».


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين بجورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟