الحرب الإسرائيلية التالية آتية حتماً... لكن «السيناريو» ينتظر الحسم

إذا أراد نتنياهو الهروب إلى حرب خارجية فهل يجد جيشاً يديرها له؟

جانب من التمارين العسكرية الإسرائيلية ـ الأميركية (غيتي)
جانب من التمارين العسكرية الإسرائيلية ـ الأميركية (غيتي)
TT

الحرب الإسرائيلية التالية آتية حتماً... لكن «السيناريو» ينتظر الحسم

جانب من التمارين العسكرية الإسرائيلية ـ الأميركية (غيتي)
جانب من التمارين العسكرية الإسرائيلية ـ الأميركية (غيتي)

الحرب، هي الكلمة الأكثر شيوعاً في إسرائيل اليوم... إذ يستخدمها قادة المظاهرات ضد حكومة بنيامين نتنياهو، بشكل صريح وبلا تردد. بَيْد أن وزير الدفاع الأسبق موشيه يعلون، الذي قاد «وحدة الكوماندوس» التي تسللت إلى تونس حيث اغتالت القائد الفلسطيني خليل الوزير، أيام شغله منصب رئيس أركان الجيش، كان أول من تفوَّه بها. ولحق به جنرالات آخرون، بينهم زئيف راز ورون خولدائي اللذان كانا قائدين في سلاح الجو، ورئيس الحكومة الأسبق إيهود أولمرت الذي أمر بتدمير المفاعل النووي السوري وهو قيد الإنشاء في دير الزور. كل هؤلاء القادة يستندون إلى تاريخهم القتالي الطويل في تهديداتهم، ويستمدّون الإلهام من مئات ألوف المتظاهرين الذين خرجوا ويخرجون إلى الشوارع عدة مرات في الأسبوع منذ بداية حكم نتنياهو... فالجمهور الواسع يشارك في هذه المظاهرات بقوة، والشعارات التي يرفعها تحذِّر من الديكتاتورية والفاشية. كما أن الحكومة وقادة الائتلاف يتحدثون عن حرب، ويهددون باعتقال الجنرالات في جيش الاحتياط وبقية المسؤولين السابقين الذين يطلقون التصريحات النارية ويؤكدون أنهم ماضون في الانقلاب على سياسة الحكم السائدة منذ 74 سنة، بإصرار شديد... والشرر يشتعل في عيونهم. لقد بُذلت جهود كبيرة، بقيادة رئيس الدولة يتسحاق هيرتسوغ، لجمع الطرفين إلى حوار بحثاً عن حل وسط. وتمكّن هيرتسوغ من فتح قناة اتصال بينهما، لكن هرج القتال لا يزال صاحب الموقف. ففي الطرفين قادة مقاتلون يبحثون عن كسر الطرف الآخر، ولا يقتنعون بالتفاهم، قائلين «بين الجنة والنار لا توجد حلول وسط».
إذا كان طرفا الصدام المرتقب في إسرائيل يتكلّمان عن «حرب أهلية بين اليهود»، فإن ثمة من يرى أيضاً بوادر انزلاق نحو حرب خارجية ضد «عدو ما خارج الحدود». ويشير هؤلاء إلى أن الحرب هي الآن المَخرج الأفضل لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وخصوصاً أنه سبق أن لجأ إليها ونجح.
كان ذلك عام 2012، عندما انطلقت هبّة احتجاج واسعة في إسرائيل ضد سياسة الحكومة الاقتصادية. يومها بدأت باعتصام للأزواج الشباب الذين احتجّوا على عجزهم عن تأمين سكن، فنصبوا خياماً في شارع روتشيلد «شارع الأغنياء» في تل أبيب، ثم في غضون بضعة أسابيع تحوّلت إلى مظاهرات يومية ضد حكومة نتنياهو شارك فيها عشرات الآلاف من المواطنين... وفي أوْجِها بلغ عدد المتظاهرين 400 ألف. وعلى نمط ما كان يسمى «الربيع العربي»، رفعوا في تل أبيب وحيفا وهرتسليا والقدس الغربية الشعار الذي تردَّد داخل ميدان التحرير في القاهرة وفي دمشق وتونس وطرابلس: «الشعب يريد إسقاط النظام».

عنبار

حينذاك أعلن نتنياهو قبوله بحث مطالب المتظاهرين، وأنشأ لجنة وطنية لإقرار برنامج اقتصادي يحل مشكلة السكن وغيرها من القضايا الاقتصادية. وجنباً إلى جنب، نفّذ الجيش الإسرائيلي عملية حربية على قطاع غزة بدأت يوم 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 باغتيال قائد قوات «حماس» أحمد الجعبري، واستمرت 8 أيام. وقد أُطلق على تلك العملية مسمى ذو معنى لافت «عمود عنان»؛ وهو اسم توراتي يشير إلى فترة تيه اليهود في صحراء سيناء حيث أرسل لهم الله، خلال ساعات النهار، عموداً من السحاب يمتد من الأرض حتى السماء ليسير معهم ويرشدهم إلى طريقهم.
وهكذا انشغل الإسرائيليون بمتابعة الحرب، حيث جرى تجنيد 57 ألف جندي في الاحتياط، وهو ما يعني أن 57 ألف عائلة انشغلت في متابعة مصائر أبنائها جنود الاحتياط، ومثلها وأكثر (حوالي 100 ألف عائلة) تابعت أخبار الأبناء من الجنود النظاميين، هذا فضلاً عن إطلاق 1506 صواريخ من غزة باتجاه إسرائيل، و1500 غارة إسرائيلية على غزة. وفي حصيلة العملية قتل 6 إسرائيليين و223 فلسطينياً، لكن نتنياهو حقّق الهدف، إذ خَبَت هبّة الاحتجاج ثم اندثرت، وصمد بعدها في الحكم 9 سنوات.
هل يعود التاريخ إلى الوراء؟

نتنياهو (د.ب.أ)

ما من شك في أن نتنياهو، الذي يختنق بحملة الاحتجاج الجماهيري ويجد نفسه محاصَراً بحملة انتقادات واسعة في دول الغرب الحليفة والصديقة، يتمنى أن يستطيع الخروج إلى حرب تعيد المتظاهرين إلى بيوتهم. إلا أن الحروب تحتاج إلى جيوش... والجيش الإسرائيلي لا يتعجّل الاستجابة لرغبات نتنياهو، فهو يجد نفسه من ضحايا خطة نتنياهو، وليس هذا من اليوم؛ فعبر العقد الأخير يدير اليمين المتطرف في إسرائيل حرباً ضروساً ضد الجيش. وكانت البداية عندما رفض جميع قادة الجيش والأجهزة الأمنية طلب نتنياهو شن حرب على إيران. يومذاك تجنّدت جميع وسائل الإعلام اليمينية (صحيفة يسرائيل هيوم وصحيفة مكورريشون وموقع قناة 7 وموقع ميدا والقناة 14 التلفزيونية) ومعاهد الأبحاث اليمينية (المعهد الأورشليمي لدراسات الدولة والجمهور ومعهد القدس للأبحاث الاستراتيجية والأمنية) ضد الجيش، ونشرت المقالات والدراسات والتقارير التي تتحدث عن «تخلي الجيش عن العقيدة القتالية» وعن «عقيدة الإقدام والمواجهة»، وتتّهمه بالتبذير والفساد.
الخطة الحكومية التي يطرحها نتنياهو، اليوم، تشمل سحب صلاحيات الجيش في الضفة الغربية. وبموجب الاتفاقيات الائتلافية للحكومة، عيّن وزير المالية بتسلئيل سموترتش، رئيس حزب الصهيونية الدينية، وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع، وعيَّن زميله في الكتلة البرلمانية أيتمار بن غفير، وزيراً للأمن القومي ومسؤولاً عن الشرطة وحرس الحدود ومصلحة السجون، لذا فإن الجيش يرى في الحكومة الحالية «خصماً وقحاً» يتطاول على القيادات العسكرية ويمسّ هيبتها. ومع أن الجيش بنى لنفسه تقليداً تاريخياً اعتاد فيه شن حروب بوتيرة مرة كل 3 إلى 4 سنوات، ويستخدم الحرب لتدريبات الجنود بشكل فعلي على القتال ولإجراء عمليات تجريب على الأسلحة الجديدة، فإنه في زمن نتنياهو يتردد في الخروج إلى الحرب، ويختار العمليات الحربية التي تناسبه ولا تساعد نتنياهو بشكل مباشر.
ومع هذا فإن رائحة الحرب لا تغيب عن سماء البلاد، فالتوتر في الضفة الغربية والقدس يتصاعد باستمرار، ويمكن أن يؤدي إلى جرّ الجيش لشن عمليات حربية؛ ذلك أن اليمين المتطرف يفرض قرارات وقوانين وممارسات تشعل النيران في المناطق الفلسطينية. فمن جهة، يعمل بن غفير على التصعيد في القدس الشرقية ويهدم فيها البيوت العربية يومياً، ويبادر إلى قوانين لسحب المواطَنة من مواطنين فلسطينيين من إسرائيل والقدس، ويضيِّق الخناق على الأسرى الفلسطينيين في السجون. ومن جهة ثانية، يبادر سموترتش إلى مشروعات استيطانية كبيرة، آخِرها قرار «الكابينيت» (المجلس الوزاري المصغر لشؤون السياسة والأمن في الحكومة الإسرائيلية)، بناء حوالي 10 آلاف وحدة سكنية في المستوطنات، وبدء عملية تشريع للبؤر الاستيطانية. يضاف إلى كل ذلك تصعيد القمع الميداني وتشجيع المستوطنين على قتل فلسطينيين، ومهاجمة البلدات الفلسطينية بتحطيم زجاج البيوت والسيارات وإشعال النيران في بيوت أخرى.
الهدف «إحداث انقلاب»
اليمين الإسرائيلي المتطرف لا يقْدم على هذه العمليات بغرض الانتقام من عمليات فلسطينية فحسب، بل بغرض «إحداث انقلاب» في تعامل إسرائيل مع الموضوع الفلسطيني، إذ يعتبره «ناعماً» ويرى أنه يثبِّت حل الدولتين، في حين أن غايته إجهاض هذا الحل.
الوسط الليبرالي في الساحة السياسية الإسرائيلية، وكذلك في الجيش، يؤمن بضرورة إبقاء فسحة من الأمل بإقامة كيان فلسطيني مستقل (أقل من دولة وأكثر من حكم ذاتي)، والحفاظ على السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحكم «حماس» في قطاع غزة؛ لضمان النظام، وإعفاء إسرائيل من مهمة ومصاريف إدارة الشؤون الفلسطينية اليومية. ومقابل ذلك يؤمن غلاة المستوطنين واليمين المتطرف بموقف معاكس تماماً، ويرون ضرورة الدفع بانهيار السلطة الفلسطينية وسيادة الفوضى، وانتهاز الفرصة لملء الضفة الغربية بالمستوطنات ودفع الفلسطينيين إلى الرحيل، ويعتبرون أن في هذه الفوضى مصلحة أكبر لإسرائيل.
لقد عبَّر عن هذه العقيدة بشكل صريح، إفرايم عِنبار، رئيس المعهد الأورشليمي للاستراتيجية والأمن «JISS»، والمدير المؤسس لمركز بيغن - السادات للدراسات الاستراتيجية، وهو يُعدّ أحد المرجعيات المهمة لليمين الإسرائيلي الحاكم اليوم، إذ يقول: «الفوضى في المناطق، كوضع مؤقت، ليست بالضرورة أسوأ سيناريو، فعندما أصبح محمود عباس (أبو مازن) وعصابته مشكلة لكلا الجانبين، ينبغي لإسرائيل ألا ترتعد من احتمال انهيار السلطة الفلسطينية». ويفسّر أقواله، في دراسة نشرها بموقع المعهد، قائلاً: «الفوضى السياسية ليست السيناريو المفضل؛ لأن الفوضى في الضفة الغربية تُعدّ مشكلة أمنية لإسرائيل، لكن هذه المشكلة تصبح أقل حِدّة إذا تنافست الميليشيات الفلسطينية، المتصارعة على النفوذ، بعضها مع بعض. ومن شأن الصراع على الخلافة بعد وفاة أبو مازن أن يصرف الانتباه عن محاربة إسرائيل المكروهة، ويمنع التنسيق في الصراع المستمر ضد إسرائيل. أضفْ إلى ذلك أن الفوضى في الضفة الغربية قد تمنح إسرائيل الشرعية للعمل بحرّية أكبر ضد الإرهابيين. وقد تؤدي الفوضى أيضاً إلى نتائج إيجابية، حيث سيؤدي انهيار السلطة الفلسطينية إلى إضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية، التي كانت حتى الآن مصدراً للعنف المستمر ضد إسرائيل، وسبباً للاضطراب الإقليمي». ويضيف: «لقد دعّمت السلطة الفلسطينية سياسات أنظمة متطرفة مثل إيران، كما أنها مُعادية لأميركا بشكل واضح. علاوة على ذلك فإنها تهدّد دولتين على الأقل من دول (الوضع الراهن) - إسرائيل والأردن».
ويتابع عِنبار شرح أفكاره: «انهيار السلطة وفشل الحركة الوطنية الفلسطينية في إقامة دولة قد يقلّلان من شهية الفلسطينيين لكيان مستقل. وسيسبّب تفكّك السلطة الفلسطينية مشكلة كبيرة للعلاقات العامة الفلسطينية، ويقلّص من قوة جاذبيتهم لدى أنصارهم المتظاهرين بالبراءة والورع في جميع أنحاء العالم وبين الإسرائيليين. ستتضح إخفاقات أداء الكيان السياسي الفلسطيني للجميع، وستثير فهماً أكبر للمخاوف الإسرائيلية من العواقب المدمّرة للقومية الفلسطينية».
البروفسور عِنبار يرفض المخاوف من أن تحلّ «حماس» محل السلطة الفلسطينية في الشارع، فيقول: «الفوضى في الضفة الغربية قد توفر فرصاً جديدة لتحقيق استقرار للوضع. ويمكن لخيبة الأمل من تفكك السلطة أن تجلب إلى المقدمة قيادة أكثر واقعية وتصالحية. وعلى الرغم من صعود قوة حماس، من المضلل تقديم هذه المنظمة على أنها البديل الوحيد لقيادة السلطة. سلطة حماس في غزة ليست تجربة ناجحة، وإغراء الإسلام الراديكالي آخذ في التلاشي. الفوضى، كوضع مؤقت، ليس بالضرورة أسوأ سيناريو، ويجب ألا ترتعش إسرائيل من احتمال سقوط السلطة الفلسطينية».
وهكذا فإن زرع الفوضى هو نهج عقائدي لدى حلفاء نتنياهو يخدم هدفهم الأساس للسيطرة على الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها بالكامل، ولهذا الغرض كانوا قد تقدموا بسلسلة مطالب من نتنياهو اشترطوا عليه بلورتها في الاتفاقيات الائتلافية، وصاغوها في عدة قوانين، رافضين التصويت على الحكومة الجديدة قبل سن هذه القوانين.
نتنياهو، من جهته، قَبِل هذه الشروط، ونفّذها بحذافيرها؛ ليس لأنه يؤيدها، بل لأنه يقبض ثمنها بعملة أخرى، إذ يريد، في المقابل، إجهاض محاكمته بتُهم الفساد الثلاث: الاحتيال وخيانة الأمانة وتلقي الرشاوى. وهذه الأحزاب المتطرفة هي الوحيدة التي تؤيد تخليصه من المحاكمة، لذا فهي وحدها التي يستطيع تشكيل حكومة معها، وهي الوحيدة التي تقف إلى جانبه في خطة الضغط على الجهاز القضائي.
الصدام مع «الدولة العميقة»
مشكلة نتنياهو راهناً أنه يخوض هذه «المعركة» بمغامرة تصل إلى حد المقامرة، فالهجوم على الجهاز القضائي ليس سهلاً في إسرائيل؛ لأنه جهاز قوي جداً وذو سطوة شديدة، ويتسم مثله - وربما أكثر منه - بالعناد والغطرسة ويرفض الهزيمة، وهو أيضاً يشكل ركناً أساسياً في «الدولة العميقة» التي تتحكم يشؤون الدولة العبرية، وتضم النيابة والمؤسسة الاقتصادية؛ من البنك المركزي، إلى البنوك التجارية، وحتى رجال الأعمال، والمؤسسة الأكاديمية وأجهزة الأمن والجهاز الصحي والسلك الدبلوماسي وأصحاب الوظائف العليا ورئاسة خدمات الدولة، والمسنودة بوسائل الإعلام وبنقابة المحامين. وقد التقت مصالح «الدولة العميقة» مع مصالح أحزاب المعارضة الليبرالية ومع القيادات اليهودية في الولايات المتحدة وأوروبا.
وهذا هو سر الالتفاف الواسع وراء حملة الاحتجاج على خطة الحكومة للانقلاب على جهاز القضاء و«قصّ» أجنحته. وقد اختار المحتجّون لحملتهم شعاراً أساسياً هو «التصدي لخطة تحطيم أركان الديمقراطية وإبدال حكم ديكتاتوري بها». وبينما يعتبر رئيس المعارضة يائير لبيد، ووزيرة القضاء الأسبق تسيبي ليفني، الخطة «بداية للفاشية»، هدّد عدد من الجنرالات بالعنف وسفك الدماء. وقد ردّ الوزير الجديد في حكومة نتنياهو، دافيد عمسالم، مهدداً باعتقال «مَن يخرقون القانون» من هؤلاء الجنرالات. وطالب نواب آخرون باعتقال أولمرت، والمستشارة القضائية الحالية للحكومة غالي بهاراف ميارا، والمستشار السابق أبيحاي مندلبليت، والرئيس الأسبق للمحكمة العليا القاضي أهارون باراك. أما نتنياهو فأعلن مواصلته هذا الانقلاب حتى آخِر رمق.
الصحيح أن هذه الأجواء المشحونة لا تعود فحسب إلى خطة الانقلاب في القضاء، وأن المتظاهرين ضدها ليسوا أولئك الذين يرفعون شعار «نعم للديمقراطية ولا للديكتاتورية» فحسب، بل هي أكبر وأعمق من ذلك.
إن وراء هذه المواجهة «حرباً» يخوضها بشكل فعلي أركان «الدولة العميقة» في إسرائيل؛ من مختلف الجبهات والمواقع: الجيش والشرطة وسائر أجهزة الأمن، والجهاز القضائي بكل ساحاته ومنابره؛ كالمحاكم والنيابة ومؤسسة المستشار القضائي ونقابة المحامين، وقادة خدمات الدولة، والمؤسسة المالية؛ بما فيها البنك المركزي والبنوك التجارية واتحاد أرباب الصناعة، والمؤسسات الأكاديمية.
بعض هؤلاء متخوّفون فعلاً من تراجع مكانة إسرائيل في الأسواق العالمية بشكلٍ يكبّدها خسائر مالية فادحة، وهم يشيرون إلى بداية ظاهرة سحب الاستثمارات الأجنبية، وبعضهم يخشون من حرب تصفية للنخبة السياسية الأشكنازية التي تسيطر على الحكم منذ بداية الحركة الصهيونية قبل أكثر من 100 سنة. وبينما تخوض المؤسسة الأمنية هذه المواجهة في إطار حملة انتقامية من نتنياهو شخصياً ورفاقه المقرَّبين، فإن «الدولة العميقة» في إسرائيل تشعر بأن نتنياهو جاء ليخوض حرباً شخصية شمشونية «ومن بعدي الطوفان» كي لا يُسجن، ولا يهمُّه أن تؤدي هذه الحرب إلى دمار البيت كله، لذا قررت ألّا تسمح له بذلك... فدخلت معه معركة حسم.

بن غفير (إ.ب.أ)

قلق وحذر عند الجنرالات من تدهور الأوضاع الأمنية
> أمام خلفية المواجهة الحالية بل «الحرب الداخلية» في إسرائيل، يتجاوب بنيامين نتنياهو كلياً مع مطالب حلفائه من حزبي المستوطنين المتطرفين «الصهيونية الدينية» (بتسلئيل سموترتش) و«عظمة يهودية» (أيتمار بن غفير)، التي تؤذي الفلسطينيين وتتسبب في تصعيد التوتر، وهو يأمل حقاً بانزلاق الصدامات إلى عملية اجتياح حربية تؤدي إلى إجهاض حملة الاحتجاج ضده.
غير أن الجيش يحاول تفادي الحرب بقدر الإمكان، ولهذا الغرض يضع حوالي 70 % من وحداته القتالية (26 وحدة) في الضفة الغربية، متذرّعاً بأنه بذلك يطوِّق الأحداث بنجاعة أكبر ويقلل العمليات المسلَّحة. وخلال الأسبوع، حذّر الجنرالات من نتائج هذا الانشغال في الضفة الغربية. ونقل رون بن يشاي، محلل الشؤون العسكرية والأمنية في موقع «واي نت»، التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، الأربعاء، عن مسؤولين كبار في الجيش أنهم حذّروا أمامه من أن «الأمن القومي العام في إسرائيل بدأ منذ الأسابيع الثلاثة الماضية التدهور والانهيار»، وقالوا له إن «اشتعال الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية وشرقي القدس بلغت حد وصول معدل الإنذارات اليومي من نية الفلسطينيين تنفيذ عمليات ضد الأهداف الإسرائيلية إلى أكثر من 40 إنذاراً في كل يوم، وهو ما يُعدّ وضعاً خطيراً جداً». وقالوا إن الانشغال في الضفة الغربية على مدار الساعة بسبب سياسة بن غفير وسموترتش «بات يستزف قواهم ويمس الجهوزية العسكرية والعملياتية ويحدث خللاً في خطط التدريب اللازمة لرفع كفاءة الوحدات المقاتلة واستعداداتها للحرب المقبلة».
وأردف بن يشاي أن الجنرالات قلقون أيضاً من تأثير سياسة الحكومة على ساحة العلاقات الدولية مع حلفاء إسرائيل، فقد شهدت الفترة الأخيرة تدهوراً ملموساً في العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة في أعقاب قرار «الكابينيت» بناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة وشرعنة البؤر الاستيطانية غير القانونية، في تجاهل مطلق للتحفظ الأميركي على تلك الخطوة، وهو أمر قد يضر الدعم العسكري التكنولوجي الذي تقدمه واشنطن إلى إسرائيل لرفع قدراتها العسكرية أمام التهديد الإيراني.
إزاء هذه التطورات، يغدو واضحاً أن الشرخ يتسع ويتعمق ويرفع حِدة الصراعات ويخفّض مستوى الخطاب، ويُدخل إسرائيل في أزمة لا يبدو الخروج منها قريباً. وثمة نداءات استغاثة من قوى عدة، يتقدمها الرئيس هيرتسوغ و9 من الرؤساء السابقين لمجلس الأمن القومي يحذرون من حرب أهلية. من جهتهم، يحذّر الفلسطينيون من حرب ضدّهم تأتي تصديراً للحرب الداخلية، والجميع يؤكد أن هذه الحرب المكلفة تبدو الآن شبه حتمية.


مقالات ذات صلة

غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

شؤون إقليمية غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

في اليوم الذي استأنف فيه المتظاهرون احتجاجهم على خطة الحكومة الإسرائيلية لتغيير منظومة الحكم والقضاء، بـ«يوم تشويش الحياة الرتيبة في الدولة»، فاجأ رئيس حزب «المعسكر الرسمي» وأقوى المرشحين لرئاسة الحكومة، بيني غانتس، الإسرائيليين، بإعلانه أنه يؤيد إبرام صفقة ادعاء تنهي محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بتهم الفساد، من دون الدخول إلى السجن بشرط أن يتخلى عن الحكم. وقال غانتس في تصريحات صحافية خلال المظاهرات، إن نتنياهو يعيش في ضائقة بسبب هذه المحاكمة، ويستخدم كل ما لديه من قوة وحلفاء وأدوات حكم لكي يحارب القضاء ويهدم منظومة الحكم. فإذا نجا من المحاكمة وتم تحييده، سوف تسقط هذه الخطة.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

سادَ هدوء حذِر قطاع غزة، صباح اليوم الأربعاء، بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، على أثر وفاة المعتقل خضر عدنان، أمس، مُضرباً عن الطعام في السجون الإسرائيلية، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وكانت وسائل إعلام فلسطينية قد أفادت، فجر اليوم، بأنه جرى التوصل لاتفاق على وقف إطلاق النار بين فصائل فلسطينية والجانب الإسرائيلي، وأنه دخل حيز التنفيذ. وقالت وكالة «معاً» للأنباء إن وقف إطلاق النار في قطاع غزة «مشروط بالتزام الاحتلال الإسرائيلي بعدم قصف أي مواقع أو أهداف في القطاع».

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية بعد 75 عاماً على قيامها... إسرائيل بين النجاح الاقتصادي والفروقات الاجتماعية الصارخة

بعد 75 عاماً على قيامها... إسرائيل بين النجاح الاقتصادي والفروقات الاجتماعية الصارخة

بعد مرور 75 عاماً على قيامها، أصبح اقتصاد إسرائيل واحداً من أكثر الاقتصادات ازدهاراً في العالم، وحقّقت شركاتها في مجالات مختلفة من بينها التكنولوجيا المتقدمة والزراعة وغيرها، نجاحاً هائلاً، ولكنها أيضاً توجد فيها فروقات اجتماعية صارخة. وتحتلّ إسرائيل التي توصف دائماً بأنها «دولة الشركات الناشئة» المركز الرابع عشر في تصنيف 2022 للبلدان وفقاً لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، متقدمةً على الاقتصادات الأوروبية الأربعة الأولى (ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا)، وفقاً لأرقام صادرة عن صندوق النقد الدولي. ولكن يقول جيل دارمون، رئيس منظمة «لاتيت» الإسرائيلية غير الربحية التي تسعى لمكافحة ا

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مكارثي يتعهد دعوة نتنياهو إلى واشنطن في حال استمر تجاهل بايدن له

مكارثي يتعهد دعوة نتنياهو إلى واشنطن في حال استمر تجاهل بايدن له

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي، كيفين مكارثي، في تل أبيب، امتعاضه من تجاهل الرئيس الأميركي، جو بايدن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو وامتناعه عن دعوته للقيام بالزيارة التقليدية إلى واشنطن. وهدد قائلاً «إذا لم يدع نتنياهو إلى البيت الأبيض قريباً، فإنني سأدعوه إلى الكونغرس». وقال مكارثي، الذي يمثل الحزب الجمهوري، ويعدّ اليوم أحد أقوى الشخصيات في السياسة الأميركية «لا أعرف التوقيت الدقيق للزيارة، ولكن إذا حدث ذلك فسوف أدعوه للحضور ومقابلتي في مجلس النواب باحترام كبير. فأنا أرى في نتنياهو صديقاً عزيزاً.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية المواجهة في إسرائيل: شارع ضد شارع

المواجهة في إسرائيل: شارع ضد شارع

بدأت المواجهة المفتوحة في إسرائيل، بسبب خطة «التعديلات» القضائية لحكومة بنيامين نتنياهو، تأخذ طابع «شارع ضد شارع» بعد مظاهرة كبيرة نظمها اليمين، الخميس الماضي، دعماً لهذه الخطة، ما دفع المعارضة إلى إظهار عزمها الرد باحتجاجات واسعة النطاق مع برنامج عمل مستقبلي. وجاء في بيان لمعارضي التعديلات القضائية: «ابتداءً من يوم الأحد، مع انتهاء عطلة الكنيست، صوت واحد فقط يفصل إسرائيل عن أن تصبحَ ديكتاتورية قومية متطرفة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

إيران تسمح لمزيد من السفن الباكستانية بالمرور من مضيق هرمز


ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

إيران تسمح لمزيد من السفن الباكستانية بالمرور من مضيق هرمز


ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

وافقت إيران على السماح لعدد إضافي من السفن التي ترفع العلم الباكستاني بعبور مضيق هرمز، حسبما قال وزير الخارجية الباكستاني، اليوم السبت.

وقال إسحاق دار في منشور على «إكس» إن «حكومة إيران وافقت على السماح لـ20 سفينة إضافية بعبور مضيق هرمز تحت العلم الباكستاني». وأضاف: «ستعبر سفينتان المضيق يومياً».

ورحب دار بالقرار ووصفه بـ«بُشرى للسلام» وأنه «سيساهم في تعزيز الاستقرار في المنطقة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال دار، الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس الوزراء الباكستاني، إن «الحوار والدبلوماسية وإجراءات بناء الثقة مثل تلك هي الطريق الوحيد للمضي قدماً».

وتشارك باكستان في حدود طولها نحو 900 كيلومتر مع إيران، وقد ظهرت كوسيط وسط المخاوف المتزايدة من اتساع نطاق الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

وأدت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران إلى توقف شبه تام لحركة الشحن في المضيق لكن إيران قالت قبل أيام إن «السفن غير المعادية» يمكنها العبور إذا نسقت مع السلطات الإيرانية.


واشنطن ترسل مزيداً من القوات إلى المنطقة

عنصر في «الهلال الأحمر الإيراني» اليوم السبت أمام ركام مبنى شركة تعرض للقصف في طهران يوم 1 مارس 2026 (أ.ب)
عنصر في «الهلال الأحمر الإيراني» اليوم السبت أمام ركام مبنى شركة تعرض للقصف في طهران يوم 1 مارس 2026 (أ.ب)
TT

واشنطن ترسل مزيداً من القوات إلى المنطقة

عنصر في «الهلال الأحمر الإيراني» اليوم السبت أمام ركام مبنى شركة تعرض للقصف في طهران يوم 1 مارس 2026 (أ.ب)
عنصر في «الهلال الأحمر الإيراني» اليوم السبت أمام ركام مبنى شركة تعرض للقصف في طهران يوم 1 مارس 2026 (أ.ب)

تشهد الولايات المتحدة توسعاً سريعاً في وجودها العسكري بالشرق الأوسط، في وقت يدرس فيه الرئيس دونالد ترمب خطواته المقبلة في المواجهة مع إيران.

وقالت صحيفة «وول ستريت» الأميركية إن عدد الجنود الأميركيين المُرسلين إلى المنطقة قد يصل إلى 17 ألفاً. وبحسب مسؤولين أميركيين نقلت عنهم تقارير عدة، يدرس البنتاغون إرسال 10 آلاف جندي إضافي إلى المنطقة، وإذا تمت الموافقة على ذلك، فستنضم هذه التعزيزات إلى نحو 5 آلاف من مشاة البحرية (المارينز) ونحو ألفي مظلي من الفرقة 82 المحمولة جواً، الذين سبق أن صدرت أوامر بنشرهم.

ويرى مخططون عسكريون أن هذا الحجم من القوات لا يكفي لشن غزو شامل لإيران، لكنه قد يتيح تنفيذ عمليات محدودة ذات أهمية استراتيجية، مثل السيطرة على مواقع حيوية، أو تأمين مخزونات اليورانيوم، أو استهداف مواقع إيرانية على جزر قريبة من الممرات البحرية الحساسة.

ورغم هذا الحشد، لم يصدر ترمب حتى الآن توجيهاً بإدخال قوات أميركية إلى داخل الأراضي الإيرانية، كما سعى مسؤولون كبار إلى التقليل من احتمالات حدوث غزو بري.

وقال وزير الخارجية ماركو روبيو إنه لا يتوقع نشر «قوات برية» داخل إيران، في وقت لا تزال فيه الخيارات الدبلوماسية، بما في ذلك احتمال إجراء محادثات مع طهران، مطروحة على الطاولة.

«الوحدة الاستكشافية 31 للمارينز»

قوة من «المارينز» الأميركية (أ.ب)

في المقابل، يمنح وصول وحدة من مشاة البحرية الأميركية إلى المنطقة القادة العسكريين نطاقاً أوسع من الخيارات. فقد وصلت «الوحدة الاستكشافية 31 للمارينز» إلى الشرق الأوسط على متن السفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس تريبولي»، حاملةً نحو 3500 بحار وجندي، وفق ما ذكرت قناة «سي إن إن» الأميركية.

وتُعد هذه الوحدة، التي تتمركز عادة في أوكيناوا باليابان، قوة عالية الجاهزية والتدريب، قادرة على تنفيذ مهام سريعة تشمل الهجمات البرمائية، والإنزالات، والعمليات الخاصة، والإخلاء، واعتراض السفن. ويتيح وجودها تنفيذ عمليات معقدة من البحر إلى البر، تجمع بين قوات المشاة والدعم الجوي واللوجيستي ضمن تشكيل متكامل.

كما تتجه وحدة أخرى من المارينز، تضم نحو 2200 جندي وعدداً من السفن الحربية، نحو الشرق الأوسط بعد مغادرتها كاليفورنيا، إلا أن وصولها قد يستغرق عدة أسابيع.

ويأتي هذا الانتشار في ظل تصاعد التوترات في مضيق هرمز ومحيطه، وهو ممر حيوي لتجارة النفط العالمية، تأثر جزئياً بهجمات تنسب إلى القوات الإيرانية.

حاملة طائرات أميركية ثالثة

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» (موقع البحرية الأميركية)

ولا يقتصر التعزيز العسكري على القوات البرمائية، إذ تتجه حاملة طائرات أميركية ثالثة، هي «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش»، نحو الشرق الأوسط بعد مغادرتها نورفولك في ولاية فيرجينيا، لتنضم إلى حاملتين أخريين تعملان بالفعل في المنطقة.

وتنفذ حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» حالياً طلعات قتالية فوق إيران من شمال بحر العرب، في حين تخضع «يو إس إس جيرالد آر فورد» لأعمال إصلاح في جزيرة كريت عقب حريق وقع على متنها، بعدما تم تمديد فترة انتشارها إلى نحو 11 شهراً. ولم يتضح بعد ما إذا كانت ستعود إلى المنطقة بعد انتهاء الإصلاحات أم ستبقى في شرق المتوسط.

ومن شأن انضمام مجموعة حاملة الطائرات «بوش»، التي ترافقها مدمرات مزودة بصواريخ موجهة، أن يرفع عدد حاملات الطائرات الأميركية المخصصة للعمليات المرتبطة بإيران إلى ثلاث، ما يعزز بشكل كبير القدرة الجوية والمرونة العملياتية للولايات المتحدة.

وتشكل هذه التحركات مجتمعة — من نشر قوات برية ووحدات مارينز ومجموعات حاملات طائرات — وضعاً عسكرياً متعدد الطبقات يهدف إلى منح البيت الأبيض مجموعة واسعة من الخيارات، تتراوح بين الردع وتنفيذ ضربات محدودة، وصولاً إلى عمليات أوسع إذا اقتضت الحاجة.

ومع ذلك، تبدو الإدارة الأميركية حريصة على الموازنة بين الضغط العسكري والإشارات الدبلوماسية. فبينما يعكس هذا الحشد استعداد واشنطن للتصعيد عند الضرورة، يؤكد المسؤولون أن حرباً برية واسعة مع إيران ليست وشيكة ولا حتمية.

ويشير الموقف الأميركي الراهن إلى اعتماد استراتيجية تقوم على المرونة: تموضع القوات بشكل يتيح التحرك السريع والحاسم، مع الإبقاء في الوقت ذاته على نافذة مفتوحة لخفض التصعيد عبر التفاوض.

وتشير تقديرات أميركية إلى أن إيران عدّلت تكتيكاتها بعد الضربات الجوية الأخيرة، فانتقلت من استخدام السفن الكبيرة إلى الزوارق السريعة القادرة على زرع الألغام وتفادي الرصد.

وغالباً ما تنطلق هذه الزوارق من جزر قريبة من المضيق، ما يعقّد جهود تأمين الممر. ويرى خبراء عسكريون أن القوات الأميركية قد تلجأ إلى تنفيذ غارات محددة للسيطرة على هذه الجزر أو تحييدها، إلا أنهم يحذرون من أن تطهير عدد كبير من الجزر سيكون عملية معقدة تستغرق وقتاً طويلاً.

معاهدة حظر الانتشار النووي

السفير الإيراني سعيد إيرواني متحدثاً خلال اجتماع لمجلس الأمن حول حظر الانتشار النووي وإيران (د.ب.أ)

على صعيد آخر، أفاد النائب عن طهران مالك شريعتي بأن البرلمان الإيراني يدرس مشروعاً مستعجلاً بدرجة قصوى تحت عنوان «دعم الحقوق النووية للشعب الإيراني»، يتضمن مقترحات جوهرية تتعلق بالسياسة النووية.

وأوضح أن المشروع يشمل ثلاثة محاور رئيسية: إعلان الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وإلغاء قانون الإجراءات المتبادلة المرتبط بتنفيذ الاتفاق النووي، إضافة إلى دعم إبرام إطار دولي جديد مع دول متقاربة، بينها تكتلات مثل «شنغهاي» و«بريكس»، لتطوير التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية.

وميدانياً، أعلن «الحرس الثوري»، يوم السبت، تنفيذ موجات إضافية من الهجمات الصاروخية والمسيّرات، مستهدفاً ما قال إنها مواقع صناعية وعسكرية إسرائيل و«مرتبطة بالولايات المتحدة».

وذكر في بيان أن الهجمات نفذت باستخدام صواريخ بعيدة ومتوسطة المدى وطائرات مسيّرة، مشيراً إلى أنها أصابت «أهدافاً محددة» في «أراضٍ خاضعة لسيطرة إسرائيل ومناطق أخرى»، من دون تقديم تفاصيل مستقلة عن حجم الأضرار.

وأضاف البيان أن الدفاعات الجوية الإيرانية أسقطت طائرة مسيّرة أميركية من طراز«إم كيو-9» في أجواء شيراز، كما تحدث عن إصابة مقاتلة «إف-16» قال إنها أميركية فوق جنوب محافظة فارس. ولم يصدر تأكيد مستقل من الولايات المتحدة بشأن هذه المزاعم.

وفي وقت سابق، قال المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان الإيرانية إن بلاده نفذت عملية صاروخية استهدفت ما وصفه بـ«مخابئ لعناصر أميركية» في دبي، بالتوازي مع «ضرب مستودع يستخدم لتخزين أنظمة مضادة للطائرات المسيّرة تعود إلى أوكرانيا»، مضیفاً أن الموقع المستهدف كان يضم 21 عنصراً أوكرانياً.

موجة من الضربات على إيران

آثار الدمار بعد غارة على طهران (أ.ف.ب)

وأفادت معطيات أوردتها تقارير محلية ورسائل ميدانية، لم يتسن التحقق من كثير منها بشكل مستقل، بأن موجة واسعة من الضربات الجوية داخل إيران امتدت من ليل الجمعة إلى نهار السبت، في واحدة من أكثر جولات التصعيد اتساعاً منذ بدء الحرب، مع شمولها طيفاً واسعاً من المدن والمراكز الحضرية.

وبحسب هذه المعطيات، طالت الضربات العاصمة طهران ومدناً رئيسية في محيطها، إضافة إلى مدن وسط البلاد، أبرزها أصفهان وكاشان ويزد وشيراز وتبريز وزنجان وبروجرد وقم، مستهدفة مواقع عسكرية وصاروخية وبنى صناعية، إلى جانب أضرار لحقت بمبانٍ سكنية في بعض المناطق.

في طهران، أفادت روايات متقاطعة بسلسلة ضربات متلاحقة منذ فجر السبت، في الأحياء الشمالية والشرقية والغربية للعاصمة. وذكرت التقارير أن القصف استهدف، منشآت عسكرية وصناعات دفاعية ومنصات إطلاق.

أما في محافظة البرز والمناطق الغربية للعاصمة، فقد تجددت الضربات على ضواحي مدينة كرج و بلدة ملارد التي تضم أكبر مصانع إنتاج ومواقع لوجيستية لتخزين الصواريخ والذخائر في البلاد.

وفي أصفهان، تحدثت التقارير عن واحدة من أعنف الليالي منذ اندلاع النزاع، مع عشرات الانفجارات خلال فترة قصيرة، تركزت في جنوب المدينة وشمالها ووسطها. كما أُبلغ عن ضربات إضافية على منشآت عسكرية في مدينة شهرضا القريبة. وفي كاشان، استهدفت غارات لليوم الثاني على التوالي مواقع صناعية، بعضها يرتبط بقطاع المعادن، وسط انقطاع للكهرباء في بعض المناطق.

وفي يزد، أفادت تقارير بوقوع ضربات فجراً، على مواقع مرتبطة بالبرنامج الصاروخي. وفي شيراز، وردت تقارير عن انفجارات قرب المطار ومناطق عسكرية في جنوب المدينة.

كما أبلغ عن انفجارات في تبريز شمال غربي البلاد، وذلك غداة ضرب منشآت بحثية يعتقد ارتباطها ببرامج متقدمة لمحركات الصواريخ، فيما أشارت تقارير أخرى إلى ضربة استهدفت مبنى سكنياً في زنجان فيما بدا هجوماً دقيقاً، وأفيد لاحقاً بأنها استهدفت مقر إقامة ميثم مطيعي، المنشد الديني في مكتب المرشد الإيراني، ولم يتم تأكيده رسمياً. وفي بروجرد، تحدثت روايات عن استهداف مبنى سكني مع ترجيحات بارتباطه بعملية اغتيال.


تركيا تُحذّر من اتّساع حرب إيران وتدعو للدبلوماسية والتعاون الإقليمي

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حذّر من اتساع نطاق حرب إيران يوم 28 مارس (الخارجية التركية - إكس)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حذّر من اتساع نطاق حرب إيران يوم 28 مارس (الخارجية التركية - إكس)
TT

تركيا تُحذّر من اتّساع حرب إيران وتدعو للدبلوماسية والتعاون الإقليمي

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حذّر من اتساع نطاق حرب إيران يوم 28 مارس (الخارجية التركية - إكس)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حذّر من اتساع نطاق حرب إيران يوم 28 مارس (الخارجية التركية - إكس)

حذّرت تركيا من اتساع نطاق حرب إيران، معتبرة أنها «بدأت بشكل مخالف للقانون الدولي» وأن السبيل الوحيد لإنهائها هو الدبلوماسية والتعاون الإقليمي.

وأجرى وزير الدفاع التركي، يشار غولر، اتصالاً هاتفياً السبت، مع القائم بأعمال وزير الدفاع الإيراني، سيد مجيد ابن الرضا، تم خلاله بحث آخر مستجدات الحرب والتطورات في المنطقة، وتبادل وجهات النظر حول قضايا الدفاع والأمن على المستويين الثنائي والإقليمي، حسبما ذكرت وزارة الدفاع التركية في حسابها على «إكس».

كما أجرى وزير الخارجية، هاكان فيدان، اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني عباس عراقجي لبحث آخر التطورات.

دعوة للتعاون الإقليمي

وقال فيدان إن «الهجمات على إيران دفعت المنطقة إلى حافة حرب واسعة النطاق»، وإن «الحل يكمن في الدبلوماسية والتعاون الإقليمي». وانتقد فيدان، في كلمة، السبت، خلال «قمة الاتصالات الاستراتيجية الدولية (ستراتكوم 26)» بإسطنبول، النظام العالمي الحالي ووصفه بأنه «مختل وظيفياً، ومشلول، وغير قابل للاستمرار».

وأضاف أن الهجمات «غير المشروعة على إيران، التي أشعل فتيلها التصعيد الإسرائيلي المتواصل، دفعت المنطقة إلى حافة حرب أوسع»، لافتاً إلى أن «هذه الحرب قد تكون حرباً اختارتها إسرائيل، لكن العالم بأسره يدفع ثمنها، حيث تتزايد التكاليف الجيوسياسية والاقتصادية بسرعة».

فيدان متحدثاً خلال قمة «ستراتكوم» في إسطنبول يوم 28 مارس (الخارجية التركية - إكس)

وجدّد دعوة بلاده إلى «أقصى درجات ضبط النفس؛ لأن هذا الصراع لديه القدرة على إلحاق جراح عميقة بالشعوب التي تتشابك مصائرها في منطقتنا». ولفت فيدان إلى أن التطورات الأخيرة عزّزت التضامن الإقليمي، وكشفت عن مواطن الضعف في الترتيبات الأمنية القائمة، قائلاً: «يجب علينا ضمان أمن منطقتنا. عندما يسود السلام، ننتصر معاً؛ وعندما يندلع الصراع، نخسر معاً».

وأكّد ضرورة أن تستفيد دول المنطقة من دروس الماضي، وأن تتخلى «عن هيكلية منفتحة على التدخلات الخارجية»، مُوضّحاً أنه «بالإمكان كسر حلقة الصراع المفرغة من خلال رؤية مشتركة وتعاون مثمر يهدف إلى تجاوز التوترات وتعزيز التعاون الذي يخدم المصالح المشتركة لشعوب المنطقة».

مسار المفاوضات

وعشية مشاركته في اجتماع تشاوري في إسلام آباد مع وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان لبحث التطورات الإقليمية، قال فيدان إن «هدفنا الأول هو وقف الحرب. وأثناء قيامنا بذلك، من المهم بالنسبة لنا ألا (يتّسع الصراع) أكثر، وألا ينتقل إلى دول أخرى، وألا تنشأ عداوات دائمة أو حالات عدم استقرار في المنطقة، ونأمل أن تنتهي بطريقة أو بأخرى».

فيدان متحدثاً خلال مقابلة تلفزيونية يوم 27 مارس (الخارجية التركية)

ولفت فيدان، خلال مقابلة تلفزيونية ليل الجمعة إلى السبت، إلى أن الجهات الفاعلة الأخرى أيضاً بدأت ترى التهديدات الناجمة عن الحرب. وقال: «يبدو أنه تم الوصول إلى مرحلة المفاوضات (...) وهناك تبادل رسائل عبر باكستان. الأميركيون ينسقون هذا الأمر معنا أيضاً، ونحن نتحدث معهم، كما نقوم بتزويد الإيرانيين بالمعلومات في هذا الصدد». ولفت إلى أن «المواقف التفاوضية الحالية للطرفين تختلف عن مواقفهما قبل الحرب».

وتابع كبير الدبلوماسيين الأتراك أن «الحرب وصلت إلى مرحلة متقدمة، ووقع قدر من الدمار في إيران. لذلك، فإن المطالب المطروحة في المفاوضات ستكون بطبيعة الحال مختلفة، وهذا يجعل مهمة الوسطاء أكثر صعوبة، لكننا سنواصل العمل دون أن نفقد الأمل». وأكد فيدان أن «العالم بأسره يتطلع إلى إنهاء هذه الحرب في أقرب وقت، وزوال آثارها السلبية، ومن الضروري أن تُترجم بعض الدول المحورية هذا إلى واقع ملموس».