نصف اللغات التي يتحدثها عالم اليوم مهدد بالانقراض

لغة واحدة تخرج من نطاق الاستخدام كل أسبوعين

نصف اللغات التي يتحدثها عالم اليوم مهدد بالانقراض
TT

نصف اللغات التي يتحدثها عالم اليوم مهدد بالانقراض

نصف اللغات التي يتحدثها عالم اليوم مهدد بالانقراض

اللغة هي العدسة التي نتعرف بها على الآخر والعنصر الأساس في تكوين أفكارنا، ليس من صياغتها من كلمات ورموز فحسب، بل أيضاً من أنها نسق يضم الكلمات والرموز والمعاني مختلطة بالمشاعر والتصورات والقصد، فضلاً عن أبعادها التربوية والثقافية والحضارية. واللغة والفكر متلازمان، إذ يعتمد الفكر على اللغة في إنجاز مختلف العمليات الذهنية، خصوصاً تلك ذات المستويات العليا في التعقيد. فكلما كان تمكن المتعلم من اللغة راسخاً كانت هذه العمليات أسهل عليه.
وفي غالب الأمر، اللغة تولد الهوية، فالعلاقة بين اللغة والهوية تُعَد إحدى أهم ركائز المجتمع وتتجلى بوضوح في الوظائف التي تنجزها اللغة في إطار التعبير عن الهوية واستمرار حيويتها، باعتبارها وعاءً للفكر وأداة للتفكير، إضافة إلى كونها وسيلة للتفاهم والتواصل الاجتماعي، وعنوان هوية الفرد والمجتمع.
ولقد أوضح الزعيم الأفريقي الراحل نيلسون مانديلا هذا المفهوم بقوله: «لو تحدثت إلى شخص بلغة يفهمها، يدخل حديثك رأسه. لكن لو تكلمت إليه بلغته، يدخل حديثك قلبه». فالكلمات إذاً أحجار لبناء المشاعر الأساسية. وفي ثقافاتنا، صنع البشر بهذه الأحجار مداميك المباني والمعاني اللغوية على مدى آلاف السنين. ويتبدل التعبير اللغوي بتبدل بيئاته والتصورات الذهنية عند الأفراد الذين يتشاركون لغة محددة.
ولنأخذ تسميات الأشياء على سبيل المثال... بعض اللغات ينجح في تمييز لونٍ يتدرج بين الأزرق والأخضر، في حين تعجز لغات أخرى عن تمييزه لأسباب كثيرة، منها غياب هذا التدرج عن يومياتها أو لقلة جدوى هذا التمييز، كأن نجد أن لكلمة «ثلج» عند العرب صورة ذهنية واحدة، أما عند شعب الإسكيمو، فتصويراته وفيرة. والعكس صحيح حين نتحدث عن «الجمل»، حيث لكل شكل من أشكاله عند العرب اسم خاص به يمثله.
لغات كثيرة باتت تختفي حالياً بوتيرة متسارعة تبعث على القلق. ووفق تقديرات الباحثين، فإن نصف سكان العالم يتحدثون 50 لغة من الـ7 آلاف لغة الموجودة في العالم، والنصف الآخر يتحدث البقية، أي 6050 لغة. ومنذ سنوات، أصدرت منظمة اليونيسكو «أطلس لغات العالم» التي تواجه خطر الاندثار. والقاسم المشترك بين كثير من اللغات المهددة بالانقراض هو أنه ليس لها أبجدية مكتوبة، أي أنها لغات محكية.
إن انقراض أي لغة يعني خسارة ثقافية لا تعوض. بمعنى آخر، فناء عالم خاص بأكمله له تقاليده وثقافته وناسه، عالم كامل تطويه صفحات التاريخ من دون أثر يدل عليه.
نصف اللغات المندثرة لم تكن مكتوبة، فتعلَن وفاتها بوفاة آخر الأشخاص المتحدثين بها، واختفاؤها لا يترك قاموساً أو نصاً أو سجلاً لنبشها ومحاولة استعادتها، أي أن مصيرها الاختفاء.
في أستراليا، على سبيل المثال، رصد الباحثون 3 أشخاص فقط يتحدثون لغة «ماغاتي كي» عند الحدود الشمالية للبلاد، وشخصاً واحداً يتحدث لغة «أمور داغ» التي أعلن وفاتها بعدما قضى، و3 آخرين يتحدثون لغة «ياوورو» في الغرب.
وتعرفوا على شخص وحيد يتحدث لغة «سيليتز دي ني» التي كان يستخدمها السكان الأصليون المقيمون في محمية سيلتز في ولاية أوريغون الأميركية.
وقد أثبتت الدراسات أن ثمة 5 مناطق تختفي فيها اللغات بسرعة، هي شمال أستراليا 153 لغة، أميركا الوسطي والجنوبية 113 لغة، في كل من الإكوادور وكولومبيا والبرازيل وبوليفيا. وفي شمال المحيط الهادي 54 لغة، بما فيها كولومبيا البريطانية في كندا. وفي شرق سيبيريا والصين واليابان 23 لغة. وفي جنوب غربي الولايات المتحدة، تقطن مجموعات من السكان الأصليين يتحدثون لغات كثيرة تصل إلى 383 لغة، عددها يتضاءل باستمرار.
وبحسب الإحصائيات الأخيرة، فإن بعض اللغات قد تنقرض حالاً خلال أيام. فعلى سبيل المثال، لغة (تاوشيرو TAUSHIRO) للسكان الأصليين في بيرو لم يبقَ ينطق بها سوى شخص واحد. وكذلك لغة (كايخانا KAIXANA)، وهي لغة إحدى قبائل الأمازون في البرازيل، ستنقرض هي الأخرى برحيل الشخصين الوحيدين اللذين يتحدثان بها.
ويستمر موت اللغات في كل الأصقاع؛ كانت لغة (ليميريغ LEMERIG) منتشرة في جزيرة فانواتو بالجزء الجنوبي للمحيط الهادي، ولغة (تانيما TANEMA) في جزر سليمان بالمحيط الهادي، ولغة (أنجيريب NJEREP)، ولغة ألبانتويد في نيجيريا، ينطق بكل منها 4 أشخاص من كبار السن. ولغة (ليكي LIKI) يتحدثها 5 أشخاص في إحدى جزر إندونيسيا. ولغة (أونغوتا ONGOTA) يتحدثها 6 أشخاص من قبيلة تعيش بقرية صغيرة على الضفة الغربية لنهر ويتو في إثيوبيا. ولغة (دومي DUMI) يتحدثها 8 أشخاص في إحدى المناطق الجبلية النائية بمنطقة خوتانغ في نيبال.
ثمة من يظن أن تسليط الضوء على المكونات اللغوية غير العربية التي اندثرت أو ما زالت متداولة في الوطن العربي يُعَد تهديداً للهوية العربية، في حين أن التنوع اللغوي والثقافي، في الحقيقة، هو مصدر ثراء معرفي وغنى جمالي. وقد رأينا أن بعض الدول والمجتمعات التي تحتضن تعددية ثقافية بقيت متماسكة وقوية، وتلك التعددية عززت في السكان الشعور بالأمان والانتماء والاستقرار.
هناك ما يصل إلى 420 مليون شخص حول العالم يتحدثون اللغة العربية. وهي اليوم من أهم 5 لغات في الكوكب، لكن ما يجب أن يشار له اليوم هو شقيقات اللغة العربية في النسب والمكان.
إن اللغات القديمة للجزيرة العربية تساعد على معرفة الماضي وفهم الحاضر، وتفيد في المستقبل. ومن المهم إعادة إحيائها من خلال تعلمها وفهم أبعادها الإنسانية. وكما نعرف، فإن الجزيرة العربية كانت مهداً لكثير من الحضارات العريقة التي توالت عبر العصور. وليس هناك نظام كتابي لأغلب هذه اللغات، فهي في الأغلب لغات شفهية لها لهجات متعددة تحمل سماتٍ صوتية ونحوية وصرفية ودلالية مختلف بعضها قليلاً عن بعض. وتختلف هذه اللغات حالياً عن العربية الفصحى في كثير من الجوانب، لكنها تشترك معها في الأصل، فجميعها لغات سامية تنتمي إلى العائلة الأفروآسيوية.
وتبقى المَهَرية أكثر هذه اللغات حظاً بالنسبة إلى عدد متحدثيها، الذي يصل اليوم إلى 300 ألف، وإن ظلت تُعد من اللغات المهددة بالانقراض. وهي منتشرة بين قبائل في شرق اليمن، وعُمان، والكويت، والإمارات، والسعودية، وتحديداً في خرخير بالربع الخالي ومناطق متفرقة من شرورة ونجران والمنطقة الشرقية. ويعتقد بعض اللغويين أنها متطورة أو منبثقة من اللغات العربية الجنوبية القديمة أو لغة عاد.
وهناك أيضا اللغة الشحرية أو الجبالية، ويتحدث بها حوالي 150 نسمة. وهي تعتبر لغة رسمية في إقليم ظفار، إلا أنها غير مكتوبة ولم تدخل الإعلام ولا التعليم. ويتحدث باللغة البطحرية سكان منطقة ساحلية صغيرة بشرق ظفار، ولا يزيد عدد المتحدثين بها عن 100 متحدث. فالبطحرية لم يعُدْ يتحدث بها الأصغر سناً، وهي من اللغات المهددة بالانقراض، لأن الناطقين بهذه اللغة يتحولون مع مرور الوقت إلى الناطقين باللغات المحيطة بهم كالمهرية والجبالية. أما اللغة الحرسوسية، وهي لغة قريبة جداً من المهرية، فهي تستخدم في جدة الحراسيس في مقاطعة ظفار وسط عُمان، وقد لا يتعدى عدد متحدثيها 2000 تقريباً. ولا بد أن نذكر هنا أن المهرية أثرت في هذه اللغات المتقهقرة، وباتت الأجيال الجديدة من هذه القبائل تتحدث المهرية. وأحياناً يظهر أهل هذه اللغة في إحصاءات اللغة المهرية. أما اللغة الهبيوتية فلا يصل عدد المتحدثين بها إلى 1000 نسمة، وينتشرون عند الحدود اليمنية العمانية.
يهتم الباحثون وعلماء بالحفاظ على تنوع العالم البيولوجي، ويشددون على إيلاء اهتمام أكبر بالحفاظ على اللغات المهددة بالانقراض، خاصة أن أحدث تقارير اليونيسكو أشارت إلى أن نصف اللغات التي يتحدثها عالم اليوم، والبالغ عددها 7 آلاف لغة، بات مهدداً بالانقراض. ويُرجح اختفاؤها خلال القرن الحالي. ويتحدث 80 في المائة من سكان العالم 83 لغة، و20 في المائة فقط يتبادلون لغات نادرة، يصل عددها إلى 3500 لغة. والمثير الذي حذر منه التقرير أن لغة واحدة تختفي كل أسبوعين تقريباً، بعد خروجها من نطاق الاستخدام.
* كاتب سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».


مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
TT

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم تُبيِّن جماليات الطباعة القديمة، وقيمة المخطوطات العربية النادرة.

وتحتفل كثير من المؤسسات في الوطن العربي بـ«يوم المخطوط العربي»، الذي يحلُّ في 4 أبريل (نيسان) كل عام تخليداً لأهمية المخطوطات العربية، وما حملته بين طياتها من أعمال أدبية ودينية وتاريخية وعلمية رسخت بها هوية التراث الثقافي العربي.

ويحتفظ «المتحف القومي للحضارة المصرية» بمجموعة من المخطوطات العربية النادرة، ومنها مصحف نادر عُثر عليه في «مسجد سيدي علي المليجي»، وتمت كتابته على ورق عالي الجودة، وقد رُمِّم جزء من هذا المخطوط بعد تنظيفه من خلال تقويته واستكمال بعض أجزائه المفقودة، وتجميع ملازمه بأسلوب الخياطة القديم نفسه، وفق بيان للمتحف، السبت.

وقد قامت بترميم المخطوط متخصصة الترميم بالمتحف، رحاب جلال.

المصحف النادر قبل وبعد الترميم (متحف القومي للحضارة المصرية)

وكان «المعهد العربي للمخطوطات»، قد أعلن الاحتفال بـ«يوم المخطوط العربي» وفق قرار من المعهد، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التابعة لجامعة الدول العربية.

وأشار المعهد، في فيديو تعريفي بـ«يوم المخطوط العربي»، إلى مرور 14 عاماً على الاحتفال بهذا اليوم الذي انطلق في 2013 تحت عنوان «رحلة إلى الماضي»، وحمل في كل عام اسماً مختلفاً مثل «ألف حكاية وحكاية»، و«أسرار من الماضي وأفكار للمستقبل»، والدورة الأحدث لهذا العام تحت عنوان «المخطوط العربي... رحلة التحول والتجديد».

وقدَّم المعهد دعوةً للمؤسسات المعنية في الوطن العربي وخارجه، من مكتبات وطنية وجامعات ومراكز بحثية وجمعيات ثقافية للمشارَكة في الاحتفال بالمخطوط العربي عبر تبادل الخبرات، وعرض المبادرات، وإبراز الجهود المبذولة لصون مخطوطات التراث.

غلاف المصحف الذي تم ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من الآثار الإسلامية، خصوصاً المخطوطات التي تتنوع بين كتب دينية وعلمية وتاريخية، وسبق أن أبرز جانباً منها في معارض مختلفة مرتبطة بالمناسبات أو الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية.

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من القطع الأثرية، لا سيما الإسلامية منها، التي تزخر بنماذج راقية من الفنون والزخارف والخطوط العربية، وتعكس تطور الكتابة وجمالياتها عبر العصور، بما يجعلها شاهداً حياً على عبقرية الفنان المصري، وقدرة اللغة العربية على التجدد والتألق.

كما يضم المتحف، الذي افتُتح عام 2021 في احتفالية ضخمة تمَّ خلالها نقل 22 مومياء ملكية إليه، وفق صفحة وزارة السياحة والآثار، مجموعةً متنوعةً من القطع الأثرية تلقي الضوء على التراث المادي واللامادي لمصر، مما يساعد الزائرين على فهم الحضارة المصرية عبر عصورها المختلفة بداية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور: المصري القديم، واليوناني، والروماني، والقبطي، والإسلامي، وحتى العصر الحديث، كما يضم المتحف قاعةً خاصةً للنسيج المصري.