السعودية تتصدر دول المنطقة بخدمات سفن الروافد بالبحر الأحمر 

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: مقومات المملكة تعزز موقعها مركزاً لوجيستياً دولياً

سفينة شحن تشق طريقها نحو أحد الموانئ الحيوية في البحر الأحمر (آرثر دي ليتل)
سفينة شحن تشق طريقها نحو أحد الموانئ الحيوية في البحر الأحمر (آرثر دي ليتل)
TT

السعودية تتصدر دول المنطقة بخدمات سفن الروافد بالبحر الأحمر 

سفينة شحن تشق طريقها نحو أحد الموانئ الحيوية في البحر الأحمر (آرثر دي ليتل)
سفينة شحن تشق طريقها نحو أحد الموانئ الحيوية في البحر الأحمر (آرثر دي ليتل)

كشف تقرير صدر حديثاً عن أن السعودية تستعد للاستحواذ على ما يصل إلى 45 في المائة من قطاع خدمات سفن الروافد بالبحر الأحمر، بالإضافة إلى 35 في المائة من تجارة سفن الروافد بمنطقة الخليج، مع ازدياد عدد الحاويات النمطية إلى 41 مليون حاوية بحلول 2030.

وقدّر التقرير الذي أصدرته «آرثر دي ليتل»، عائدات قطاع خدمات سفن الروافد على الأصول ما بين 17 و23 في المائة، متفوقاً على قطاعات الخدمات اللوجيستية الأخرى، متوقعاً أن يتضاعف حجم مناولة الحاويات في البحر الأحمر بحلول 2030، ما يعزز من دور المملكة بوصفها مركزاً لوجيستياً رئيسياً يربط الشرق بالغرب.

وذكر التقرير أن السعودية تحتل صدارة منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا في سوق خدمات سفن الروافد البالغة قيمتها 8 مليارات دولار، بسبب الموقع الجغرافي المتميز للمملكة وتوفر البنية التحتية الحديث ومواءمة السياسات المتبعة.

كما أشار إلى الدور المحوري المتوقع للمملكة في قيادة نمو قطاع خدمات سفن الروافد، والمتوقع أن يصل حجمه عالمياً إلى 451 مليار دولار بحلول عام 2030، في حين تشير التوقعات إلى استحواذ منطقة الشرق الأوسط وشرق أفريقيا وتركيا وجنوب آسيا على 8 مليارات دولار من النمو.

وتتصدر السعودية النمو الإقليمي، وفق تقرير «آرثر دي ليتل» الأخير بعنوان «إطلاق العنان للفرص في قطاع خدمات سفن الروافد»، مع توقعات بتضاعف حجم مناولة الحاويات في البحر الأحمر وحده من 12 مليون حاوية نمطية في 2021 إلى 23 مليوناً بحلول 2030.

السعودية لمركز لوجيستي عالمي

في هذا الإطار، قال فضل بن سعد البوعينين، الاقتصادي وعضو مجلس الشورى السعودي، لـ«الشرق الأوسط»: «اهتمت (رؤية السعودية 2030) بقطاع النقل والخدمات اللوجيستية، وبات هدف تحويل المملكة إلى مركز للخدمات اللوجيستية من مستهدفاتها».

ويرى البوعينين أن القطاع من ركائز تنويع مصادر الاقتصاد، في ظل استثمار المقومات المتاحة ومنها الموقع الجغرافي الاستراتيجي وامتلاك شبكة من الموانئ الحديثة على البحر الأحمر والخليج العربي ومرور خطوط الملاحة والتجارة العالمية من خلالها، وكبر حجم الاقتصاد وارتباطه الوثيق بالاقتصاد العالمي.

واعتبر أن قطاع خدمات سفن الروافد المعني بنقل الحاويات بين الموانئ الإقليمية الصغيرة والمراكز العالمية الرئيسية من أهم مكونات منظومة الخدمات اللوجيستية، ولا يمكن تحقيق مستهدفات التحول إلى مركز لوجيستي دون تعزيز كفاءتها وتوثيق الربط بين الموانئ في المنطقة.

السعودية تحتل صدارة منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا في سوق خدمات سفن الروافد (آرثر دي ليتل)

وتعتبر خدمات سفن الروافد، وفق البوعينين، «مكملة للخدمات اللوجيستية البحرية، ومن الفرص الاستثمارية المهمة للمملكة بسبب عوائدها المرتفعة، التي تتراوح بين 17 و23 في المائة، وهو الأداء الذي يتجاوز بشكل كبير عائدات قطاعات الشحن والخدمات اللوجيستية الأخرى، إضافة إلى حجم القطاع الذي يتجاوز 8 مليارات دولار».

ويعتقد أن هدف المملكة اليوم يتجاوز ذلك الحجم، خاصة في موانئها على البحر الأحمر، وإمكانية مضاعفة الحجم الحالي وبما يتوافق مع مستهدفات استراتيجية النقل والخدمات اللوجيستية و«رؤية 2030» التي تستهدف تحويل المملكة إلى مركز لوجيستي رئيسي يربط الشرق بالغرب.

وأضاف: «لدى المملكة الموانئ الحديثة على البحر الأحمر والخليج العربي والرؤية الاستراتيجية والقدرات الفنية، ولديها الملاءة المالية والشراكات العالمية، إضافة إلى حجم السوق المحلية وارتباطها بالأسواق المجاورة في المنطقة. وسيمكن ذلك السعودية من فرصة التوسع في أفريقيا، كون موانئها تعد نقطة عبور إلى موانئ الدول الأفريقية التي تعتمد بشكل وثيق على النقل البحري لاستدامة سلاسل التوريد».

ولفت إلى أن بيئة المملكة الاستثمارية من أهم محفزات النمو في قطاع خدمات سفن الروافد، كما أن قدراتها الفائقة في تنفيذ استراتيجياتها اللوجيستية يضمن لها السرعة في تنفيذ المستهدفات وجذب المستثمرين وتعزيز منظومة الخدمات اللوجيستية البحرية وربطها بالخدمات اللوجيستية البرية لتسهيل عمليات الشحن، وإيجاد البدائل المناسبة في الأزمات.

ونوّه بتحول التجارة العالمية المنقولة بحراً من موانئ البحر الأحمر إلى الموانئ السعودية على الخليج العربي بعد مخاطر استهداف السفن في البحر الأحمر، ما يعزز من أهمية التوسع في خدمات سفن الروافد ويضمن استكمال منظومة الخدمات البحرية الداعمة، لتحقيق مستهدف تحول المملكة إلى مركز عالمي للخدمات اللوجيستية بالمنطقة.

تنويع خدمات سفن الروافد

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أكد ألكسندر صوايا، المدير لدى «آرثر دي ليتل الشرق الأوسط»، أن الاضطراب المستمر في الشرق الأوسط تسبب في تعطيل مسار قطاع خدمات سفن الروافد في البحر الأحمر والمتوسط، ما أبرز مدى اعتماد المشغلين على الممرات الحيوية، مبيناً أن المخاطر المتزايدة مثل القرصنة والتوترات الإقليمية، أجبرت الشركات على إعادة تقييم استراتيجياتها.

وتضع هذه التحديات، وفق صوايا، ضغوطاً كبيرة على الشركات الأصغر حجماً وتكشف عن نقاط ضعف في قدرتها على الصمود التشغيلي، مبيناً أن التغلب على التحديات يتعين على المشغلين تنويع خدمات سفن الروافد، وتطوير نماذج توجيه مرنة، وتعميق الشراكات الاستراتيجية.

وأضاف صوايا: «بالنسبة للسعودية، التي تستثمر في تطوير موانئ خارج مناطق المضايق التقليدية، يمكن لهذا التحول أن يعزز مكانتها بوصفها بديلاً إقليمياً يتمتع بمرونة عالية»، مشيراً إلى أن ديناميكيات السوق المتغيرة، تدفع استثمارات متزايدة من اللاعبين الحاليين في قطاع الشحن، والتكتلات الاقتصادية الكبرى، والمستثمرين الخارجيين.

وأوضح أن كبرى مجموعات الموانئ والخدمات اللوجيستية في منطقة الخليج تستعد للاستفادة من العوائد والنمو المستدامين لهذا القطاع، ما ينطوي على دلالات واضحة بالنسبة للدور المستقبلي للكيانات السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي في حركة التجارة البحرية الإقليمية.


مقالات ذات صلة

أرباح 6 بنوك سعودية ترتفع في الربع الثالث... و«الجزيرة» الأعلى نمواً

الاقتصاد المركز المالي في السعودية (واس)

أرباح 6 بنوك سعودية ترتفع في الربع الثالث... و«الجزيرة» الأعلى نمواً

ارتفعت أرباح 6 بنوك سعودية في الربع الثالث، بقيادة «الجزيرة» نمواً و«الراجحي» قيمةً، في حين تراجعت أرباح ثلاثة بنوك بفعل ضغوط تشغيلية وائتمانية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد اجتماع وزراء مالية منظمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في هونغ كونغ (إكس)

وزراء مالية «أبيك» يتعهدون بتنسيق السياسات الاقتصادية لمواجهة المخاطر

اتفق وزراء مالية اقتصادات منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) على تعزيز التنسيق والتواصل بشأن سياسات الاقتصاد الكلي لمواجهة المخاطر.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ )
الاقتصاد محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي لدى وصولها لحضور مؤتمر صحافي في المقر الرئيسي لبنك إندونيسيا في جاكرتا (رويترز)

إندونيسيا تثبّت الفائدة وترفع عائد الإيداع لدعم الروبية

أبقى البنك المركزي الإندونيسي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، الأربعاء، عند 5.75 في المائة، لكنه رفع سعر فائدة تسهيلات الإيداع لليلة واحدة.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
الاقتصاد شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف العملات الأجنبية بين الدولار الأميركي والوون الكوري الجنوبي في غرفة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)

الأسهم الآسيوية ترتفع بدعم من أرباح الشركات الأميركية... و«كوسبي» يقفز 4 %

ارتفعت الأسهم الآسيوية في مستهل تعاملات الأربعاء، واستقرت أسواق السندات، بعد مكاسب «وول ستريت».

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
شمال افريقيا صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» يتفقد قاعدة الواو العسكرية بالجنوب (الجيش الوطني)

أبعاد زيادة صدام حفتر لقاعدة عسكرية جنوب ليبيا

في إطار التحركات الميدانية المكثفة لتأمين الجنوب الليبي، أجرى الفريق صدام حفتر زيارات تفقدية للحدود والقبائل، مؤكداً الربط بين الأمن والاستقرار والتنمية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ترمب يستعرض جهود مكافحة عمليات الاحتيال بالعملات المشفرة الآتية من الخارج

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
TT

ترمب يستعرض جهود مكافحة عمليات الاحتيال بالعملات المشفرة الآتية من الخارج

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)

يستعرض الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأربعاء، جهود إدارته لمكافحة الشبكات الإجرامية الأجنبية التي تستدرج الأميركيين إلى استثمارات احتيالية في العملات المشفرة، وفق ما أفاد به مسؤول في البيت الأبيض «رويترز»، في إطار فعالية أوسع نطاقاً بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية.

ومن المتوقع أن يستعرض ترمب وعدد من أعضاء حكومته، خلال فعالية في البيت الأبيض، جهود الحكومة لمصادرة مواقع إلكترونية تُستخدم في عمليات احتيال استثماري بالعملات المشفرة، إلى جانب المساعي الرامية إلى وقف عمليات الاحتيال عبر انتحال الهوية على الإنترنت، وفق المسؤول.

وأضاف مسؤول في الإدارة الأميركية أن من المتوقع حضور وزير الأمن الداخلي ماركواين مولين، ومدير «مكتب التحقيقات الاتحادي» كاش باتيل، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، والمدعي العام تود بلانش. كما يُتوقع حضور كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، ونائب رئيس الموظفين ستيفن ميلر، والمدير الوطني لـ«الأمن السيبراني» شون كيرنكروس.

وقدّم الأميركيون أكثر من مليون شكوى إلى «مكتب التحقيقات الاتحادي» بشأن عمليات الاحتيال عبر الإنترنت العام الماضي، بزيادة قدرها 17 في المائة مقارنة بعام 2024، وفقاً لتقرير صادر عن «المكتب» أشار أيضاً إلى أن الخسائر المالية التي أبلغ عنها المشتكون بلغت مستويات قياسية.

وتشارك عائلة ترمب على نطاق واسع في استقطاب استثمارات العملات المشفرة.

وخلص تحقيق أجرته «رويترز» إلى أن ترمب ونجليه أضافوا ما لا يقل عن 2.3 مليار دولار إلى ثروة العائلة من خلال مشروعاتهم الرئيسية في مجال العملات المشفرة، في حين تكبّد المستثمرون الذين استقطبتهم العائلة خسائر بلغت 2.3 مليار دولار.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، في بيان لـ«رويترز» رداً على التحقيق، إن «جميع الإجراءات التي يتخذها الرئيس ترمب وإدارته تصب في مصلحة الشعب الأميركي».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أصدر ترمب عفواً عن تشانغبينغ تشاو، المؤسس المدان لمنصة «بينانس» لتداول العملات المشفرة، بعدما ترك منصبه إثر إقرار الشركة بالذنب في قضية تتعلق بالإخفاق في الحفاظ على برنامج فعّال لمكافحة غسل الأموال.

وفي مارس (آذار) الماضي، وجّه ترمب وزارة العدل، بموجب أمر تنفيذي، إلى إعطاء الأولوية لتحديد هوية المحتالين الذين يرتكبون جرائم عبر الإنترنت وملاحقتهم قضائياً. كما وجّه لاحقاً وزارة الأمن الداخلي إلى العمل مع شركات خاصة لمراقبة مجموعات القرصنة الإلكترونية الأجنبية.


تراجع مخزونات النفط والبنزين الأميركية بأكثر من التوقعات

خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
TT

تراجع مخزونات النفط والبنزين الأميركية بأكثر من التوقعات

خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، أن مخزونات النفط الخام والبنزين في الولايات المتحدة انخفضت خلال الأسبوع الماضي بأكثر من التوقعات، في حين ارتفعت مخزونات المقطرات.

وأوضحت الإدارة، في تقريرها الأسبوعي الذي يحظى بمتابعة واسعة، أن مخزونات النفط الخام تراجعت بمقدار 3.06 مليون برميل لتصل إلى 412.5 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 16 أكتوبر (تشرين الأول)، وذلك مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته وكالة «رويترز» بانخفاض قدره 820 ألف برميل.

كما أشارت الإدارة إلى ارتفاع مخزونات النفط الخام في مركز التسليم في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بمقدار 987 ألف برميل خلال الأسبوع نفسه.

وذكرت إدارة معلومات الطاقة أن كميات النفط الخام التي تمت معالجتها في المصافي ارتفعت بمقدار 34 ألف برميل يومياً.

وانخفضت معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.1 نقطة مئوية خلال الأسبوع لتصل إلى 93.4 في المائة. وفقاً للبيانات.

وفيما يتعلق بالبنزين، أفادت الإدارة بأن المخزونات الأميركية انخفضت بمقدار 2.95 مليون برميل لتصل إلى 205.3 مليون برميل، مقابل توقعات بانخفاض قدره 443 ألف برميل.

وأظهرت البيانات ارتفاع مخزونات المقطرات -التي تشمل الديزل وزيت التدفئة- بمقدار 1.68 مليون برميل لتصل إلى 104.3 مليون برميل، مخالفةً بذلك توقعات كانت تشير إلى انخفاض قدره 1.16 مليون برميل.

كما ذكرت إدارة معلومات الطاقة أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع بمقدار 837 ألف برميل يومياً.

وعلى الفور، تحولت العقود الآجلة لخام برنت والخام الأميركي إلى الارتفاع وسط تداولات متقلبة شهدتها جلسة الأربعاء، وذلك فور صدور التقرير.


ضوابط قضائية صارمة تحاصر قانون الفجوة المالية في لبنان

مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
TT

ضوابط قضائية صارمة تحاصر قانون الفجوة المالية في لبنان

مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)

أعاد قرار المجلس الدستوري في لبنان إبطال المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها، استجابةً للطعن المقدّم من رئيس الجمهورية جوزيف عون، رسم مسار معالجة الفجوة المالية واسترداد الودائع، بما قد ينعكس على صياغة القانون المرتقب والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي للتوصل إلى اتفاق تمويلي.

ويعيد القرار مصرف لبنان إلى موقع محوري في إدارة عملية إعادة هيكلة المصارف، في تطور تتجاوز تداعياته قانون إصلاح المصارف إلى مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي يُعدّ من المرتكزات الأساسية لمعالجة الفجوة المالية وتحديد المسؤوليات عن الخسائر وتوزيع أعبائها.

وتكمن الأهمية الاستثنائية للقرار في إعادة الاعتبار إلى المضمون الأساسي للقانون رقم 23، الصادر في صيف العام الماضي، والذي يُلزم بالتقيد بأحكام قانون النقد والتسليف، ويستهدف «تعزيز استقرار النظام المالي، ومعالجة حالات التعثر، وحماية الودائع في عملية التصفية والإصلاح، والحدّ من استخدام الأموال العامة في عملية إصلاح أي مصرف متعثر». وبذلك، يشطب القرار عملياً استهلالية التعديل المطعون به، والتي نصت على «وضع إطار قانوني حديث يتلاقى مع المعايير الدولية المتبعة».

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وليس خافياً، وفق قراءة مسؤول مالي معنيّ، أن تداعيات القرار لا تقتصر على بُعده القانوني البحت، ولا على واقع الرفض الضمني للتعديل الوارد من قبل فريق الصندوق الدولي، بل تمتدّ تلقائياً إلى اختلاف المقاربات السياسية والقطاعية في إعداد مندرجات مشروع قانون الفجوة المالية الذي يفترض أن تشرع اللجان النيابية بمناقشته قريباً، سواء بنسخته المحالة من الحكومة بنهاية العام الماضي، أو بعد اكتمال المراجعة المرتقبة من قبل الفريق الاقتصادي الحكومي، وبالاستناد إلى خلاصات المداولات مع حاكمية البنك المركزي ومؤسسات مالية دولية.

ويشير المسؤول المالي إلى أن القرار يشدد الضوابط القضائية على مسار المعالجات المطروحة، ويتكامل في هذا السياق مع مطالعة سابقة لمجلس شورى الدولة، تم إعادة تثبيتها قبل أشهر، وتقضي بأنه لا يمكن شطب الودائع أو إلغاء ديون والتزامات مصرف لبنان المركزي بقرار حكومي دون سند تشريعي صريح وضمانات دستورية تحفظ حق الملكية الفردية. كما رفض المجلس تحميل المودعين وحدهم كلفة الخسائر المالية، مؤكداً مسؤولية الدولة ومصرف لبنان في الأزمة المالية.

بذلك، اكتسبت الخشية من العودة إلى نقطة «الصفر» التي أوردتها «الشرق الأوسط» ضمن ترقباتها المسبقة لمنحى القرار، دفعاً قوياً بتأثيره الفوري واللاحق على القانون الارتكازي لمعالجة الفجوة، ولا سيما لجهة وصف المسؤوليات، وبالتبعية تحديد الأحمال على ثلاثي الدولة، والبنك المركزي، والمصارف، فيما تنحو توجيهات صندوق النقد، بتأييد حكومي غير مضمر وفقاً لما ورد في مشروع القانون، إلى تضييق المساهمة بالأموال العامة لأبعد حدود.

الرئيس عون مستقبلاً وفداً من جمعية المصارف (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ومن المرجح، حسب مصادر معنية ومنحى المعطيات المحدثة، انحسار التطلعات لتجديد عقد اتفاق أولي مع صندوق النقد خلال الأشهر القليلة المقبلة، بالنظر إلى ربط توقيعه بدخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيز التنفيذ، والمشروط قانونياً بصدور قانون معالجة الفجوة المالية، مع اشتراط توافقها مع المعايير الدولية. فضلاً عن الحاجة إلى إقرار موازنة العام المقبل، واعتماد إطار مالي متوسط الأجل يتوافق مع استدامة الدين العام في البلاد.

وتكشف الأرقام المرتبطة بالفجوة المالية عن حجم المأزق الذي تواجهه الحكومة اللبنانية في ظل الضغوط المتواصلة من صندوق النقد الدولي، وسط تباين في وجهات النظر بشأن كيفية توزيع الخسائر ومعالجة العجز المالي لدى الأطراف المعنية، وهي الدولة ومصرف لبنان والمصارف. وفي خضم هذه الخلافات، تبقى حقوق المودعين معلّقة إلى حين إقرار القانون الذي يحدد آليات التعامل مع مدخراتهم العالقة، المقدّرة بنحو 80 مليار دولار.

ويقابل هذه الودائع حجم مماثل من توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان، استُخدم معظمها في تمويل الدولة، التي استجرّت أموالاً تُقدّر بنحو 64 مليار دولار، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المالية للأزمة.

وفي الأساس، ثمة «فجوة» عميقة في توصيف الأزمة وخلفياتها، حسب المسؤول المالي المعني، بينما تفترض التداعيات وموجبات إيفاء الحقوق، التوافق الناجز على تعريف «الأزمة النظامية» التي أقر بها صندوق النقد، وباعتبار أن المسألة لا تتعلق بتعثر مصرف واحد، أو حتى عدد من المصارف، وفق تأكيد حاكم المركزي، كريم سعيد، بل بانهيار متزامن للقدرة المالية للدولة، وللمركز المالي لمصرف لبنان، ولسيولة القطاع المصرفي، ولثقة المواطنين، بحيث أصبحت كل هذه العناصر تغذي بعضها، وصولاّ إلى انهيار شامل. كما ينبغي التنويه في سياق المقاربات العلاجية، بأن تخلّف الدولة عن سداد السندات الدولية في ربيع عام 2020، والبالغة حينها نحو 31 مليار دولار، ثم انهيار سعر صرف العملة الوطنية بنسبة قاربت 98 في المائة، الذي محا تقريباً ديون الدولة بالليرة، منحا الدولة فترة سماح طويلة نسبياً لعزل موجبات الديون عن الموازنة العامة، لكن ذلك يؤجل الاستحقاقات فقط ولا يشطبها، بأي حال، مع وجود شريحة واسعة من الدائنين الدوليين، مما يوجب ضم الملف إلى مشروع قانون الانتظام المالي.