هل حان وقت التخلي عن موروثات «بريتون وودز»؟

بلدان فقيرة تشكك في جدوى نظام التمويل الدولي

مظاهرات في العاصمة السريلانكية كولومبو ضد فرض ضرائب جديدة في البلد المثقل بالديون (أ.ب)
مظاهرات في العاصمة السريلانكية كولومبو ضد فرض ضرائب جديدة في البلد المثقل بالديون (أ.ب)
TT

هل حان وقت التخلي عن موروثات «بريتون وودز»؟

مظاهرات في العاصمة السريلانكية كولومبو ضد فرض ضرائب جديدة في البلد المثقل بالديون (أ.ب)
مظاهرات في العاصمة السريلانكية كولومبو ضد فرض ضرائب جديدة في البلد المثقل بالديون (أ.ب)

طرح المشاركون في مؤتمر أقل البلدان نمواً المنعقد في الدوحة، تساؤلات عدة حيال نظام التمويل الدولي والمساعدات متعددة الأطراف الموروث عن حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، على اعتباره غير ملائم بالنسبة للبلدان الفقيرة وأداة للهيمنة.
وتدعو الدول الست والأربعون الأفقر في العالم، والتي تضم 33 بلداً أفريقيا، خلال المؤتمر الذي يستمر حتى الخميس إلى مراجعة كاملة للنموذج الاقتصادي الموروث عن اتفاقية «بريتون وودز» المبرمة العام 1944 التي أسست صندوق النقد الدولي.
وبفضل تصنيفها في فئة أقل البلدان نمواً، يفترض أن تستفيد هذه الدول من امتيازات تجارية وتسهيلات في الحصول على المساعدات وغير ذلك من أشكال التمويل. في العام 1971 كانت هذه الفئة تضم 24 بلداً، لكن عدد الدول المنضوية في هذه الفئة تضاعف تقريباً الآن.
وباتت هذه الدول حالياً أولى ضحايا الاحترار المناخي، بينما ترزح تحت وطأة التضخم المرتبط بأسعار المواد الغذائية ومصادر الطاقة الناجم عن حرب أوكرانيا، في حين تثقل كاهلها الديون التي تكافح حتى لتسديد الفوائد المترتبة عليها.
ويرى الكثير من قادة الدول والحكومات الحاضرين في مؤتمر الدوحة المنعقد برعاية الأمم المتحدة، أن النظام الذي يحكم المساعدات المقدمة من الشمال إلى الجنوب هو المسؤول عن إبقائها في حالة فقر.
وقال رئيس جزر سيشيل وافيل رامكالاوان «حان الوقت لأن تتوقف 12 منظمة دولية، مثل منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وبنوك التنمية متعددة الأطراف عن استخدام إجمالي الناتج المحلي للفرد كمقياس وحيد للتنمية»، علماً بأن بلاده كانت من بين عدد قليل من أقل البلدان نمواً التي نجحت في الخروج من هذه الفئة. وأضاف رئيس الدولة الصغيرة، أن «مقياساً واحداً لا يناسب الجميع! علينا إدراك احتياجات الدول التي تعاني من نقاط ضعف خاصة بها».
بدوره، اتّهم رئيس تيمور الشرقية جوزيه راموس هورتا، بلدان الشمال بتحميل الجنوب مسؤولية خياراتها الفاشلة. وقال «يميل شركاؤنا لتحميل الشريك المتلقي المسؤولية الكاملة عن أي فشل، وتجنّب إعادة النظر في برامجهم للمساعدات التي قد تكون بالتأكيد ساهمت في الإخفاقات».
وطرحت أزمة «كوفيد» كمثال مرات عدة؛ إذ إن أكثر البلدان فقراً التي أثقل الوباء كاهلها فور انتشاره حُرمت من الوصول إلى اللقاحات في البداية قبل أن تضطّر إلى الاستدانة مجدداً للسيطرة على الوضع.
وفي خطاب ألقاه لدى انطلاق أعمال المؤتمر، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أن «النظام المالي العالمي منحاز بشدة - صممته بلدان غنية ليصبّ في مصلحة البلدان الغنية - يتيح التعامل مع أقل البلدان نمواً بشكل غير منصف».
وتوجه أصابع الاتهام خصوصاً إلى المؤسسات الكبرى، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي؛ إذ تتهم هذه الهيئات بفرض إجراءات تقشف وتشدد في الموازنة بناء على منطق لا يسع الدول الفقيرة إلا الإذعان له. وكشف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في نهاية فبراير (شباط)، عن أن 52 دولة إما تعاني من أزمة ديون أو باتت على وشك التخلف عن السداد.
من هنا جاءت مداخلة نائبة رئيس وزراء ليسوتو نثومينغ ماغارا، التي أكدت «أصبح عبء الديون والفوائد يشكلان تحدياً متزايداً للبلدان الأقل نمواً. لذلك؛ ثمة حاجة إلى تخفيف عبء الديون بشكل عاجل وإعادة هيكلتها وإلغائها».
وباتت الصين تتصدر قائمة الدول المقرضة، لكن حجم الديون المستحقة لها ما زالت أقل بكثير من تلك المستحقة لمؤسسات متعددة الأطراف وجهات خاصة.
وبموازاة التدخلات الرسمية، يناقش عدد من الناشطين في المجتمع المدني القضية ذاتها في الدوحة. ويؤكد خبير الاقتصاد الكيني والمدير التنفيذي لمنظمة «أفروداد» غير الحكومية جيسن روزاريو براغانزا، لوكالة الصحافة الفرنسية، أن النظام المالي «يدعم حلولاً مدفوعة من الأسواق لمشاكل في السياسة العامة وعلّمنا التاريخ بأن ذلك غير مجدٍ».
وقالت مارينا دورانو من اتحاد UNI النقابي الدولي «علينا محاولة إعادة الأهمية إلى تعددية الأطراف... نعرف جميعاً إلى أي حد الوضع غير منصف». أما الناشطة الفلبينية المتخصصة في الديون ليدي ناكبيل، فنددت من جانبها بأولئك الذين «يستخدمون الإقراض وتخفيف الديون من أجل فرض سياسات» معينة... وبالنسبة لها لم يعد الإصلاح ممكناً، بل يجب أن يعاد تصميم وبناء كل شيء. وقالت «حان الوقت لتفكيك مؤسسات (بريتون وودز)».
وفي شأن ذي صلة، قال رئيس سريلانكا، الثلاثاء، إن الصين وافقت على إعادة هيكلة قروضها للدولة المفلسة، في خطوة من شأنها إزالة العقبة الأخيرة أمام الإفراج عن خطة إنقاذ لصندوق النقد الدولي بقيمة 2.9 مليار دولار.
وأخطر الرئيس السريلانكي رانيل ويكرمسينغه البرلمان بأن «بنك إكسيم» الذي تملكه الدولة في الصين «وجه رسالة إلى صندوق النقد الدولي» مساء الاثنين يعرب فيها عن استعداد بكين «لإعادة هيكلة» الاعتمادات الممنوحة لسريلانكا. وأضاف، أنه يتوقع الإفراج عن الدفعة الأولى من حزمة صندوق النقد الدولي خلال الشهر الحالي.
وأوضح ويكرمسينغه «بمجرد أن أرسلت رسالة (بنك إكسيم) إلى صندوق النقد الدولي، وقّعت خطاب نوايا سريلانكا للمضي قدماً في برنامج صندوق النقد الدولي».
وتخلّفت سريلانكا عن سداد ديونها الخارجية البالغة 46 مليار دولار في أبريل (نيسان) الماضي خلال أزمتها الاقتصادية التي تسببت في نقص المواد الغذائية والوقود لأشهر في كل أنحاء البلاد الواقعة في جنوب آسيا. ويمثل ما يزيد قليلاً على 14 مليار دولار من ذلك المبلغ ديوناً ثنائية مستحقة لحكومات أجنبية، 52 في المائة منها للصين.
وكانت حكومة ويكرمسينغه تعمل على تأمين حزمة إنقاذ بقيمة 2.9 مليار دولار من صندوق النقد الدولي لتصحيح مسار المالية العامة السريلانكية المنهارة. وضاعف ويكرمسينغه الضرائب ورفع أسعار الوقود وتعرفات المرافق العامة ثلاث مرات بما يتوافق مع مطالب صندوق النقد الدولي من أجل زيادة عائدات الحكومة قبل الحصول على أي حزمة إنقاذ.


مقالات ذات صلة

البنك الدولي يبحث مساعدات طارئة مع 40 دولة لمواجهة صدمة الطاقة

الاقتصاد رئيس البنك الدولي أجاي بانغا (رويترز)

البنك الدولي يبحث مساعدات طارئة مع 40 دولة لمواجهة صدمة الطاقة

قال رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، إن البنك يجري محادثات مع ما بين 30 و40 دولة بشأن تقديم مساعدات لمواجهة صدمات الطاقة وارتفاع الأسعار الناجمَين عن الحرب.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
تقرير إخباري شخص يقف بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين قبيل انعقاد الاجتماع في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)

تقرير إخباري الحرب والدين والذكاء الاصطناعي تختبر صمود الاقتصاد العالمي في بانكوك

يدخل صناع السياسات المالية والنقدية أسبوع اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك وسط اقتصاد عالمي تمكّن حتى الآن من امتصاص جانب كبير من صدمة الحرب.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص سفن راسية قبالة سواحل خصب بمحافظة مسندم في سلطنة عمان بالقرب من مضيق هرمز (أ.ف.ب)

خاص البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: انحسار صدمة «هرمز» يدفع نمو السعودية لـ7.9 % في 2027

يتجه الاقتصاد السعودي إلى ارتداد قوي في 2027 مع انحسار تداعيات اضطراب حركة الطاقة والتجارة؛ إذ يتوقع البنك الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بنحو 7.9 %

هلا صغبيني (الرياض)
الاقتصاد سفن راسية قبالة سواحل خصب في محافظة مسندم بسلطنة عمان بالقرب من مضيق هرمز (أ.ف.ب)

البنك الدولي يتوقع تعافي اقتصاد المنطقة إلى 7.8 % في 2027

يتوقع البنك الدولي تعافي اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، إلى نمو قوي يبلغ 7.8 في المائة في 2027 إذا تراجعت حدة الصراع نهاية العام

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شعار «البنك الدولي» على مقره في واشنطن (د.ب.أ)

صندوق النقد والبنك الدوليان يوسّعان إطار تقييم ديون الدول منخفضة الدخل

أقر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إصلاحات لإطار تقييم استدامة ديون الدول منخفضة الدخل، في أول مراجعة شاملة له منذ 2017.

«الشرق الأوسط» (واشنطن) «الشرق الأوسط» (واشنطن)

رئيس جهاز الاستخبارات الإثيوبي يصل في طائرة إلى ميكيلي مع استئناف الرحلات

يصل الركاب إلى مبنى مطار ألولا أبا نيغا الدولي في ميكيلي استعداداً للصعود إلى الطائرات وذلك بعد استئناف الخطوط الجوية الإثيوبية خدماتها (أ.ف.ب)
يصل الركاب إلى مبنى مطار ألولا أبا نيغا الدولي في ميكيلي استعداداً للصعود إلى الطائرات وذلك بعد استئناف الخطوط الجوية الإثيوبية خدماتها (أ.ف.ب)
TT

رئيس جهاز الاستخبارات الإثيوبي يصل في طائرة إلى ميكيلي مع استئناف الرحلات

يصل الركاب إلى مبنى مطار ألولا أبا نيغا الدولي في ميكيلي استعداداً للصعود إلى الطائرات وذلك بعد استئناف الخطوط الجوية الإثيوبية خدماتها (أ.ف.ب)
يصل الركاب إلى مبنى مطار ألولا أبا نيغا الدولي في ميكيلي استعداداً للصعود إلى الطائرات وذلك بعد استئناف الخطوط الجوية الإثيوبية خدماتها (أ.ف.ب)

حطّت طائرة تنقل رئيس جهاز الاستخبارات الإثيوبي، رضوان حسين، الأحد، في ميكيلي، مع استئناف الرحلات الجوية إلى عاصمة إقليم تيغراي بعد تعليقها أسبوعين بسبب عودة المعارك في شمال إثيوبيا.

وبعد أشهر من التوتر، تجددت المعارك في 23 سبتمبر (أيلول) بين الجيش الفيدرالي الإثيوبي وقوات «جبهة تحرير شعب تيغراي»، الحزب السياسي الذي يحكم إقليم تيغراي، وتدعمه ميليشيات «فانو» من إقليم أمهرة المجاور.

وكانت قوات «جبهة تحرير شعب تيغراي»، المدعومة -حسب أديس أبابا- من قوات إريتريا، سيطرت في 23 سبتمبر على مطار الولاية الرئيسي في ميكيلي. وأخلى المتمردون الأسبوع الماضي المدينة التي دخلتها القوات الفيدرالية دون معارك.

واستأنفت الخطوط الجوية الإثيوبية المملوكة للدولة، الأحد، رحلاتها إلى ميكيلي. وكان رضوان الحسين، وهو أيضاً مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء أبيي أحمد، في أول طائرة حطّت في المطار قادمة من أديس أبابا.

كذلك أعيدت خطوط الاتصالات الهاتفية، لكن الرحلات لا تزال معلقة إلى مطارين آخرين في الإقليم، في شيري وأكسوم.

وشهد إقليم تيغراي حرباً استمرت من 2020 إلى 2022 بين القوات الحكومية الفيدرالية وقوات «جبهة تحرير شعب تيغراي» التي حكمت إثيوبيا لمدة طويلة، تسببت في مقتل 600 ألف شخص على الأقل، حسب تقديرات الاتحاد الأفريقي، ما جعلها من النزاعات الأعلى حصيلة في العالم خلال السنوات الأخيرة، فيما يعدّ عدد من المراقبين أن الأعداد الفعلية أعلى من ذلك، غير أن المخاوف تتزايد من اندلاع حرب مفتوحة بين إثيوبيا وإريتريا، مع نشر إريتريا في الأيام الأخيرة قوات في شمال إقليم تيغراي المحاذي لها.

وطالبت أسمرة، السبت، مجلس الأمن الدولي بإدانة «إعلان الحرب» عليها من جانب إثيوبيا، محذرةً من أن النزاع سيؤدي إلى «زعزعة استقرار المنطقة بكاملها»، في المقابل، اتهمت أديس أبابا إريتريا بارتكاب «عدوان صارخ يبرّر ممارسة إثيوبيا حقّها الأصيل في الدفاع المشروع عن النفس».


مصرع 109 مهاجرين في انقلاب قارب قبالة جيبوتي

حطام قارب مهجور كان قد انقلب أثناء محاولة نقل مهاجرين إلى اليمن عبر ما يُعرف بـ «المسار الشرقي» وذلك عند شاطئ «غيهيري» بالقرب من «أوبوك» في جيبوتي (أ.ف.ب)
حطام قارب مهجور كان قد انقلب أثناء محاولة نقل مهاجرين إلى اليمن عبر ما يُعرف بـ «المسار الشرقي» وذلك عند شاطئ «غيهيري» بالقرب من «أوبوك» في جيبوتي (أ.ف.ب)
TT

مصرع 109 مهاجرين في انقلاب قارب قبالة جيبوتي

حطام قارب مهجور كان قد انقلب أثناء محاولة نقل مهاجرين إلى اليمن عبر ما يُعرف بـ «المسار الشرقي» وذلك عند شاطئ «غيهيري» بالقرب من «أوبوك» في جيبوتي (أ.ف.ب)
حطام قارب مهجور كان قد انقلب أثناء محاولة نقل مهاجرين إلى اليمن عبر ما يُعرف بـ «المسار الشرقي» وذلك عند شاطئ «غيهيري» بالقرب من «أوبوك» في جيبوتي (أ.ف.ب)

لقى ما لا يقل عن 109 مهاجرين حتفهم وفُقد 116 آخرون عقب انقلاب قارب قبالة ساحل جيبوتي، حسبما أفادت به «المنظمة الدولية للهجرة».

وقالت المنظمة إن القارب كان في طريقه من جيبوتي إلى اليمن. وأضافت أن 52 رجلاً و 42 سيدة و 15 طفلاً كانوا ضمن الضحايا.

وقال ألكسندر كوساك رئيس مهمة المنظمة في جيبوتي: «هذه خسارة مأساوية للأرواح». وأضاف: «فِرَقنا موجودة على الأرض بجانب السلطات المحلية لتقديم المساعدة الطارئة. هذه المأساة تمثل تذكرة بالمخاطر التي يواجهها المهاجرون على طول هذا الطريق للهجرة أثناء سعيهم نحو الفرص الاقتصادية».

وقال ناجون إن القارب انقلب بالقرب من جوهيري، شمال أوبوك، مساء الخميس الماضي. وقالت «المنظمة الدولية للهجرة» إن أكثر من 80 شخصاً نجوا من الحادث، وجميعهم من الإثيوبيين.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة: «يدفع الفقر وانعدام الأمن والتداعيات المتزايدة للتغير المناخي كثيرين إلى خوض هذه الرحلة، رغم تصاعد الاضطرابات في أنحاء الشرق الأوسط».

وأفادت المنظمة الدولية للهجرة بأنها تقدم المساعدة إلى 64 ناجياً في مركز للمهاجرين بمدينة أوبوك. وأضافت أن «السلطات الجيبوتية تواصل عمليات البحث والإنقاذ وسط تزايد المخاوف بشأن مصير المفقودين».

ورصدت «المنظمة الدولية للهجرة» عبور أكثر من 20 ألف شخص من إثيوبيا إلى جيبوتي منذ العاشر من سبتمبر (أيلول).

وبحسب المنظمة، قُتل أو فُقد أكثر من 900 مهاجر على الطريق البحري إلى اليمن، في عام 2025، فيما ارتفع عدد الذين حاولوا سلوك هذا الطريق بنسبة 18 في المائة.

وأسفر غرق قارب في مارس (آذار) 2026 عن مقتل تسعة أشخاص وفقدان 45 آخرين.

ودعت «المنظمة الدولية للهجرة»، «الجهات المانحة والشركاء إلى تعزيز دعم استجابة جيبوتي، بما يشمل عمليات البحث والإنقاذ والمساعدات المنقذة للحياة».


«ميناء عصب» يؤجّج مخاوف الحرب بين إثيوبيا وإريتريا

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
TT

«ميناء عصب» يؤجّج مخاوف الحرب بين إثيوبيا وإريتريا

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)

تشهد العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا تدهوراً حادّاً على وقع تجدد المواجهات في إقليم تيغراي. وتتّهم أديس أبابا أسمرة بدعم المتمردين، في حين تنفي الأخيرة أي تورّط لها في التصعيد الأخير، وتعتبر الزج بها في الصراع «محاولة للغزو والاستيلاء على ميناء عصب» والنفاذ للبحر الأحمر.

واستطلعت «الشرق الأوسط» رأي خبيرَين إريتري وإثيوبي، نقلا وجهتَي نظر متناقضتين حول سبب تصاعد التوتر بين البلدين؛ إذ اتّهم الخبير الإريتري أديس أبابا بمحاولة إقحام أسمرة في معركتها الدائرة مع «جبهة تحرير تيغراي» منذ 23 سبتمبر (أيلول) الماضي؛ لأنها «تطمع في ميناء عصب». في المقابل، يرى خبير إثيوبي أن رواية أسمرة بشأن تحركات أديس أبابا نحو ميناء عصب غير صحيحة، «وخاصة أنها بلا دليل، وتتناقض مع مساعي إثيوبيا للوصول للبحر عبر الحوار بشكل سلمي وعدم خوض حرب جديدة».

ويقع ميناء عصب في جنوب شرق إريتريا عند مدخل خليج عصب، ويتمتع بموقع قريب جداً من خطوط التجارة العالمية ومضيق باب المندب. ومع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري بالحوار مجدداً، بعدما فقدت بلاده ميناء عصب في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك، واتجاه بلاده للاعتماد بشكل رئيسي على موانئ جيبوتي.

تدويل الخلاف

طالبت إريتريا في رسالة، السبت، مجلس الأمن الدولي بإدانة «إعلان الحرب» عليها من جانب إثيوبيا، محذرة من أن ذلك سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة، بحسب ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح إن هذه الاتهامات جزء من «خطة إثيوبية لتبرير حرب عدوانية»، وحثّ الأمم المتحدة على التدخل استناداً إلى «الفصل السابع» من ميثاق الأمم المتحدة الذي يتيح اتخاذ إجراءات تتنوع بين فرض العقوبات والقيام بعمل عسكري، بحسب ما نقلته «رويترز» السبت.

دبابة عسكرية إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو شمال إثيوبيا (رويترز)

كما نفى وزير الإعلام الإريتري يماني جبري مسكل في منشور، الجمعة، على منصة «إكس»، صحة اتهام وزارة الخارجية الإثيوبية بأعمال عدوان، مؤكداً أن أديس أبابا تعمل على استغلال الصراع الحالي للاستيلاء على ميناء عصب في إريتريا بهدف توفير منفذ إلى البحر الأحمر. وأشار إلى تصريح لنائب رئيس هيئة الأركان الإثيوبية أبيباو تاديسي، في 27 سبتمبر الماضي، قال فيه إن «الهجوم الذي أُطلق في تيغراي لن يتوقف عند هذا الحد»، وإن «ميكيلي (عاصمة الإقليم) مجرد محطة عبور، ووجهتنا النهائية هي عصب، وهدفنا الرئيسي هو رفع علمنا على البحر الأحمر».

من جانبه، قال وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس، الجمعة، إن القوات الإريترية توغّلت لمسافة تصل إلى 60 كيلومتراً داخل البلاد، بحسب «رويترز».

وذكرت وزارة الخارجية الإثيوبية، في رسالة إلى مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، الجمعة، أنها «لا تملك خياراً سوى الدفاع عن نفسها» ضد ما وصفته بأنه «غزو شامل» تشنه إريتريا.

وفي هذا الصدد، يرى عبد القادر محمد علي، الخبير الإريتري في الشؤون الأفريقية، أن «ميناء عصب بات في السنوات الأخيرة مطمعاً لإثيوبيا»، مشيراً إلى أنها «تحاول مع التصريحات المتكررة الأخيرة التمهيد للتدخل في أسمرة والاستيلاء على الميناء». ويلفت إلى أن «وسط هذا الضجيج الإثيوبي لم تقدم أديس أبابا وأي جهة دولية أدلة أو حججاً قانونية تثبت ادعاءات الوجود الإريتري في أراضيها، مما يجعلها مجرد مزاعم لا أساس قانونياً لها، ويؤكد أنها تسعى لتوتير الأجواء متعمدة لهدف لديها».

في المقابل، يعتقد الخبير الإثيوبي في الشؤون الأفريقية موسى شيخو أن «الاتهام الإريتري بأن إثيوبيا تختلق التوتر تمهيداً لغزو عصب يبقى في إطار رواية سياسية لا دليل قاطعاً عليها»، مؤكداً أن «سعي إثيوبيا لمنفذ بحري مستدام ليس إعلان حرب، بل قضية اقتصادية وأمنية مشروعة». ويقر شيخو أن «ميناء عصب صار رمزاً للخلاف والتوتر بين البلدين».

ويأتي هذا التوتر في حين تواصل قوات الحكومة الإثيوبية تحقيق مكاسب ميدانية في إقليم تيغراي خلال الأيام القليلة الماضية، بحسب «رويترز». وأعلنت الخطوط الجوية الإثيوبية استئناف رحلاتها إلى ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي في 11 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

فرص الحل الدبلوماسي

ووسط الاتهامات المتبادلة، يعتقد عبد القادر محمد أن «فرص منع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية تظل قائمة بشرط وجود وساطة فاعلة لتهدئة الخطاب والحدود، وصولاً لمعالجة المشكلات الجوهرية العميقة بين البلدين، وإلا فستصل الأمور إلى صدام، وستكون إريتريا وقتها تدافع عن نفسها أمام مطامع إثيوبيا».

دورية للشرطة الإثيوبية الفيدرالية بعد تراجع متمرّدي «جبهة تحرير تيغراي» من ميكيلي يوم 9 أكتوبر (رويترز)

بدوره، يعتقد شيخو أن التصعيد العسكري يُهدّد استقرار وأمن البحر الأحمر والتجارة الإقليمية بأكملها، داعياً إلى ضرورة اعتماد مسار التفاوض المباشر بضمانات إقليمية، واحترام متبادل للسيادة، لتجنب الدخول في حلقة مفرغة من النزاعات. ويخلص إلى أن «إثيوبيا تحتاج إلى منفذ آمن ومستدام لا إلى حرب جديدة، وإريتريا بحاجة إلى ضمانات سيادية لا إلى مواجهة مفتوحة، وإلا فنذر الحرب ستتواصل».

ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية دامية بين عامَي 1998 و2000. وتحسّنت العلاقات مع وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، وقاتلت إريتريا إلى جانب إثيوبيا خلال الحرب الأهلية التي خاضتها بين عامَي 2020 و2022 ضد «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي». لكن العلاقات تدهورت بعد الحرب، وشهدت تصعيداً في سبتمبر الماضي بعد اتّهامات إثيوبية لإريتريا بدعم متمردي تيغراي، والتوغل عشرات الكيلومترات داخل الحدود.