نيرودا... هل مات مسموماً؟

50 سنة مرت وموته لا يزال قضية مفتوحة

نيرودا... هل مات مسموماً؟
TT

نيرودا... هل مات مسموماً؟

نيرودا... هل مات مسموماً؟

4 قضاة و3 فرق من الخبراء الدوليين أمضوا ما يزيد على 10 سنين يبحثون عن أسباب وفاة شاعر تشيلي الأكبر، بابلو نيرودا، الذي انطفأ في أحد مستشفيات سانتياغو، بعد 12 يوماً من الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال آوغوستو بينوتشيت في 11 سبتمبر (أيلول) عام 1973، وأطاح بالرئيس الاشتراكي سالفادور الليندي.
التقرير الأخير الذي صدر يوم الخميس الماضي عن فريق الخبراء الدوليين المكلفين البحث أسباب الوفاة، والذي أصبح في عهدة القضاء التشيلي المخوّل إصدار الحكم النهائي في هذه القضية، يفيد بأنهم لم يتوصلوا إلى توافق في الآراء. لكن ابن أخي الشاعر، وهو أحد أطراف الادعاء، يقول إنه اطلّع على خلاصة التقرير التي تؤكد أن السمّ كان سبب الوفاة.
عندما تُوفّي نيرودا على سرير بمستشفى سانتا ماريّا، جاء في التقرير الذي صدر عن الأطباء الذين كانوا يعالجونه أن سبب الوفاة انتشار الورم الخبيث الذي كان أصابه في البروستاتا. بعد وفاته، نُقل جثمان نيرودا (وكان اسمه الحقيقي نفتالي ريّس استبدل به اسماً مستعاراً ليرفع الحرج عن والده الذي كان يخجل أن يكون له ابن شاعر) ليُوارى في منزله الأثير الواقع على بُعد 100 كيلومتر من العاصمة، في بلدة إيسلا نيغرا، «الجزيرة السوداء»، التي ليست جزيرة ولا سوداء، بل قصيدة أبدية مطلَّة على المحيط الهادي. وكان قد تولّى نقله إلى المستشفى، ثم من المستشفى إلى المنزل، سائقه مانويل آرايا، برفقة زوجة الشاعر الثالثة ماتيلدي أورّوتيا.
لكن بعد مرور 38 عاماً على وفاة صاحب «20 قصيدة حب وأغنية يائسة» خرج ابن أخي الشاعر عن صمته الطويل ليقول إن نيرودا مات بالسمّ بعد حقنه بمادة مجهولة في المستشفى، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بساعات قليلة. واستناداً إلى ذلك التصريح، على لسان الذي رافق الشاعر في السنوات الأخيرة من حياته، تقدّم الحزب الشيوعي التشيلي، الذي كان نيرودا ينتمي إليه، بدعوى قضائية لفتح تحقيق حول أسباب وفاته، استمرّ 12 عاماً، ومرّ بمراحل عديدة كان آخرها التي انتهت هذا الأسبوع بتصريحات لابن أخيه غير الشقيق، رودولفو ريّس، يؤكد فيها أن نيرودا اغتيل بسلاح بيولوجي.
يستند ريّس في تصريحاته إلى استنتاجات فريق الخبراء بعد التحاليل التي أجريت في الدنمارك وكندا على جرثومة «كلوستريديوم بوتولينوم» الموجودة في أحد أضراس الشاعر، ليتبيّن أنه كان قد تمّ حقنه بها عندما كان لا يزال حيّاً، ثم جرت في الدورة الدموية لتستقرّ في لباب الضرس الذي وقع الاختيار عليه لاعتباره منطقة عقيمة خالية من الجراثيم.
وكان المختبر الكندي قد اختار ضرساً كاملاً وعَظْمة من جمجمة نيرودا، بينما اختار المختبر الدنماركي عظمة الفخذ وأحد أنيابه، وكانت النتيجة في الحالتين أن الشاعر قد حُقن بتلك الجرثومة.
هذه الاستنتاجات التي وردت في التقرير الأولي الذي تسلمته يوم الخميس الماضي القاضية باولا بلازا المكلّفة التحقيق في ظروف وفاة نيرودا، وهي التي دفعت بابن أخيه إلى التأكيد أن السمّ كان سبب الوفاة. لكن هذا التقرير الذي وضعته الطبيبة التشيلية غلوريا راميريز، التي ترأست فريق الخبراء الذين ينتمون إلى 7 جنسيات مختلفة، ليس مُلزِماً بالنسبة للقرار الذي يجب أن تتخذه القاضية، التي لها أن توازن بين آراء الخبراء ومئات الشهادات والسوابق التي يزخر بها ملفّ نيرودا. ومن بين هذه السوابق نتائج التحاليل التي أجراها فريق الخبراء الأول على رفات نيرودا، في عام 2013، عندما تمّ نبش جثته، وأجمعت الآراء على أنه مات بالسرطان، أو تقرير الفريق الثاني من المختصين الدوليين الذين عثروا، عام 2017، على الجرثومة في أحد أضراسه، واستبعدوا أن يكون المرض سبب الوفاة، فضلاً عن أن شهادة الوفاة لم تحدد ذلك السبب. وكان هذا الفريق الأخير قد أجرى فحصاً جنائياً على حزام نيرودا، خلص بنتيجته إلى أن الشاعر لم يكن قد فقد من وزنه عند الوفاة كما كان مفترضاً لو أن الوفاة كانت ناجمة عن انتشار الورم السرطاني.
ومن السوابق الأخرى التي يمكن للقاضية بلازا أن تستند إليها قبل أن تلفظ قرارها، الدراسات العديدة حول عمليات التسميم التي نفّذتها مخابرات ديكتاتورية بينوتشيت العسكرية ضد معارضي النظام بعد وفاة نيرودا، والتي استخدمت فيها غاز «سارين» وجراثيم أخرى سامّة.
وكانت القاضية بلازا قد تسلّمت ملفّ التحقيقات في قضية وفاة نيرودا عام 2020 من القاضي ماريو كارّوزا الذي أمضى 9 سنوات يشرف على البحوث الجنائية وتقارير الخبراء والتحقيقات، قبل تعيينه عضواً في المحكمة العليا مكلّفاً تنسيق قضايا انتهاكات حقوق الإنسان في تشيلي بعد الانقلاب العسكري. وعندما تسلّم كارّوزا الملفّ، في عام 2011، كان أول قرار اتخذه استعراض الأيام الأخيرة من حياة نيرودا عندما كان في منزله بالجزيرة السوداء، أي قبل نقله إلى المستشفى حيث تُوفي بعد أيام قليلة. ويقول كارّوزا إن المعلومات التي جمعها آنذاك من الأشخاص الذين حقق معهم؛ من أقرباء الشاعر وجيرانه وبعض العمال الذين كانوا يترددون على المنزل، فيها كثير من التناقض حول حالته الصحية، ولم تساعده في الوصول إلى استنتاج حاسم.
لكن المرحلة الثانية من التحقيقات، التي تركّزت على وجود نيرودا في المستشفى حيث فارق الحياة، كشفت أن الطبيب سرجيو درابير الذي كان يشرف على علاجه، والذي توفي العام الماضي، سلّمه، قبل يوم من وفاته، لطبيب آخر ذكره بالاسم وأعطى مواصفاته، لكن التحقيقات والجهود التي بُذلت للعثور عليه باءت جميعها بالفشل. وينقل محامي درابير عنه أنه لم يكن قد رأى الطبيب المذكور من قبل، لكنه لم يكترث يومها للأمر، لأن البلاد كانت تعيش فترة مضطربة جداً، بعد أيام من الانقلاب العسكري. وكان كارّوزا قد خلص في تقريره الثاني والأخير إلى أن «المؤكد هو حقن نيرودا قبل يوم من وفاته، لكن من غير تحديد المادة التي حُقِن بها».
أما المرحلة الثالثة من التحقيقات التي انتهت هذا الأسبوع، واستندت إلى البحوث المخبرية التي قام بها فريق المختصين الدوليين؛ فقد أصبحت نتائجها في عهدة القاضية بلازا التي يعود لها لفظ الحكم النهائي حول الأسباب الحقيقية التي أدَّت إلى وفاة الشاعر الذي كان دائماً مثيراً للجدل في حياته، كما هو اليوم بعد مماته. لكن أيّاً كانت تلك الأسباب؛ ورماً خبيثاً أو سمّاً حقنه به أعداؤه السياسيون، فهي لن تقوى على قصائده الشاهقة التي وصفها غارسيا ماركيز بالمستحيلة، والتي ستبقى حيّة إلى الأبد.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)
بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)
TT

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)
بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر، بعدما بات مدخنون يجففون أوراقها ويخلطونها بسائل النيكوتين قبل لفّها وتدخينها.

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد ازداد انتشار هذا البديل بين المدخنين بعدما قفز سعر السيجارة الواحدة من نحو شيقل (0.33 دولار) إلى ما يعادل أربعين ضعفاً، بعد أكثر من عامين من الحرب الإسرائيلية في القطاع الذي يعاني نقصاً حاداً في المواد الأساسية.

وفي أحد شوارع مدينة غزة، يخلط البائع المتجوّل أبو يحيى حلس أوراق الملوخية المجففة والمفتتة مع سائل النيكوتين داخل كيس صغير، قبل أن يرجّه للحصول على مادة خضراء تُلفّ كسجائر وتُباع للزبائن.

ويقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا تُعدّ هذه بديلاً عن السجائر، إذ تتكون من أوراق الملوخية المُطعّمة بالنيكوتين، خلافاً للسجائر المصنوعة من التبغ»، مضيفاً أنّ الناس يلجأون إليها كخيار اضطراري في ظل غياب السجائر المستوردة وارتفاع أسعارها، رغم اعتقاده بأنها لا تُحدث التأثير ذاته.

بائعون فلسطينيون يبيعون السجائر المصنوعة من الملوخية (رويترز)

وتشهد شوارع المدينة ازدحاماً بالمارة والزبائن، فيما تنتشر بسطات لبيع هذه السجائر بين خيام النازحين وأكوام الركام التي خلّفتها الحرب.

ويقول بائع آخر، يدعى محمد حلس، إنّ «تدخين الناس لسجائر الملوخية ليس خياراً بل ضرورة بالنسبة لهم، لو توفرت السجائر لن نرى سجائر الملوخية».

غير أنّ هذا البديل نفسه لا يتوافر دائماً، سواء المنتج محلياً أو المستورد، في ظل القيود التي تفرضها إسرائيل على دخول البضائع إلى القطاع. ولا تصلح للزراعة سوى نحو أربعة في المائة من الأراضي، وفق منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.

مواد سامة؟

يثير تدخين هذه السجائر مخاوف متزايدة بشأن مخاطرها الصحية، في ظل غياب معلومات واضحة عن مكوّناتها.

ويقول وليد النعيزي: «تُصنع هذه السجائر من أعشاب مثل الملوخية وأوراق الخروع وأصناف أخرى، ولا نعلم ما إذا كانت سامة أم لا»، مضيفاً أنّ مواد سائلة مجهولة تُضاف إليها، «ولا نعرف إن كانت نيكوتين أو سموماً أو حتى مبيدات حشرية».

رجل فلسطيني يلفّ السجائر باستخدام أوراق الملوخية المجففة (رويترز)

ورغم هذه المخاوف، يؤكد أنّ كثيرين يجدون أنفسهم مضطرين لتدخينها.

وقال أبو محمد صقر (47 عاماً): «أنا لا أستمتع بها لكنني أمسك سيجارة وأنفث دخاناً... ليس الوقت مناسباً للإقلاع عن التدخين في ظل ما نعيشه».

من جهتها، تقول نيفين سمير (53 عاماً) إنها غيّرت عاداتها، موضحة: «كنت أدخن علبة يومياً منذ عشرين عاماً، أما الآن فأدخن بضع سجائر من الملوخية».

وتضيف النازحة في خيمة في خان يونس: «طعمها ورائحتها سيئان، وأدخنها ربما للتنفيس عن الغضب أو لمجرد الإحساس المصاحب لفنجان قهوة سيئ المذاق أيضاً».

المدخنون باتوا يجففون أوراقها ويخلطونها بسائل النيكوتين قبل لفّها وتدخينها (رويترز)

ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تتبادل «حماس» وإسرائيل الاتهامات بخرقه، فيما قُتل ما لا يقل عن 784 فلسطينياً منذ سريانه، وفق وزارة الصحة التابعة لـ«حماس» في غزة.

واندلعت الحرب إثر هجوم غير مسبوق شنّته «حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، أسفر عن مقتل 1221 شخصاً، بحسب أرقام إسرائيلية رسمية.

وردّت إسرائيل بحملة عسكرية واسعة خلّفت أكثر من 72 ألف قتيل في القطاع.


شباب أميركيون يهجرون هواتفهم الذكية شهراً كاملاً... ماذا اكتشفوا؟

هواتف ذكية مجموعة في علبة (أ.ب)
هواتف ذكية مجموعة في علبة (أ.ب)
TT

شباب أميركيون يهجرون هواتفهم الذكية شهراً كاملاً... ماذا اكتشفوا؟

هواتف ذكية مجموعة في علبة (أ.ب)
هواتف ذكية مجموعة في علبة (أ.ب)

يروي نحو ثلاثين شخصاً أميركياً من الجيل الشاب استبدلوا بهواتفهم الذكية أخرى قديمة الطراز، على مدى شهر في واشنطن، الصعوبات التي واجهوها جراء اتخاذهم هذا القرار، ولكن في مقابل اللحظات التي استمتعوا بها منقطعين عن العالم الرقمي، وفق تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقد قررت هذه المجموعة التوقف عن استخدام منصة «غوغل مابس» للخرائط أثناء التنقل، والامتناع عن تصفّح منصات التواصل أثناء انتظار الحافلة، وإزالة سماعات الرأس للاستمتاع بأصوات الطبيعة.

يقول جاي ويست (29 عاماً): «كنت أنتظر الحافلة ولم أكن أعرف متى ستصل». ويوضح أنه خلال الأسابيع الأربعة التي أمضاها مستخدماً هاتفاً قديم الطراز، كان يمسك هاتفه ويلقي نظرة على شاشته قبل أن يدرك أنه «لا إشعارات عليه».

ويضيف، من متنزه في واشنطن كانت المجموعة مجتمعة فيه لتبادل الدروس المستقاة من الأسابيع الأربعة التي انقطعت خلالها عن العالم الرقمي: «كنت أشعر بالملل، وينبغي تقبُّل ذلك».

تجلس بجانبه ريتشل شولتز (35 سنة)، وتقول إنها اضطرت لطرح أسئلة عن الاتجاهات على أشخاص يستقلّون دراجاتهم الهوائية. أما ليزي بنجامين (25 سنة) فأعادت استخدام الأقراص المُدمجة القديمة لوالدها حتى تستمع إلى الموسيقى، بما أنّ منصة «سبوتيفاي» غير متاحة عبر الهواتف القديمة.

وكان بوبي لوميس، الذي توقّف عن استخدام سماعات الرأس، يستمتع بتغريدات الطيور، خلال تنقُّله في الشارع. ويوضح أنه كان يتحقق من الإشعارات في هاتفه بشكل متواصل.

وقد انخفض الوقت الذي يمضيه مستخدماً هاتفه من ست إلى أربع ساعات، وهو ما يتماشى تقريباً مع الوقت المتوسط للأشخاص البالغين في الولايات المتحدة.

كسر حلقة الإدمان

وتدرك أعداد متزايدة من الناس الآثار الضارة لوسائل التواصل الاجتماعي، كانخفاض التركيز، والمشاكل المرتبطة بالنوم، والقلق، ويسعون إلى الانقطاع عنها. وأظهر استطلاعُ رأي أجرته «يوغوف»، في العام الفائت، أنّ أكثر من ثلثي الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً، يرغبون في تقليل وقت استخدامهم للشاشات.

وفي نهاية مارس (آذار) الماضي، قضت محكمة في كاليفورنيا بأن «أنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولتان عن الطبيعة الإدمانية لمنصتيهما، وهو ما شكّل نقطة تحوّل في تاريخ وسائل التواصل الاجتماعي.

نتيجة لذلك، يجري ابتكار تطبيقات للحد من الاستخدام الرقمي، وأجهزة لوقف استعمال الهواتف، بينما تنشأ مجموعات تمتنع عن استخدام الهواتف الذكية لفترة محددة.

وأوردت الصحافة الأميركية مقالات عن أسابيع من التخلص من إدمان وسائل التواصل الاجتماعي في الجامعات، وأمسيات خالية من الشاشات في نيويورك.

يؤكد الباحث في علم النفس لدى جامعة جورجتاون، كوستادان كوشليف، أن الانقطاع التام عن استخدام الأجهزة الرقمية لبضع أسابيع يُحسّن الحالة النفسية والقدرة على التركيز.

ويضيف أن دراساتٍ أولية؛ بينها دراسة شارك في قيادتها، تشير إلى أن هذه الآثار الإيجابية «تستمر» مع الوقت.

يقول جوش مورين، أحد منظمي برنامج «شهر الانقطاع عن العالم الرقمي»، الذي تتخلله جلسة نقاش أسبوعية بين المشاركين في إحدى الحانات: «أنت بحاجة إلى حياة اجتماعية جماعية وغنية» لكسر حلقة الإدمان.

«لحظة حاسمة»

في هذا الإطار، تتولى شركة Dumb.co تنفيذ هذا البرنامج منذ نحو سنة مقابل 100 دولار أميركي للشخص الواحد، بما يشمل استئجار هاتف قديم الطراز مزوّد ببعض التطبيقات (للمكالمات والرسائل النصية و«واتساب» و«أوبر») مُرتبط بالهاتف الذكي الخاص بالشخص المعنيّ. وتقول الشركة الناشئة إنها ستتجاوز 1000 اشتراك في مايو (أيار) المقبل.

وشاركت كيندال شرو (23 سنة) في هذا البرنامج بواشنطن، خلال يناير (كانون الثاني) الماضي. وباتت حالياً قادرة على التنقل في حيّها، دون الحاجة إلى «خرائط غوغل»، وتقول إنّ «إنستغرام» أصبح «من الماضي». وتَعدّ الشابة، التي أسست مجموعة مماثلة، أنّ «هناك نتائج بدأت تظهر» فيما يتعلق بالوعي الرقمي.

يتحدث غراهام بورنيت، وهو أستاذ بجامعة برينستون، عن «ظهور حركة فعلية» يُشبّهها بنشأة الحركة البيئية خلال ستينات القرن الماضي.

وترى آشلي شيا، طالبة دكتوراه بجامعة كورنيل، أننا «نمرّ بلحظة حاسمة»، وأنّ تأثير هذه «التقنيات الضارة» آخذ في التراجع، مضيفة: «إنّ جيل زد؛ أي المولودين منذ أواخر التسعينات، حريص جداً على الحدّ من استخدام الهواتف، وهذا أمر جيّد».


تقرير: انشغال طيارين بالتصوير انتهى باصطدام مقاتلتين في سيول

مقاتلة كورية جنوبية من طراز «إف-15 كيه» (أ.ب)
مقاتلة كورية جنوبية من طراز «إف-15 كيه» (أ.ب)
TT

تقرير: انشغال طيارين بالتصوير انتهى باصطدام مقاتلتين في سيول

مقاتلة كورية جنوبية من طراز «إف-15 كيه» (أ.ب)
مقاتلة كورية جنوبية من طراز «إف-15 كيه» (أ.ب)

كشف تقرير رسمي أن طائرتين مقاتلتين كوريتين جنوبيتين اصطدمتا في الجو عام 2021 بسبب قيام الطيارين بالتقاط صور ومقاطع فيديو.

وحسب شبكة «بي بي سي» البريطانية، فقد أفاد مجلس التدقيق والتفتيش في سيول بأن الحادث وقع أثناء قيام طائرتين طراز «إف-15 كيه» بمهمة جوية فوق مدينة دايغو بوسط البلاد.

ووفق المجلس، فإن أحد الطيارين كان يرغب في توثيق رحلته الأخيرة مع وحدته العسكرية، في ممارسة وُصفت بأنها كانت «منتشرة على نطاق واسع بين الطيارين في ذلك الوقت». وقد أعلن نيته مسبقاً في اجتماع قبل الإقلاع.

وقد كان الطيار يقود الطائرة المرافقة، ويتبع الطائرة الرئيسية خلال المهمة. وأثناء عودتهما إلى القاعدة، بدأ التقاط صور بهاتفه الشخصي. وعندما لاحظ قائد الطائرة الرئيسية ذلك، طلب من طيار آخر على متن طائرته تصوير الطائرة المرافقة. وأثناء ذلك، قام الطيار المرافق بمناورة مفاجئة للاقتراب، وتحسين زاوية التصوير، ما أدى إلى اقتراب خطير انتهى بالتصادم.

ورغم نجاة الطيارين دون إصابات، فقد لحقت أضرار بالطائرتين كلفت الجيش 880 مليون وون (596 ألف دولار أميركي) لإصلاحها.

وأقر طيار الطائرة المرافقة، والذي ترك الخدمة العسكرية لاحقاً، بأن مناورته المفاجئة تسببت في الواقعة، لكنه دافع عن نفسه بأن الطيار الآخر «وافق ضمنياً» على ذلك لعلمه بعملية التصوير.

وفيما حاول سلاح الجو تحميله كامل تكلفة الأضرار، قرر مجلس التدقيق والتفتيش إلزامه بدفع عُشر المبلغ فقط، معتبراً أن المؤسسة العسكرية تتحمل جزءاً من المسؤولية لعدم تنظيم استخدام الكاميرات الشخصية بشكل كافٍ.