هل فهمنا عبد الكبير الخطيبي حقاً؟

في ذكرى رحيل الكاتب والناقد المغربي «الحذر»

عبد الكبير الخطيبي
عبد الكبير الخطيبي
TT

هل فهمنا عبد الكبير الخطيبي حقاً؟

عبد الكبير الخطيبي
عبد الكبير الخطيبي

في السادس عشر من مارس (آذار) حلّت ذكرى رحيل الكاتب المغربي المغترب في النص واللغة والحاضر أبداً في النقد، عبد الكبير الخطيبي، الذي يبدو أن قسماً كبيراً من أعماله بقي في الظل بعيداً عن هالة الضوء، وبقيت كتاباته الفكرية والإبداعية نخبويةً للغاية، قياساً بما تستحقه من الدراسة والنقاش.
لقد سُلّطت الهالة الإعلامية في الغالب على أسماء فكرية تكتب في العام والمشترك، وتنشغل بالعناوين الكبيرة المثيرة للجدل. وربما كان عدد من الباحثين في المغرب وخارجه يستصعبون مهمة الخوض في تجربة الخطيبي الفكرية، ويتفادون الاشتباك مع تركيبتها النظرية قراءةً أو نقداً.
«عارياً من ثيابك الخفيفة، متبخراً، ومع ذلك سوف تكون قريباً جداً منا...» هكذا تخيل الخطيبي بلغة شعرية واضحة مشهدَ الذات، وهي تقرأ سيرتها الخاصة في عمله الروائي «كتاب الدم» الصادر عام 1979. لقد كان يصف شيئاً مما يراه كامناً في طاقة اللغة، بحسٍّ إبداعي رقيق، وهو المفكر وعالم الاجتماع البارز الذي ظل طيلة مشروعه الفكري مشغولاً بسؤال الهوية الكبير، عاكفاً على البحث في تفاصيل هذا المفهوم النظري تراثاً وواقعاً، متخذاً من المفاهيم النقدية الكونية أداة لابتكار مفاهيم جديدة تتبنّى في اشتغالها منهج النقد المتوازي، أو ما سمَّاه «النقد المزدوج» للأفكار والأطراف. فهو من جهة، ينقد محاور كثيرة داخل بنية الفكر الغربي بوصفه ينزع في تأصيل خطابه إلى الهيمنة على الآخر، وهو في المقابل ينقد خطاب الفكر السائد في بلدان عربية كثيرة رآها تتوهم -بشيء من الميتافيزيقا- حالة الوحدة والصفاء العرقي والعاطفة الاجتماعية الجامعة.
ما يمكن أن نلمسه في منجز الخطيبي النقدي هو ذلك الحذر المنهجي العميق من الاصطفاف الآيديولوجي أو حتى الفكري، وهو ليس حذراً من خوض المسائل الجدلية أو نقاش أفكارها، بقدر ما هو حذرٌ موضوعي من كل أشكال التبسيط والأحكام المطلقة والعامة، وهو كذلك حذر من الوصول إلى استنتاجات أحادية إزاء الظواهر الاجتماعية كافة. وما يميز رؤية الخطيبي على هذا الصعيد هو عنصر التوازي العملي بين التفكيك والنقد، فهو يراوح بحذر بين صرامة الروح الفلسفية الجادة وبين السوسيولوجيا كفنّ يمنح الباحث فسحة الوصف والتحليل والتأويل أيضاً.
معظم مؤلفات الخطيبي كانت باللغة الفرنسية، وهو بلا شك يعد واحداً من المؤثرين في المتون البحثية لعدد كبير من الدارسين للحقل الاجتماعي العربي والعالمي على حد سواء. وهو الملهِم بأفكاره الفذة لفئة معتبرة من طلبة العلوم الاجتماعية في مختلف جامعات العالم. والملاحظ خلال السنوات الأخيرة تحديداً أن عدداً غير قليل من رسائل الدكتوراه والماجستير في علم الاجتماع التي أنجزها طلبة مغاربيّون (المغرب وتونس والجزائر)، تناولت باهتمام فكرَ عبد الكبير الخطيبي ورؤاه الحيّة حول الهوية وقضايا المجتمع العربي.
منذ «الذاكرة الموشومة» عمله الإبداعي الأول، وصولاً إلى آخر ما كتبه في علم الاجتماع، اعتمد الخطيبي على السجال المعرفي مع الأفكار الكبرى، محاولاً بناء رؤيته الخاصة للهوية ولعدد من الظواهر الضيقة كطبائع المجتمع الأبوي مثلاً. إنه اشتباك فكري غير جدلي مع الأنساق النظرية المهيمنة، وهو أيضاً تفكيك لما تحفل به الذاكرة الفكرية من مركبات معرفية غير متجانسة في الطرح، ولعل الحديث عن هذه العناصر الفكرية في سياق منجز كامل لكاتب مُجرِّب مثل عبد الكبير الخطيبي خاض في النقد وعلم الاجتماع، كما كتب الشعر والرواية والمسرح، يطرح سؤالاً عن علاقة كل هذه الحقول بعضها ببعض... لكن الحقيقة هي أن الخطيبي كان سبّاقاً إلى تذويب الحدود الفاصلة بين أعماله وأجناسها المختلفة، وقد وصف الفيلسوف الفرنسي رولان بارت هذه السمة عند الخطيبي قائلاً: إنه لا يكتفي بإلغاء الحدود بين الأشكال الأدبية، بل يقوم بتغيير هذه الأشكال نفسها حاملاً معه القارئ نحو «أرضه الإبداعية» الخاصة.
لقد شُغف الخطيبي بالفكر كما اهتمت أعماله الأدبية الأخرى بالدلالات الثقافية والاجتماعية للفن والإبداع الكتابي خاصة، وهو في ذلك يبدو منسجماً إلى حد بعيد مع البيئة الثقافية التي انطلق منها باحثاً عن حقائق الهوية المتعددة والملتبسة في كثير من الأحيان. فهو إن بدا غير متفق مع كثير من المقاربات التي تشرح آليات التفكير المشكِّل للهوية داخل بيئته المعرفية، فإنه يبقى في الآن نفسه منخرطاً في عمق الاشتغال الجمالي على بنية الفنون والنقد داخل هذه الهوية الفكرية المميزة. نرى ذلك جلياً في أعمال تحفر في سؤال الاختلاف بكثير من المنهجية الفكرية من قبيل «الاسم العربي الجريح»، وهو عمل محوري بالغ الأهمية في تجربة الخطيبي، وقد نقله إلى العربية الشاعر محمد بنيس، كما نلمس شيئاً من تلك الدلالات المتقدة في عمل آخر عنوانه «في الكتابة والتجربة» أصدره الخطيبي باللغة الفرنسية، وترجمه إلى العربية الروائي المغربي محمد برادة.
ينطلق الخطيبي من نقد الميتافيزيقا التي تشكل من وجهة نظره عصب الفكر في العالم العربي، وهو نقد شامل وجذري غير مهادن، يقف عند مفهوم التعدد الذي يميز واقع الهوية العربية اليوم، فيصدم أنصار الوحدة المطلقة بحقائق يراها واقعية وحادّة، تؤكد مدى التبسيط الذي تحمله هذه الفكرة الآيديولوجية «القومية»، رغم كونها لا تزال حاضرة في عمق الفكر العربي المعاصر حتى اليوم. إنها حقائق التغاير والتعدد والتمايز والاختلاف التي تؤكد حسب الخطيبي أن العالم العربي قد تعدد بحكم الواقع، ولا يمكن أن يشكل وحدةً كلية شاملة أو منظومة واحدة، ففكرة الوحدة كما يراها هو كانت دائماً فكرة إطلاقية مرتبطة بمخرجات الميتافيزيقا والمتخيل اللاهوتي الذي تحتضن الآيديولوجيات الوافدة إلى العمق العربي كثيراً من عناصره، رغم تجدد فعل الآيديولوجيا نفسه.
وحفاظاً على قاعدة النقد المزدوج، يتوغل عبد الكبير الخطيبي داخل البنية الزمنية للفكر الغربي؛ بدءاً من أسسه العقلانية اليونانية القديمة، التي كرست فيما بعد مركزية الغرب وهيمنته المكتسبة، ويصل الخطيبي إلى ذروة نقده لهذه البنية، فيشخص بعناية حالة الإرادة الغربية المتجسدة أساساً في الهيمنة وقواعد المادية الحديثة التي تحكمها مقاييس أحادية الرؤية، والتي لا تبتكر أنظمة جديدة خالية من الثوابت، بقدر ما تكتفي بتغيير هذه الثوابت وتدويرها.
ويختلف عبد الكبير الخطيبي كثيراً مع عبد الله العروي في منظوره «التاريخاني» لفعل الحداثة ومآلاتها وإسقاطاتها على عالمنا العربي، ويراه في هذا المسار يخلط بين مفاهيم وجودية عميقة، ويبسّط منظوره الخاص إلى العامل التاريخي. ذلك أن التراكم النظري والمادي لفعل الحضارة يحدث بالفعل منذ بدء البشرية إلى الآن، لكن عامل التاريخ ليس منطقياً دائماً، فهناك قطائع وتناقضات وخسارات وفُروق لا تنسجم مع شرط الاستمرارية التاريخية. ويذهب الخطيبي إلى ما هو أبعد من ذلك فيرفض القول بأننا بوصفنا مجتمعات عربية ملزمون بقطع الخطى نفسها التي سبقنا إليها الغرب، سعياً لبلوغ ما وصل إليه من المدنية والتقدم، بل ينبغي من وجهة نظره استئناف الرحلة نحو الحضارة فوراً، والانطلاق رأساً مما هو متاح وموجود وقائم مدنياً... الآن، دون الرجوع إلى الخلف، ودون الوقوف الكلاسيكي المتوارث عند فكرة «نسيان التراث».
لا يبدو أن الأفكار التي حملها منجز الخطيبي بسيطة أو هادئة في علاقتها مع القارئ العادي، فما كتبه الرجل يختصر مساراً طويلاً من التأمل العملي والنظري في متون فكرية متواترة الطرح ومتقاطعة في اختراقاتها واقتراحاتها، وربما متضاربة أيضاً. لكن الأهم في الوقوف عند ذكرى رحيل هذا السوسيولوجي المغربي هو إمكانية الاستعادة والفهم لما قاله أو تطرقت إليه كتاباته حول قضايا الهوية الثقافية. إنها كتابات تطرح بالفعل أسئلة جادة حول الهوية العربية وإرهاصات الوحدة، وما سوّقته الآيديولوجيا من تبسيط نظري ساذج لأفكار «النهضة» والانبعاث الجماعي «للأمة». كما أن كتابات الخطيبي من حيث إنها علمية منحازة لاستنتاجاتها المستقلة تبقى شجاعة في إشاراتها؛ إذ تنبه باستمرار إلى استبداد المنهجية الغربية في مقاربتها للمسائل الكبرى بشيء من الأصولية الجديدة التي لفظها الواقع، وتجاوزتها اليوم ريح النيوليبرالية الاقتصادية، وما تحمله إلينا من مخرجات ثقافية عاصفة!
* كاتب وشاعر مغربي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

وفاة مصمم الأزياء الإيطالي فالنتينو غارافاني عن 93 عاماً

فالنتينو غارافاني (أ.ب)
فالنتينو غارافاني (أ.ب)
TT

وفاة مصمم الأزياء الإيطالي فالنتينو غارافاني عن 93 عاماً

فالنتينو غارافاني (أ.ب)
فالنتينو غارافاني (أ.ب)

توفي مصمم الأزياء الإيطالي الشهير فالنتينو غارافاني عن عمر ناهز 93 عاماً، وفق ما أعلنت «الوكالة الوطنية الإيطالية للأنباء (أ.ن.س.أ)» الاثنين.

وقد توفي صاحب الاسم البارز في عالم الأزياء الراقية، داخل منزله في روما، وفق ما أفادت به «الوكالة» نقلاً عن «مؤسسة فالنتينو غارافاني وشريكه جانكارلو جاميتي». ولم ترد المؤسسة على رسالة استفسار أُرسلت بعد ساعات العمل للتأكد من المعلومة.

يُعدّ فالنتينو أحد أهم مصممي الأزياء في عصره، وقد ارتدت تصاميمه أبرز النساء من مختلف المجالات، بدءا من إليزابيث تايلور ونانسي ريغان وصولا إلى شارون ستون وجوليا روبرتس وغوينيث بالترو. على منصات العرض وفي حياته الخاصة، كان فالنتينو يجسد الفخامة في أدق التفاصيل، من تسريحة شعره الأنيقة وبشرته السمراء المشرقة، وغالبا ما كان يُصوَّر برفقة كلاب من نوع بوغ.


غادة رجب تعود إلى الأوبرا في «ليلة روائع محمد الموجي»

غادة رجب في ليلة الاحتفاء بالموجي (دار الأوبرا المصرية)
غادة رجب في ليلة الاحتفاء بالموجي (دار الأوبرا المصرية)
TT

غادة رجب تعود إلى الأوبرا في «ليلة روائع محمد الموجي»

غادة رجب في ليلة الاحتفاء بالموجي (دار الأوبرا المصرية)
غادة رجب في ليلة الاحتفاء بالموجي (دار الأوبرا المصرية)

ظهرت المطربة المصرية غادة رجب في إطلالة جديدة خلال «ليلة روائع محمد الموجي»، التي أُقيمت مساء الأحد على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، في إطار إحياء روائع النغم العربي، والاحتفاء بإبداعات كبار الموسيقيين.

وشهد الحفل مشاركة أسرة الموسيقار الراحل، ومن بينهم نجله عازف الكمان يحيى الموجي، فيما قاد الأوركسترا الدكتور محمد الموجي، نجل شقيق الموسيقار الراحل. كما شارك في الحفل عدد من نجوم الموسيقى العربية بالأوبرا، وسط حضور جماهيري لافت، وكان من بين الحضور الفنانة ميرفت أمين، التي تربطها صداقة وثيقة بالمطربة غادة رجب.

وحققت غادة رجب حضوراً مميزاً، حيث اندمجت مع روائع الأغنيات التي جمعت بين إبداعات محمد الموجي، وأصوات كبار المطربين، والمطربات. وقدّمت لعبد الحليم حافظ قصيدة «رسالة من تحت الماء»، وغنّت لنجاة «أما براوة»، ولفايزة أحمد «يا تمر حنة»، ولمحرم فؤاد «الحلوة داير شباكها»، كما أدّت أغنية «أكدب عليك» لوردة، و«للصبر حدود» لسيدة الغناء العربي أم كلثوم. واختتمت الحفل بأغنية نجاح سلام «يا أحلى اسم في الوجود»، وسط تصفيق متواصل من الجمهور الذي تفاعل معها مردداً بعض المقاطع أثناء تنقلها بين الأغنيات.

كما تألق مطربو الموسيقى العربية المشاركون في الحفل؛ إذ قدّم أحمد محسن أغنيتي «أقول ما أقولش» و«ليه تشغل بالك» لعبد الحليم حافظ، وغنّت نهى حافظ «غاب القمر» و«في عينيك عنواني»، فيما أدّت حنان عصام «سلمولي على مصر» و«اسمع عتابي»، وقدّم محمد الطوخي أغنيتي «آخرة جرحي إيه» و«كامل الأوصاف».

يحيي الموجي يعزف على الكمان ألحان والده (دار الأوبرا المصرية)

وحظي عازف الكمان والمؤلف الموسيقي يحيى الموجي بتصفيق كبير من الحضور خلال مشاركته في الحفل الذي حلّ ضيفاً عليه، حيث قدّم عزفاً مميزاً على آلة الكمان. وكان المايسترو محمد الموجي قد قدّمه في مستهل الحفل، مشيداً بمشاركته، وبحضور الفنانة ميرفت أمين، والجمهور. وبدأ الحفل بعزف مقطوعة موسيقية بعنوان «موجيات»، أعقبتها مشاركة الكورال بأغنية «بيت العز».

وعدّ الناقد الموسيقي أحمد السماحي عودة غادة رجب إلى حفلات الأوبرا «خطوة مهمة»، واصفاً إياها بأنها «واحدة من الموهوبات الجميلات في الساحة الغنائية، وصاحبة صوت له ملامح خاصة، وإمكانات كبيرة». وقال السماحي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إنها «ابتعدت لسنوات عن الساحة الفنية لرعاية طفلتها»، معرباً عن أمله في أن تعود خلال الفترة المقبلة بأعمال غنائية جديدة، ومؤكداً أن الساحة الفنية تفتقد صوتها.

وأشاد السماحي بالحفلات التي تنظمها دار الأوبرا للاحتفاء برموز الموسيقى، والغناء، واصفاً إياها بأنها «ضرورية جداً في ظل حالة التخبط التي تشهدها الساحة الغنائية حالياً»، مؤكداً أن «الغناء يمر بحالة من الارتباك، خصوصاً على مستوى اختيار الكلمات، لا سيما في بعض أغنيات المهرجانات، والراب».

وأشار الناقد المصري إلى أن حفلات الأوبرا تتيح مساحة للجمهور للاستمتاع بجماليات الفن الراقي، وفي الوقت نفسه تسهم في الحفاظ على الفنون الأصيلة، وتعزيز الذوق العام، مؤكداً أن «حفلات الأوبرا، إلى جانب حفلات موسم الرياض، أسهمت في إنقاذ الساحة الغنائية من فوضى أغنيات المهرجانات، كما أن الاحتفاء بالموجي ورموز الغناء يمثل ترسيخاً للحضور الفني المصري، والعربي، وتكريمهم بعد رحيلهم أمر بالغ الأهمية للأجيال الجديدة».

ويُلقّب الموسيقار محمد الموجي (1923–1995) بـ«فارس النغم»، وهو أحد أبرز المجددين في الموسيقى والغناء العربي منذ خمسينات القرن الماضي، وحتى رحيله. وقد رافق العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ منذ بداياته، ملحناً له نحو 54 أغنية تنوعت بين العاطفية، والوطنية، والدينية، من بينها «صافيني مرة»، و«يا قلبي خبي»، و«رسالة من تحت الماء»، و«قارئة الفنجان». كما لحّن لسيدة الغناء العربي أم كلثوم عدداً من الأعمال الخالدة، من بينها «يا صوت بلدنا»، و«للصبر حدود»، و«اسأل روحك».


أطعمة تعزز المناعة وتحدّ من الالتهابات لدى النساء

الأطعمة الغنية بالبروبيوتيك مثل الزبادي ومخلل الملفوف تقلل الالتهابات لدى السيدات (جامعة أريزونا)
الأطعمة الغنية بالبروبيوتيك مثل الزبادي ومخلل الملفوف تقلل الالتهابات لدى السيدات (جامعة أريزونا)
TT

أطعمة تعزز المناعة وتحدّ من الالتهابات لدى النساء

الأطعمة الغنية بالبروبيوتيك مثل الزبادي ومخلل الملفوف تقلل الالتهابات لدى السيدات (جامعة أريزونا)
الأطعمة الغنية بالبروبيوتيك مثل الزبادي ومخلل الملفوف تقلل الالتهابات لدى السيدات (جامعة أريزونا)

تشير توصيات أطباء النساء والتوليد واختصاصيي التغذية إلى أن النظام الغذائي المتوازن يلعب دوراً محورياً في الوقاية من الالتهابات المتكررة لدى النساء، من خلال دعم جهاز المناعة، والحفاظ على التوازن البكتيري الطبيعي في الجسم. ويؤكد الخبراء أن تناول أطعمة مغذية ومتنوعة يعزز نمو البكتيريا النافعة، ما يقلل خطر الالتهابات، ويحافظ على الصحة العامة، والجهاز التناسلي للمرأة، وهو عامل أساسي في الوقاية من المشكلات الصحية المتكررة، وذلك بحسب مجلة «Prevention» الأميركية.

وتقول الدكتورة شيري روس، طبيبة النساء والتوليد الأميركية، إن «التوازن في الحياة ينعكس مباشرة على التوازن في الصحة الجنسية»، موضحة أن «تأثير الغذاء لا يقتصر على الصحة العامة فقط، بل يمتد أيضاً إلى تنظيم الهرمونات، ووظائف الجهاز المناعي، ما يعكس تأثيره المباشر على الصحة الجنسية».

فيما تؤكد اختصاصية التغذية كاثرين ألباريكو أن «الجسم المتغذّي جيداً يكون أكثر قدرة على الحفاظ على بيئة صحية، بينما ترتبط الفجوات الغذائية أو الإفراط في الأطعمة المصنعة بتكرار الالتهابات، والشعور بعدم الراحة».

وتضيف الدكتورة جيسيكا شيبرد، طبيبة النساء والتوليد، أن نوعية الطعام والعناصر الغذائية المستهلكة تؤثر على الهرمونات، ووظائف المناعة، ما ينعكس على صحة الجهاز التناسلي بشكل مباشر.

وتشير الدراسات إلى أن الأطعمة الغنية بالبروبيوتيك تعتبر من أهم عوامل دعم الصحة الجنسية لدى النساء، لاحتوائها على سلالات البكتيريا النافعة. وتشمل هذه الأطعمة الزبادي، ومخلل الملفوف، والكيمتشي، والمخللات، واللبن الرائب، والكفير، وهي تساهم في الحفاظ على التوازن البكتيري الطبيعي، وتقليل خطر العدوى.

وإلى جانب ذلك، تلعب مضادات الأكسدة دوراً حيوياً في حماية الأنسجة الحساسة من التلف. فالأطعمة الغنية بفيتامين «سي» والبوليفينولات، مثل التوت، والحمضيات، والشاي الأخضر، تقلل من الإجهاد التأكسدي الذي قد يضر بالأنسجة المبطنة للجهاز التناسلي، وتمتلك خصائص مضادة للبكتيريا، والفطريات، كما تدعم إصلاح الأنسجة، وتعزيز المناعة.

وتشير الأبحاث إلى أن الأطعمة منخفضة المؤشر الغلايسيمي، التي ترفع مستوى السكر في الدم ببطء، مثل التفاح، والجريب فروت، والعنب، والفول السوداني، والملفوف، قد تقلل خطر الالتهابات البكتيرية، وتخفف الالتهاب العام، كما تساهم في الحفاظ على التوازن الصحي لدرجة الحموضة داخل الجهاز التناسلي.

وعلى صعيد الفيتامينات، يعتبر فيتامين «د» عنصراً أساسياً لصحة المرأة، لدوره في تعزيز المناعة، والحفاظ على سلامة الأنسجة، والمساعدة في الوقاية من العدوى، إضافة إلى دعمه للتوازن الحمضي الطبيعي. كما يتميز فيتامين (E) بخصائصه المضادة للأكسدة، والالتهاب، إذ يساعد على ترطيب الأنسجة، ودعم مرونتها.

ويشير الأطباء إلى أن الطبيعة الحمضية للجهاز التناسلي الأنثوي تمثل خط دفاع أساسياً ضد العدوى، ويمكن دعم هذا التوازن عبر عناصر غذائية مهمة، مثل المغنيسيوم الموجود في الخضراوات الورقية، والبذور، واللوز، ومنتجات الألبان، والزنك الذي يعزز نمو البكتيريا النافعة، ويدعم المناعة، ويتوافر في بذور القرع، واللحوم الحمراء، والبقوليات، والمحار. كما تلعب فيتامينات (B) دوراً أساسياً في إنتاج الطاقة، وتجدد الخلايا.