بروفايل: باتيلي... هدفه «ترويض» الأزمة الليبية

الأكاديمي السنغالي المخضرم أمام تحديات مهمته الأممية

بروفايل: باتيلي... هدفه «ترويض»  الأزمة الليبية
TT

بروفايل: باتيلي... هدفه «ترويض» الأزمة الليبية

بروفايل: باتيلي... هدفه «ترويض»  الأزمة الليبية

بخلاف جميع المبعوثين الأمميين السابقين إلى ليبيا، اعتمد عبد الله باتيلي، الأكاديمي والسياسي السنغالي، مبكراً نظرية الصدمة والمكاشفة بحقيقة الأمور، غير عابئ بغضب ساستها، أو من يتولى منهم إدارة المؤسسات الحاكمة بالبلاد. إذ كان ولا يزال الأهم، من وجهة نظره «إنقاذ ليبيا من العودة للاقتتال الأهلي، ووضعها على خريطة الانتخابات سريعاً». باتيلي، الذي تسلم مهامه كمبعوث أممي في ليبيا قبل خمسة أشهر، كان يعلم أنه جاء إلى بلد يموج بالصراعات على السلطة والمال، ويدرك أيضاً أنه أتى بعد إخفاق سبعة من أسلافه الأمميين في حلّ المعضلة السياسية. ولذا؛ تبدو حظوظه وفيرة بالنظر إلى حجم الضغوط الدولية التي تسانده وتقف في ظهره؛ ما يمنحه فرصة كبيرة لترويض الأزمة المُعقدة منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، عام 2011، ثم إن ما مضى من تاريخ الرجل الأفريقي، الذي يقف على مشارف الثمانين من عمره، أزاح بعض مخاوف الليبيين، لاعتبارات عدة، من بينها تراكم خبراته، وسجله السابق في حل نزاعات القارة السمراء، بيد أن إقدامه على طرح مبادرة «أحادية» لحل أزمة بلدهم وضعه في مرمى الانتقادات، التي وصلت إلى توجيه اللوم له من أحد الساسة الليبيين، بأنه «ليس حاكماً لليبيا كي يشكّل أجساماً سياسية جديدة من تلقاء نفسه». ويرجع انتقاد البعض للمبعوث الأممي إلى المبادرة التي طرحها خلال إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي، وتقضي بإجراء الانتخابات قبل نهاية العام، بجانب ما تطرق إليه من «أزمة شرعية النخبة السياسية» في ليبيا، عندما قال إن «معظم مؤسسات الدولة فقدت شرعيتها منذ سنوات»، وأن «مجلسي النواب والدولة لم ينجحا في التوافق على قاعدة دستورية».

تجرأ عبد الله باتيلي، الوسيط الأممي في ليبيا، بعكس سابقيه في شغل هذه المنصب، على نكء جرح غائر بتطرقه إلى «شرعية مؤسسات الدولة» في ليبيا وهو لمّا ينه بعد شهره الخامس في مهمته. ذلك أن جُلّ من سبقوه لم يدخلوا هذه «المنطقة الشائكة»، إلا قرب نهاية خدمتهم، أو عقب مغادرتهم المنصب، مدوّنين ذلك في مؤلفات أو عبر مشاركات إعلامية. وكان قد سبق للمستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بشأن ليبيا، ستيفاني وليامز، أن دعت النخبة السياسية في ليبيا إلى التوقف عن «لعبة الكراسي الموسيقية» للبقاء في السلطة. وأشارت في تصريحات صحافية يومذاك، إلى انتهاء مدة التفويض الممنوح لمجلس النواب بموجب انتخابه قبل أكثر 8 سنوات، وكذلك انتهاء صلاحية المجلس الأعلى للدولة المنتخب قبل 11 سنة.

- خبير المراجعة الاستراتيجية
لم يمنع حاجز اللغة باتيلي، خبير المراجعة الاستراتيجية المستقل، الذي خلف السلوفاكي يان كوبيش، من أن يطوف أرجاء ليبيا ويلتقي مكوّناتها السياسية والأمنية والاجتماعية والمدنية كافة، طوال الأشهر الخمسة الماضية، فيصغي إلى آرائهم بشأن إمكانية حل أزمتهم السياسية. فالرجل يجيد الإنصات والارتجال، مستعيناً على ذلك بخبراته كمحاضر جامعي سابق. والحقيقة، بدا أن المبعوث الأممي ذا الصوت الجهوري - المرتدي غالباً الزي السنغالي بألوان داكنة - كان يتوقع هجوماً قادماً بشأن مبادرته؛ ولذا نقل لمجلس الأمن «شغف» من التقاهم من الليبيين بإنهاء المرحلة الانتقالية والتوجه إلى الانتخابات، كما ذكر أنه تلقى منهم العديد من المقترحات شفهياً وكتابياً حول سبل معالجة الجمود السياسي.
وحقاً، المبعوث الأممي يحرص على توسيع نطاق مشاوراته أفريقياً وعربياً وأوروبياً، ملتقياً بـ«الشركاء» في كل من الجزائر وتونس وبرازافيل والرباط وروما والقاهرة وباريس ولندن وبرلين وموسكو وواشنطن. وكاشفاً عن أنه عبّر لهم جميعاً عن «بواعث قلقه بشأن العملية السياسية في وضعها الحالي، وضرورة إنهاء الترتيبات الانتقالية المتكررة». إذ يرى أن الأمور في ليبيا «لا تخدم سوى أولئك المستفيدين من الوضع القائم».
يجيد باتيلي، أربع لغات هي الإنجليزية والفرنسية، والسونينكية (وهي لغة إمبراطورية غانا في القرون الوسطى التي أسسها شعب السونينكه. وحالياً يتكلمها أبناء هذا الشعب المنتشرون في مالي، وكذلك في شرق السنغال وغامبيا وجنوب موريتانيا) كما والولوفية (لغة أكبر شعوب السنغال وإحدى أقليات موريتانيا). وهو حاصل على دكتوراه الفلسفة في التاريخ من جامعة برمنغهام البريطانية، بالإضافة إلى دكتوراه ثانية من جامعة «شيخ أنتا ديوب» (أهم جامعات السنغال) في دكار. وأما على صعيد العمل، فإن باتيلي عمل محاضراً في عدد من الجامعات العالمية، بعد اكتسابه خبرة في تدريس التاريخ لما يربو على 30 سنة في جامعة «شيخ أنتا ديوب». وقبل أن يأتي إلى ليبيا، تجمّعت للمبعوث الأممي خبرة تزيد على 40 سنة عمل خلالها مع حكومة بلاده والمؤسسات الأكاديمية والمنظمات الإقليمية ومنظومة الأمم المتحدة. وفي آخر مهمة له مع الأمم المتحدة، عُيّن عام 2021 بصفة خبير مستقل في المراجعة الاستراتيجية لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

- «شغف الحرية» والسياسة
ما بين العمل الحزبي، والأكاديمي، مروراً بالترشح للرئاسة في السنغال بين عامي 1993 و2007، ظل عبد الله باتيلي عاشقاً الكتابة في بمجالي السياسة والتاريخ. وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلن عن نشره كتابه «شغف الحرية»، غير أن ذلك يخفي وراءه تاريخاً سياسياً للرجال امتد منذ بداية التسعينات. إذ دخل باتيلي معترك الحياة السياسية مبكراً عبر الالتحاق بحزب «الرابطة الديمقراطي» اليساري، الذي رشحه لخوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت في فبراير (شباط) عام 1993، فحل رابعاً بنسبة قليلة من مجمل الأصوات. وفي عام 2000 أيد باتيلي (الرئيس الحالي) عبد الله واد، مرشح المعارضة الليبرالية (يومذاك) في الانتخابات الرئاسية، التي فاز فيها الأخير منهياً أربعة عقود من حكم الاشتراكيين (يسار الوسط). وبعدها أسند لباتيلي وزارة الطاقة والمياه التي احتفظ بها قرابة سنة. ثم خاض باتيلي، الانتخابات الرئاسية مجدداً في فبراير 2007، واحتل المركز السادس بنسبة 2.21 في المائة من الأصوات، وفقاً للنتائج الرسمية. لكن حملته الانتخابية رفضت النتائج بحجة حدوث تلاعب في الأصوات، وتقدمت بطعن، لكن «المجلس الدستوري» بالبلاد رفضه. وللعلم، لباتيلي تاريخ من النضال، فقد سبق واحتجزته الشرطة في عام 2007، لفترة وجيزة إثر مشاركته ومعارضين آخرين مظاهرة نددت بتأخر إجراء الانتخابات. كذلك انتقد الرئيس واد وحكمه بوصفه بـ«حكم الأسرة» عقب تشكيل حكومة في مايو (أيار) 2009 ضمت كريم، نجل الرئيس، آنذاك.

- «عسكريون بطوليون»
لا يخفي «السياسي السابق» والمبعوث الأممي الحالي، مدى ارتياحه لجهة تفاعل العسكريين في ليبيا مع الأحداث الراهنة. وبالذات، استجابتهم للتعاطي مع القضايا الراهنة بالعمل على تثبيت «هدنة وقف إطلاق النار» ومناقشة ملف إخراج «المرتزقة» والقوات الأجنبية من بلدهم. وبعد اجتماع سابق ضم أعضاء اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» قال باتيلي، خلال مؤتمر صحافي «كما ترون، الأمور تتحرَّك؛ فهؤلاء الرجال الذين يرتدون الزي العسكري يلعبون دوراً بطولياً... إننا نتوقَّع هذا الالتزام والمثابرة من الأطراف السياسية أيضاً، لتخرج ليبيا من أزمتها». وأردف «أُجدّد تقديري للقادة العسكريين على التزامهم. إذا اجتمع القادة السياسيون بنفس الروح، لكانت الأزمة في ليبيا قد حُلت منذ وقت طويل».
الآن، تتركز عقبة باتيلي، مع مجلسي النواب والدولة اللذين يرون أنه «يفرض عليهما رؤية تمس السيادة الوطنية للدولة، وتقوّض جهودهما في سنّ القوانين اللازمة لإجراء الاستحقاق». بيد أن باتيلي - الذي تحظى مبادرته بدعم أميركي وأوروبي - يسعى إلى انخراط جميع القادة الليبيين، بمن فيهم رئيسا مجلسي النواب والدولة، عقيلة صالح وخالد المشري، في كسر حلقة الأزمة السياسية الراهنة من خلال تهيئة الظروف لإجراء انتخابات شاملة قبل نهاية العام الحالي، باعتبارها «أولوية قصوى لبعثة الأمم المتحدة».
وبعد موجة اعتراضات، نجح باتيلي في إقناع بعض ساسة ليبيا بخطته، بينهم المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي». وقال باتيلي، عقب لقاء حفتر، في مدينة بنغازي، إنه «يدعم جهودي في العملية السياسية، والعمل المهم الذي تجريه اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) من أجل توفير بيئة أمنية مواتية للعملية الانتخابية».
وأيضاً بفضل إلحاح باتيلي وطرقه جميع أبواب الساسة، تغيّر موقف حكومة الدبيبة، من الرفض إلى التأييد. وكانت الحكومة التي تمارس مهامها من العاصمة طرابلس قد استبقت ترشيح باتيلي، لمنصب المبعوث الأممي، بإعلان رفضها إياه، وأرجع طاهر السني، مندوب ليبيا بالأمم المتحدة التابع لحكومة الدبيبة، الأمر حينها، إلى «وجود مفاوضات عميقة وجدية مع الليبيين بخصوص المبعوث الجديد، حتى نضمن أن العمل مع الوسيط الأممي سيكون ناجحاً».

- صعوبات وتحديات
اليوم، يجد المبعوث الأممي المخضرم، نفسه أمام ضرورة بذل مزيد من الجهد لتطويع الأزمة وإقناع معارضيه بالحل قبيل إعلانه المرتقب عن شكل لجنة الانتخابات التي سبق تكلمه عنها. ويراهن مؤيدوه على حنكته في احتواء جميع الأطراف الرافضة خريطته. وهنا يفترض أن باتيلي سيعوّل من جهة على الزخم الدولي الداعم لتحركه، ومن جهة ثانية سيستعين بالضغط الشعبي على صالح والمشري، لحثهم على الاتفاق بشكل أسرع لإنهاء القوانين الانتخابية. وجانب من المراهنة على باتيلي، يتمثل في مدى إقناع القاهرة بالعدول عن موقفها الرافض لمبادرته التي ترى فيها «افتئاتاً واضحاً على دور المؤسسات الليبية الشرعية والمنتخبة». فالقاهرة، أبدت على لسان وزارة خارجيتها «اندهاشاً شديداً من دعم مجلس الأمن الدولي، مبادرات مُبهمة وغير محددة المعايير والأهداف، في محاولة لإضفاء الشرعية على عملها»، ورأت أن «استخدام صياغات غير مُحكمة، مثل (الجهات الفاعلة الأمنية)، يفتح المجال للتأويل والتناقض مع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة». وانتهت الخارجية المصرية، إلى أن بيان التأييد الصادر عن مجلس الأمن «يزيد من حالة الانقسام والتناحر على الساحة الليبية، ويقوّض من فرص إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أسرع وقت في إطار توافق وطني ليبي».

- محطات مهنية لافتة
مسيرة عبد الله باتيلي، حافلة بالمحطات المهمة؛ إذ شغل في السابق منصب نائب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في بعثة الأمم المتحدة المتكاملة والمتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي بين عامي (2013 - 2014) والممثل الخاص لوسط أفريقيا ورئيس المكتب الإقليمي للأمم المتحدة في وسط أفريقيا بالغابون بين عامي (2014 - 2016).
وفي عام 2018 عُيّن مستشاراً خاصاً للأمين العام بشأن مدغشقر. وفي 2019 عُيّن خبيراً مستقلاً للمراجعة الاستراتيجية لمكتب الأمم المتحدة في غرب أفريقيا.
أيضاً شغل مواقع وزارية في حكومة بلاده السنغال، أبرزها توليه مناصب وزير أول في مكتب الرئيس والمكلف الشؤون الأفريقية (2012 - 2013) ووزير الطاقة والمياه (2000 - 2001) ووزير البيئة وحماية الطبيعة (1993 – 1998).
وبعد انتخابه لعضوية الجمعية الوطنية للسنغال في 1998، شغل منصب نائب رئيس الجمعية في الفترة 2001 - 2006. وانتخب أيضاً لعضوية الجمعية الاقتصادية لبرلمان دول غرب أفريقيا (2002 - 2006).


مقالات ذات صلة

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

شمال افريقيا «ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

حلت نجلاء المنقوش، وزيرة الشؤون الخارجية الليبية، أمس بتونس في إطار زيارة عمل تقوم بها على رأس وفد كبير، يضم وزير المواصلات محمد سالم الشهوبي، وذلك بدعوة من نبيل عمار وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج. وشدد الرئيس التونسي أمس على موقف بلاده الداعي إلى حل الأزمة في ليبيا، وفق مقاربة قائمة على وحدتها ورفض التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية. وأكد في بيان نشرته رئاسة الجمهورية بعد استقباله نجلاء المنقوش ومحمد الشهوبي، وزير المواصلات في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، على ضرورة «التنسيق بين البلدين في كل المجالات، لا سيما قطاعات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والأمن».

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

أكدت السعودية أمس، دعمها لحل ليبي - ليبي برعاية الأمم المتحدة، وشددت على ضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، حسبما جاء خلال لقاء جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا ورئيس البعثة الأممية فيها. وتناول الأمير فيصل في مقر الخارجية السعودية بالرياض مع باتيلي سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، والجهود الأممية المبذولة لحل الأزمة. إلى ذلك، أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، فيما شهدت طرابلس توتراً أمنياً مفاجئاً.

شمال افريقيا ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

فتحت الانشقاقات العسكرية والأمنية التي عايشتها ليبيا، منذ رحيل نظام العقيد معمر القذافي، «بوابة الموت»، وجعلت من مواطنيها خلال الـ12 عاماً الماضية «صيداً» لمخلَّفات الحروب المتنوعة من الألغام و«القنابل الموقوتة» المزروعة بالطرقات والمنازل، مما أوقع عشرات القتلى والجرحى. وباستثناء الجهود الأممية وبعض المساعدات الدولية التي خُصصت على مدار السنوات الماضية لمساعدة ليبيا في هذا الملف، لا تزال «قنابل الموت» تؤرق الليبيين، وهو ما يتطلب -حسب الدبلوماسي الليبي مروان أبو سريويل- من المنظمات غير الحكومية الدولية العاملة في هذا المجال، مساعدة ليبيا، لخطورته. ورصدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في تقر

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

أكدت السعودية دعمها للحل الليبي - الليبي تحت رعاية الأمم المتحدة، وضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، وجاءت هذه التأكيدات خلال اللقاء الذي جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. واستقبل الأمير فيصل بن فرحان في مقر وزارة الخارجية السعودية بالرياض أمس عبد الله باتيلي وجرى خلال اللقاء بحث سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، إضافة إلى استعراض الجهود الأممية المبذولة لحل هذه الأزمة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا «الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

«الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي، عن دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية (غرب البلاد) في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، وذلك في ظل توتر أمني مفاجئ بالعاصمة الليبية. وشهدت طرابلس حالة من الاستنفار الأمني مساء السبت في مناطق عدّة، بعد اعتقال «جهاز الردع» بقيادة عبد الرؤوف كارة، أحد المقربين من عبد الغني الككلي رئيس «جهاز دعم الاستقرار»، بالقرب من قصور الضيافة وسط طرابلس. ورصد شهود عيان مداهمة رتل من 40 آلية، تابع لـ«جهاز الردع»، المنطقة، ما أدى إلى «حالة طوارئ» في بعض مناطق طرابلس. ولم تعلق حكومة عبد الحميد الدبيبة على هذه التطورات التي يخشى مراقبون من اندلاع مواجهات جديدة بسببها،

خالد محمود (القاهرة)

مجلس النواب الليبي يرفض اتفاقاً دولياً أبرمته «الوحدة» لتطوير ميناء مصراتة

صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)
صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)
TT

مجلس النواب الليبي يرفض اتفاقاً دولياً أبرمته «الوحدة» لتطوير ميناء مصراتة

صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)
صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)

اعترض مجلس النواب الليبي على اتفاقية أبرمتها حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مع قطر وإيطاليا، لتطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة، بغرب البلاد، في ظل اتهامات بـ«التعدي على الموارد السيادية الليبية والتفريط في الثروات الوطنية».

واستنكرت لجنتا الطاقة والموارد الطبيعية والشؤون الخارجية في مجلس النواب، ما سمّته «محاولات المساس بالموارد السيادية» الليبية التي تقوم بها «الوحدة»، التي وصفتها اللجنتان بالحكومة «منتهية الولاية»، لإبرام عقود طويلة الأجل، تشمل «التفريط في مناطق اقتصادية حرة»، وفي «نسب عالية من الثروات النفطية لصالح شركات أجنبية» في صفقات «يشوبها الفساد وغياب الشفافية والمتاجرة السياسية».

واعتبرت اللجنتان في بيان مساء الأحد، أن هذه الإجراءات تمثل «مخالفة صريحة للإعلان الدستوري الذي وضع بالتعديل السابع قيوداً مشددة على أي التزامات تمس الموارد السيادية، لما لها من آثار بعيدة المدى على الاقتصاد الوطني وحقوق الأجيال القادمة، فضلاً عن مخالفة أحكام القانون والقرارات التي تحظر على أي حكومة المساس بالثروات والموارد السيادية، إلى حين انتخاب حكومة من الشعب».

وأشارت اللجنتان إلى «احتفاظ مجلس النواب بحقه الكامل في اتخاذ كل الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة لوقف هذه التجاوزات ومحاسبة المسؤولين عنها».

وكانت حكومة «الوحدة» قد أعلنت أن الاتفاقية التي وقعها الدبيبة، بحضور رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، تستهدف تنفيذ مشروع تطوير وتشغيل وتوسعة محطة الميناء باستثمارات تصل إلى 2.7 مليار دولار، لافتة إلى مشاركة شركات قطرية وإيطالية وسويسرية في المشروع، لرفع الطاقة الاستيعابية لميناء المنطقة الحرة مصراتة إلى نحو 4 ملايين حاوية سنوياً، بما يعزز موقع ليبيا مركزاً لوجستياً إقليمياً ضمن سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، ويدعم حركة الصادرات والواردات.

وتوقعت الحكومة أن يحقق المشروع إيرادات تشغيلية تقدر بنحو 600 مليون دولار سنوياً، إلى جانب توفير نحو 8.400 فرصة عمل مباشرة، ونحو 62 ألف فرصة عمل غير مباشرة، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني، وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى الخدمات اللوجستية.

صورة نشرها سفير روسيا لدى ليبيا خلال اجتماعه مع وزير النفط بحكومة «الوحدة»

من جانبه، قال السفير الروسي لدى ليبيا أيدار أغانين، إنه بحث الاثنين، بطرابلس مع وزير النفط والغاز بحكومة «الوحدة» خليفة عبد الصادق، سبل تعزيز التعاون الثنائي في قطاع النفط والغاز، وفرص توسيع مشاركة الشركات الروسية في مشاريع جديدة.

وكان عبد الصادق قد ناقش مع أمين ناصر، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، آفاق التعاون المشترك في قطاع الطاقة، وتبادل الرؤى حول تطوير الصناعة النفطية والغازية، والاستفادة من خبرات «أرامكو» في مجالات الابتكار والكفاءة التشغيلية والاستدامة، بما يسهم في دعم جهود تطوير قطاع الطاقة بليبيا.

كما بحث مع الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، التعاون في مجالات الطاقة، بما في ذلك تقنيات وحلول الطاقة وتعزيز فرص الاستثمار والتعاون في مجالات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة.


أحزاب مصرية تعيد ترتيب أوضاعها الداخلية بعد ماراثون انتخابات «النواب»

اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)
اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)
TT

أحزاب مصرية تعيد ترتيب أوضاعها الداخلية بعد ماراثون انتخابات «النواب»

اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)
اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)

في أعقاب انتهاء ماراثون انتخابات مجلس النواب المصري، دخلت الساحة الحزبية مرحلة جديدة من الحراك الداخلي، حيث شرعت أحزاب عدة؛ معارضة وأخرى محسوبة على الأكثرية البرلمانية، في مراجعة أوضاعها التنظيمية، عبر إجراء انتخابات قيادية، أو إعادة هيكلة مؤسساتها الداخلية.

هذه التحركات فتحت باب التساؤل حول طبيعة التحركات، وهل تمثل استحقاقاً ديمقراطياً طبيعياً بعد انتهاء المدد القانونية للقيادات، أم محاولة لامتصاص تداعيات نتائج الانتخابات، وإعادة ترتيب الصفوف بعد خسائر، أو تراجع في التمثيل لبعض الكيانات.

وترى أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في القاهرة، نهى بكر، أن تلك التحركات «تمثل مزيجاً بين استحقاق ديمقراطي وترتيب للأوضاع، مع ميل واضح للخيار الثاني»، خصوصاً في ضوء تراجع تمثيل بعض الأحزاب.

قيادات في حزب الأكثرية «مستقبل وطن» خلال اجتماع مع كوادره (صفحة الحزب)

ويبرز «حزب الوفد»، أحد أعرق الأحزاب المصرية، بوصفه النموذج الأوضح لهذا الجدل؛ فالحزب يستعد لإجراء انتخابات رئاسته في 30 يناير (كانون الثاني) الحالي، وسط منافسة بين 4 مرشحين.

وتأتي الانتخابات عقب حصول «الوفد» على 10 مقاعد فقط في مجلس النواب؛ 8 منها عبر «القائمة الوطنية من أجل مصر»، التي ضمنت الفوز قبل انطلاق الانتخابات، ومقعدان بنظام الانتخابات الفردية، وهو ما عدّه كثيرون تراجعاً كبيراً عن أدواره التاريخية.

وترافقت التحضيرات للانتخابات الداخلية في «الوفد» مع تصاعد خطاب نقدي حاد من مرشحين وقيادات سابقة تجاه أداء القيادة المنتهية ولايتها برئاسة عبد السند يمامة، الذي تولى المنصب قبل 4 أعوام، وقرر عدم الترشح مجدداً.

ويعزو منتقدو الأداء هذا التراجع إلى «انفصال الحزب عن الشارع»، وفقدانه القدرة على التعبير عن هموم الناخبين، مع مطالبات بإعادة ترتيب البيت الداخلي واستعادة الدور السياسي للحزب.

وفي خضم هذا السجال، برز رئيس الحزب الأسبق السيد البدوي، الذي قارن نتائج الانتخابات الأخيرة بما حققه «الوفد» عام 2015 عندما حصد 36 مقعداً فردياً. كما انتقد نائب رئيس الحزب هاني سري الدين، تراجع الخطاب السياسي والتنظيمي، داعياً إلى «عملية إنقاذ مؤسسية» تعيد للحزب حضوره وتأثيره.

وقالت الدكتورة نهى بكر في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الوفد يواجه أزمة شرعية ووجود»، لكنها أشارت إلى أن الانتخابات الداخلية «قد تشكل فرصة حقيقية لتجديد الدماء، وإدخال وجوه جديدة قادرة على إعادة تعريف رسالة الحزب وجذب الناخبين، إلى جانب إعادة ترتيب التحالفات الداخلية».

ولا يقتصر المشهد على «الوفد»، إذ يستعد «حزب التجمع» (يسار) لإعادة ترتيب أوضاعه أيضاً بعد حصوله على 5 مقاعد فقط. ويوضح أحمد مجدي، عضو أمانة الإعلام بالحزب، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «التجمع» مقبل على عملية انتخابية تبدأ من القواعد في المحافظات، وصولاً إلى المؤتمر العام الذي سينتخب رئيس الحزب والمكتب السياسي والمجلس الاستشاري، في مسار قد يستغرق نحو 6 أشهر. ويؤكد أن هذه الخطوة تأتي في إطار تقييم شامل للتجربة الانتخابية الأخيرة والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.

اجتماع لقيادات حزب «الدستور» المصري المعارض (صفحة الحزب)

وتشير بيانات رسمية إلى أن 8 أحزاب «معارضة» حصلت مجتمعة على 53 مقعداً، أي ما يقارب 10 في المائة من أعضاء المجلس، وهو رقم يعكس محدودية التمثيل المعارض، ويطرح أسئلة حول قدرة الأحزاب على التوسع جماهيرياً.

وفي هذا السياق، يتوقع «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» ظهور وجوه جديدة في هيكل قيادته، خصوصاً بعد حصوله على 11 مقعداً، وبروز عدد من نوابه فاعلين مؤثرين في دوائرهم المحلية. ويؤكد نائب رئيس الحزب باسم كامل لـ«الشرق الأوسط»، أن الانتخابات الداخلية، التي تأجلت بسبب الاستعداد للانتخابات البرلمانية، ستبدأ من القواعد وصولاً إلى مؤتمر عام يضم نحو ألف عضو من المرجح عقده عقب عيد الفطر المقبل.

وبالمثل، يؤكد «حزب العدل»، الذي حصل أيضاً على 11 مقعداً، التزامه بالدورات الانتخابية المنتظمة، مع إجراء انتخابات رئاسة الحزب قبل يونيو (حزيران) المقبل، ضمن دورة تنظيمية تمتد 5 سنوات، وفق رئيسه عبد المنعم إمام، الذي شدد في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على أهمية الانتظام المؤسسي واعتماد الميزانيات والمؤتمرات السنوية.

وتكتسب هذه المراجعات الداخلية أهمية إضافية في ظل الحديث عن احتمالات إجراء الانتخابات المحلية خلال العام الحالي، حال إقرار قانون الإدارة المحلية. ويرى سياسيون أن الأحزاب ربما تسعى إلى إعادة ترتيب صفوفها استعداداً لهذا الاستحقاق المحتمل، باعتباره فرصة أوسع للاحتكاك المباشر بالشارع.

وهذه هي رؤية نائب رئيس حزب «المؤتمر» رضا فرحات، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، عن «ضرورة تعديل نظام القوائم وتقسيم الدوائر ومراجعة قانون الأحزاب»، علماً بأن حزبه فاز بـ4 مقاعد في انتخابات النواب.

وحتى الأحزاب التي لم تحصد أي مقاعد، مثل «الدستور»، تستعد لانتخابات داخلية، حيث ترى قيادته أن المشاركة في الانتخابات الأخيرة كانت بمثابة رسالة سياسية واختبار للنظام الانتخابي، أكثر منها رهاناً على الفوز، وفق رئيسته جميلة إسماعيل.

في المقابل، أعلن حزب «مستقبل وطن»، صاحب الأكثرية البرلمانية، مؤخراً، عن خطة لإعادة هيكلة واسعة للمناصب القيادية على المستويين المركزي والمحلي، استناداً إلى تقييم التجربة الانتخابية الأخيرة.

ويشكك نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، عماد جاد، في جدوى هذه التغييرات، معتبراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «أحزاب الأكثرية تعاني عيوباً هيكلية؛ أبرزها غياب البرامج السياسية الحقيقية، ما يجعل تأثيرها الشعبي محدوداً».

ومن جهتها، ترى نهى بكر أن الانتخابات الداخلية «تُمثل نظرياً فرصة للإصلاح وتجديد النخب، لكنها عملياً تواجه تحديات جسيمة، في مقدمتها ضعف الثقة الشعبية بالأحزاب، وانشغال المواطن بالهموم الاقتصادية، والانقسامات التنظيمية؛ وهو ما يضع علامات استفهام حول قدرة هذه الأحزاب على الانتقال من الوجود الشكلي إلى الفعل السياسي المؤثر».


الحياة تعود إلى سوق الخرطوم المركزية ولكن «لا شيء كما كان»

إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الحياة تعود إلى سوق الخرطوم المركزية ولكن «لا شيء كما كان»

إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)

في سوق الخرطوم المركزيّة، عاد الباعة لعرض الفاكهة والخضراوات أمام المارّة في أكوام صغيرة افترش الجزء الأكبر منها الأرض، «ولكن لا شيء كما كان قبل الحرب»، حسب بائع الفواكه، هاشم محمد.

بالقرب من هذه السوق قبل نحو ثلاث سنوات، استيقظ سكان وسط العاصمة السودانيّة على أصوات معارك سرعان ما حولتها إلى ساحة حرب دمّرت منشآتها وبناها التحتيّة.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023. وفرّ من الخرطوم نحو أربعة ملايين شخص، أي نصف عدد سكانها. وقبل اندلاع الحرب، تحالف الجيش و«الدعم السريع» للإطاحة بالمدنيين من حكومة انتقالية لم تعش طويلاً، تولّت الحكم بعد احتجاجات أنهت 30 عاماً من حكم الرئيس السابق عمر البشير.

لم يكن محمد، بائع الفاكهة، بين من فروا من الخرطوم، بل واصل عمله في السوق، ولكن «بحذر شديد، لأن الهجمات كانت متكررة» لا سيما على المتاجر. ويفيد سكان الخرطوم بأنهم عاشوا في خوف مستمر من النهب والاعتداءات التي يرتكبها المقاتلون المتجولون في الشوارع.

وفي مارس (آذار) من العام الماضي شنّ الجيش هجوماً على العاصمة ومناطق وسط السودان، انتهى بإحكام السيطرة على الخرطوم وإخراج مقاتلي «الدعم السريع» إلى غرب البلاد، مما كشف عن حجم الدمار الذي خلّفته الحرب.

طريق طويل للتعافي

جندي سوداني أمام مبنى القصر الجمهوري الذي تعرض لدمار هائل إبان أيام الحرب في الخرطوم (أ.ب)

يجلس آدم حماد تحت مظلة تحميه وبضاعته من الشمس، مؤكداً في حديثه مع «وكالة الصحافة الفرنسية» أن «السوق ليست كما كانت، لكنها أفضل بكثير مما كانت عليه عندما كانت (قوات الدعم السريع) هنا».

في أزقة السوق الضيقة المتربة تتراكم الفواكه والخضراوات على أكشاك مؤقتة أو أغطية بلاستيكية على الأرض. لم تعد الخرطوم، التي أنهكتها المعارك وحُوصرت بعض أحيائها لأشهر، مهددة بالمجاعة التي تجتاح ساحات المعارك في مناطق أخرى. ولكن مع انهيار الاقتصاد ما زال توفير احتياجات الحياة اليومية أمراً صعباً.

وقال حماد: «يشكو الناس من الأسعار ويقولون إنها باهظة. يمكنك أن تجد كل شيء، لكن التكاليف في ارتفاع مستمر، المؤن والعمالة والنقل». ويوضح حماد أن ارتفاع الأسعار سببه صعوبة وصول البضائع إلى الخرطوم.

وتشهد معظم مناطق السودان قطعاً للطرق والاتصالات، مما يجعل الانتقال بين المدن أمراً صعباً ومكلفاً.

تدهور كبير للعملة

العملة السودانية (مواقع التواصل)

ومنذ سنوات، يشهد السودان معدلات تضخم تتجاوز 100 في المائة. وفي عام 2024 وصل التضخم إلى 151 في المائة بعد ذروة بلغت 358 في المائة عام 2021.

وتعاني العملة المحلية انهياراً حاداً حيث انخفضت قيمتها من 570 جنيهاً سودانياً للدولار الأميركي قبل الحرب إلى 3500 جنيه مقابل الدولار في عام 2026، وفقاً لسعر السوق السوداء.

ويقول مُدرّس تحدث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنه كان قادراً على تحمل نفقات عائلته قبل سنوات قليلة، لكنه اليوم لم يعد قادراً على دفع إيجار منزله براتبه الشهري البالغ 250 ألف جنيه سوداني (نحو 71 دولاراً). ومن أجل تحمل تكاليف إطعام طفليه وتوفير رسوم التعليم والرعاية الصحية يضطر إلى «العمل في السوق أو في أي مكان آخر» في أيام عطلته.

وأضاف، طالباً عدم ذكر اسمه حفاظاً على خصوصيته: «تجنباً للمشكلات مع الأجهزة الأمنية لا بد من العمل في وظيفة أخرى لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية».

ويرى البائع آدم حماد أن طريق التعافي سيكون طويلاً، قائلاً: «لا نملك موارد ولا أيدي عاملة ولا سيولة كافية في السوق» بالإضافة إلى الانقطاع المستمر للكهرباء. وأضاف «تسعى الحكومة لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. إن شاء الله ستعود الكهرباء قريباً وترجع الخرطوم إلى ما كانت عليه».