التضخم في أميركا يطيح مستوى الإعلان على وسائل التواصل

خفض الإنفاق وارتفاع التكلفة يؤديان إلى دعايات هابطة ومنتجات وشركات مجهولة

إعلان على «يوتيوب»
إعلان على «يوتيوب»
TT

التضخم في أميركا يطيح مستوى الإعلان على وسائل التواصل

إعلان على «يوتيوب»
إعلان على «يوتيوب»

يتناقش العديد من المعلقين وأصحاب الاهتمام وذوي الاختصاص في الولايات المتحدة، هذه الأيام، في تأثير «إعادة الهيكلة» المالية والوظيفية الجارية في شركات التكنولوجيا الكبرى على سوق الإعلانات ومستواها ونوعية المواد وجودتها، فضلاً عن مدى الإزعاج البصري الذي تسببه للمشاهدين على مواقع التواصل الاجتماعي. وتكاد التعليقات تكون موحّدة في التذمر من هبوط مستوى الإعلان والمنتج على حد سواء، بعدما أجبر تراجع الاقتصاد وازدياد التضخم شركات عدة على خفض نفقاتها الإعلانية بنسب كبيرة.
وبحسب تقرير نشر أخيراً، وجدت دراسة استقصائية شملت 43 شركة متعددة الجنسيات، وتمثل أكثر من 44 مليار دولار في الإنفاق الإعلاني، أن ما يقرب من 30 في المائة خططوا لتقليص ميزانياتهم التسويقية هذا العام. ووفق الدراسة التي أجراها «الاتحاد العالمي للمعلنين» في الخريف الماضي، ذكرت شركة كبرى متخصصة في مستحضرات التنظيف ومواد التعقيم والفلاتر والمنظفات، كانت سابقاً تخصص مئات الملايين من الدولارات سنوياً للإعلان عن منتجاتها، أنها بدأت هذا الشهر في «تبسيط» تسويقها وتقليص الإنفاق.
ومع أن تمرير الدعايات الإعلانية على وسائل التواصل الاجتماعي غالباً ما يكون مزعجاً، فإن الوضع ازداد سوءاً في الآونة الأخيرة، كما تفيد تعليقات العديد من الناس؛ إذ بات الإعلان يقاطع الاستماع إلى أغنية أو مشاهدة شريط مصوّر، أو حتى شريط فيديو لا يتجاوز طوله دقائق قليلة. وصار ما يُسمّون بـ«اللايف كوتشز» يستمتعون أكثر كلما ازدادت الإعلانات على «ترينداتهم»، كدليل على تحقيقهم نجاحاً تسويقياً يعود عليهم بمنفعة مالية أكبر.


إعلان على «تويتر»

المشاهدون رهائن شبكة مربعة الأضلاع

هذا الواقع يتشارك فيه الآن أصحاب المصلحة في شبكة «مربعة الأضلاع» من المنصات والمعلنين والمنتجات والمتلقين. ومنذ تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى أكبر عارض إعلانات ومتلقٍ لها، متغلبة على كل وسائل الإعلام التقليدية، أصبح المواطن العادي «رهينة» حقيقية بكل ما لهذه الكلمة من معنى لتلك الشبكة.
وفعلاً، لطالما شاهد كثيرون على أجهزتهم اللوحية وهواتفهم الجوالة وحواسيبهم الشخصية، إعلانات غير مرحب بها، سواء على «تويتر» أو «فيسبوك» أو «إنستغرام» أو «يوتيوب». وهي على سبيل المثال لعلامات تجارية كبرى تروّج لسيارات ومجوهرات باهظة الثمن، أو منتجات لا قِبل لغالبية الناس بامتلاكها. ولكن اليوم، مع تراجع إنفاق المعلنين، وانخفاض أسعار الإعلانات من قبل شركات التكنولوجيا، فُتح الباب أمام منتجين ومنتجات لإعلانات هابطة عن منتجات لم يكن بالإمكان تخيلها بصرياً أو نوعياً.
ويتداول جمهور عريضٌ راهناً تعليقات، معظمها - حتى الآن - من باب التندر، لكنها بدأت تثير تساؤلات عن المسؤولية الأخلاقية والتجارية لشركات التكنولوجيا، التي بات همها الأساسي الحصول على مال الإعلانات، مهما كان مصدرها.
أيضاً، ومع حملات تقليص العمالة والاستغناء عن الموظفين التي طالت غالبية شركات التكنولوجيا، تراجع الجهاز الرقابي عن المحتوى، سواءً في «تويتر» أو «ميتا» أو «ألفابيت» أو «أمازون» أو «مايكروسوفت». وهنا يدافع القائمون على تلك الشركات بالقول إنه لم يجرِ أي خفض لأعداد الموظفين والمسؤولين عن رقابة المحتوى، غير أن الجمهور يرى عكس ذلك. ويقول البعض إن تراجع الوضع الاقتصادي أدى، على ما يبدو، إلى وجود طبقتين: عليا وسفلى... في سلم الإعلانات والمعلنين والمنتجات والمشاهدين. كذلك يقولون إن تلك الإعلانات الهابطة تشبه برامج ما بعد منتصف الليل التلفزيونية المعادة أو الهابطة. وفي سوق الإعلانات، المهتز في ظل اقتصاد مضطرب، تبدو الإعلانات التي يرغب قلة من الناس في رؤيتها... فجأة موجودة في كل مكان.

شح المال وصحافة «التابلويد»

في سياق موازٍ، تتحدث بعض التقارير والتعليقات عن إعلانات أخيرة على «تويتر» - مثلاً - بأنها حوّلت المنصة إلى ما يشبه صحافة «التابلويد» الصفراء التي تروج لمنتجات لا مجال لأن يحتاج إليها الناس... كالترويج لخفّاق للبيض داخل القشرة. وهناك أيضاً، إعلانات على «إنستغرام» من «أمازون» لمنتجات من تجار مجهولين وشركات مجهولة العناوين، وإعلانات على «يوتيوب» لمنتحلي صفة بعض المشهورين على منصات التواصل، بهدف خداع المشاهدين.
للعلم، كانت التحديثات والتطويرات التقنية في الإعلانات الرقمية، قد أدت إلى تحسين تجربة المستخدمين. وبذا، صار بإمكان الباحث عن حذاء أو دراجة هوائية أو حقيبة أو سيارة، بأوصاف وماركة محددة، أن تصل إليه دعايات تلك المنتجات تلقائياً وبسهولة، بدلاً من دعايات السياحة أو تعلم السباحة والرقص. ويفترض بتلك التقنية أن تعمل بالطريقة نفسها في تصفية الإعلانات المضلّلة أو الخطيرة أو الهابطة. لكن يبدو أن العكس هو الذي يحدث في الآونة الأخيرة على العديد من منصات التواصل الاجتماعي، ولأسباب عدة، منها التباطؤ في سوق الإعلانات الرقمية بشكل عام.
وبحسب تقديرات شركة «سينسور تاور» للأبحاث، يبدو أن موقع «تويتر» كان الأسوأ أداء بين وسائل التواصل، بعد استحواذ إيلون ماسك عليه، والخضّة التي أحدثها فيه. إذ كافح الموقع للاحتفاظ بالمعلنين البارزين الذين غادروا بعد توليه المسؤولية، وسط مخاوف من انتشار خطاب الكراهية والمعلومات المضللة على المنصة، ولقد أنفق أكبر 10 معلنين في العام الماضي 55 في المائة أقل خلال فترة استحواذ ماسك مما أنفقوه العام السابق. ثم إن 6 منهم لم ينفقوا شيئاً حتى الآن في عام 2023. وهنا، قال مشترو الإعلانات على وسائل الإعلام، إن «تويتر» عرض صفقات مثل «اشترِ واحداً واحصل على الثاني مجاناً»، مع حسومات وحوافز إضافية لجذب المعلنين.
في أي حال، أضاف التقرير أن المشاكل أصابت كل شبكات التواصل الاجتماعي. فقد سجلت الشركة الأم للموقع «سناب شات»، الشهر الماضي، أبطأ معدل نمو ربع سنوي، وتوقعت انخفاضاً في المبيعات للربع الحالي. أيضاً قالت شركة «ألفابيت» - الشركة الأم لـ«غوغل» - إن مبيعات الإعلانات على موقع «يوتيوب»، التابع بدوره لـ«غوغل»، تراجعت بنسبة 8 في المائة تقريباً في الربع الأخير من العام الماضي.
وفي الاتجاه نفسه، أبلغت شركة «ميتا» المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام»، عن أول انخفاض لها على الإطلاق في الإيرادات الفصلية، حيث انخفضت مرة أخرى في الربع الأخير، كما تراجعت أسعار الإعلانات على المنصتين بنسبة 24 في المائة في الربع الأخير من عام 2022 عن العام السابق.

«تسوّل» الإعلانات

مع تعرّض هذه الشركات الكبرى لضغوط المساهمين من أجل تحقيق الأرباح، كائناً ما كان مصدرها، دُفعت تلك الشركات لقبول الإيرادات وتوليدها حيثما كان ممكناً. وبضمن ذلك، بيع إعلانات منخفضة الجودة لمنتجات أقل جودة. هذا الواقع وصفه البعض بأنه يشبه «التسول»، حيث لا مجال للاختيار، بل فقط القبول بأي أموال تأتي. واستطراداً، ثمة من يضيف أسباباً أخرى على علاقة بتراجع وانخفاض جودة الإعلان؛ إذ بعدما كان الإعلان على وسائل التواصل الاجتماعي فناً متخصصاً تمارسه بإتقان ومهنية وكالات متخصصة، نراه الآن متاحاً بسهولة لأيٍّ كان. وصار كثيرون يتجنبون الإعلانات المستهدِفة الوصول إلى جمهور محدّد بتكلفة أعلى عادة، لمصلحة تعميم الإعلان عشوائياً عبر الإنترنت، بأمل جذب انتباه المتسوّقين السذّج أو المحبَطين الذين يعانون الملل.
وعلى الرغم من محاولة بعض المواقع والمنصات خفض كمية الإعلانات المتداولة ووقتها، وتطبيق برامج تجريبية للالتفاف عليها، أو طلب اشتراكات شهرية من المشاهدين؛ لإعفائهم من مشقة متابعة «الوقفات الإعلانية»، غدا من المستحيل أن تؤدي تلك الإجراءات إلى وقفها. ثم إن محاولة المنصات الاجتماعية إعادة السيطرة على موادها الإعلانية أضحت قضية صعبة، والرقابة على الإنترنت أعقد بكثير.
ختاماً، مع كل ما سبق، عمد العديد من خدمات البث الإخبارية إلى وضع إرشادات إعلانية أكثر صرامة ومساحة إعلانية محدودة ومكلفة، ما يجعل تنظيم الإعلانات أسهل. وعلى سبيل المثال، عمدت «بلومبيرغ ميديا» إلى تجنب سماسرة الجهات الخارجية والمزادات الآلية للمساحات الإعلانية، وهي خطوة يرجح أنها ستؤدي إلى إنهاء الإعلانات منخفضة الجودة.


مقالات ذات صلة

منع 3 مؤسسات إعلامية من دخول البيت الأبيض بعد قرار ترمب بحظرها

الولايات المتحدة​ مراسلات الشبكات الأميركية الثلاث بالقرب من البيت الأبيض بعد رفض دخولهن إليه (أ.ب) p-circle

منع 3 مؤسسات إعلامية من دخول البيت الأبيض بعد قرار ترمب بحظرها

مُنع ممثلو 3 مؤسسات إعلامية أميركية كبرى من دخول البيت الأبيض، صباح السبت، وذلك في أعقاب قرار حظر أصدره الرئيس دونالد ترمب بحقها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

«سي إن إن»: منع وسائل إعلام من دخول البيت الأبيض اعتداء على حرية الصحافة

ندّدت مؤسسات إعلامية أميركية بقرار الرئيس دونالد ترمب منع 3 وسائل إعلام من دخول البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال فعالية في البيت الأبيض (أ.ف.ب) p-circle

ترمب يعلن منع 3 وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض

أعلن الرئيس دونالد ترمب، الجمعة، أنه سيمنع 3 وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض، محذّراً من أن هذا الإجراء قد يتسع ليشمل وسائل أخرى.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
إعلام يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)

السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

أعلن وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري إطلاق «مهرجان ليونز الرياض» الذي يجمع كبار مسؤولي التسويق وقادة الإبداع والمواهب خلال الفترة بين 6 و8 ديسمبر 2027.

جبير الأنصاري (الرياض)
يوميات الشرق منصة «نافذة» تتيح للكتّاب والرسامين وصنّاع القصص المصورة نشر أعمالهم والوصول بها إلى جمهور واسع (الشرق الأوسط)

«مانجا العربية» تفتح «نافذة» للمبدعين العرب للوصول إلى جمهور عالمي

أطلقت شركة «مانجا العربية»، التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام - SRMG»، منصة «نافذة»، التي تتيح للكتّاب والرسامين وصنّاع القصص المصورة نشر أعمالهم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
TT

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية. ويأتي هذا الحدث بمناسبة انعقاد الدورة السادسة والعشرين لـ«المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون»، بمشاركة نحو 500 إعلامي وفنان ومثقف وخبير ومهني من الدول العربية ومن أوروبا وآسيا وأفريقيا.

بهذه المناسبة، اعلن المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، خلال مؤتمر صحافي عُقد في تونس لتقديم الدورة، أن المهرجان، الذي ينعقد تحت شعار «نبض الصورة وصدى المستقبل»، يشهد هذا العام حضوراً عربياً ودولياً واسعاً، وبرنامجاً يجمع المسابقات الإذاعية والتلفزيونية وندوات الحوار وورش العمل ومعرض التكنولوجيا وسوق الإنتاج والفعاليات الثقافية والفنية.

وشارك سليمان في تقديم تفاصيل البرنامج مع عدد من مسؤولي المؤسّسات التونسية الشريكة، بينهم الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية شكري بن نصير، والرئيسة المديرة العامة للإذاعة التونسية هندة بن علية الغريبي، ومدير عام مسرح أوبرا تونس العاصمة في «مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» سيف الله الطرشوني ممثلاً عن وزارة الشؤون الثقافية.

هذا، ويعكس تنوّع المشاركين طبيعة التحوّل الذي عرفه المهرجان على امتداد أكثر من أربعة عقود؛ فمن موعد ارتبط أساساً بالتنافس بين الإنتاجات الإذاعية والتلفزيونية العربية، اتّسعت التظاهرة لتصبح فضاءً مهنياً وفكرياً يلتقي فيه الإعلام مع الثقافة والتكنولوجيا والاتصال.

إعلان ندوة "البودكاست" في الملتقى (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

023 عملاً في المنافسة

حسب الأرقام التي قدّمها عبد الرحيم سليمان والقائمون على المهرجان، تتنافس في الدورة 320 مادة إعلامية، بينها 161 عملاً إذاعياً و149 عملاً تلفزيونياً، إضافةً إلى 10 أعمال ضمن مسابقة الإعلام الجديد المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتحافظ المسابقات، بذلك، على موقعها التقليدي في المهرجان بوصفها مناسبة لمعاينة جانب من اتجاهات الإنتاج العربي في الدراما والبرامج والأعمال الإذاعية والتلفزيونية. إلا أن إضافة الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي تكشف في الوقت نفسه عن محاولة لمواكبة بيئة إعلامية تتغير أدواتها بوتيرة سريعة.

ذلك أن المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية لم تعد تعمل داخل الحدود التقليدية للبث. فالتلفزيون أصبح موجوداً على الهاتف والمنصّات الرقمية، والإذاعة وجدت امتداداً جديداً في «البودكاست» والخدمات الصوتية، بينما دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي غُرف الأخبار والاستوديوهات ومراحل الإنتاج وما بعد الإنتاج.

وهذا التحوّل يضع أمام الإعلاميين أسئلة تتجاوز التكنولوجيا ذاتها إلى المصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، والتحقّق من المواد المنتجة آلياً، فضلاً عن المسؤولية التحريرية ومستقبل بعض المهن المرتبطة بإنتاج الصورة والصوت.

المحتوى في قلب النقاش

من ناحية ثانية، يخصّص البرنامج الفكري للمهرجان مساحة بارزة لمناقشة هذه التحوّلات، من خلال ندوات ولقاءات وورش عمل يشارك فيها خبراء وإعلاميون وأكاديميون ومهنيون عرب ودوليون. ولقد أوضح مسؤولو الدورة أن البرنامج يتضمن ثلاث ندوات حوارية رئيسية بمشاركة خبراء من قطاع الثقافة والإعلام عربيا ودولياً:

تتناول الأولى «البودكاست: اتجاهات المحتوى وقوة التأثير»، في وقت يشهد المحتوى الصوتي الرقمي توسّعاً ملحوظاً، سواء داخل المؤسسات الإذاعية التقليدية أو لدى المنتجين المستقلين. وحقاً، لا يمثل «البودكاست» مجرد صيغة تقنية جديدة للإذاعة، بل أعاد تشكيل العلاقة مع الصوت عبر الاستماع عند الطلب، ومنح المنتجين مساحة أكبر للتخصّص والسرد المطوّل والوصول إلى جماهير موزّعة جغرافياً خارج نطاق البث التقليدي.

أما الندوة الثانية فتناقش موضوع «الجمهور وصناعة المحتوى: من التلقّي إلى الشراكة». وهذا عنوان يلخص جانباً أساسياً من التحول الاتصالي الراهن، فالجمهور الذي كان يوجد في نهاية عملية الاتصال أصبح اليوم جزءاً منها؛ يختار ويعلّق ويشارك ويعيد توزيع المحتوى، وقد يتحوّل بنفسه إلى مصدر للمعلومة أو منتج للصورة والفيديو. ثم إن هذه العلاقة الجديدة تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في مفهوم الجمهور ذاته، وفي طرق قياس التأثير وبناء الثقة، خصوصاً مع انتقال جانب متزايد من استهلاك الأخبار والمحتوى إلى شبكات التواصل والمنصات الرقمية.

وأما الندوة الثالثة، فعنوانها «الإعلام السياحي: من ناقل للحدث إلى صانع للوجهة». وهي تفتح النقاش على وظيفة اتصالية أخرى للإعلام تتصل بصناعة صورة البلدان والمدن والثقافات. إذ إن المحتوى السياحي لم يعد مجرّد تقرير عن موقع أثري أو فندق أو مهرجان، وإنما أصبح جزءاً من منظومة اتصال متكاملة تتداخل فيها الصورة والسرد والتسويق الثقافي والمنصّات الاجتماعية.

المهندس عبد الرحيم سليمان (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

من الإعلام إلى المعرفة

إضافةً إلى ما سبق، يبرز في هذه الدورة أيضاً البعد المعرفي للمهرجان، إذ لا تقتصر اللقاءات المهنية على عرض التجارب، وإنما تتيح تبادل الخبرات بين هيئات البث العربية والخبراء والشركات وصناع المحتوى. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في قطاع تتغير فيه المهارات المطلوبة باستمرار. فالصحافي والمذيع والمخرج والمنتج باتوا يعملون في بيئة تحتاج، إلى جانب المهارات المهنية التقليدية، إلى فهم البيانات والمنصات والخوارزميات وأدوات الإنتاج الرقمي وسلوك الجمهور.

كذلك يتضمن البرنامج أنشطة مرتبطة بالتعاون في الصناعة السمعية البصرية بين الصين والدول العربية، ونقاشات حول الإبداع والتعاون العربي - الصيني في هذا المجال، بما يفتح نافذة على تجارب إنتاجية وتكنولوجية من خارج الفضاء الإعلامي العربي التقليدي. ويضيف هذا الحضور بعداً دولياً إلى المهرجان، إذ يغدو تبادل المعرفة مرتبطاً أيضاً بالتعرف إلى نماذج مختلفة في الإنتاج والتوزيع والتكنولوجيا، وليس فقط بتبادل البرامج بين المؤسسات العربية.

58 عارضاً من القارات الخمس

على صعيد موازٍ، يمثل معرض «الأسبو» للتكنولوجيا والتجهيزات الجانب الصناعي والتجاري للمهرجان. ووفق ما أعلنه سليمان، يشارك فيه 85 عارضاً من القارات الخمس موزعين على 110 أجنحة، إلى جانب سوق للإنتاج البرامجي ولقاءات مهنية. وتضع هذه المشاركة التكنولوجيا في قلب الحدث. فالصناعة السمعية البصرية أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من الشركات المتخصصة في الكاميرات والاستوديوهات وأنظمة البث والأرشفة والمنصات والحوسبة والحلول الرقمية.

وتتيح مثل هذه المعارض للمؤسسات العربية الاطلاع على تطور أدوات الإنتاج والبث، لكنها توفر أيضاً مجالاً للقاء المباشر بين أصحاب التكنولوجيا وصناع المحتوى ومتخذي القرار داخل المؤسسات الإعلامية.

الثقافة والفنون جزء من المشهد

ولا ينفصل الجانب المهني عن البعد الثقافي والفني للمهرجان. فقد أعلن سليمان أن برنامج حفل الافتتاح، في المسرح الأثري بقرطاج، يشهد تكريم 12 شخصية فنية وإعلامية من تسعة بلدان عربية. وتضم قائمة المكرّمين شخصيات فنية من تجارب وأجيال مختلفة.

وفي المقابل، يحتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في 24 سبتمبر حفل الاختتام وإعلان نتائج المسابقات، إلى جانب عرض «سافر إليك وغنِّ» للمؤلف الموسيقي التونسي كريم الثليبي. وتتوزع فعاليات الدورة بين المسرح الأثري بقرطاج، والمدينة المتوسطية في ياسمين الحمامات، و«مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» في العاصمة، بما يربط المهرجان بعدد من أبرز الفضاءات الثقافية والسياحية التونسية.

الإعلام يناقش مستقبله

وبعد مسيرة تتجاوز أربعة عقود، لم تعد المنافسة محصورة بين المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وإنما أصبحت مع منصات عالمية وشبكات اجتماعية ومؤثرين ومنتجين مستقلين، بينما منحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الأفراد إمكانات لإنتاج النص والصورة والصوت كانت تحتاج قبل سنوات قليلة إلى مؤسسات وتجهيزات كبيرة.

وبوجود نحو 500 مشارك من العالم العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا، و320 عملاً متنافساً، وعشرات الشركات والعارضين، تتحوّل تونس لمدة أربعة أيام إلى مساحة للقاء بين الإعلام والثقافة والتكنولوجيا؛ وبين خبرة صنعت تاريخ الإذاعة والتلفزيون العربي، وجيل جديد يعيد تعريف معنى الصورة والصوت والجمهور في العصر الرقمي.


الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
TT

الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)

أفاد تقرير الأخبار الصادر عن هيئة الاتصالات البريطانية (أوفكوم) لعام 2026 بأن نحو خُمس البريطانيين (نحو 21 في المائة) باتوا يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار، وذلك بحسب استطلاع شمل 5397 بالغاً. وهذا أمر عدَّه خبراء «تحدّياً لمؤسسات إعلامية، ليس فقط لأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار قد يحتوي على أخطاء تسهم في نشر معلومات مضللة؛ بل أيضاً لأن هذا السلوك لن يُحيل سوى نسبة ضئيلة جداً من النقرات إلى المصادر الأصلية، مما يسهم في تراجع حركة الزيارات على مواقع الناشرين».

التقرير الذي نُشرت نتائجه منتصف سبتمبر (أيلول) الحالي، ذكر أن استخدام الذكاء الاصطناعي للأخبار هو الأكثر انتشاراً عند الفئة العمرية من 25 إلى 34 سنة بنسبة 37 في المائة. ولقد تصدر «تشات جي بي تي» قائمة التطبيقات الأكثر استخداماً للاطلاع على الأخبار، إذ أفاد 13 في المائة من إجمالي المشاركين باستخدامه لمتابعة الأحداث الجارية خلال الشهر الماضي.

وفق تقديرات «أوفكوم»، تستحوذ محرّكات البحث ومجمّعات الأخبار الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، مجتمعة تحت مسمى «الوسطاء الرقميين» على 37 في المائة من إجمالي الوقت الذي تمضيه عينة البحث مع الأخبار، وهو ما يعادل 26 دقيقة يومياً من إجمالي 72 دقيقة يومياً يمضيها القراء في متابعة الأخبار يومياً، لتصبح بذلك أكبر شريحة منفردة. وفي المقابل، لا تتجاوز حصة مواقع الناشرين المباشرة 8 دقائق يومياً؛ أي 11 في المائة فقط من إجمالي الاستهلاك.

أما على صعيد منصات التواصل الاجتماعي، فقد تصدَّر «فيسبوك» قائمة استهلاك الأخبار بنسبة 39 في المائة من البالغين يليه «يوتيوب» بنسبة 33 في المائة.

فادي عمروش، الباحث المتخصّص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي رأى خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الناشرين يواجهون أزمة «عزوف» ليس للأخبار بل للمواقع الإخبارية المباشرة... «ولذا على المؤسسات الإعلامية أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي اليوم كما تعاملت سابقاً مع محركات البحث، لكن مع فهم أن قواعد اللعبة تغيرت».

وأضاف: «في عصر محركات البحث كان الهدف من (SEO) واضحاً، وهو أن يظهر الخبر في (غوغل)، ثم يضغط القارئ على الرابط ويزور الموقع، أما اليوم فقد يسأل المستخدم (تشات جي بي تي) و(جيميناي) عن خبر معين ويحصل على ملخص كامل دون أن يزور الموقع الأصلي أصلاً».


السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
TT

السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)

أعلن وزير الإعلام السعودي، سلمان الدوسري، إطلاق «مهرجان ليونز الرياض»، الذي يجمع كبار مسؤولي التسويق وقادة الإبداع والوكالات والعلامات التجارية وصنّاع المحتوى والمواهب الصاعدة من المنطقة والعالم، وذلك خلال الفترة بين 6 و8 ديسمبر (كانون الأول) 2027، في مركز الملك عبد الله المالي «كافد» بمدينة الرياض.

ويأتي هذا الحدث، الذي تنظّمه شركة «تحالف»، بالشراكة مع وزارة الإعلام ومنظومة «ليونز» العالمية، بوصفه مهرجاناً إقليمياً متخصصاً يهدف إلى تبادل الخبرات، واستعراض أبرز الاتجاهات والتجارب المميزة في صناعة الإبداع والتسويق، مما يُعزّز مكانة السوق السعودية، عبر الاقتراب من أحدث الممارسات والمعايير والخبرات الدولية.

ويتناول برنامج المهرجان، على مدى 3 أيام، التميُّز الإبداعي والفاعلية والثقافة ومستقبل القطاع، بما يتيح لمواهب الشرق الأوسط وأفكارهم وأساليب سردهم، منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي، وسط مشاركة نخبة من الخبراء والقيادات من المنطقة والعالم تحت سقف واحد، ليُشكِّل جسراً مباشراً بين المواهب السعودية والإقليمية والشبكات والأسواق والخبرات الدولية.

تمكين المبدعين

من جانبه، أوضح وزير الإعلام أن «الإبداع وسرد القصص لهما جذور راسخة في السعودية وفي ثقافة الشرق الأوسط. واليوم، يبني جيل جديد على هذا الإرث بثقة وقدرة وطموح لرسم ملامح مستقبل هذه القصة»، مؤكداً أن «ليونز الرياض» يُمثِّل «فرصة للاحتفاء بما يميز إبداع منطقتنا، وتعزيز إسهامه في اقتصادنا وثقافتنا، وتمكين أصواتنا الإبداعية من الاضطلاع بدور أكبر في المستقبل».

يتيح المهرجان لمواهب الشرق الأوسط منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي (واس)

وأبان الدوسري أن المهرجان «يُجسِّد التقدم الذي تشهده صناعاتنا الإبداعية، والتزام السعودية برعاية المواهب والأفكار التي تقف وراءها»، حيث يُوفِّر فرصة لحضور الإبداع المحلي والمنافسة عالمياً، ويحفز الوكالات على تطوير أدواتها ومنتجاتها.

ويسهم «ليونز الرياض» في دعم نمو الاقتصاد الإبداعي في السعودية عبر استقطاب الخبرات والمواهب العالمية، ونقل المعرفة، وتنمية القدرات الوطنية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية، الأمر الذي يعكس مساعي الوزارة الهادفة إلى تمكين القطاع والعاملين فيه، وربطه بمراكز التأثير الدولية، بما يعزز نموه ويرفع تنافسيته عالمياً.

ويشكّل المهرجان منصة لتمكين المبدعين السعوديين وربطهم بالشبكات والأسواق الدولية، بما يدعم نمو المنشآت المحلية، ويعزز توطين الصناعات الإبداعية، وإسهام القطاع في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً؛ لتواصل الرياض ترسيخ مكانتها عاصمة للإبداع، ووجهة عالمية لصناعة القرار والفرص.

يفتح «مهرجان ليونز الرياض» آفاقاً جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية (واس)

وجهة دولية

بدوره، قال فيصل الخميسي، الرئيس المشارك لمجلس إدارة «تحالف» ورئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز، إن «المملكة رسَّخت سريعاً منذ إطلاق (رؤية السعودية 2030) مكانتها بوصفها إحدى أبرز الوجهات العالمية لاستضافة الفعاليات الدولية الكبرى، وأثبتت مراراً جاهزيتها لجمع العالم وتقديم فعاليات وفق أعلى المستويات».

وبينما أصبحت السعودية وجهة لمنصات دولية كبرى في التقنية والاستثمار والرياضة والترفيه والأعمال، يرى الخميسي أن قرار منظومة «ليونز» إطلاق المهرجان في الرياض «يمثل محطة مهمة أخرى في هذه المسيرة، ويعكس تنامي الأهمية الدولية للمملكة والإمكانات الإبداعية الاستثنائية للعالم العربي»، وهو ما يؤكد متانة السوق السعودية في خريطة الاقتصاد الإبداعي.

من ناحيته، ذكر فيليب توماس، رئيس مجلس إدارة «ليونز»، أن «الشرق الأوسط يدخل حقبة إبداعية جديدة لافتة»، مضيفاً: «فمن السينما والأزياء والألعاب والتصميم والترفيه إلى سرد قصص العلامات التجارية، نشهد موجة من الطموح والأصالة تقودها تركيبة سكانية شابة سريعة النمو».

يساهم «مهرجان ليونز الرياض» في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال (واس)

منصة عالمية

ولفت توماس إلى «توسع القطاعات الإبداعية بوتيرة متسارعة، مع ظهور منصات ومواهب وأعمال جديدة»، مبيناً أن «الإبداع والتسويق يضطلعان بدور متزايد الأهمية في كيفية تعبير الدول والعلامات التجارية والمجتمعات عن نفسها على الساحة العالمية».

وتابع: «لطالما كانت ليونز منصة عالمية لأفضل ما في العالم من فكر إبداعي وفاعلية تسويقية»، منوهاً بأنهم يتيحون عبر «ليونز الرياض» الوصول للمعايير العالمية والرؤى المعرفية وفرص التعلم، و«نصل المواهب والطموحات الإقليمية بالخبرات والفرص العالمية، بما يدعم المرحلة المقبلة من نمو العلامات التجارية والأعمال والاقتصاد الإبداعي الأوسع نطاقاً».

ويأتي المهرجان ضمن سلسلة منصات إقليمية تكمل «كان ليونز»، بإتاحة مزيد من خبرات المنظومة العالمية المتخصصة في الإبداع والتسويق وصناعة المحتوى على مدار العام، وتعزيز الروابط بين المجتمعات المحلية والساحة الدولية، مما يمنح منطقة الشرق الأوسط نافذة جديدة للتأثير في حوارها.

وبينما يظل «كان ليونز» محور المنظومة الذي يجتمع فيه القطاع العالمي ويُعترف بالمعيار الدولي للتميز الإبداعي، صُمم «ليونز الرياض» ليجمع منظومة التسويق الأوسع في السعودية، وتنمية المواهب لتصبح أكثر تنافسية، وربط الأفكار الإقليمية بالشبكات والخبرات العالمية، وجعل الوكالات المحلية أكثر اتصالاً بالأسواق الدولية، بما يساهم في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال.