سر يُكشف بعد أربعة عقود: قصة رجل حاول تخريب إعادة انتخاب جيمي كارتر للرئاسة الأميركية

قال سياسي بارز من تكساس إنه شارك عن غير قصد عام 1980 في جولة بالشرق الأوسط بأجندة سرية

الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر (أرشيفية - رويترز)
TT

سر يُكشف بعد أربعة عقود: قصة رجل حاول تخريب إعادة انتخاب جيمي كارتر للرئاسة الأميركية

الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر (أرشيفية - رويترز)

بعد مرور أكثر من 4 عقود، قال بين بارنز إنه لا يزال يتذكر جيداً عندما دعاه معلمه ومرشده في المجال السياسي إلى مهمة في الشرق الأوسط. ولفت بارنز إلى أنه لم يكن على دراية بالغرض الحقيقي وراء هذه المهمة في البداية، واكتشف لاحقاً أن الهدف هو تخريب حملة إعادة انتخاب رئيس الولايات المتحدة. كان ذلك عام 1980 عندما كان جيمي كارتر في البيت الأبيض، ويجابه أزمة رهائن في إيران أصابت رئاسته بالشلل، وأعاقت جهوده للفوز بفترة رئاسة ثانية. وتمثلت أفضل فرص كارتر للفوز في الانتخابات، في تحرير 52 أسيراً أميركياً قبل يوم الانتخابات. وقال بارنز إن مرشده كان مصمماً على منع حدوث ذلك.
أما معلمه، فكان جون بي. كونالي الابن، أحد حيتان المشهد السياسي الأميركي، والحاكم السابق لولاية تكساس، والذي سبق له العمل مع 3 رؤساء أميركيين، وخسر تواً محاولته الوصول إلى البيت الأبيض. وبعد أن كان عضواً بالحزب الديمقراطي، سعى كونالي للفوز بترشيح الحزب الجمهوري له عام 1980، ليسقط في مواجهة حاكم كاليفورنيا السابق، رونالد ريغان. وحسب بارنز، عمل كونالي مع ريغان لهزيمة كارتر، على أمل أن يتولى في حال فوز الأخير حقيبة الخارجية أو الدفاع.
ما حدث بعد ذلك أبقاه بارنز في معظمه قيد الكتمان طيلة ما يقرب من 43 عاماً. وقال إن كونالي اصطحبه في جولة إلى عواصم الشرق الأوسط ذلك الصيف، حيث التقيا مجموعة من القيادات الإقليمية لنقل رسالة واضحة لتمريرها لإيران: لا تطلقوا سراح الرهائن قبل الانتخابات. ريغان سيفوز ويقدم لكم صفقة أفضل. وقال بارنز إنه بعد العودة بفترة قصيرة، أطلع كونالي، ويليام جيه. كايسي، رئيس الحملة الانتخابية لريغان، الذي تولى لاحقاً منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، على ما دار في رحلته داخل صالة أحد المطارات.
لطالما شك معسكر كارتر في أن كايسي أو شخصاً آخر من المحيطين بريغان، سعى سراً لتخريب جهود تحرير الرهائن قبل الانتخابات. وجرى تأليف كتب حول ما أصبح يعرف باسم «مفاجأة أكتوبر (تشرين الأول)». إلا أن تحقيقات أجراها الكونغرس دحضت نظريات سابقة حول ما حدث. لم يظهر كونالي في هذه التحقيقات. وقال بارنز إن مشاركته تضيف فهماً جديداً لما قد يكون حدث خلال عام انتخابي محوري شهد معارك ضارية. مع بلوغ كارتر اليوم 98 عاماً ووجوده بدار مسنين، قال بارنز إنه شعر بواجب نحو التقدم للاعتراف بالحقيقة.
وقال بارنز الذي يكمل عامه الـ85 الشهر المقبل: «للأمانة التاريخية يجب أن يعرف العالم أن هذا حدث»، وذلك في إطار واحدة من عدة مقابلات أجراها مع مؤسسات إخبارية. وأضاف: «أعتقد أن هذا أمر بالغ الأهمية، وأظن أن علمي بأن الرئيس كارتر أصبح في عمر متقدم دفع الأمر داخلي أكثر وأكثر وأكثر. أشعر بأنه علينا التخلص من هذا الأمر بصورة ما».
اللافت أن بارنز ليس تاجر أسلحة أجنبياً مشبوهاً ومشكوكاً في مصداقيته، مثلما الحال مع بعض الشخصيات التي غذت في السابق هذه الشكوك حول «مفاجأة أكتوبر»، وإنما كان ذات يوم واحداً من أكثر الشخصيات البارزة في تكساس، وأصغر رئيس لمجلس النواب في الولاية، ونائب حاكم لاحقاً. وكان بارنز شخصاً على قدر كبير من النفوذ لدرجة أن عاون جورج دبليو. بوش الشاب حينها على الانضمام للحرس الوطني بتكساس، بدلاً من تجنيده في الحرب بفيتنام. وقد تنبأ ليندون بي. جونسون أن بارنز سيتولى منصب الرئيس ذات يوم.
اليوم، من الصعب التحقق من رواية بارنز بعد مرور كل هذا الوقت، فقد مات كونالي وكايسي وشخصيات محورية أخرى منذ وقت طويل، وليس لدى بارنز مذكرات تعزز روايته. ومع ذلك، لا يوجد سبب واضح عند بارنز لاختلاق القصة، وهو أعرب عن خوفه من الخروج إلى العلن بهذا الاعتراف، تحسباً لردود فعل أقرانه الديمقراطيين.
وحدد بارنز 4 أشخاص أحياء قال إنه ائتمنهم على هذا السر لسنوات، وهم: مارك كيه. أبدغروف، رئيس مؤسسة «إل. بي. جيه»، وتوم جونسون، المساعد السابق لليندون جونسون، الذي أصبح لاحقاً ناشراً لصحيفة «لوس أنجليس تايمز» ورئيس محطة «سي إن إن»، ولاري تيمبل، المساعد السابق لكونالي وليندون جونسون، وإتش بي. براندز، المؤرخ بجامعة تكساس.
وخلال الأيام الأخيرة، أكد الأربعة أن بارنز تشارك معهم في هذه القصة منذ سنوات. وقال توم جونسون: «على حد علمي، بين لم يكذب علي قط»، وهو الرأي الذي أكده الآخرون.
من ناحية أخرى، تؤكد السجلات الموجودة في مكتبة ومتحف ليندون بينز جونسون جزءاً من قصة بارنز. وهناك برنامج رحلة عثر عليه الأسبوع الماضي في ملفات كونالي، يشير إلى أنه غادر هيوستن بالفعل في 18 يوليو (تموز) 1980، في رحلة إلى الأردن وسوريا ولبنان والسعودية ومصر وإسرائيل، قبل أن يعود إليها في 11 أغسطس (آب). وأشار البرنامج إلى أن بارنز كان برفقته.
وتناولت أخبار رحلة كونالي والمحطات التي توقف عندها حينذاك دون تفاصيل تذكر، ووصفت الرحلة بأنها «خاصة للغاية». وتؤكد ملحوظة في الملف الخاص بكونالي ما ذكره بارنز حول إجراء اتصالات مع معسكر ريغان في وقت مبكر من الرحلة. وتحت عنوان «الحاكم ريغان»، ذكرت ملحوظة، من أحد المساعدين، موجهة إلى كونالي بتاريخ 21 يوليو (تموز)، أن «نانسي ريغان اتصلت - إنهم في رانش، ويرغب في الحديث إليك خلال اجتماعات استراتيجية». وليس هناك سجل يحمل رده.
وذكر بارنز انضمامه إلى كونالي، مطلع سبتمبر (أيلول)، في لقاء مع كايسي لإطلاعه على ما جرى في الرحلة، استمر 3 ساعات داخل استراحة الخطوط الجوية الأميركية داخل ما كان يعرف حينها مطار دالاس - فورت وورث الإقليمي. وهناك ملحوظة في جدول مواعيد كونالي الذي عثر عليه الأسبوع الماضي، تشير إلى أنه سافر إلى دالاس في 10 سبتمبر. ولم يكشف البحث في أرشيف كايسي لدى معهد هوفر التابع لجامعة ستانفورد، ما إذا كان وجد بدالاس في ذلك الوقت، أم لا.
وقال بارنز إنه واثق من أن الهدف من رحلة كونالي إيصال رسالة إلى الإيرانيين بإبقاء الرهائن لديهم حتى بعد الانتخابات. وقال: «سأذهب لقبري وأنا مقتنع بأن هذا كان غرض الرحلة. لم يكن الأمر عملاً حراً، لأن كايسي كان مهتماً للغاية بسماع ما جرى بمجرد أن عدنا إلى الولايات المتحدة»، مضيفاً أن كايسي رغب في معرفة «ما إذا كانوا سيبقون على الرهائن»، أم لا.
وقال بارنز، الأسبوع الماضي، إنه لم تكن لديه فكرة عن هدف الزيارة عندما دعاه كونالي لمرافقته بها. وقد سافرا للمنطقة على متن طائرة «غلف ستريم» مملوكة لشركة «سوبريور أويل». فقط عندما جلسا مع أول زعيم عربي، أدرك بارنز الهدف الذي يسعى وراءه كونالي، حسب قوله.
وقال بارنز إنه خلال اللقاء، قال كونالي للزعيم العربي: «انظر، خلال أيام سيجري انتخاب رونالد ريغان رئيساً، وعليكم أن تبلغوا إيران أنها ستحصل من ريغان على صفقة أفضل من كارتر». وأضاف: «سيكون عملاً ذكياً للغاية من جانبكم لو قلتم للإيرانيين أن ينتظروا حتى بعد انتهاء الانتخابات العامة. وكنت جالساً خلال الحديث، وأدركت فجأة السبب وراء قدومنا».
وقال بارنز إنه فيما عدا إسرائيل، كرر كونالي الرسالة ذاتها في كل محطة توقفنا بها بالمنطقة للقاء زعماء مثل الرئيس المصري الراحل أنور السادات. وأعرب عن اعتقاده بأن دافع صديقه كان واضحاً. وقال: «أصبح واضحاً تماماً لي أن كونالي يسعى لتقلد منصب وزير الخارجية أو وزير الدفاع». (جرى عرض منصب وزير الطاقة على كونالي في وقت لاحق، لكنه رفض).
وأوضح بارنز أنه لم يكشف القصة الحقيقية حينها لتجنب التعرض لردود فعل غاضبة من حزبه. وقال: «لم أود الظهور في صورة بينيديكت أرنولد أمام الحزب الديمقراطي بمشاركتي في هذا الأمر». وأشار إلى أنه رأى الأمر حينها كاد يتحول إلى فضيحة له. وقال: «لم أرغب في أن يذكر هذا الأمر في نعيي على الإطلاق».
واستطرد بارنز أنه مع مرور السنوات، شعر بأن كارتر تعرض للظلم. وقال إنه يحاول اليوم من خلال الكشف عن هذا الأمر، التصالح مع الماضي. وأضاف: «أود فقط أن يعكس التاريخ حقيقة أن كارتر كانت أمامه صفقة رديئة بخصوص الرهائن. لم تكن أمامه فرصة للمنافسة بقوة مع استمرار وجود الرهائن في السفارة بإيران».
ومع ذلك، فإن أياً من ذلك لا يثبت أن ريغان علم بأمر الجولة، وليس بإمكان بارنز القول إن كايسي وجه كونالي للقيام بهذه الجولة. وبالمثل، فإنه لا يعلم ما إذا كانت الرسالة التي جرى نقلها لعدة عواصم شرق أوسطية وصلت إلى الإيرانيين، أم لا، ناهيك بما إذا كانت قد أثرت في صنع القرار. ومع ذلك، يشير الواقع إلى أن إيران احتجزت الرهائن بالفعل حتى ما بعد الانتخابات التي فاز بها ريغان، ولم يطلقوا سراحهم حتى دقائق بعد ظهيرة 20 يناير (كانون الثاني) 1981، عندما غادر كارتر الرئاسة.
من ناحيته، قال جون بي. كونالي، أكبر أبناء الحاكم السابق، في مقابلة أجريت معه، الجمعة، إنه يتذكر قيام والده برحلة إلى الشرق الأوسط، لكنه لم يسمع عن أي رسالة موجهة لإيران. ومع أنه لم ينضم للرحلة، قال كونالي الابن إنه رافق والده للقاء ريغان لمناقشة الأمر من دون حضور بارنز، وتركز النقاش حول الصراع العربي - الإسرائيلي وقضايا أخرى سيواجهها الرئيس القادم.
وأوضح كونالي أنه «لم يرد أي ذكر خلال اللقاء الذي حضرته لأي رسالة وجهت إلى الإيرانيين». وأضاف: «لا يبدو هذا الأمر منسجماً مع شخصية والدي. لا يمكنني الطعن في ذكريات بارنز حول الأمر، لكن الرواية لا تتناغم مع ذكرياتي عن الرحلة».
يذكر أن الشكوك حول اتصالات معسكر ريغان بإيران ظلت قائمة دون ضجة لسنوات، حتى نشر غاري سيك، مساعد كارتر السابق لشؤون الأمن الوطني، مقالاً في «نيويورك تايمز» في أبريل (نيسان) 1991، عزز خلاله النظرية، وأعقب المقال بكتاب بعنوان «مفاجأة أكتوبر»، الذي نشر في نوفمبر (تشرين الثاني) ذلك العام.
تجدر الإشارة إلى أن مصطلح «مفاجأة أكتوبر» استخدمه معسكر ريغان بادئ الأمر لوصف مخاوفهم من إمكانية تلاعب كارتر بأزمة الرهائن لضمان الإفراج عن الرهائن قبيل عقد الانتخابات.
ومن أجل إحباط هذا السيناريو، تشير مزاعم إلى أن كايسي التقى ممثلين عن إيران في يوليو وأغسطس 1980 بمدريد، ما أدى لاتفاق جرى وضع اللمسات النهائية عليه في باريس بأكتوبر. وينص الاتفاق على أن إدارة ريغان المستقبلية ستشحن أسلحة لإيران عبر إسرائيل مقابل الإبقاء على الرهائن حتى بعد الانتخابات.
وأجرى كل من مجلسي النواب والشيوخ تحقيقاً على نحو منفصل حول الأمر، وانتهى الحال بهما إلى رفض الادعاءات. وخلصت قوة عمل من مجلس النواب تضم أعضاء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وترأسها النائب الديمقراطي، لي إتش. هاميلتون، من ولاية إنديانا، وهيمن عليها الديمقراطيون بثمانية أعضاء مقابل 5 جمهوريين، في تقرير تألف من 968 صفحة، إلى أن كايسي لم يكن في مدريد ذلك الوقت، وأن القصص المتعلقة بوجود اتفاقات سرية لا تدعمها شهادات أو وثائق أو تقارير استخباراتية موثوق بها.
ورغم ذلك، أشارت مذكرة من البيت الأبيض في نوفمبر 1991، أصدرها محامي الرئيس جورج إتش. دبليو. بوش، إلى وجود «برقية من السفارة في مدريد تلفت إلى وجود بيل كايسي بالمدينة، لأغراض غير معروفة». ولم يجرِ تسليم هذه البرقية إلى قوة العمل التي ترأسها هاميلتون، وجرى اكتشافها بعد عقدين على يد روبرت باري، صحافي عاون في إنتاج فيلم (فرونتلاين) الوثائق حول (مفاجأة أكتوبر)».
ولدى التواصل معه هاتفياً الأسبوع الماضي، قال سيك إنه لم يسمع بأي مشاركة من جانب كونالي، لكنه يرى أن الرواية التي طرحها بارنز تؤكد مخاوف واسعة سبق أن أثارها هو. وقال: «هذا أمر مثير للاهتمام للغاية في الواقع، ويضيف كثيراً للمعلومات الأساسية المتاحة حول هذا الأمر. مجرد حقيقة أنه كان يفعل ذلك، وأخبر كايسي بشأنه لدى عودته تعني الكثير».
من جهتهما، قال كل من مايكل إف. زيلدين، محامٍ ديمقراطي بقوة العمل، وديفيد إتش. لوفمان، محامٍ جمهوري بقوة العمل، خلال لقاءات حديثة، إن اسم كونالي لم يظهر أمامهما خلال التحقيق، وبالتالي ليس هناك أساس لديهما للحكم على رواية بارنز.
وبينما لم يجرِ إثبات مشاركة كايسي في أي جهود لعقد اتفاقات حول «مفاجأة أكتوبر»، فإنه واجه اتهامات لاحقاً بالحصول خلسة على وثائق تخص حملة كارتر قبل المناظرة الوحيدة بين المرشحين، رغم نفيه التورط بهذا الأمر.
وتأتي رواية بارنز بمثابة انتصار للمستشارين الباقين لكارتر. من جانبه، قال غيرالد رافشون، الذي كان مدير الاتصالات بالبيت الأبيض، إن أي تدخل ربما غير مسار التاريخ. وأضاف: «لو كنا نجحنا في إعادة الرهائن لمنازلهم، كنا سنفوز بالانتخابات، أؤمن بذلك بقوة. هذا أمر شائن للغاية».
جدير بالذكر أن كونالي كان عملاقاً سياسياً أثناء الحقبة التي عاش بها. نشأ كونالي في جنوب تكساس داخل مزرعة قطن، وخدم في الأسطول أثناء الحرب العالمية الثانية، وأصبح مقرباً من ليندون بي. جونسون، وساعده في إدارة 5 من حملاته الانتخابية، بما في ذلك فوزه المثير للجدل عام 1948 بعضوية مجلس الشيوخ، والتي شابتها ادعاءات بالاحتيال موثوق بها. وأدار كونالي حملة جونسون غير الناجحة للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية عام 1960، وعمل بعد ذلك في حملة جون إف. كينيدي وجونسون. ونال كونالي مكافأة عن ذلك بتوليه منصب وزير شؤون البحرية. وبعد ذلك، فاز بالانتخابات لاختيار حاكم تكساس عام 1962.
وكان كونالي داخل سيارة الليموزين الرئاسية أمام كيندي في دالاس بنوفمبر 1963 عندما فتح لي هارفي أوزولد النار على الرئيس. وعانى كونالي من إصابات بظهره وصدره ورسغه وفخذه، لكنه على خلاف الحال مع كيندي، نجا من الحادث المؤلم. فاز كونالي بفترتين أخريين كحاكم، وبعد ذلك أصبح وزير الخزانة في عهد الرئيس ريتشارد إم. نيكسون، وانتقل إلى الحزب الجمهوري نهاية الأمر. وكان مفضلاً لدى نيكسون، الذي رغب في تعيينه نائباً للرئيس أو خليفة له في الرئاسة.
وقد واجه كونالي اتهامات بالحنث باليمين والتآمر لإعاقة العدالة عام 1974، لكن هيئة محلفين برأته.
على مر السنوات، وجد كونالي في بارنز تلميذاً سياسياً نجيباً، وتحول بارنز إلى «ابن أكثر عن كونه صديقاً»، حسبما ذكر جيمس ريستون، في كتابه «النجم الوحيد» حول سيرة كونالي. وقد جرى انتخاب بارنز، وهو نجل مزارع، لعضوية المجلس التشريعي في تكساس عن عمر الـ21، ووقف إلى جوار كونالي أثناء إلقاء الأخير خطابه مرشحاً لمنصب الحاكم عام 1962.
وبمعاونة كونالي، أصبح بارنز رئيساً للمجلس في الـ26 وجرى انتخابه لمنصب نائب الحاكم لاحقاً عام 1972. وقد حث كونالي على الترشح للرئاسة عام 1980، رغم أنهما في ذلك الوقت كانا قد أصبحا في حزبين مختلفين.
وبعد انهيار حملة كونالي، تشارك مع بارنز في أعمال تجارية، وكونا شركة «بارنز - كونالي للاستثمارات». وبنى الاثنان مجمعات سكنية ومراكز تسوق ومباني إدارية، واشتريا شركة نفط، ومجلة فنية وشركة إعلانات. إلا أنهما بالغا في التوسع التجاري وحصلا على قدر هائل من الديون، وبعد انهيار أسعار النفط وتسببها في انخفاض سوق العقارات بتكساس، تقدما بطلب لإشهار الإفلاس عام 1987.
ظلت العلاقات بين الصديقين طيبة. وفي مذكراته الصادرة بعنوان «في ظل التاريخ» قبيل وفاته عام 1993 عن 76 عاماً، كتب كونالي: «رغم صدمة ترتيباتنا التجارية معاً، ظلت الصداقة قائمة بيني وبين بارنز، وإن كنت أشك في أن أياً منا سيعود للتعاون بمجال التجارة مع الآخر». أما بارنز، فأكد أنه «لا أزال من أشد معجبيه»، في إشارة إلى كونالي.
*خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

الولايات المتحدة​ إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

أشاد وفد من الكونغرس الأميركي، يقوده رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي مايك روجرز، مساء أول من أمس في العاصمة المغربية الرباط، بالتزام الملك محمد السادس بتعزيز السلام والازدهار والأمن في المنطقة والعالم. وأعرب روجرز خلال مؤتمر صحافي عقب مباحثات أجراها مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، عن «امتنانه العميق للملك محمد السادس لالتزامه بتوطيد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والمغرب، ولدوره في النهوض بالسلام والازدهار والأمن في المنطقة وحول العالم».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

أصدرت محكمة فيدرالية أميركية، الخميس، حكماً يدين 4 أعضاء من جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، أبرزهم زعيم التنظيم السابق إنريكي تاريو، بتهمة إثارة الفتنة والتآمر لمنع الرئيس الأميركي جو بايدن من تسلم منصبه بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الماضية أمام دونالد ترمب. وقالت المحكمة إن الجماعة؛ التي قادت حشداً عنيفاً، هاجمت مبنى «الكابيتول» في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، لكنها فشلت في التوصل إلى قرار بشأن تهمة التحريض على الفتنة لأحد المتهمين، ويدعى دومينيك بيزولا، رغم إدانته بجرائم خطيرة أخرى.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

أدانت محكمة أميركية، الخميس، 4 أعضاء في جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، بالتآمر لإثارة الفتنة؛ للدور الذي اضطلعوا به، خلال اقتحام مناصرين للرئيس السابق دونالد ترمب، مقر الكونغرس، في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021. وفي محاكمة أُجريت في العاصمة واشنطن، أُدين إنريكي تاريو، الذي سبق أن تولَّى رئاسة مجلس إدارة المنظمة، ومعه 3 أعضاء، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية. وكانت قد وُجّهت اتهامات لتاريو و4 من كبار معاونيه؛ وهم: جوزف بيغز، وإيثان نورديان، وزاكاري ريل، ودومينيك بيتسولا، بمحاولة وقف عملية المصادقة في الكونغرس على فوز الديمقراطي جو بايدن على خصمه الجمهوري دونالد ترمب، وفقاً لما نق

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

وجّه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، الأربعاء، انتقادات لقرار الرئيس جو بايدن، عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز الثالث، وذلك خلال جولة يجريها الملياردير الجمهوري في اسكتلندا وإيرلندا. ويسعى ترمب للفوز بولاية رئاسية ثانية في الانتخابات التي ستجرى العام المقبل، ووصف قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج ملك بريطانيا بأنه «ينم عن عدم احترام». وسيكون الرئيس الأميركي ممثلاً بزوجته السيدة الأولى جيل بايدن، وقد أشار مسؤولون بريطانيون وأميركيون إلى أن عدم حضور سيّد البيت الأبيض التتويج يتماشى مع التقليد المتّبع بما أن أي رئيس أميركي لم يحضر أي مراسم تتويج ملكية في بريطانيا. وتعود آخر مراسم تتويج في بري

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

هناك شعور مرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية والاكتئاب والسكري والوفاة المبكرة والجريمة أيضاً في الولايات المتحدة، وهو الشعور بالوحدة أو العزلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«خطوة غير مألوفة»... ترمب يستعين بعسكريين في الجهود الدبلوماسية بشأن إيران وأوكرانيا

الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
TT

«خطوة غير مألوفة»... ترمب يستعين بعسكريين في الجهود الدبلوماسية بشأن إيران وأوكرانيا

الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)

استعان الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقادة عسكريين في جهود دبلوماسية رفيعة المستوى، حيث أوفد القائد الأعلى للقوات الأميركية في الشرق الأوسط إلى المحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وجعل وزير الجيش مفاوضاً رئيسياً لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية.

وعدت شبكة «إيه بي سي نيوز» الأميركية قرار ترمب بمشاركة العسكريين في الجهود الدبلوماسية «خطوة غير مألوفة»، وقالت إن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، انضم لأول مرة إلى المحادثات الأميركية الإيرانية غير المباشرة، يوم الجمعة، في سلطنة عُمان، وظهر بزيّه العسكري الرسمي في إشارة إلى تعزيز الولايات المتحدة لقدراتها العسكرية في المنطقة.

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي - إكس)

وبينما استأنف وزير الجيش دان دريسكول دوره في المحادثات الروسية الأوكرانية، هذا الأسبوع، عمل على استمرار الحوار مع المسؤولين الأوكرانيين خلال فترات الراحة بين الجلسات.

وقالت إن تولي المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر ترمب، جاريد كوشنر، زمام المفاوضات الشائكة، واختيار إشراك قادة عسكريين - سواء لخبرتهم أو علاقاتهم أو للإشارة إلى خيارات أكثر صرامة - يعكس كيف قلبت الإدارة الجمهورية السياسة الخارجية والدبلوماسية الأميركية التقليدية رأساً على عقب.

وقالت إليسا إيورز، التي شغلت مناصب في الأمن القومي في إدارتي جورج دبليو بوش وأوباما، إن وضع قادة عسكريين في الخدمة الفعلية، مثل كوبر، في مناصب دبلوماسية يُظهر كيف قللت إدارة ترمب من شأن الدبلوماسيين المهرة وأدوات الدبلوماسية لصالح الاعتماد المفرط على الجيش في محاولة حل تحديات السياسة الخارجية.

وأضافت إيورز، الباحثة في شؤون الشرق الأوسط في مركز الأمن الأميركي الجديد: «غالباً ما يتطلب الأمر وقتاً وجهداً واستثماراً هائلين للوصول إلى مرحلة يمكن فيها القول إن الدبلوماسية قد نجحت».

وفي المقابل، أشارإليوت كوهين، الذي شغل منصب مستشار وزارة الخارجية في إدارة جورج دبليو بوش، إلى مشاركة جنرالات أميركيين في محادثات الحد من التسلح مع الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة.

وقال كوهين إن خطوة ترمب بإرسال دريسكول، القائد المدني الأعلى للجيش، كانت غير معتادة، لكنه أضاف: «الرؤساء يفعلون هذا النوع من الأمور».

وأوضح كوهين: «هناك تقليد عريق للرؤساء الأميركيين في استخدام شخصيات غير تقليدية كمبعوثين إذا كانوا يثقون بهم، ويعتقدون أنهم قادرون على إيصال الرسالة».

وهدفت المحادثات في سلطنة عُمان إلى تهدئة التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة، والتي تُبقي المنطقة على حافة الهاوية.

ووصف ترمب المحادثات بأنها «جيدة للغاية»، وأنه من المقرر عقد المزيد منها مطلع الأسبوع المقبل. لكنه حذر من أنه إذا لم تتوصل إيران إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، «فستكون العواقب وخيمة للغاية».

وقد هدد ترمب مراراً باستخدام القوة لإجبار إيران على التوصل إلى اتفاق، وأرسل حاملة الطائرات أبراهام لينكولن وسفناً حربية أخرى إلى المنطقة خلال حملة طهران الدموية لقمع الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد.

وقال مايكل أوهانلون، محلل الشؤون الدفاعية والسياسة الخارجية في معهد بروكينغز، إن حضور كوبر يهدف إلى «إظهار العزم والترهيب»، وكتب أوهانلون في رسالة بريد إلكتروني: «إن إشراك قائد القيادة المركزية الأميركية أمر غير معتاد، ويبدو أنه يهدف إلى توجيه رسالة أكثر من تعزيز قوة فريق التفاوض في المحادثات نفسها».

وأضاف أوهانلون: «لكن العلاقات متوترة وسيئة للغاية لدرجة أنني أشك في أن ذلك سيحدث فرقاً كبيراً، ما لم يجرِ الإيرانيون مراجعة جذرية لبرنامجهم النووي».

وقال مايكل سينغ، الذي شغل منصب مدير أول لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض في عهد إدارة جورج دبليو بوش، إنه يرى أن حضور كوبر مرتبط أكثر بخبرته.

وأوضح سينغ أن ويتكوف وكوشنر ليسا خبيرين في الشأن الإيراني، بل هما شخصيتان عامتان تشاركان في محادثات دبلوماسية حول العالم، بينما يمتلك كوبر معرفة بالمنطقة وإمكانية الوصول إلى خبراء عسكريين قادرين على تقييم أي تنازلات مقترحة لبرنامج إيران النووي.

وتحدث كوبر بإسهاب عن القدرات النووية والعسكرية الإيرانية خلال جلسة استماع ترشيحه في يونيو (حزيران)، بعد وقت قصير من شن الولايات المتحدة ضربات على مواقع نووية رئيسية إيرانية.

وقال سينغ، المدير الإداري لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: «هذه قضايا فنية للغاية نتعامل معها. إنها ليست قضايا يمكن التعامل معها بشكل غريزي. سيتمكن الأدميرال كوبر من الوصول إلى هذه الخبرة بطريقة قد لا يمتلكها ويتكوف وكوشنر أو قد لا يختاران الوصول إليها».

و قال كوهين: «يجلب كوبر المعرفة والتهديد الضمني باستخدام القوة، وهو جزء من المفاوضات».

وفي نوفمبر(تشرين الثاني)، تم اختيار دريسكول فجأة للمفاوضات في محاولة لإنهاء الحرب الروسية المستمرة منذ ما يقرب من 4 سنوات في أوكرانيا، وكانت المحادثات آنذاك قد تعثرت، واستغل دريسكول رحلةً إلى أوكرانيا للقاء الرئيس فولوديمير زيلينسكي ومسؤولين حكوميين وعسكريين رفيعي المستوى ومنذ ذلك الحين، شارك دريسكول في عدة جولات تفاوضية أخرى، بما في ذلك جولة أبوظبي هذا الأسبوع.

وقال مصدر مُطّلع على المفاوضات إن دور دريسكول تمحور حول التنسيق بين الأوكرانيين ومسؤولي إدارة ترمب، مثل ويتكوف وكوشنر.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (يسار) يصافح وزير الجيش الأميركي دان دريسكول (أ.ف.ب)

وأوضح المصدر أن العلاقة مع الأوكرانيين كانت ثمرة قدرة دريسكول على استمرار الحوار بين جولات التفاوض، فضلاً عن خبرته العسكرية كقائد وضابط سابق في الجيش.

وخدم دريسكول كضابط مدرعات لأكثر من 3 سنوات، وحصل على رتبة ملازم أول. خدم في العراق من أكتوبر (تشرين الأول) 2009 إلى يوليو (تموز) 2010.

في أبوظبي، انضم إليه الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش، قائد القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا، والذي أسهم في التفاوض على إعادة إطلاق حوار عسكري رفيع المستوى بين الولايات المتحدة وروسيا لأول مرة منذ 4 سنوات وجاء في بيان عسكري أميركي أن هذا الحوار «سيوفر اتصالاً عسكرياً مستمراً بين الطرفين في إطار مساعيهما لتحقيق سلام دائم».


لماذا تبدو عتبة النووي العالمي أخطر مما كانت عليه؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

لماذا تبدو عتبة النووي العالمي أخطر مما كانت عليه؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

لم يكن حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إعادة النظر في «التزامات» أميركا النووية مجرَّد سجال داخلي حول تكلفة الردع أو «لياقة» التعهدات. الجديد هذه المرة أن مسؤولين أميركيين انتقلوا من لغة التحذير إلى لغة الإجراء: اتهامٌ مباشر للصين بإجراء تفجير نووي سري عام 2020، وتأكيدٌ على أن واشنطن تستعد لاستئناف أنشطة/ اختبارات نووية «أسوة بالآخرين»، في لحظة يتفكك فيها آخر قيدٍ تعاقدي كبير على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم، بعد انتهاء «نيو ستارت» في 5 فبراير (شباط) 2026.

هذه التطورات لا تعني تلقائياً أن العالم يتجه غداً إلى سلسلة تفجيرات نووية فوق الأرض على غرار الخمسينيات. ولكنها تعني، وبشكل ملموس، أن «القواعد غير المكتوبة» التي خفَّضت أخطار سوء التقدير خلال نصف قرن تتآكل بسرعة، وأن فكرة «العودة إلى التجربة» تُستخدم الآن كأداة ضغط تفاوضي وكإشارة ردعية في آن واحد. وهو خليط شديد الحساسية في بيئة استراتيجية مزدحمة بالشكوك والحروب بالوكالة، وتنافس القوى الكبرى.

اتهامات واشنطن

في مؤتمر نزع السلاح بجنيف، قال توماس دي نانو، إن الحكومة الأميركية «تدرك» أن الصين نفَّذت «اختباراً نووياً تفجيرياً» بعائدٍ مُنتِج في 22 يونيو (حزيران) 2020. واتهم بكين أيضاً بالتحضير لاختبارات بعوائد «في حدود مئات الأطنان»، وبالتلاعب ببيئة الرصد الزلزالي لإخفاء آثارها، مبرراً ذلك بالحاجة إلى «خطوات موازية» مع روسيا والصين، مع تآكل وقف التجارب غير الرسمي.

في المقابل، ردَّت منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، بأن منظومة الرصد الدولية التابعة لها لم تسجل حدثاً يطابق خصائص تفجير نووي في التاريخ الذي حددته واشنطن، وأن التحليلات اللاحقة لم تغيِّر تلك الخلاصة.

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

حسب محللين، هذا التباين مهم؛ لأنه يكشف جوهر المعضلة: حتى لو وُجد نشاط منخفض العائد أو «مناطق رمادية» تقنية، فقد لا يكون قابلاً للحسم علناً بالأدلة المتاحة للجمهور، ما يفتح الباب أمام توظيف الاتهامات في السياسة والردع، ويقلص مساحة الثقة الضرورية لأي ضبط تسلح. ويؤكد هؤلاء على أن الخطاب الدائر يخلط أحياناً بين ثلاثة مستويات:

التفجير النووي الكامل: يولِّد تفاعلاً متسلسلاً ذاتي الاستدامة، وعائداً تفجيرياً واضحاً. هذا هو جوهر ما تحظره معاهدة الحظر الشامل للتجارب إذا دخلت حيز النفاذ، وهو أيضاً ما تحاول الأعراف الدولية منعه منذ التسعينيات.

أرشيفية لصاروخ باليستي عابر للقارات روسي من طراز «توبول إم» يعبر الساحة الحمراء خلال عرض عسكري في موسكو (أ.ف.ب)

اختبارات منخفضة العائد/ شديدة الانخفاض: وقد تكون أصعب كشفاً، ويمكن -حسب خبراء- التحايل على رصدها عبر ظروف جيولوجية، أو غرف معدنية، أو تقنيات «فك الارتباط» التي تخفف الإشارة الزلزالية. هذا ما يجعل الاتهام الأميركي للصين شديد الحساسية، حتى لو لم تُعلن واشنطن أدلة تفصيلية.

شي في الذكرى الثمانين لانتصار الصين (روسترز)

اختبارات «دون حرجة»: تُجرى دون الوصول إلى تفاعل متسلسل ذاتي الاستدامة، وتعدُّها بعض الدول ضمن «المنطقة الرمادية»؛ لأنها لا تنتج عائداً تفجيرياً نووياً قابلاً للرصد بالمعايير نفسها. هنا تكمن مساحة التلاعب السياسي؛ حيث يمكن لحكومة ما أن تقول إنها «عادت للاختبار» بينما تقصد توسيع نشاطات دون حرجة، ويمكن لخصومها أن يقرأوا ذلك ككسرٍ للمحظور وتوطئة لتفجيرات حقيقية.

لذلك، عندما يقول مسؤولون إن واشنطن «ستبدأ أنشطة الاختبارات النووية»، يبقى السؤال العملي: هل نتحدث عن تفجيرات نووية فعلية لأول مرة منذ 1992؟ أم عن توسيع أنشطة تحت العتبة؟ الغموض قد يكون مقصوداً؛ لأنه يمنح الردع مرونة، ولكنه يرفع أيضاً أخطار سوء الفهم.

شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان (إ.ب.أ)

فراغ ما بعد «نيو ستارت»

انقضاء «نيو ستارت» يعني فقدان سقفٍ مُتحقق على الرؤوس الحربية الاستراتيجية المنشورة، وفقدان ما تبقى من قابلية التنبؤ المتبادل بين واشنطن وموسكو. والأهم: أنه يخلق «فراغاً تعاقدياً» تتسابق داخله ثلاث قوى (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين) على تحديث الترسانات وقدرات الإيصال والأنظمة الجديدة التي لم تُصمم لها معاهدات العقدين الماضيين.

في هذا السياق، يدفع فريق إدارة ترمب نحو «اتفاق أوسع» يشمل الصين، بينما ترفض بكين الانضمام، بحجة أن ترسانتها أصغر بكثير من ترسانتَي واشنطن وموسكو، رغم نموها السريع.

الأرقام تُظهر لماذا يعتقد كل طرف أنه محق: تقديرات معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام تشير إلى أن الولايات المتحدة وروسيا تمتلكان معاً نحو 90 في المائة من الرؤوس النووية العالمية، بينما تملك الصين ما لا يقل عن 600 رأس، وتُعد الأسرع نمواً.

أرشيفية من القوات الجوية الأميركية لصاروخ «مينيوتمان 3» الباليستي العابر للقارات خلال إطلاقه من قاعدة «فاندنبرغ» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

التداعيات على «التوازن» والسلام العالمي

عودة الحديث عن التجارب النووية لم تعد مسألة تقنية، بقدر ما هي رسالة سياسية بأن قيود الضبط تتآكل، وأن القوى الكبرى تريد مساحة أوسع لتحسين التصاميم، ورفع موثوقية الترسانات، وربما تطوير أنظمة جديدة. في هذا المناخ يصبح الردع أقرب إلى التخمين؛ لأن الغموض حول قدرات الخصم يزداد، فتغدو التجارب أو التلويح بها عامل تصعيد. ومع انحسار قنوات التحقق والمعايير المشتركة ترتفع أخطار سوء التقدير، وسوء تفسير المناورات والحوادث، وهو ما حذَّر منه أنطونيو غوتيريش، أمين عام الأمم المتحدة، مع اقتراب انقضاء «نيو ستارت». كما يضغط ذلك على نظام عدم الانتشار عبر إضعاف «المحرّم» الأخلاقي للاختبار، ويهز ثقة الحلفاء في الردع الموسّع، ما قد يطلق سباق ضمانات وتسليح متعدد المحاور.

الزعيم الكوري الشمالي يشرف على تجارب صاروخية (إ.ب.أ)

المدافعون عن نهج إدارة ترمب يجادلون بأن إدخال الصين في أي إطار جديد ضرورة واقعية، وأن الحديث عن التجارب والقدرات يهدف إلى منع «التحايل السري» وإجبار الخصوم على طاولة تفاوض أكثر شمولاً.

في المقابل، ينتقد آخرون فكرة ترك اتفاق قائم وقابل للتحقق مقابل هدف تفاوضي قد يكون بعيد المنال، ويحذرون من أن الاتهامات غير المدعومة علناً؛ خصوصاً مع نفي منظومة الرصد الدولية، قد تتحول إلى ذريعة لسباق غير مضبوط.


لماذا يصرّ ترمب على إعادة تسمية المعالم؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

لماذا يصرّ ترمب على إعادة تسمية المعالم؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

في آخر جهود الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوضع اسمه على بعض المعالم التاريخية، نقلت وسائل إعلام أن ترمب أبلغ زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، السيناتور الديمقراطي تشاك شومر، الشهر الماضي أنه مستعد أخيراً لرفع التجميد عن تمويل فيدرالي ضخم لمشروع نفق القطارات «غايت واي» تحت نهر هدسون، لكن بشرطٍ غير مألوف: أن تُسمّى محطة بنسلفانيا في المدينة ومطار واشنطن دالاس الدولي باسمه.

رُفض الطلب سريعاً، لكن في الأسابيع التي تلت ذلك، استمر ترمب في حجز أكثر من 16 مليار دولار، وتحوّل الملف إلى نزاع قضائي بين ولايتي نيويورك ونيوجيرسي والإدارة الأميركية. وحذرت اللجنة المسؤولة عن النفق من أنها ستضطر قريباً لوقف العمل في المشروع وتسريح نحو ألف عامل إذا لم تُفرج إدارة ترمب عن التمويل اللازم.

يعود تاريخ بناء النفق إلى ما قبل عودة ترمب إلى منصبه، حيث تلتزم الحكومة الفيدرالية بتغطية جزء كبير من التمويل اللازم لإكماله. لكن ترمب تحرك لوقف المشروع أواخر العام الماضي، وهو قرار جادل مسؤولون ديمقراطيون في نيوجيرسي ونيويورك بأنه كان بدوافع سياسية.

الرئيس دونالد ترمب محاطاً بعدد من المشرعين في البيت الأبيض بواشنطن (أ.ف.ب)

لعب السيناتور شومر منذ ذلك الحين دوراً مركزياً في محاولة التفاوض لفك تجميد الأموال. ومع ذلك، وعلى الرغم من تلك الأولوية، لا يوجد الكثير مما يمكن للديمقراطي فعله بمفرده لوضع اسم ترمب على المحطة أو المطار.

وبينما قدم بعض المشرعين المحافظين بالفعل تشريعاً لإعادة تسمية مطار دالاس ليصبح «مطار دونالد جي ترمب الدولي»، فإن المقترح لم يلقَ زخماً كبيراً حتى الآن؛ حيث لم يتقدم التشريع في الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، وبالتالي لا يزال من غير المرجح تمريره.

ترمب وسياسة «الاسم»

قصة «المحطة والمطار» لا تبدو حادثة يتيمة، بل حلقة ضمن نمط أوسع منذ عودته إلى البيت الأبيض: دفعٌ منهجي لإلصاق اسمه بمؤسسات عامة وبرامج وسياسات، كأن العلامة التجارية امتدادٌ للدولة. فخلال الأشهر الماضية ظهر اسمه على مبادرات حكومية تحمل ختماً تسويقياً واضحاً مثل «ترمب آر إكس»، وهو الموقع الذي تقول الإدارة إنه يسهّل الوصول إلى أسعار أقل للأدوية، وعلى برنامج إقامة/هجرة استثماري تحت مسمى «ترمب غولد كارد»، وبارجة جديدة من «طراز ترمب» تهدف إلى ترسيخ حقبة سياسته الخارجية القائمة على «السلام من خلال القوة» لسنوات قادمة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً خلال إطلاق موقع طبي يحمل اسمه (إ.ب.أ)

وفي الأشهر الأخيرة، وضع ترمب عينيه على أهداف أكبر، متجهاً إلى «جوائز» رمزية: إضافة اسمه إلى المعهد الأميركي للسلام عبر إعادة تسميته رسمياً بقرار/إعلان من الإدارة، في خطوة أثارت جدلاً حول الصلاحيات والمعنى السياسي للتسمية. كما اندلع جدل مشابه بعد إضافة اسمه إلى مركز كينيدي الشهير في واشنطن، وسط اعتراضات ديمقراطية وتساؤلات قانونية حول حاجة أي تغيير رسمي لتشريع من الكونغرس.

لماذا يصرّ على تغيير الأسماء؟

تقليدياً، تُسمّى المطارات والجسور والمراكز الرئاسية بأسماء رؤساء بعد مغادرتهم المنصب، وبعد توافقٍ تشريعي أو مجتمعي. الجديد هنا ليس حبّ الخلود، بل محاولة «تعجيل» الخلود وهو في السلطة، وبأسلوبٍ تبادلي: اسمٌ مقابل قرار أو مال. محاولة ربط اسم الرئيس بتمويل مشروع عام تبدو، في نظر خصومه، إعادة تعريف لفكرة الخدمة العامة بوصفها رافعةً لشخصنة الدولة.

وحين يطلب من خصومه أو حتى من حلفائه مجاراة مطلب غير مألوف، فهو يدفعهم إلى أحد خيارين: إما الرضوخ (فيبدو أنه قادر على «إخضاع النظام»)، وإما الرفض (فتتحول المعركة إلى عرضٍ سياسي يقدمه لجمهوره: «هم يعرقلون، وأنا أبني»). في ملف النفق، يتحول الخلاف على التسمية إلى بندٍ إضافي يشرعن إبقاء الضغط على حكومات الولايات والديمقراطيين في نيويورك ونيوجيرسي.

زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي حكيم جيفريز يتحدث خلال مؤتمر صحافي في مبنى الكابيتول الأميركي (أ.ف.ب)

التسمية قضية سريعة الاشتعال، تجرّ الإعلام والمعارضة إلى سجال رمزي (هل يحق؟ هل هو لائق؟)، بينما تبقى الأسئلة الأثقل: التمويل، الأولويات، أثر التجميد على الوظائف... أقل حضوراً في المشهد اليومي. ومع ذلك، هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة: عندما يصبح «الاسم» شرطاً لإطلاق «البنى التحتية»، يسهل على الخصوم تأطير القصة كابتزازٍ سياسي.

أنصاره يرون فيها تحدياً «للنخب»

«سياسة الاسم» ليست تفصيلاً شكلياً. إنها اختبارٌ لطبيعة السلطة: هل تُستخدم أدوات الدولة لبناء ذاكرة وطنية مشتركة، أم لبناء لوحة اسمٍ واحدة تُعلّق فوق الجميع؟

ما يريد إثباته، وفق هذا النمط، هو أن الدولة يمكن أن تُدار بمنطق العلامة التجارية: إنجازاتٌ تُعنون باسمه كي تُقرأ تاريخياً بوصفها «عصر ترمب»، لا مجرد سياسات جمهورية. وما قد «يخفيه» هي هشاشة الإنجاز حين يفتقر للتوافق، الاسم يصبح بديلاً رمزياً عن إجماعٍ مؤسسي، أو غطاءً لمعركة نفوذ مع الكونغرس والولايات والمحاكم.

هذه المعارك قد تعمل على مستوى القاعدة كوقود تعبوي، أنصاره يرون فيها تحدياً «للنخب» واستعادة للهيبة. وعلى مستوى المستقلين والمعتدلين، قد تبدو كفائض نرجسية أو تسييس للخدمات العامة، خصوصاً عندما تُربط التسمية بأموال وبنى تحتية.

الرئيس دونالد ترمب يرقص خلال مناسبة في أيوا (إ.ب.أ)

أما الحزب الجمهوري، فيقف بين إغراء مسايرة زعيمه، وتكلفة الظهور كمن يضع الاسم فوق الوظيفة العامة؛ لذا لا غرابة أن مشاريع مثل إعادة تسمية مطار العاصمة واشنطن، طُرحت تشريعياً لدى بعض الجمهوريين لكنها لا تبدو سالكة بسهولة.

Your Premium trial has ended