ترمب للمثول أمام المحكمة الثلاثاء في قضية «ستورمي دانييلز»

هاجم «تسييس» التهم... وديمقراطيون يحذرون من «تعزيز» حظوظه الانتخابية

صحافيون احتشدوا خارج مقر المدعي العام في نيويورك أمس (أ.ف.ب)
صحافيون احتشدوا خارج مقر المدعي العام في نيويورك أمس (أ.ف.ب)
TT

ترمب للمثول أمام المحكمة الثلاثاء في قضية «ستورمي دانييلز»

صحافيون احتشدوا خارج مقر المدعي العام في نيويورك أمس (أ.ف.ب)
صحافيون احتشدوا خارج مقر المدعي العام في نيويورك أمس (أ.ف.ب)

قرار انتشر وقعه كالنار في الهشيم في الولايات المتحدة. فخطوة توجيه التهم لدونالد ترمب من قبل مدعي عام منهاتن ألفين براغ، في قضية ستورمي دانييلز، أعادت الرئيس السابق إلى واجهة الأحداث، لتُسلّط الأضواء عليه في الأيام والأشهر المقبلة.
من المتوقع أن يمثل ترمب أمام قاضي المحكمة في مانهاتن يوم الثلاثاء لتسليم نفسه، قادماً من ولاية فلوريدا. هناك سيقرأ القاضي التهم التي يواجهها الرئيس السابق والتي لا تزال سرية. وحسب التسريبات الأولية لشبكة «سي إن إن»، فإن ترمب سيواجه أكثر من 30 تهمة متعلقة بالاحتيال في سجلات أعماله. وتتراوح هذه التهم بين المخالفة التي قد تصل عقوبتها إلى عام لكل تهمة، والجناية التي تترتب عليها فترة سجن لـ4 أعوام على كل تهمة.

ترمب في طريقه إلى واكو بتكساس في 25 مارس (أ.ب)

ورغم أن ترمب وجّه دعوة لمناصريه بالتظاهر قبل صدور التهم رسمياً محذراً من «موت ودمار»، إلا أنه من المتوقع أن يسلّم نفسه من دون إثارة فوضى، حسب محاميه جون تاكيبنا الذي قال: «لن تكون هناك مواجهة في مارالاغو بين الخدمة السرية ومكتب مدعي عام مانهاتن».
لكن هذا لا يعني أن الرئيس السابق، المحنك في التعاطي مع الإعلام، لن يستعمل مشاهد «القبض عليه» لمصلحته السياسية. فقد أفادت صحيفة «ذي غارديان»، بأن ترمب سيطلب تكبيل يديه عند تسليم نفسه، رغم أن الأمر غير ضروري لأشخاص في منصبه. وعندما يدخل المبنى، سيأخذ مسؤولون بصمات ترمب وصورته كمتّهم لإضافتها على سجله الجنائي وفقاً للقوانين. من بعدها، يمثل أمام القاضي الذي سيقرأ التهم الموجهة ضده بشكل علني، ويحدد خروجه بكفالة مالية بانتظار تاريخ المحاكمة.
- دعم مستمر
بمجرد صدور قرار المدعي العام ألفين براغ بتوجيه التهم، التي توقعها ترمب منذ أسبوعين، سارع الرئيس السابق إلى إصدار بيان لاذع هاجم فيه براغ بشكل خاص، والديمقراطيين بشكل عام. فاعتبر أن براغ «ينفذ عمل بايدن الوسخ»، ووصف التهم بـ«حملة جديدة لمطاردة الساحرات»، وهو تعبير يكرّره في كل مرة يفتح فيها الديمقراطيون تحقيقاً بشأنه، من التواطؤ مع روسيا إلى اقتحام الكابيتول والسعي لتزوير الانتخابات.
وتوقع ترمب أن تنعكس هذه الخطوة سلباً على الرئيس الأميركي جو بايدن والديمقراطيين في الانتخابات، متوعداً: «إن تحركنا وحزبنا موحد وقوي، سوف نهزم ألفين براغ أولاً، ثم جو بايدن، وسوف نطرد كل هؤلاء الديمقراطيين الفاسدين من مناصبهم كي نجعل أميركا عظيمة مجدداً».
شعار انتخابي بامتياز، أظهر بكل وضوح أن الرئيس السابق سوف يعمل جاهداً لحشد دعم مناصريه في سبيل الفوز بالانتخابات الرئاسية التي أعلن عن ترشحه لها. وخير دليل على ذلك بيان صدر من حملته الانتخابية بعد خبر توجيه التهم بحقه. ويقول البيان الموجه لمناصريه: «تبرعوا بأي مبلغ للدفاع عن تحركنا ضد حملات المطاردة التي لا نهاية لها، والفوز بالبيت الأبيض مجدداً في 2024».
وحسب بيانات الحملة، فقد بلغت التبرعات مليوني دولار منذ 18 مارس (آذار)، عندما أعلن ترمب على منصته «تروث سوشيال» بأنه سيتم توجيه التهم إليه.
وتدل هذه الأرقام على استمرار مناصري الرئيس السابق بدعمه. بل إنه يتوقع زيادة هذا الدعم في الأيام المقبلة، خصوصاً أن قاعدة ترمب الشعبية لم تتأثر لدى ظهور فضيحة «ستورمي دانييلز» في عام 2018. وحسب آخر استطلاعات للرأي لجامعة «كينيبياك»، اعتبر 93 في المائة من الجمهوريين، و70 في المائة من المستقلين، أن قضية المدعي العام مسيّسة، مقارنة بـ66 في المائة من الديمقراطيين الذين اعتبروا أنها ارتكزت على القانون.
- تكاتف جمهوري
لعلّ النصر الأكبر لترمب حالياً هو تكاتف الجمهوريين للدفاع عنه. فقد هبّ هؤلاء للدفاع عن رئيسهم السابق، بمن فيهم حاكم ولاية فلوريدا رون ديسنتس، الذي وصف التهم بالمنافية للقيم الأميركية. وهدّد بعدم التعاون مع مكتب المدعي العام في حال طلب تسليم ترمب، الموجود حالياً في فلوريدا.
تصريح مثير للاهتمام من أحد أبرز منافسي ترمب للرئاسة، رغم عدم إعلانه عن ترشحه بعد، ويدلّ بوضوح على أنه حريص على عدم إغضاب قاعدة ترمب التي قد يحتاج إليها في حال قرر الترشح. أما رئيس مجلس النواب الجمهوري كيفين مكارثي، فقد كرر توعده بالتحقيق مع المدعي العام و«انتهاكه لسلطته». وقال إن «براغ ألحق أذى لا يمكن إصلاحه ببلادنا، في محاولته للتدخل في الانتخابات الرئاسية». بدوره، اعتبر النائب الجمهوري روني جاكسون، أن ما جرى هو «يوم أسود في التاريخ الأميركي»، مضيفاً على «تويتر» أن «جريمة ترمب الوحيدة هي جعل أميركا عظيمة مجدداًّ. هؤلاء الديمقراطيون الجبناء يكرهون ترمب ويكرهون أنصاره أكثر. وعندما يفوز ترمب، سوف يدفعون الثمن!».
- الديمقراطيون بين الترحيب والتحذير
وفيما تحفّظ البيت الأبيض على التعليق تجنباً لأي اتهام بتسييس الملف، رحّب الديمقراطيون بخطوة براغ، معتبرين أن «لا أحد يجب أن يكون فوق القانون». في المقابل، حذّر بعض الديمقراطيين من تأثير هذه القضية. وقال السيناتور الديمقراطي المعتدل جو مانشين: «هناك الكثير من الأسباب لعدم دعم دونالد ترمب، والكثير من الأسباب التي تثبت أنه غير أهل ليصبح رئيساً. لكن يجب أن نكون حذرين، فلا يجب أن يتم النظر إلى النظام القضائي كجزء من المسار السياسي». وحذّر مانشين من أن «ما حصل قد يكون له التأثير المعاكس لما يتوقعه البعض. فهو سيقوّي من موقعه».
ولم يخف آدم غرين، أحد المؤسسين في حملات الديمقراطيين الانتخابية، استياءه من قرار المدعي العام، مشيراً إلى القضايا الأخرى التي يواجهها ترمب. وقال: «بعد تحريضه على التمرد في الكابيتول، والضغط على مسؤولي الانتخابات لتغيير نتيجتها، والحصول على دفعات من دول أجنبية، والجرائم الأخرى التي ارتكبها خلال رئاسته، من المحرج والمثير للغضب أن يكون أول اتهام يواجه ترمب متعلق بستورمي دانييلز».
ويعتبر بعض الديمقراطيين أن توجيه التهم لترمب في قضية ستورمي دانييلز سوف يخفف من قيمة التهم الأخرى «الأكثر جدية» التي يواجهها، كمحاولته التحريض على الغش في الانتخابات في ولاية جورجيا، وقضية وثائق مارالاغو السرية التي يشرف عليها المحقق الخاص جاك سميث، إضافة إلى دوره في اقتحام الكابيتول في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021، وكانت لجنة التحقيق بالاقتحام قد أوصت وزارة العدل بتوجيه تهم ضد الرئيس السابق في هذا الإطار، أبرزها تهمة التحريض على العصيان، وهي التهمة الأهم في حال الإدانة لأنها قد تحرمه من الرئاسة على خلاف التهم الأخرى. ووجّه النائب الديمقراطي آدم سميث، انتقادات لاذعة لوزارة العدل لعدم اتخاذها قراراً بهذا الشأن بعد، قائلاً: «لجنة التحقيق بالاقتحام والزعماء الشجعان كرئيسها قاموا بعملهم، الآن حان الوقت لوزير العدل ميريك غارلاند للقيام بعمله».


مقالات ذات صلة

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

العالم وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز) p-circle

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

قال وزير الخارجية الدنماركي، السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع أميركا بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أثناء مؤتمر صحافي بفلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

تقرير: نتنياهو سيؤكد لترمب ضرورة القضاء التام على المشروع النووي الإيراني

ذكر موقع إسرائيلي أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيؤكد للرئيس الأميركي دونالد ترمب إصرار إسرائيل على القضاء التام على المشروع النووي الإيراني.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية لقاء سابق بين ترمب ونتنياهو في واشنطن (رويترز) p-circle

نتنياهو يبحث ملف إيران مع ترمب في واشنطن الأربعاء

قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، السبت، إن من المتوقع أن يلتقي نتنياهو الرئيس الأميركي ترمب، الأربعاء، في واشنطن؛ حيث سيبحثان ملف المفاوضات مع إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».