«عض أصابع» بين السلطات الفرنسية والنقابات

الاتحادات العمالية واليسار لتعبئة أوسع ضد مشروع رفع سن التقاعد

البرلمان الفرنسي لدى مناقشته مشروع قانون تعديل سن التقاعد الحكومي أمس (أ.ف.ب)
البرلمان الفرنسي لدى مناقشته مشروع قانون تعديل سن التقاعد الحكومي أمس (أ.ف.ب)
TT

«عض أصابع» بين السلطات الفرنسية والنقابات

البرلمان الفرنسي لدى مناقشته مشروع قانون تعديل سن التقاعد الحكومي أمس (أ.ف.ب)
البرلمان الفرنسي لدى مناقشته مشروع قانون تعديل سن التقاعد الحكومي أمس (أ.ف.ب)

عاود البرلمان الفرنسي (الاثنين) مناقشة مشروع قانون تعديل سن التقاعد الذي تقدمت به الحكومة وأهم بنوده رفعها من 62 إلى 64 عاماً وسط تواصل الاحتجاجات والمظاهرات في الشارع بينما الحكومة مصممة على السير به حتى النهاية.
وتسود مناقشات البرلمان المفترض به أن ينتهي من المناقشة خلال أسبوع، حالة من الهرج والمرج. فالمعارضة المشكَّلة من أحزاب اليسار «الشيوعي والاشتراكي وفرنسا المتمردة»، ومن الخضر ومن اليمين المتطرف «حزب التجمع الوطني»، تمارس سياسة التعطيل من خلال طرحها عشرين ألف تعديل، تبقّى منها للأسبوع الأخير نحو 7 آلاف لم يتم النظر بها وسيكون من الصعب الانتهاء منها في الأيام القليلة المتبقية. ويُعدّ ما تقوم به المعارضة المتنوعة تحت قبة البرلمان موازياً للحراك في الشارع. وإذا كانت الحكومة تراهن على تراجعه، فإن ما حصل يوم السبت الماضي جاء بالدليل القاطع على حيويته واستمرار المعارضة الشعبية للخطة الحكومية. ورغم التفاوت الكبير بين الأرقام الرسمية والنقابية، فمن الواضح أن التعبئة متواصلة. واعترفت وزارة الداخلية (السبت) بأن أقل بقليل من مليون شخص نزلوا إلى الشارع في العاصمة باريس «93 ألفاً» وبقية المدن الكبرى والوسطى. وفي المقابل، قدّر الاتحاد النقابي «الكونفدرالية العامة للعمل» القريبة من الحزب الشيوعي التي يديرها فيليب مارتينيز، أعداد المشاركين بأكثر من 2.5 مليون شخص، بينهم 500 ألف في باريس وحدها. أما رئيس النقابة الإصلاحية «الكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للعمل»، لوران بيرجيه، فقد اتهم السلطات بالتلاعب بالأرقام وتعمد خفضها، مؤكداً أن 1.8 مليون شخص شاركوا في المظاهرات التي كان اللافت فيها ظهور عائلات بأكملها، صغاراً وكباراً، ما يعني أن التعديل الحكومي يثير قلق الكثير من الشرائح السكانية والعمرية.
الثابت حتى اليوم أن الحكومة لن تسحب مشروعها من التداول ولن تقبل التراجع عن عموده الفقري «أي الـ64 عاما» لأنها ترى أن التراجع عنه ستكون له نتيجتان متصلتان: الأولى، إصابتها بهزيمة سياسية مدوية بوجه المعارضة. والأخرى، عجزها عن مواصلة ما يريده الرئيس إيمانويل ماكرون من استكمال مشروع «تحديث» القوانين الناظمة للمجتمع الفرنسي. يضاف إلى ما سبق أن الحكومة ترى أن التخلي عن خطتها سيعني «إفلاس» نظام التقاعد فضلاً عن أن سن التقاعد المعمول به حالياً يعد الأدنى في إطار بلدان الاتحاد الأوروبي. وعلى سبيل المثال، فإن سن التقاعد في ألمانيا وهي القوة الاقتصادية الأكبر داخل الاتحاد «فرنسا الثانية» هو 67 عاماً.
بالنظر إلى ما سبق، فإن الحركة الاحتجاجية تتجه إلى مزيد من التصعيد لمزيد من الضغوط على الحكومة. والدليل على ذلك قرار النقابات الإجماعي «الثماني الرئيسية والخمس الإضافية التي انضمت إليها مؤخراً» الدعوة إلى يوم من التظاهر والإضرابات الخميس القادم «16 فبراير (شباط) الجاري» أي قبل يوم واحد من انتهاء المناقشات في البرلمان. والأهم من ذلك أن الاتحادات العمالية تهدد بـ«شل الحركة الاقتصادية» في البلاد بدءاً من السابع من مارس (آذار) القادم وهي تريد الاستفادة من الأسابيع الثلاثة الفاصلة بين الموعدين «الأول والثاني» لمزيد من التعبئة ولإقناع المترددين بأن الخيار الوحيد المتاح أمام النقابات هو ليّ ذراع الحكومة لدفعها إلى التراجع عن مشروعها. وكان لافتاً أن أمين عام النقابة الإصلاحية المعتدلة لوران بيرجيه الذي يعد المحاور النقابي الطبيعي الأول للسلطة، يعتمد خطاباً بالغ التشدد، إذ أكد عقب مظاهرات (السبت) أن الغرض من دعوة السابع من مارس «إظهار قدرتنا على شل الاقتصاد إذا تبين لنا أن الحكومة لم تفهم أنه يتعين عليها التراجع». ومنذ اليوم، تحذر النقابات من «يوم أربعاء أسود» (7 مارس) ويمكن أن يتبعه «يوم خميس أسود» الذي يصادف «اليوم العالمي لحقوق المرأة». وتشكو النساء من أن المشروع الحكومي لا يفي المرأة حقها بل إنها المتضررة الأولى منه.
هل يعني ذلك كله أن الطريق الوحيدة المتاحة للحكومة هي التراجع؟
حقيقة الأمر أن الوضع ليس بهذه البساطة. ذلك أن الحكومة، رغم افتقارها للأكثرية المطلقة داخل البرلمان يمكنها أن تعوِّل على تصويت نواب حزب «الجمهوريون» اليميني المعتدل لصالح مشروع القانون أو على الأقل غالبية هؤلاء للوصول إلى الأكثرية المطلقة «289 نائباً». أما إذا تَبينت لها صعوبة هذا الهدف، فإنها قادرة على الربط بين التصويت لصالح مشروع القانون وبين التصويت على طرح الثقة بها، بمعنى أن الفشل في الحصول على الأكثرية سيعني بشكلٍ آليٍّ استقالة الحكومة. وليس سراً أن الأحزاب ليست راغبة اليوم في العودة إلى صناديق الاقتراع. ذلك أن الرئيس ماكرون هدد سلفاً بأن إسقاط الحكومة في البرلمان سيعني حكماً حل المجلس النيابي والتوجه إلى انتخابات تشريعية جديدة. وواضح أن حزب «الجمهوريون» الذي خسر عشرات النواب في انتخابات الربيع الماضي والذي تعتمله انقسامات داخلية، ليس مستعجلاً للمثول مجدداً أمام الناخبين. ثم إن برامجه الانتخابية الرئاسية المتلاحقة نصّت جميعها على رفع سن التقاعد، لا بل إن مرشحاً لرئاسيات العام 2017 اقترح سن 67 عاماً بدل 62 عاماً حالياً ولذا فإنه يشعر بالإحراج للتصويت ضد المشروع الحكومي.
هكذا تتبدى الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية التي تعيشها فرنسا في الوقت الحاضر والتي تتفاعل معها الأزمة المعيشية التي لها عنوانان رئيسيان متداخلان: الأول غلاء الأسعار خصوصاً المواد الغذائية الأساسية والخضار والفاكهة والمحروقات المختلفة، والآخر التضخم المستشري الذي لم تعرف فرنسا مثيلاً له منذ ثلاثين عاماً، وكلاهما يضرب القدرة الشرائية ومدخرات الطبقات الأكثر هشاشة. وفي المقابل، فإن الكثيرين يتساءلون عن الأسباب التي تمنع الحكومة من فرض ضرائب استثنائية إضافية على الشركات التي حققت أرباحاً قياسية في العام المنقضي والتي استفادت من ارتفاع أسعار الطاقة. وتعد شركة «توتال إنيرجيز» الأولى من بينها لأن أرباحها الصافية تصل إلى نحو عشرين مليار يورو، وهو رقم لم يسبق لها أن وصلت إليه سابقاً وليس ثمرة إدارة متميزة أو استثمارات استثنائية بل فقط لأن أسعار النفط ومشتقاته ارتفعت منذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا.
هكذا تواجه السلطات ضغوطات متداخلة. هي في جانب والشارع في جانب آخر. وبما أن العملية أشبه بـ«عض أصابع»، فليس المعروف اليوم مَن سيصرخ أولاً.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


روبيو: لن نسمح لإيران بالسيطرة على سوق الطاقة العالمية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
TT

روبيو: لن نسمح لإيران بالسيطرة على سوق الطاقة العالمية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)

دعا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، اليوم (السبت)، رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، لزيارة البيت الأبيض «في المستقبل القريب»، وفق ما أعلن سفير الولايات المتحدة في نيودلهي سيرجيو غور، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

وقال غور في منشور على منصة «إكس» بعدما التقى روبيو مع مودي في نيودلهي خلال زيارته الأولى للهند: «وجّه وزير الخارجية ماركو روبيو دعوة نيابةً عن الرئيس دونالد ترمب لرئيس الوزراء مودي لزيارة البيت الأبيض في المستقبل القريب!».

وفيما يتعلق بإيران، قال روبيو لرئيس الوزراء الهندي: «أميركا لن تسمح لإيران بالسيطرة على سوق الطاقة العالمية».

ووصل وزير الخارجية الأميركي إلى الهند، حيث سيسعى إلى تعزيز العلاقات مع هذا الشريك القديم للولايات المتحدة بعد أسبوع من زيارة الرئيس دونالد ترمب إلى الصين.

وبدأ روبيو، وهو كاثوليكي متدين، زيارته الأولى للهند التي تمتد أربعة أيام، في مدينة كلكتا (شرق)، حيث وضع إكليلاً من الزهور حول عنقه، إلى مقر جمعية «مرسلات المحبة» التابعة للأم تيريزا، وصلى عند قبر الراهبة.

وقبل مغادرته، الثلاثاء، سيشارك الوزير الأميركي في اجتماع لوزراء خارجية تحالف «كواد» الأمني الرباعي الذي يضم إلى الولايات المتحدة كلاً من الهند وأستراليا واليابان ويهدف من بين أمور أخرى إلى مواجهة النفوذ الصيني في المحيط الهندي.

وترى بكين أن هذه المجموعة تحاول تطويقها، وانتقدت في الماضي مشاركة الهند فيها.

لكنَّ ترمب غيّر النهج القائم، بعدما أشاد أخيراً بالحفاوة التي حظي بها خلال زيارته الرسمية للصين الأسبوع الماضي، فيما سبق أن فرض رسوماً جمركية عقابية على الهند.

ووصف روبيو الهند في بداية جولته التي شملت السويد حيث التقى نظراءه في حلف شمال الأطلسي، بأنها «حليف عظيم وشريك عظيم»، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ستسعى إلى إيجاد سبل لزيادة صادراتها النفطية إليها.

ويعتمد الاقتصاد الهندي على واردات الطاقة، وتأثر منذ أواخر فبراير (شباط) على غرار دول عديدة بالهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران التي ردّت بإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي عملياً، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط.

وتربط الهند علاقات تاريخية بإيران، لكنها تعمل أيضاً على تطوير علاقاتها مع إسرائيل التي زارها مودي قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب.


روبيو يحذر من أن أميركا ستواصل تقليص انتشارها في أوروبا

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين خلال مشاركته في اجتماع وزراء خارجية حلف «الناتو» (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين خلال مشاركته في اجتماع وزراء خارجية حلف «الناتو» (أ.ب)
TT

روبيو يحذر من أن أميركا ستواصل تقليص انتشارها في أوروبا

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين خلال مشاركته في اجتماع وزراء خارجية حلف «الناتو» (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين خلال مشاركته في اجتماع وزراء خارجية حلف «الناتو» (أ.ب)

دعا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الجمعة، حلفاء بلاده الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (ناتو) إلى التعامل مع خفض عديد القوات الأميركية في قارتهم، في حين يستعد الحلف لعقد قمة في أنقرة في يوليو (تموز) المقبل، بحضور الرئيس دونالد ترمب.

وقال روبيو للصحافيين، عقب اجتماع لوزراء خارجية دول حلف شمال الأطلسي في هلسينغبورغ، جنوب السويد، إنه سيكون هناك بالفعل «عدد أقل من القوات الأميركية في نهاية المطاف». وأضاف: «الأمر ليس مفاجئاً مع أنني أتفهم تماماً أنه قد يثير بعض القلق» لدى الحلفاء الأوروبيين.

كما أفاد أنه سيتم الإعلان «اليوم أو في الأيام المقبلة» عن تعديل يتعلق بما يسميه البعض في الحلف «قوات الاحتياط»، وهي مجموعة يمكن حشدها في غضون 180 يوماً عند الضرورة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفاجأ ترمب مرّة جديدة حلفاءه الأوروبيين بإعلانه، الخميس، أنه سيرسل 5000 جندي إضافي إلى بولندا، في تراجع واضح عن قرار واشنطن السابق بإلغاء عملية الانتشار المخطط لها.

وجاء تراجع ترمب بعدما أعلنت واشنطن في وقت سابق من هذا الشهر بشكل مفاجئ أنها ستسحب 5000 جندي من ألمانيا في خضم خلاف بين الرئيس الأميركي والمستشار فريدريش ميرتس.

وأكد روبيو أن قرارات بلاده بشأن انتشار قواتها «ليست عقابية»، بل تعود إلى حاجة واشنطن المستمرة إلى «إعادة النظر» في عمليات الانتشار لتلبية احتياجاتها العالمية.

وقال وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كان ماركو روبيو ودوداً وهادئاً جداً. أعتقد أن بعض الرسائل التي ينقلها تصدم الحلفاء الأوروبيين أحياناً، لكنّها موجّهة بالأحرى إلى سياسته الداخلية».

وضع «مُربك»

واعتبرت وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمر ستينرغارد التي استضافت بلادها الاجتماع الأول لـ«الناتو» منذ انضمامها إلى الحلف في عام 2024، أن الوضع الحالي «مربِك». وأضافت: «ليس من السهل دائماً التعامل معه».

وتدرك دول «الناتو» الأوروبية أن انسحاب الولايات المتحدة من أوروبا حتمي، إلا أنها تأمل أن يحدث من دون مفاجآت.

وكان ترمب هاجم أوروبا بسبب موقف دولها من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، لافتاً إلى أنه قد يفكر في الانسحاب من «الناتو».

وأعرب روبيو مجدداً عن «خيبة أمل» ترمب حيال حلفائه نتيجة موقفهم من الحرب الإيرانية، داعياً إلى «معالجة» هذا الأمر. وقال إن هذا الوضع «لن يُحلّ أو يُعالج اليوم».

«خطة بديلة»

وأشار روبيو إلى ضرورة وجود «خطة بديلة» في حال أصرّت إيران على رفضها فتح مضيق هرمز أو على فرض رسوم عبور على السفن.

وقال: «لا أعلم إن كانت ستكون بالضرورة مهمة يتولاها حلف الناتو، لكن يجب أن تساهم فيها دول من الحلف بالتأكيد».

وفي محاولة لتهدئة انتقادات ترمب، أرسل بعض الحلفاء الأوروبيين سفناً إلى المنطقة بهدف معلن، هو المساعدة في تأمين مضيق هرمز عند انتهاء الحرب.

وقال الأمين العام للحلف مارك روته: «سمع الأوروبيون الرسالة»، لكن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول قال إنه لا يتوقع أن يرسل «الناتو» مهمة خاصة إلى المنطقة.

ويريد ترمب أن يتحمّل الأوروبيون مسؤولية أمنهم بشكل متزايد.

وسعياً لطمأنة البيت الأبيض بشأن التزامها بتعزيز دفاعهم عن القارة، يستعد الأوروبيون للإعلان عن إبرام سلسلة عقود بهدف التسلح، عدد منها مع الولايات المتحدة، بحسب ما أفاد دبلوماسيون في بروكسل.

لكن لن يُكشف عن أي من هذه العقود قبل قمة «الناتو» التي ستعقد في أنقرة في يوليو (تموز). ويأمل الأوروبيون أن تُرضي هذه العقود ترمب.


ترمب يتعهد بإرسال 5 آلاف جندي إلى بولندا في خطوة تفاجئ الحلفاء

جنود بولنديون وجنود أميركيون في تدريب عسكري مشترك في نوفا ديبا... بولندا 8 أبريل 2022 (رويترز)
جنود بولنديون وجنود أميركيون في تدريب عسكري مشترك في نوفا ديبا... بولندا 8 أبريل 2022 (رويترز)
TT

ترمب يتعهد بإرسال 5 آلاف جندي إلى بولندا في خطوة تفاجئ الحلفاء

جنود بولنديون وجنود أميركيون في تدريب عسكري مشترك في نوفا ديبا... بولندا 8 أبريل 2022 (رويترز)
جنود بولنديون وجنود أميركيون في تدريب عسكري مشترك في نوفا ديبا... بولندا 8 أبريل 2022 (رويترز)

فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) عندما تعهد بإرسال خمسة آلاف جندي إضافي إلى بولندا، وذلك قبل ساعات فقط من اجتماع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع وزراء من دول الحلف في السويد، الجمعة، وسط انقسامات حادة بشأن الحرب على إيران.

وأرجع ترمب، في منشور على منصته «تروث سوشال»، هذا القرار إلى علاقته بالرئيس البولندي القومي المحافظ كارول نافروتسكي، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال ترمب في المنشور: «استناداً إلى نجاح انتخاب الرئيس البولندي الحالي، كارول نافروتسكي، الذي تشرفت بدعمه، وإلى علاقتنا به، يسعدني أن أعلن أن الولايات المتحدة سترسل خمسة آلاف جندي إضافي إلى بولندا».

من جهته، شكر وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إعلانه الجمعة إرسال خمسة آلاف جندي إلى بولندا.

وقال سيكورسكي للصحافيين قبل محادثات في السويد مع نظرائه في دول حلف الناتو: «أود أن أشكر الرئيس ترمب على إعلانه... الوجود الأميركي في بولندا سيبقى تقريباً في المستوى نفسه الذي كان عليه».

ويُعد هذا التطوّر تحولاً مفاجئاً بعدما ظل ترمب على مدى أسابيع ينتقد بشدة الدول الأعضاء في الحلف لعدم بذلها المزيد من الجهد لمساعدة الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية. وقال إنه يفكر في الانسحاب من الحلف، وتساءل عما إذا كانت واشنطن ملزمة بالوفاء بمعاهدة الدفاع المشترك. وقبل سفره للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية دول الحلف في بلدة هلسينغبورغ السويدية، قال روبيو إن ترمب «مستاء جداً» من الدول الأعضاء بالحلف التي لم تسمح للولايات المتحدة باستخدام قواعد على أراضيها من أجل الحرب، مشيراً إلى إسبانيا تحديداً.

وأضاف روبيو لصحافيين في ميامي: «هناك دول مثل إسبانيا ترفض السماح لنا باستخدام هذه القواعد - حسناً، لماذا أنتم في حلف الناتو إذن؟ هذا سؤال منطقي جداً».

وتابع: «للإنصاف، كانت دول أخرى في حلف الناتو متعاونة للغاية. لكننا بحاجة إلى مناقشة ذلك».

وشدد مسؤولو حلف الناتو على أن الولايات المتحدة لم تطلب من الحلف، الذي يضم 32 دولة، المشاركة في حرب إيران، لكن كثيراً من الدول الأعضاء أوفت بالتزاماتها بالسماح للقوات الأميركية باستخدام مجالها الجوي والقواعد على أراضيها.

وتفاقمت المخاوف الأوروبية أيضاً بشأن موقف ترمب تجاه حلف الناتو هذا العام بسبب سعي ترمب للاستحواذ على جزيرة غرينلاند، وهي إقليم تابع للدنمارك، الدولة العضو في الحلف.

الأوروبيون يبدون استعداداً للمساعدة بشأن «هرمز»

من المتوقع أن يسعى الوزراء الأوروبيون خلال اجتماع هلسينغبورغ إلى تهدئة الولايات المتحدة من خلال التأكيد على استعداد دولهم للمساعدة في ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز عندما تسمح الظروف بذلك، وتحمل المزيد من المسؤولية عن الأمن الأوروبي.

وظل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره خمس شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال قبل الحرب، في حكم المغلق تقريباً منذ اندلاع الحرب، مما تسبب في أكبر تعطل على الإطلاق لإمدادات الطاقة العالمية. وتزايدت مخاوف الأوروبيين بشأن التزام الرئيس الأميركي تجاه الحلف بسبب قرار سحب خمسة آلاف جندي من أوروبا، والذي أصدره قبل تعهده أمس الخميس بإرسال قوات إضافية إلى بولندا.

ولم يتضح بعد من أين ستأتي القوات الإضافية لبولندا. وشعر حلفاء واشنطن أيضاً بالارتباك والقلق إزاء الطريقة التي جرى بها الإعلان عن قرار سحب خمسة آلاف جندي من أوروبا. فقد قال مسؤولون أميركيون في البداية إن القوات ستسحب من ألمانيا، لكنهم ذكروا لاحقاً أنهم سيؤجلون نشر لواء عسكري في بولندا. وأعلنت الولايات المتحدة أن عملية النشر المزمعة لصواريخ «توماهوك» بعيدة المدى في ألمانيا لن تحدث. وقالت ثلاثة مصادر مطلعة لوكالة «رويترز» إن واشنطن تعتزم، بالإضافة إلى ذلك، إبلاغ دول حلف شمال الأطلسي بأنها ستقلص القدرات العسكرية التي تتيحها الولايات المتحدة للحلف في أوقات الأزمات.

وسعى القائد الأعلى لحلف شمال الأطلسي، الجنرال أليكسوس غرينكويتش من سلاح الجو الأميركي، هذا الأسبوع إلى طمأنة الحلفاء الأوروبيين بشأن أحدث القرارات، قائلاً إن عمليات السحب ستستمر على مدى سنوات لإعطاء دول الحلف الوقت لتطوير قدرات لتعويضها.