حي «مصر الجديدة» ينبض بالعراقة ويتنفس الحداثة

يحتفظ برونقه وتراثه المعماري الأوروبي

بنايات وشوارع مصر الجديدة صنعت للحي سحره الخاص (مبادرة تراث مصر الجديدة)
بنايات وشوارع مصر الجديدة صنعت للحي سحره الخاص (مبادرة تراث مصر الجديدة)
TT

حي «مصر الجديدة» ينبض بالعراقة ويتنفس الحداثة

بنايات وشوارع مصر الجديدة صنعت للحي سحره الخاص (مبادرة تراث مصر الجديدة)
بنايات وشوارع مصر الجديدة صنعت للحي سحره الخاص (مبادرة تراث مصر الجديدة)

يحاكي التاريخ، ويتشح برداء الحداثة، يقف حي «مصر الجديدة» شامخاً في شرق العاصمة القاهرة، مفتخراً بأنه واحد من أرقى أحيائها. وُلد الحي على يد رجل الأعمال البلجيكي إدوارد لويس جوزيف إمبان الذي اشتهر بـ«البارون إمبان»، قبل 128 عاماً، حيث تم إنشاؤه عام 1905. وطوال هذه العقود احتضن زواره وسكانه من المصريين والأجانب، بين بناياته وشوارعه وميادينه التي لكل منها نكهته المميزة التي صنعت للحي سحره الخاص.

قصر البارون (وزارة السياحة والآثار)

إذا أخذتك قدماك إلى حي مصر الجديدة، فإنك قد ذهبت في رحلة إلى خارج إطار القاهرة الصاخب، وخلالها سترصد عيناك كيف خُطط له بشكل مميز، وستنتعش ذائقتك مع النمط العمراني وجماليات العقارات ذات الطراز المعماري المتميز بالحي، كما ستسرح بخيالك لتضع إجابة عن سؤال: كيف تطور الحي عبر العصور؟

روح أوروبية
مع نشأة الحي بأيدٍ أجنبية على غير ما هو معتاد في ذلك الوقت، فإن أول من سكنوه كانوا من الأجانب الذين وفدوا إلى مصر للعمل، وبدورهم صمموا منازل وفيلات على الطراز المعماري الأوروبي لمحاكاة طبيعة حياتهم، بل واستقدموا لذلك كبراء المهندسين الأوروبيين.

حي مصر الجديدة يتسم بجماليات العقارات ذات الطراز المعماري الأوروبي (مبادرة تراث مصر الجديدة)

ولنقل هؤلاء السكان إلى ضواحي القاهرة الأخرى، نفذت إحدى الشركات الفرنسية أول خط مترو كهربائي في الشرق الأوسط، والذي عُرف بعد ذلك بـ«مترو مصر الجديدة»، والذي أضحى إحدى العلامات المميزة بالحي.
بعد جلاء السكان الأجانب عن الحي وتركهم مصر مع قيام ثورة يوليو 1952، سكنت الحي الطبقة الأرستقراطية والغنية من المصريين، وهو ما ساهم في الحفاظ على هيئة الحي ومستواه الاجتماعي حتى الآن.

ماذا تزور في مصر الجديدة؟
يملك الحي إرثاً غنياً تركه الأجانب، ممثلاً في بعض المعالم الأثرية أو مناطق بعينها، وهي تجذب الزوار للحي، للتجول فيها والتنزه بمعالمها التي ما زالت محتفظة برونقها.
- قصر البارون: إحدى العلامات المميزة للحي، ويقع في قلبه، وبالتحديد في شارع العروبة، وهو من أهم التحف المعمارية التي شُيِّدَت بمصر الجديدة، بل وفي مصر بشكل عام، فعبر صورته المعمارية ذات الطراز الهندي، واللون البني المحروق (السيينا)، يقف متميزاً عن بقية المدينة.
أنشأه البارون إمبان في الفترة بين 1907 و1911، وهو رجل أعمال وصناعة بلجيكي الأصل، منحه ملك بلجيكا لقب «بارون» نظراً لما حققه من نجاحات اقتصادية كبرى، وقد كلف المهندس المعماري الفرنسي ألكساندر مارسيل ببناء هذه التحفة المعمارية.
يتكون التصميم الداخلي للقصر من بدروم وطابقين يعلوهما سطح؛ وتحيط بالقصر حديقة كبيرة من جميع الجهات. خُصص بدروم القصر مسكناً للخدم، ويتكون من مجموعة من الغرف تربطها ممرات وأبواب. ويتوسط مبنى القصر سلم حلزوني، ومصعد يربط جميع أدوار القصر بالبدروم.
يتكون الدور الأرضي من غرفة استقبال، وغرفة طعام، بالإضافة إلى غرفة للبلياردو. أما الدور الأول فيتكون من أربع غرف، لكل منها الشرفة والحمام الخاص بها. أما عن سطح القصر فهو بمثابة مساحة مفتوحة تقع بأحد جوانب البرج المميز لقصر البارون.
يفتح القصر أبوابه من 9 صباحاً إلى 6 مساء، وأسعار التذاكر للأجانب تبلغ 100 جنيه مصري، (الدولار يساوي 30 جنيهاً في المتوسط)، كما يمكن زيارة بانوراما سطح القصر بتذكرة منفصلة عن تلك الخاصة بزيارة القصر بقيمة 50 جنيهاً، كذلك تتاح جلسات التصوير بالقصر مقابل 800 جنيه.
- قصر السلطانة ملك: يقع أمام قصر البارون مباشرة، وأحد أهم القصور التاريخية وأجملها في مصر. يعود إنشاؤه إلى بدايات القرن العشرين، وتم أخيراً الانتهاء من ترميمه وافتتاحه كمركز للإبداع الرقمي وريادة الأعمال.
كان القصر معروفاً باسم صاحبه الأمير حسين كامل، ثم شاعت تسميته بقصر السلطانة ملك، زوجته التي عاشت فيه، وأحياناً يطلق عليه قصر السلطان نسبة إلى اسم الشارع المجاور له. ويعد القصر من أوائل المباني التي شُيدت في حي مصر الجديدة، حيث بدأت أعمال تشييده في صحراء هليوبوليس شمال شرقي القاهرة، بين عامي 1906 و1907.
- كنيسة البازيليك: وهي كنيسة تاريخية أسسها أيضاً مؤسس الحي، وهي تتوسط مصر الجديدة، ويمكن أن تراها ماثلة أمامك من شوارع مصر الجديدة الرئيسية. وتتسم بتصميمها المعماري الفريد على الطراز البيزنطي المشابه لكاتدرائية آيا صوفيا في إسطنبول. وقد دفن البارون إمبان في «البازيليك» عام 1930، حسب وصيته، رغم وفاته في مسقط رأسه بلجيكا.
وبجانب الآثار التاريخية، تتعدد مناطق مصر الجديدة التي يمكن زيارتها، وأبرزها:
- الكوربة: هي منطقة تعد متحفاً مفتوحاً بلا أسوار، حيث يوجد ميدان ذو طبيعة خاصة، يتميز بشكله المثلث، ترقد على أضلاعه ثلاث بنايات ضخمة صممت بهندسة معمارية فريدة من نوعها، إلى جانب انتشار الكافيهات ذات الطابع الغربي.
وترجع تسمية الميدان بهذا الاسم «لا كوربيه» إلى استدارة الشارع على غير عادة الشوارع في ذلك الوقت، والكلمة تعني بالإيطالية: الانحناءة، أو القوس، حيث كان المترو يأخذ انحناءة أو دوراناً في هذا المكان، فكان «الكمساري» البلجيكي الجنسية ينادي بكلمة «الكورب» فصارت اسماً للمكان.
يتميز هذا الميدان ببنايات ضخمة صممت بهندسة معمارية فريدة من نوعها، ومن هذا الميدان كانت بداية مصر الجديدة ذات «البوائك» أو الأقواس التاريخية التي يشتهر بها ميدان الكوربة. ويضم الميدان فندق «هليوبوليس بالاس»، أو قصر الاتحادية (قصر الرئاسة الآن)، الذي يعد درة تاج الكوربة. وقد بدأ العمل فيه عام 1906، وافتتح عام 1910 في حفل فخم.
ويشهد «الكوربة» وفود المصريين والعرب والأجانب من مختلف الفئات السِّنية، كما أن أصول بعض ساكنيه تمتد لجذور أجنبية، للاحتفال بأجواء الأعياد والمناسبات المختلفة، مع تخليد الذكرى بالتقاط الصور التي تتزين خلفيتها بالتراث المعماري الأوروبي المميز. كما يضم كثيراً من المحال التجارية والمطاعم والكافيهات والأسواق التجارية.
- روكسي: تعد من أكثر المناطق التجارية التي تجذب نحوها المواطنين، لا سيما متاجر بيع الملابس، كما أن بها كثيراً من المتنزهات والكافيهات والمطاعم.
- شوارع وميادين مصر الجديدة: يوجد بالحي عدد كبير من الشوارع والميادين الحديثة التي تربط بين المناطق وبعضها ببعض، وأهمها: ميدان تريومف، وميدان المحكمة، وميدان سفير، وميدان سانت فاطيما، وميدان الجامع، وميدان هليوبوليس، وميدان الإسماعيلية، وشارع الحجاز، وشارع الأهرام، وشارع الميرغني، وشارع إبراهيم اللقاني.

خدمات ترفيهية
تتمثل الخدمات الترفيهية في مصر الجديدة في وجود كثير من المراكز التجارية الضخمة، وأهمها «سيتي ستارز مول»، و«سيتي سنتر ألماظة»، اللذان يعدان من أشهر المراكز التجارية المصرية، إلى جانب عدد من دور السينما. ويضم الحي عدداً من الحدائق الشهيرة، مثل حديقة «الميريلاند» وحديقة «الغابة»، كذلك يضم الحي مكتبة مصر الجديدة، ومطار القاهرة الدولي، ومدينة ملاهي «السندباد»، وعدداً كبيراً من النوادي الرياضية والاجتماعية، ومنها: الغابة، والشمس، وهليوبوليس.
كما تكثر في مصر الجديدة المطاعم والكافيهات، القديمة والحديثة، الفاخرة والشعبية، والتي تنتمي لكافة المطابخ العالمية، وتمتاز بتصاميم رائعة ومميزة، وجميعها يواكب متطلبات المكان وسكانه وزواره، وتناسب جميع الأذواق والفئات.

أين تقيم؟
إذا كنت ترغب في الإقامة بمصر الجديدة، فأمامك مجموعة كبيرة من الفنادق التي يمكن الاختيار من بينها، وأهمها:
- فندق «توليب الجلاء» مصر الجديدة (يبعد حوالي 5 كيلومترات عن مطار القاهرة الدولي). وفندق «لو ميريديان» مطار القاهرة (يرتبط الفندق بمبنى رقم 3 للركاب بمطار القاهرة الدولي). وفندق «هيلتون هليوبوليس» (يبعد حوالي 5 كيلومترات عن مطار القاهرة الدولي). وفندق «تريومف بلازا» (يبعد عن مطار القاهرة الدولي مسافة 30 دقيقة بالسيارة). وفندق «البارون» (يواجه قصر البارون مباشرة، ويقع على بعد 12 كيلومتراً من مطار القاهرة الدولي).

التنقل والمواصلات
ما يميز حي مصر الجديدة سهولة الوصول إليه من جميع أنحاء القاهرة، فهو قريب من مطار القاهرة الدولي وكذلك من وسط القاهرة، كما يمكن الوصول إليه بشتى أنواع المواصلات، كما يمر به الخط الثالث لمترو الأنفاق (في محطتي كلية البنات والأهرام).


مقالات ذات صلة

«الأزهر» يؤكد رفضه القطعي لدعاوى «الديانة الإبراهيمية»

شمال افريقيا «الأزهر» يؤكد رفضه القطعي لدعاوى «الديانة الإبراهيمية»

«الأزهر» يؤكد رفضه القطعي لدعاوى «الديانة الإبراهيمية»

أعلنت مشيخة الأزهر في القاهرة «رفضها القطعي لدعاوى (الديانة الإبراهيمية)». وأكدت دعمها لـ«التعاون» بين الأديان وليس دمجها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جورجيت جبارة... ذكريات «الباليرينا» العربية الرائدة

جورجيت جبارة... ذكريات «الباليرينا» العربية الرائدة

في وقتٍ كان فيه كل لبناني يغنّي على ليل قضيّته، جعلت جورجيت جبارة من الباليه الكلاسيكي قضيتها. عبرت به خطوط التماس وحواجز المسلّحين بين «شرقيّة» و«غربيّة»، من بيروت المسيّجة بالنيران إلى طرابلس شمالاً. بحذاء «الساتان» الزهري قطعت الأميال بين مدرسة زرعتها في شارع «الحمراء»، وأخرى في عاصمة الشمال، وما بينهما معهد الرقص الذي امتدّ على وسع أحلامها في قضاء كسروان. عمر الباليرينا قصير كحياة فراشة، لكن جورجيت جبارة وهي فوق ثمانينها، ما زالت مسكونة بالرقص. صحيحٌ أن جسدها اعتزله منذ 35 عاماً، إلا إن روحها تنبض به.

كريستين حبيب (بيروت)
شمال افريقيا القاهرة تستضيف النسخة الرابعة  من معرض «طلال تاريخ تقرأه الأجيال»

القاهرة تستضيف النسخة الرابعة من معرض «طلال تاريخ تقرأه الأجيال»

بمناسبة مرور 35 عاماً على تأسيس الأمير طلال بن عبد العزيز، المجلس العربي للطفولة والتنمية، يستضيف المجلس معرض «طلال تاريخ تقرأه الأجيال»، في نسخته الرابعة 2023 في مقرّه بالقاهرة. وقال الأمير عبد العزيز بن طلال بن عبد العزيز، رئيس المجلس، لـ«الشرق الأوسط»: «يتناول المعرض ملامح مسيرة مؤسسه الأمير طلال بن عبد العزيز، وعطاءاته للإنسانية ودوره في حفز الاهتمام بمختلف أبعاد قضايا الطفل العربي، ويسلط الضوء على أسباب إنشاء المجلس، وكذلك أسباب إنشاء المنظمات التنموية المختلفة التي دشّنها الأمير طلال، سواء كانت للمرأة أو للطفل، أو للتنمية المستدامة، أو الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، أو حتى فيما يتعلق ب

نادية عبد الحليم (القاهرة)
شمال افريقيا حريق دار مسنين في القاهرة يعيد أزمة «الحماية المدنية» للواجهة

حريق دار مسنين في القاهرة يعيد أزمة «الحماية المدنية» للواجهة

أعاد حريق دار مسنين في القاهرة الحديث عن «إجراءات الحماية المدنية».

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق من أعمال الفنانة مريم حتحوت بمعرضها الحالي (حتحوت)

لماذا ألهم الحمار تشكيليين مصريين؟

بألوان دافئة وخطوط معاصرة تقدم الفنانة مريم حتحوت رؤية فلسفية واجتماعية للحمار من خلال 30 لوحة في معرضها المقام حالياً بغاليري «ديمي» بالقاهرة، بعنوان «تنويعات على الحمار»، تتضمن جميع اللوحات معالجات بصرية تثير تعاطف المتلقي معه، وتجعله يشعر بالألفة تجاهه. وتُعَدُّ لوحات حتحوت في المعرض حلقة من سلسلة أعمال ومعارض وفعاليات تشكيلية مصرية كثيرة احتفت بهذا الحيوان على مدى سنوات طويلة، لم تقتصر على الفنانين الذين تصدوا لتناول الريف المصري؛ فالحمار لم يكن مجرد عنصر بارز من عناصر البيئة لمن أراد استلهامها في تجربته الإبداعية، إنما امتد تجسيده ليمثل جزءاً أساسياً في بعض الأعمال. وكان الفنان المصري الر

نادية عبد الحليم (القاهرة)

الاتحاد الأوروبي يسلم تونس معدات لتعزيز مراقبة الحدود

مهاجرون على متن قوارب الموت قبالة أحد شواطئ تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون على متن قوارب الموت قبالة أحد شواطئ تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الاتحاد الأوروبي يسلم تونس معدات لتعزيز مراقبة الحدود

مهاجرون على متن قوارب الموت قبالة أحد شواطئ تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون على متن قوارب الموت قبالة أحد شواطئ تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)

سلم الاتحاد الأوربي دفعة جديدة من المعدات إلى تونس، لتعزيز مراقبة الحدود ضمن برنامج تعاون يهدف إلى كبح تدفقات الهجرة غير النظامية وشبكات التهريب والاتجار بالبشر.

وتولت بعثة الاتحاد الأوروبي في تونس الخميس، تسليم المعدات في ثكنة الحرس الوطني التونسي قرب العاصمة.

وينضوي هذا الدعم ضمن برنامج إدارة الحدود الذي بدأ منذ عام 2018، بتمويل تبلغ كلفته 130 مليون يورو، وفق ما ذكرته البعثة.

مهاجرون أفارقة في العاصمة تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأوضحت البعثة، في بيان لها، أن هذا الدعم «ساهم في تعزيز القدرات العملياتية للحرس الوطني وحرس السواحل، بخاصة في مجالي البحث والإنقاذ وحماية المهاجرين غير النظاميين».

ويعد طريق وسط البحر الأبيض المتوسط الذي يشمل أساساً سواحل ليبيا وتونس، أكثر الطرق نشاطاً لعمليات العبور غير النظامية لحدود الاتحاد الأوروبي ولأنشطة مهربي البشر. لكن أحدث تقرير لـ«الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل»، يشير إلى تدفقات رئيسية من سواحل ليبيا التي تحولت إلى المنصة الأولى لعمليات العبور في 2025.

وقالت البعثة الأوروبية: «كل هذه الجهود مكنت من تسجيل انخفاض ملحوظ في عمليات العبور غير النظامية، وعدد المفقودين والوفيات في البحر، ابتداء من سنة 2024».

خفر السواحل التونسي يحاول إيقاف بعض المهاجرين في البحر في أثناء محاولتهم العبور إلى إيطاليا (أرشيفية - رويترز)

وترتبط تونس بمذكرة تفاهم شاملة مع الاتحاد الأوروبي تعود إلى يوليو (تموز) 2023، تشمل من بين بنودها مكافحة الهجرة غير النظامية مقابل دعم اقتصادي ومالي وتمويلات لخفر السواحل.

وتنتقد منظمات حقوقية في تونس مدافعة عن حرية التنقل، المذكرة وتطالب بوقف عمليات الترحيل القسري والإبعاد لمهاجري دول أفريقيا جنوب الصحراء نحو المناطق الحدودية النائية، على ما أفادت به «وكالة الانباء الألمانية».


​الجزائر تعلن عن مكاسب جديدة بمسار «استرجاع الأموال المنهوبة» في الخارج

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)
TT

​الجزائر تعلن عن مكاسب جديدة بمسار «استرجاع الأموال المنهوبة» في الخارج

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)

أكد مسؤول جزائري رفيع المستوى، أن بلاده «جنت نتائج إيجابية» من مساعيها لدى دول كثيرة، ودولة أفريقية واحدة، فيما يخص «استرداد الأموال العامة المحولة إلى الخارج بطرق غير شرعية»، في إشارة إلى خطة، يقول رئيس البلاد عبد المجيد تبون إنه نفذها منذ وصوله إلى الحكم، تتعلق بتتبع آثار عائدات مالية محل شبهة فساد، يعتقد أن وجهاء من النظام وضعوها في الخارج خلال الـ20 سنة الماضية.

وصرح كمال تويجيني مساعد النائب العام بـ«مجلس قضاء الجزائر العاصمة» (محكمة الاستئناف)، الأربعاء، بأن القضاء الجزائري «وجه 52 طلباً لكثير من الدول الأجنبية، منها دولة أفريقية واحدة، في إطار مساعي استرداد الأموال المنهوبة»، من دون ذكر اسم دولة واحدة.

وكان المسؤول القضائي يتحدث للصحافة لمناسبة اجتماع نظمته «السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته» (هيئة دستورية مستقلة) في إطار مهامها الخاصة بمتابعة «الاستراتيجية الوطنية للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته»، التي وُضعت قبل 5 سنوات.

من اجتماع «سلطة مكافحة الفساد» (سلطة المكافحة)

«من التخطيط إلى التفعيل»

وصرحت رئيسة «سلطة الشفافية» سليمة مسراتي، في بداية الاجتماع، بأن فريق العمل «انتقل من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التفعيل الميداني».

وأكدت الحكومة الجزائرية، في يوليو (تموز) 2025، أنها اصطدمت بصعوبات في تنفيذ استراتيجيتها الرامية إلى استرجاع الأموال المنهوبة الموجودة في الخارج، نتيجة التعقيدات التي تفرضها الأنظمة القضائية في بعض الدول. غير أن سويسرا أبدت، في الفترة الأخيرة، استعداداً للتعاون في هذا المسعى، الذي يطول شخصيات نافذة من النظام السابق ممن ارتبطوا بالرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019).

رئيسة سلطة مكافحة الفساد (سلطة المكافحة)

وأوضح وزير العدل الجزائري، لطفي بوجمعة، أن الحكومة «حققت تقدماً ملموساً في ملف استرجاع الأموال المتأتية من الفساد، إلا أن هذه الجهود واجهت تحديات كثيرة أدت إلى بطء تجاوب بعض الدول». وأرجع ذلك إلى «خصوصية أنظمتها القضائية وتعقيد المساطر المعتمدة، فضلاً عن تعدد الأطراف المتدخلة، سواء كانت قضائية أو دبلوماسية وغير ذلك».

كما يجدر التذكير بأن الرئيس تبون سبق أن أعلن عن حجز «فندق كبير» في إسبانيا، في إطار التعاون القائم مع السلطات الإسبانية، ويتعلق الأمر بممتلكات تعود لرجل الأعمال علي حداد، المحكوم عليه بالسجن منذ خمس سنوات بتهمة «غسل الأموال».

فندق «إل بالاس» في برشلونة الذي استعادته الحكومة الجزائرية (متداول)

وكان تبون قد أشار، في تصريحات أدلى بها للصحافة الأجنبية العام الماضي، إلى أن فرنسا «لا تتعاون بالقدر المطلوب» مع الجزائر بشأن طلبات تتعلق بتجميد ودائع مالية وممتلكات عقارية تعود لوزراء وشخصيات نافذة من النظام السابق. ومن بين أبرز الأسماء المعنية وزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب (2015 - 2017)، الذي رفضت محكمة فرنسية في مارس (آذار) الماضي تسليمه إلى الجزائر، رغم صدور أحكام قضائية جزائرية بحقه بعقوبات مشددة على خلفية قضايا «فساد مالي». وبرر القضاء الفرنسي قراره بأن الجزائر «لم تقدم ضمانات كافية بشأن توفر شروط محاكمة عادلة لبوشوارب» في حال تسليمه، وهو ما زاد من حدة التوتر بين البلدين.

وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب (الشرق الأوسط)

وعلى خلاف الموقف الفرنسي، خطت سويسرا خطوة وُصفت بالمهمة في مسار تعاونها مع الجزائر في ملف «استرجاع الأموال المنهوبة». ففي سنة 2023، قرر القضاء الفيدرالي السويسري مصادرة وديعة بقيمة 1.7 مليون يورو مودعة في أحد البنوك السويسرية تعود لعبد السلام بوشوارب، تمهيداً لتحويلها إلى الجزائر. كما تطالب الجزائر السلطات السويسرية بتجميد أموال أخرى تعود لوزير الطاقة الأسبق شكيب خليل، المقيم حالياً في الولايات المتحدة الأميركية، الذي صدر في حقه حكم بالسجن بتهم «الفساد»، وهي القضايا التي تطول أيضاً زوجته وابنه، إضافة إلى صدور مذكرة توقيف دولية بحقه.

وزير الطاقة السابق المتهم بالفساد شكيب خليل (الشرق الأوسط)

وفي سياق ذي صلة، أصدرت محكمة عنابة (شرق البلاد) الأربعاء، أحكاماً مشددة في حق شرطيين واثنين من أعوان الجمارك كانوا ينشطون بمطار عنابة، بعد إدانتهم بتهم تتعلق بـ«الفساد والاتجار غير المشروع بالمعادن الثمينة». ويأتي ذلك في إطار تفكيك شبكة مختصة في تهريب المعادن الثمينة، عقب حجز كمية معتبرة من الفضة تقدر بـ80 كيلوغراماً، كانت آتية من فرنسا إلى إحدى كبرى مدن شرق البلاد.

وتعود فصول القضية إلى نحو ثمانية أشهر مضت، حين أوقفت فرقة للدرك الوطني مركبة على مستوى بلدية الحجار بعنابة، كانت تنقل شحنة الفضة المحجوزة. ووفق ما أوردته جريدة «الخبر»، كان سائق المركبة مرفوقاً بشرطي يعمل بمطار عنابة، وكانا في طريقهما نحو ولاية الطارف الحدودية مع تونس.

من اجتماع برلمانيين جزائريين مع مسؤولين بالخزانة الأميركية عام 2023 في سياق مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة (البرلمان الجزائري)

وبعد تعميق التحقيقات، تبين أن الشحنة أُرسلت من فرنسا من طرف شخص لم يكن على متن الرحلة الجوية، وأن إخراجها من مطار عنابة تم بتواطؤ شرطيين واثنين من أعوان الجمارك، قبل تسليمها إلى شريك آخر كان في انتظارها خارج المطار.

وفي إطار هذه القضية، جرى توقيف ستة أشخاص، من بينهم الشرطيان وأعوان الجمارك المعنيون، ووجهت إليهم تهم «الاتجار في المواد الثمينة، وإساءة استغلال الوظيفة، وتلقي منافع غير مستحقة، إضافة إلى تبييض الأموال».


«الوحدة» الليبية تتحدث عن «آليات جديدة» للحد من تهريب الوقود

الدبيبة خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين ورقابيين بالعاصمة طرابلس 21 يناير (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين ورقابيين بالعاصمة طرابلس 21 يناير (مكتب الدبيبة)
TT

«الوحدة» الليبية تتحدث عن «آليات جديدة» للحد من تهريب الوقود

الدبيبة خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين ورقابيين بالعاصمة طرابلس 21 يناير (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين ورقابيين بالعاصمة طرابلس 21 يناير (مكتب الدبيبة)

عاد ملف تهريب الوقود إلى واجهة المشهد الليبي، بعد أن تزايد حديث السلطات في غرب البلاد عن «حلول وآليات جديدة» للحد من هذه الأزمة المزمنة التي تواجه الدولة منذ أكثر من عقد، في ظل انقسام سياسي وعسكري مستمر.

وأشارت مصادر رسمية (سابقة) ومحللون سياسيون لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تهريب الوقود في ليبيا لم يعد مجرد قضية اقتصادية، بل يتداخل مع مصالح سياسية، وشبكات مسلحة ميليشياوية معقدة، ما يزيد صعوبة وضع حلول فعالة.

«اللواء 444» التابع لحكومة «الوحدة» يعلن ضبط شاحنات مهربة عبر مسار جبلي بغرب ليبيا (اللواء)

وتجددت التساؤلات حول أزمة تهريب الوقود على وقع حديث رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، الأربعاء، عن «أهمية تفعيل آليات متابعة ورقابة مشتركة، ووضع إجراءات واضحة، لضمان وصول الوقود إلى مستحقيه».

وليس هذا الحديث الحكومي الأول من نوعه، إذ كان تهريب المحروقات محور مناقشات لجنة فنية شكلها رئيس «المجلس الرئاسي»، محمد المنفي، في أغسطس (آب) 2025، للتدقيق في عقود قطاعي النفط والكهرباء خلال السنوات الخمس الماضية، وفق ما صرح مصدر مقرب من اللجنة لـ«الشرق الأوسط».

وأشار المصدر ذاته، الذي رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث للإعلام، إلى أن «قضية تهريب المحروقات لم تحقق أي تقدم حتى الآن، لكون اللجنة فنية، ومحدودة التحرك ميدانياً، فضلاً عن تأخر بعض الجهات في إتاحة المعلومات المطلوبة».

وينظر مراقبون إلى تهريب المحروقات باعتباره أحد المنغصات في الأزمة الليبية منذ 2011، إذ سجل تقرير سابق لخبراء الأمم المتحدة زيادة ملحوظة في عائدات الميليشيات المسلحة من الديزل، «مستفيدة من نفوذها» على مرافق حكومية رئيسة.

وكان النائب العام، الصديق الصور، أكثر وضوحاً في هذا الشأن، عادّاً أن «عمليات التهريب تموّل بعض المجموعات المسلحة»، وفق تصريحات تلفزيونية الأربعاء.

وفي هذا السياق، شكك وزير النفط والغاز السابق، محمد عون، في قدرة حكومة «الوحدة» على الحد من الظاهرة، مشيراً إلى أن «غياب السيطرة الأمنية الفعلية على كامل الأراضي الليبية، إلى جانب سنوات من العبث والفساد، يقوض أي آلية حكومية».

ويذهب عون إلى الاعتقاد، بحسب تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، بأن «جذور الأزمة تكمن في تدخلات سياسية مباشرة في قطاع النفط، ومخالفة صريحة للتشريعات، وأن الجهود لم تفلح رغم إصداري خلال فترة تولي الوزارة مذكرات متعددة لمؤسسة النفط والجهات الرقابية».

ولم يتوقف الحديث عن «هيمنة» المجموعات المسلحة على ملف تهريب الوقود في ليبيا عند التقارير الأممية، إذ سبق أن تحدثت دراسة لمنظمة «ذا سنتري» الأميركية غير الربحية، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عن «تورط قيادات عسكرية» محسوبة على «الجيش الوطني» وأسماء مرتبطة بحكومة «الوحدة»، دون أي رد رسمي من الأطراف المعنية.

ويعتقد المحلل السياسي حسام فنوش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تهريب الوقود هو «جزء من منظومة مصالح مسلحة وسياسية تشكّلت خلال سنوات الانقسام، والفوضى». وأضاف أن هذه الشبكات «تدار، أو تحمى من قبل مجموعات مسلحة محددة، وتستفيد من غطاء سياسي، وأمني، ما يتيح لها تحقيق أرباح تُقدّر بمئات الملايين سنوياً»، مشيراً إلى أن نشاطها «يمتد داخلياً وخارجياً، ليصبح جزءاً من اقتصاد غير مشروع عابر للحدود».

وتُعدّ مدينة الزاوية غرب ليبيا من أبرز مراكز تهريب الوقود المدعوم خارج البلاد، حيث كشف النائب العام عن ضبط 42 ألف لتر ديزل معدّة للتهريب في منطقة المطرد بالزاوية، مصحوبة بمواجهات محدودة مع المهربين في أغسطس الماضي.

ويبرز الحل الأمني كأحد الخيارات التي لا يستبعد مراقبون أن تلجأ إليها حكومة الدبيبة، لمواجهة التشكيلات المسلحة، وعصابات التهريب، خاصة بعد إطلاق عملية عسكرية في الزاوية العام الماضي، واستخدام طائرات مسيّرة لمكافحة أوكار المهربين.

ويقر فنوش بأن «المسيّرات توفر قدرة أكبر على مراقبة الطرق الصحراوية، والسواحل، وخطوط النقل الطويلة، بتكلفة سياسية وعسكرية أقل من المواجهة المباشرة»، لكنه يرى أن مجمل الحلول الأمنية والعسكرية «تبقى أدوات مؤقتة ما لم تُدمج ضمن استراتيجية شاملة، إذ يظل غياب القرار السياسي الموحد، والقدرة التنفيذية الفعلية عائقين أمام تفكيك الشبكات».

ويشير إلى أن جوهر المشكلة يكمن في جوانب فنية واقتصادية تشمل «اختلالات في منظومة الدعم، والتسعير، وآليات التوزيع، وضعف الرقابة المالية».

النائب العام الليبي الصديق الصور (مكتب النائب العام)

وتبلغ خسائر ليبيا من تهريب المحروقات نحو 1.5 مليار دولار سنوياً، بالنظر إلى اعتماد البلاد على أسلوب «مبادلة النفط بالمحروقات»، بحسب تقديرات النائب العام، فيما كشفت بيانات ديوان المحاسبة الأخيرة عن إنفاق نحو 45 مليار دينار خارج سجلات وزارة المالية لدعم الوقود، دون إدراج المحروقات ضمن بند الدعم في الترتيبات المالية للدولة للعام الماضي، ما يعكس هشاشة الرقابة، وانهيار أجهزة الدولة، بحسب مراقبين. و(الدولار) يساوي 6.36 دينار في السوق الرسمية، و9.09 دينار في السوق الموازية.

وكان صندوق النقد الدولي اقترح إصلاحات اقتصادية برفع سعر البنزين في ليبيا إلى 3.3 دينار للتر، وذلك على مراحل تمتد لثلاث سنوات، مع تقديم دعم نقدي شهري يصل إلى 509 دنانير لكل مواطن، ما يفتح الباب لاحتمالية رفع الدعم بشكل تدريجي. ويبلغ سعر لتر البنزين 0.150 دينار، وهو أحد أدنى الأسعار عالمياً، ما يجعل تهريبه نشاطاً بالغ الربحية.

ويرى الخبير الاقتصادي يوسف يخلف مسعود، لـ«الشرق الأوسط»، أن حديث الدبيبة عن «أسعار مقبولة للبنزين» قد يكون إعلاناً ضمنياً عن هذا «المسار الإصلاحي».