زلزال سياسي يضرب عهد ماكرون... وخياراته السياسية محدودة

رئيسة الحكومة الفرنسية متمسكة بمنصبها... و«عكازة» اليمين التقليدي غير موثوق بها

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صورة تعود إلى 19 يناير الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صورة تعود إلى 19 يناير الماضي (أ.ف.ب)
TT

زلزال سياسي يضرب عهد ماكرون... وخياراته السياسية محدودة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صورة تعود إلى 19 يناير الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صورة تعود إلى 19 يناير الماضي (أ.ف.ب)

قطعاً، لا تصلح المقارنة بين عهد الرئيس إيمانويل ماكرون الأول (2017– 2022) وعهده الثاني الذي بدأ الربيع الماضي، وسيمتد حتى عام 2027.
ففي السنوات الخمس الماضية، كان ماكرون «السيد» المطلق الذي يمسك بمفاصل الجمهورية التشريعية والتنفيذية والإدارية. وصل إلى السلطة حاملاً مشروعاً إصلاحياً طموحاً، ومتمتعاً بأكثرية فضفاضة في الجمعية الوطنية التي مكّنته من أن يشرّع كيفما يشاء، وأن يقر القوانين التي يريد بفضل هذه الأكثرية المطواعة. وعلى الرغم من فوزه للمرة الثانية بالرئاسة، فإن الوضع تغير من النقيض إلى النقيض بسبب فقدانه الأكثرية المطلقة، ما فرض عليه وعلى حكومته المساومة، والسعي لاجتذاب الأصوات التي تنقصه، بالاستناد أحياناً إلى نواب اليمين التقليدي (حزب الجمهوريين) الذي يتمتع بـ61 مقعداً في البرلمان، وأحياناً أخرى إلى اليسار الاشتراكي المنضوي في إطار تحالف واسع يشكل كتلة من 149 نائباً.
لم تكن تلك المرة الأولى التي تلجأ فيها إليزابيث بورن، رئيسة الحكومة، إلى المادة 49- 3 من الدستور، لتمرير مشروعات القوانين؛ إذ إنها استخدمتها 11 مرة في الأشهر الأخيرة، وهي لم تمضِ بعد عاماً واحداً في منصبها. بيد أن ملف إصلاح قانون التقاعد لا يشبه في شيء الملفات الأخرى، وسبق لماكرون أن سعى لإنجازه في عهده الأول، ثم تراجع عنه بسبب المعارضة الشديدة التي واجهها.
ومع اشتداد جائحة «كوفيد- 19»، سحب الملف من التداول، ليجعل منه المرشح إيمانويل ماكرون، بمناسبة حملته الانتخابية، إحدى أولوياته الرئيسية. وسعت بورن، بمواجهة الرفض العميق لمشروع الإصلاح سياسياً وشعبياً ونقابياً، إلى بناء أكثرية من خلال التفاهم مع اليمين التقليدي الذي قدمت له بعض التنازلات، بمناسبة مناقشات مجلس الشيوخ؛ حيث يتمتع بالأكثرية.
بيد أن آمال ماكرون وبورن تبددت مع اقتراب الاقتراع النهائي في البرلمان، أول من أمس، على مشروع القانون، بسبب التصدعات التي أصابت صفوف «الجمهوريين». ولأن رأسَي السلطة التشريعية حرصا على عدم الخوض في رهان غير مضمون النتائج، فقد اختارا تمرير القانون من غير تصويت النواب، باللجوء مجدداً إلى المادة 49- 3. والمبتغى من هذا اللجوء أن الحكومة ترهن بقاءها برفض البرلمان سحب الثقة من الحكومة، في حال تقديم عريضة بذلك، انطلاقاً من أن ماكرون هدّد مسبقاً بأن سقوط الحكومة سيعني العودة إلى صناديق الاقتراع لانتخابات نيابية جديدة، لا يرغب فيها «الجمهوريون» مخافة مزيد من الخسائر في المقاعد التي يحتلونها في البرلمان الحالي.
لكن ما لم يؤخذ كفاية في الاعتبار هو الرفض السياسي والنقابي والشعبي المتواصل لخطة الحكومة، وهو ما تمثل في أيام التعبئة الثمانية التي أنزلت ملايين المواطنين إلى الشوارع، وفي الإضرابات المتلاحقة في قطاعات أساسية، مثل النقل بمختلف أنواعه، والتعليم والكهرباء والمصافي والمحروقات والنظافة... لكن الرهان الأخير كاد أن يكون خاسراً، إذ إن الحكومة لم تنجُ من الاستقالة إلا بفارق 9 أصوات. والسبب في ذلك أن ثلث نواب «الجمهوريين» صوتوا لصالح العريضة الرئيسية الداعية إلى رحيل الحكومة، الأمر الذي يدل على أزمة وجودية يعيشها الحزب المذكور الحائر بين ناخبيه والمزاج الشعبي من جهة، ومصلحته السياسية المباشرة التي تقضي بمنع اللجوء مجدداً إلى صناديق الاقتراع من جهة ثانية.
يقول الدستور إن فشل عريضة سحب الثقة يعني آلياً أن مشروع قانون التقاعد قد أُقر، ولم يعد ينقصه سوى أن يصدره رئيس الجمهورية بمرسوم ينشر في الجريدة الرسمية. لكن الأمور ليست هذه المرة بهذه السهولة؛ إذ ثمة عقبتان قانونيتان: الأولى اسمها المجلس الدستوري الذي سيدعى إلى النظر في مدى مواءمة نص القانون الجديد مع النصوص الدستورية؛ والثانية عنوانها الاستفتاء بمبادرة شعبية التي يتيحها الدستور ولكنها صعبة الشروط. وإذا كان حكم المجلس الدستوري يمكن أن يصدر خلال شهر، فإن الاستفتاء الشعبي قد يأخذ البت به ما لا يقل عن 9 أشهر. وما دامت هاتان العقبتان لم تُرفعا، فإن القانون يبقى عملياً مجمداً. ثم لا يمكن تجاهل الرفض السياسي والنقابي والشعبي.
منذ الإعلان عن سقوط طرح الثقة بالحكومة، أكدت المعارضات المختلفة يميناً ويساراً أن الحراك متواصل. فنواب تجمع اليسار والبيئويين سارعوا لتأكيد أن «المعركة مستمرة». واعتبر جان لوك ميلونشون، زعيم التجمع غير الرسمي والمرشح الرئاسي السابق، أن «الرفض الشعبي يجب أن يتواصل مهما كانت الظروف». وبينما رأت ماتيلد بانو، رئيسة مجموعة نواب حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد، أن حكومة بورن «قد ماتت»، قالت مارين لوبان، رئيسة مجموعة نواب اليمين المتطرف (التجمع الوطني) إنه «يتعين على بورن الاستقالة، وإن لم تستقل فيتعين على ماكرون إقالتها».
نقابياً، ثمة قرار يقول بالاستمرار في التعبئة الشعبية، وسيكون يوم الخميس القادم بمثابة المؤشر لمدى تواصلها وقوتها. وأكد الاتحاد العمالي العام الذي يعد الأكثر تمسكاً بمواصلة الحراك أن «لا شيء سينال من عزم عمال» على الاستمرار، بينما حذر أمين عام الفيدرالية الديمقراطية للعمل، لوران بيرجيه، من اتساع موجة الغضب والعنف، بسبب الأسلوب الذي اختارته الحكومة في إقرار القانون.
وبرز العنف بقوة عقب التصويت على الثقة ليل الأحد في باريس وكثير من المدن؛ حيث اندلعت مواجهات بين المتظاهرين والقوى الأمنية التي تُتهم بالإفراط في استخدام العنف وتوقيف الأفراد. وليل الاثنين وحده تم توقيف أكثر من 300 شخص غالبيتهم في باريس؛ حيث أقيمت المتاريس وأشعلت الحرائق واندلعت اشتباكات.
واضح أن الكرة راهناً في الملعب الرئاسي. ومن المنتظر أن يكشف ماكرون عن خططه في مقابلة متلفزة اليوم، علماً بأنه بقي بعيداً عن الواجهة في الأيام الأخيرة، تاركاً لرئيسة حكومته إدارة معركة التقاعد. والحال أنها تخرج منها منهكة، وبالتالي، فإن مصيرها على رأس الحكومة سيكون مطروحاً، إن لم يكن في الأيام القليلة المقبلة فسيتم لاحقاً. إلا أن بورن لا تريد الرحيل، ولا أن تكون كبش الفداء. ونقلت عنها وكالة «الصحافة الفرنسية» أنها «عازمة على مواصلة السير بالإصلاحات الضرورية، بالتعاون مع وزرائها»، بينما يؤكد مقربون منها أنها «ما زالت وبشكل ديمقراطي رئيسة الحكومة».
بيد أن غالبية المراقبين يرون أن ماكرون لا يستطيع إكمال السنوات الأربع المتبقية له في القصر الرئاسي، مع حكومة ضعيفة غير قادرة على حمايته. ومنذ مساء الاثنين، كثف ماكرون من اتصالاته ومشاوراته مع رئيستَي الحكومة والبرلمان وقادة الأحزاب الداعمة له، بحثاً عن مخارج ووسائل جديدة لقلب صفحة حرب التقاعد، وتوفير دينامية جديدة لعهده. وأفادت مصادر «الإليزيه» بأنه ليس عازماً؛ لا على حل البرلمان ولا على إقالة الحكومة ولا السير بمشروع استفتاء شعبي. ولكن، إذا سُدت هذه المنافذ، فإن التساؤل يتناول ما يريد حقاً أن يلجأ إليه، وهو الذي يبدو معزولاً في قصره، ولا يتمتع بأكثرية يمكن الركون إليها في البرلمان، ولا إلى حزب «الجمهوريين» الذي كشف عن ضعفه وعن انقساماته العميقة. ونقل أيضاً أنه طلب من مستشاريه ومن الشخصيات التي يلتقيها أن تقدم له أفكاراً جديدة، حول كيفية تغيير «نهج الحكم»، وهو ما كان قد وعد به ليلة فوزه في المعركة الرئاسية، وحول أجندة الإصلاحات التي ينوي مواصلتها.
إلا أن ما حصل في الأشهر الماضية لا ينُم أبداً -وفق المراقبين- عن رغبة حقيقية في التغيير. لكن ماكرون، على الرغم مما سبق، لا يستطيع الانغلاق في التركيبة الحالية التي بان ضعفها وهشاشتها.
ومجدداً، تُسمع أصوات من داخل اليمين التقليدي تدعو إلى الاتفاق علناً مع ماكرون، على برنامج حكم بشكل واضح ورسمي، على غرار التحالفات التي تعرفها بلدان أوروبية أخرى، مثل ألمانيا أو بلجيكا أو غيرهما، لتوفير نوع من الاستقرار السياسي، والسير إلى الأمام في عدد من المشروعات الإصلاحية.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟