رئيس أوكرانيا يزور خيرسون بعد يوم من ظهوره المفاجئ في باخموت

تعهد «استعادة كل شيء» و«الإفادة» من الإرهاق الروسي

زيلينسكي في خيرسون المحتلة جزئياً من روسيا في جنوب أوكرانيا (رويترز)
زيلينسكي في خيرسون المحتلة جزئياً من روسيا في جنوب أوكرانيا (رويترز)
TT

رئيس أوكرانيا يزور خيرسون بعد يوم من ظهوره المفاجئ في باخموت

زيلينسكي في خيرسون المحتلة جزئياً من روسيا في جنوب أوكرانيا (رويترز)
زيلينسكي في خيرسون المحتلة جزئياً من روسيا في جنوب أوكرانيا (رويترز)

بعد يوم من ظهوره المفاجئ في باخموت، توجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، إلى منطقة خيرسون المحتلة جزئياً من روسيا في جنوب أوكرانيا، وزار خصوصاً بلدة بوساد - بوكروفسكي التي تعرضت لدمار كبير، واحتلتها موسكو حتى انسحاب الجيش الروسي في خريف 2022، ونشر مكتبه لقطات من الزيارة التي تعهد خلالها «باستعادة كل شيء»، من القوات الروسية. ودفع هجوم مضاد أوكراني، أواخر العام الماضي، القوات الروسية للانسحاب من خيرسون، بعد أشهر من الاحتلال.
وتزامناً مع الزيارة، أعلنت أوكرانيا، أمس (الخميس)، أنها تعتزم «الإفادة قريبا جداً» من الإرهاق الروسي في باخموت، حيث تتركز المعارك في شرق البلاد، مع تكبد القوات الروسية و«مجموعة فاغنر» التي تشكل رأس حربة في المواجهات، خسائر كبيرة. واتفقت هيئة الأركان العسكرية الأوكرانية على أن الإمكانات الهجومية الروسية في باخموت آخذة في التراجع، إلا أن تقييم وزارة الدفاع البريطانية يقول إنه لا يزال هناك خطر من احتمال محاصرة القوات الأوكرانية في باخموت، لكن المقاومة الصلبة التي يقوم بها مدافعون أوكرانيون في باخموت التي تشهد أكثر معارك المشاة دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، دفعت المخابرات العسكرية البريطانية إلى الاعتقاد بأن هجوم روسيا على المدينة ربما يفقد زخمه، وقد يتوقف، بسبب المقاومة الشرسة التي يواجهها.
وقالت الوزارة في تحديثها الاستخباراتي اليومي عبر «تويتر»: «استعادت روسيا جزئياً السيطرة على المداخل الفورية لبلدة كريمنيا التي كانت تتعرض لتهديد أوكراني فوري أوائل العام». وتابعت الوزارة: «حققت روسيا مكاسب في بعض الأماكن لما يصل إلى العديد من الكيلومترات». وأضافت أن القوات الروسية من المرجح أن تقيم حالياً «منطقة أمنية» إلى الغرب من مواقعها الدفاعية المجهزة. وبالقيام بذلك، من المحتمل أن يشملوا نهر أوسكيل بوصفه عائقاً طبيعياً، وأيضاً محاولة استعادة كوبيانسك، وهي مركز لوجيسيتي. غير أن روسيا من حيث المبدأ تواصل نهجاً دفاعياً في شرق أوكرانيا.
ويطوق الجيش الروسي ومقاتلو «مجموعة فاغنر» باخموت من الشمال والشرق والجنوب، الأمر الذي يجعل وصول الإمدادات إلى الأوكرانيين أكثر صعوبة. ورغم أن هذه المدينة التي دُمر جزء كبير منها بالقصف تحولت إلى رمز للمقاومة الأوكرانية للغزو، فإن المحللين يشككون في أهميتها الاستراتيجية. وتقول كييف إن المعركة من أجل هذه المدينة الصناعية التي كان يبلغ عدد سكانها قبل الحرب 70 ألف نسمة، أساسية من أجل صد القوات الروسية على طول الجبهة الشرقية. وأصبحت باخموت هدفاً رئيسياً لموسكو التي تعتبر المدينة نقطة انطلاق نحو استكمال غزوها لمنطقة دونباس شرق أوكرانيا. وفي إظهار للتحدي، نشر مكتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مقطع فيديو له وهو يوزع ميداليات على القوات التي قال إنها بالقرب من خط المواجهة في باخموت. وكتب قائد القوات البرية الأوكرانية، أولكسندر سيرسكي، على «تلغرام»: «لا ييأس المعتدي من السيطرة على باخموت بأي ثمن، رغم الخسائر في العناصر والمعدات». وأكد أن القوات الروسية المستنفرة في شكل كبير في باخموت وحولها «تخسر قوة كبيرة، وباتت مستنفدة». وأضاف سيرسكي: «قريباً جداً، سنستفيد من هذه الفرصة كما فعلنا سابقاً قرب كييف وخاركيف وبالاكليا وكوبيانسك»، في إشارة إلى انتصارات عسكرية أوكرانية سابقة. وتأتي هذه التصريحات غداة زيارة ثانية خلال 3 أشهر قام بها الرئيس زيلينسكي لهذه المنطقة التي تشهد معارك شرسة، تعبيراً عن دعمه الكبير للعسكريين الأوكرانيين. وأشاد مجدداً بـ«الشجاعة الخارقة» للجنود الأوكرانيين في مواجهة القوات الروسية.
وقالت هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني في تقرير نشرته صباح أمس (الخميس): «يواصل العدو شن عمليات هجومية، ويعاني من خسائر فادحة، ويفقد كمية كبيرة من الأسلحة والمعدات العسكرية». وأضافت: «المدافعون الأوكرانيون يصدون العديد من هجمات العدو على مدار الساعة في المناطق المجاورة لباخموت وبوهدانيفكا وبريدتشين»، موضحة أن العديد من التجمعات السكنية بالقرب من خط التماس تعرضت للقصف. وذكر الجيش الأوكراني أن 660 جندياً روسياً و13 دبابة ونظام دفاع جوي واحداً و11 ناقلة جند مدرعة دُمرت في اليوم السابق، لكن من الصعب التأكد من صحة التقارير، كما جاء في تقرير «رويترز». وخلال ليل الأربعاء، دوت صفارات الإنذار في أنحاء متفرقة من العاصمة ومناطق من شمال أوكرانيا. وقال الجيش الأوكراني إنه أسقط 16 من أصل 21 طائرة انتحارية إيرانية الصنع من طراز «شاهد».
وقال الأمين العام لـ«حلف شمال الأطلسي» (الناتو) ينس ستولتنبرغ، في حوار مع صحيفة «غارديان» البريطانية نُشر أمس (الخميس) إنه سيتعين على الدول الغربية دعم أوكرانيا لفترة طويلة، في ظل الاجتياح الروسي الشامل للبلاد. وأضاف أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «لا يخطط للتوصل للسلام، إنما يخطط لمزيد من الحرب». وأوضح أن روسيا تعزز من الإنتاج الصناعي العسكري، كما تتواصل مع الأنظمة السلطوية في محاولة للحصول على مزيد من الأسلحة. ونتيجة لذلك، يتعين على الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والدول الغربية الأخرى الاستعداد لدعم أوكرانيا بالأسلحة والذخيرة وقطع الغيار لفترة طويلة.
وقال نائب مجلس الأمن القومي الروسي، ديمتري ميدفيديف، إن بلاده تخطط لإنتاج 1500 دبابة العام الحالي من أجل الحرب ضد أوكرانيا. وأضاف ميدفيديف، وهو رئيس سابق للبلاد، في مقابلة نشرت أمس (الخميس)، على قناته، عبر تطبيق «تلغرام»: «المجمع العسكري الصناعي يعمل بلا هوادة». وتابع أن الغرب يحاول قطع روسيا عن المكونات المهمة، ويزعمون أن قذائف المدفعية والدبابات والصواريخ بدأت تنفد من البلاد، مضيفاً: «ولكننا ننتج 1500 دبابة العام الحالي وحده».
وقال ستولتنبرغ: «الحاجة لذلك سوف تستمر، لأن هذه حرب استنزاف؛ هي تتعلق بالقدرة الصناعية على الحفاظ على الدعم». وكانت دول «الاتحاد الأوروبي» قد وافقت، مطلع هذا الأسبوع، على إمداد أوكرانيا بمليون طلقة ذخيرة مدفعية على مدار الـ12 شهراً المقبلة. وفي ظل المعدات التي تحصل عليها من الغرب، سوف يتمكن الأوكرانيون من «شن هجوم واستعادة الأراضي» رغم أن ستولتنبرغ أضاف أن «الناتو» ليس طرفاً في الصراع.
وتعهد المستشار الألماني أولاف شولتز، في مستهل القمة الأوروبية، أمس (الخميس)، بتكاتف «الاتحاد الأوروبي» في دعم أوكرانيا بمواجهة روسيا. وقال شولتز اليوم في بروكسل: «هذا هو ما لم يضعه (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين مطلقاً في اعتباره؛ أن الدعم لأوكرانيا سيسير بشكل موحد ولفترة طويلة على هذا النحو». وأضاف المستشار الألماني: «ونحن مستعدون أيضاً لدعم أوكرانيا ما دام كان ذلك ضرورياً».
ويعتزم قادة دول وحكومات الاتحاد الأوروبي التشاور خلال القمة بشأن الطريقة التي يمكن من خلالها مواصلة توسيع نطاق الدعم العسكري والاقتصادي لأوكرانيا. ومن المقرر أن يوجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كلمة إلى القمة عبر تقنية «الفيديو كونفرانس».
وفي سياق متصل، حذر المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، رافاييل غروسي، من أن الوضع في محطة زابوريجيا للطاقة النووية في جنوب شرقي أوكرانيا لا يزال «محفوفاً بالمخاطر»، بسبب استمرار انقطاع خط كهربائي من جراء ضربة صاروخية روسية. وقال غروسي في بيان إن «آخر خط كهربائي» مخصص للاستخدام في الحالات الطارئة لا يزال «مقطوعاً وقيد الإصلاح»، منذ الأول من مارس (آذار).
ويضمن هذا الخط للمحطة استمرار ربطها بالشبكة الكهربائية إذا ما انقطع خط الكهرباء الأساسي الذي يزودها بالكهرباء. ووافقه في رأيه وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل الذي قال إن «هذا خرق خطير للأمن النووي تسببه روسيا... زابوريجيا أكبر محطة للطاقة النووية في أوروبا. وروسيا تهدد أمن القارة الأوروبية بأكملها، بما في ذلك روسيا». وإذا انقطعت إمدادات الكهرباء عن أنظمة التبريد في المحطة، فيمكن أن يتسبب ارتفاع درجة حرارة وقود المفاعلات في وقوع حادث نووي شبيه بما حدث في فوكوشيما باليابان في 2011.


مقالات ذات صلة

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا شعار تطبيق «سيغنال» (رويترز) p-circle

ألمانيا تُحمّل روسيا مسؤولية هجمات تجسس على مسؤولين عبر تطبيق «سيغنال»

حمّل مسؤولون كبار في الحكومة الألمانية، السبت، روسيا، مسؤولية هجمات «تجسس» متكررة استهدفت نواباً ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى يستخدمون تطبيق «سيغنال».

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

أدى هجوم كبير شنته روسيا على أوكرانيا خلال الليل إلى مقتل ​سبعة أشخاص وإصابة العشرات، إذ أطلقت موسكو أكثر من 660 من الطائرات المسيرة والصواريخ 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...